|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عبد الله بن علي الخليلي وتجربة الشعر المرسل ـــ د.أحمد علي محمد 1 ـ موجات التحديث الشكلي في الشعر: لم تكن الحداثة التي تجلّت في أوضح صورها الشعرية عند محمد الماغوط وأدونيس وغيرهما إلا نتيجة محاولات كثيرة تمردت منذ بدء القرن العشرين على الشكل الشعري التقليدي الذي استطاع أن يكتنف الشاعرية العربية طيلة أربعة عشر قرناً على الأقل، وقد كانت أولى المحاولات التي أحدثت تصدعات بالغة في البنية الشعرية الموروثة تلك التي قام بها الرومانسيون العرب أمثال خليل مطران وجبران خليل جبران وأبو ماضي والشابي وغيرهم ممن جعل المقطع الشعري وحدة بنائية صغرى تمهيداً لتحقيق مبدأ الوحدة العضوية في القصيدة على نحوٍ لم يكن مألوفاً من قبلُ، إذ كان البيت الشعري المستقل بلفظه ومعناه يمثل البنية الصغرى في القصيدة التقليدية منذ عهد المهلهل بن ربيعة وهو من أقدم الشعراء الجاهليين. إنّ مسوغات التوجه الرومنسي من حيث الشكل كانت متصلة في الأصل بدعوة النقاد إلى تمثل الوحدة العضوية التي برزت في الوعي النقدي الجديد عند العقاد وأضرابه، وكأنها ضرورة عصرية لا يجد عنها الشاعر الذي يريد أن ينتمي إلى عصره محيصاً. ومن المعلوم أنّ النقاد منذ القرن الثالث الهجري عرفوا الوحدة العضوية عندما نُقل كتاب "فن الشعر" لأرسطو إلى اللغة العربية، غير أنهم لفرط إعجابهم بطريقة العرب لم يلتفتوا إلى ما جاء به من أفكار متصلة بالوحدة، وظل مطلبهم من الشعر لا يتجاوز مراعاة أحوال السامع، والخروج به من باب في الكلام إلى باب؛ لدفع الملل والسأم عنه، والحفاظ على مبدأ التنوع الذي يتيح للشاعر أن ينقل قطعة كاملة من الحياة مثل أن يذكر الطلل ويصف الرحلة: رحلة الصيد أو رحلة الظعن ويتغزل ثم يمدح في قصيدة واحدة، وهو في صنيعه هذا يستولي على قلوب مستمعيه فيملأ الدنيا بكلامه على موضوعات لا تنحصر جمالاً ومتعة. ومن بدائع أبي عثمان الجاحظ أنه ركب أسلوب التنوع هذا في النثر في كتابه "الحيوان" وهو ما يسميه المحدثون من الدارسين بأسلوب الاستطراد، والواقع أنه أسلوب التنوع المعروف في الشعر، وقد استخدمه الجاحظ في تآليفه المطولة ليجذب إليه القراء مما يمكنهم من متابعة مواده دون ملل، بعد أن لمس ميل الذوق العام في زمانه إلى هذا الأسلوب. وفي ضوء التحولات الفكرية والفنية في العصر الحديث، خصوصاً التحول من الكلاسيكية إلى الرومنسية برزت الحاجة إلى تجديد الأشكال الشعرية بجانب التجديد المضموني الذي تهيأ للشعر حين تمثل أعلامه أفكار جان جاك روسو وغيره ممن أثر بصورة مباشرة في تحول الفن عامة من الكلاسيكية إلى الرومنسية. ولم يقف الأمر عند تعديل البنية الشكلية للقصيدة المتمثلة كما أشرنا آنفاً بالتحول إلى البناء المقطعي، وإنما عمد الرومنسيون من الشعراء العرب إلى خلخلة النظام الموسيقي المقطعي للقصيدة وذلك بإدخال تنويعات على القافية، بحيث استقل كلّ مقطع في القصيدة بقافيته، وهذا الصنيع فيه خروج على الذوق القديم الذي كان يدع القصيدة تجري من أولها إلى آخرها على قافية واحدة. غير أنّ مسوغات العبث بالقافية الذي يطوله تجديد الرومنسيين ليس غايته في الواقع التخلص من الرتابة التي تشي به وحدة القافية؛ لأنّ الوزن عند الرومنسيين كان لا يزال محافظاً على وحدته، وليست هنالك رتابة كرتابة البحر العروضي الذي يجعل القصيدة كلها في إطار واحد لا تخرج عنه إلا فيما تجيزه الضرورات، وإنما كان الباعث على ذلك التميز وحب التغيير، أو بمعنى آخر إنّ دعاة القصيدة الرومنسية أرادوا أن يكون لها سمة تفرقها عن الكلاسيكية التي تلتزم التزاماً صارماً بالوزن والقافية وتحافظ على اللغة الصارمة والأسلوب القوي، وقد وجدوا أنَّ أظهر تلك السمات يمكن أن تتجلى بالتحليل من سطوة القافية، فكان هنالك مجال لتنويعها في ضوء التشكيل المقطعي الجديد الذي لبسته القصيدة الرومنسية، وفي الوقت ذاته أسهم التجاوز على صعيد القافية في إشباع نزوع الرومنسيين إلى الحرية. وتأتي الموجة الثانية من موجات التحديث التي اجتاحت شكل الشعر العربي مع أصحاب دعوة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة أمثال أبي شادي وباكثير في مصر والسياب ونازك الملائكة والبياتي في العراق وخليل حاوي ونزار قباني في الشام، فهؤلاء استطاعوا تعديل البنية الوزنية للقصيدة العربية في الزمن الحديث على أساس التخلص من رتابة التوزيع الموسيقي الموروث، وقد لقي صنيعهم هذا استحساناً، ومن أجل ذلك شاع شعرهم، واستطاعوا أن يؤسسوا جمهوراً عريضاً من المستمعين ولعل نزار قباني في غزلياته وشعره السياسي من أهم الشعراء المعاصرين الذين نجحوا، على نحو منقطع النظير، في تأسيس قاعدة جماهيرية للشعر الحديث تذكّر بحال الشعر في عهوده الذهبية المنصرمة. إنّ أصحاب قصيدة التفعيلة الذين ذكروا آنفاً في غالبيتهم من أصحاب القصيدة العمودية، إذ بدأ كل واحد منهم عمودياً في نظمه ثم تحول بعدئذٍ إلى قصيدة التفعيلة. ولهذا كان عملهم التحديثي ينضوي تحت إطار التطور المتزن الذي يرعى الأصالة أو الخبرات الثقافية التي حصلها الذوق الفني عبر مراحل تاريخية مختلفة، والجديد الذي تفرزه حركة الحياة المعاصرة، وهذا ما نقصده بالتحديث المتزن والذي تجلت أبرز ظواهره في قصيدة التفعيلة حين تمسكت بالأوزان الخليلية المعروفة التي بني على أساسها الشعر العربي أقدم نماذجه، وفي الوقت ذاته أعطت الشاعر قدراً من الحرية في إعادة توزيع التفعيلات على الوجه الذي يناسب التجربة الشعرية ويبرز خصوصيتها، وفي حالات يتاح للشاعر أن يزاوج بين تفعيلات من بحرين متقاربين، وهذا لم يكن متاحاً للشاعر من قبل، وقد سمح هذا التصرف للشاعر أن يمتد بالصورة إلى مالا نهاية، على اعتبار أنّ البيت الشعري لم يعد محدداً بعدد ثابت من التفعيلات، وإنما بات يطول ويقصر بحسب الحالة الشعورية والفكرية للشاعر، دون مراعاة لقيد الوزن بحسب توزيع تفعيلاته السابقة، وهكذا بدت جهود أصحاب شعر التفعيلة مركزة بصورة واضحة على الصورة الفنية باعتبارها محوراً أساسياً في القصيدة الجديدة. وهنا تحسن الإشارة إلى أن السياب كان من البارعين في جعل الصورة الفنية أداة لتجسيد الرؤية داخل التجربة الشعرية، وفي الوقت ذاته تشي بمسافة قطعها في تأمله الكون. إن الصورة بتعبير آخر شملت في أشعار السياب بعداً رمزياً يمثل التجربة الشعرية التي تتمخض عن حال تأمله الكون في علاقاته المتوافقة والمتضادة مما يجعلها ذات طابع جدلي يزيد من رصيدها الفكري والجمالي، فلو تأملت قوله في "أنشودة المطر": عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر(1) تجد أنّ الصورة التي أشارت إلى جمال العنينين يندغم فيها لونان: الاخضرار والسواد، والعينان كما يريد أن يقول جمالهما في سوادهما، لذلك شبههما بغابتي نخيل خضراوان، ولكن في ساعة السحر، أي في الوقت الذي يظهر فيه اللون الأخضر أسودَ لا بل شديد السواد، وهذا بعدٌ قائم على التأمل، والأمر الآخر هو أن الصورة يتنازعها شيئان المرأة والوطن، وهذا بحسب طبيعة الصورة المحدثة يندغمان في شيء واحد حيث لا يحسن الفصل بينهما حتى لكأن المرأة والوطن في الشعر الحديث إقليم واحد لا يتجزأ. وأما أشد موجات التحديث الشكلي التي عصفت بالشعر الحديث، فكانت متمثلة بالنقلة الواسعة التي قطعها الوعي الشعري باتجاه الحداثة، وذلك بالتعبير عن اللحمة بين ما هو شعري وما هو نثري في شكل تعبيري أطلق على نفسه تسمية "قصيدة النثر". وهو تحول ذو شأن على صعيد الفن الشعري الحديث إذ تخطى دعاته التقييدات على صعيد الوزن والقافية والتركيب الشعري القائم على حدّ سواء. لقد غدت القصيدة بموجب هذا التحول ركاماً لفظياً أشبه بالطلاسم التي ليس بوسع أي قارئ أن يحللها أو حتى يفهم الحد الأدنى من دلالاتها، إضافة لجهله المنطق الذي تقوم عليه والأسلوب الذي تقدم نفسها فيه. وعليه فإن مشكلة قصيدة النثر لا تكمن في تخطيها عنصري الوزن والقافية فحسب، فقد يكون ذلك أهون الشرور التي تمخضت عنها، وإنما المشكلة الحقيقية في صياغتها لغة جديدة تطابق ما ترمي إليه من طموحات في التغيير والتميز والريادة والاكتشاف والتقدم والتحرر من كل العوالق التي تحول بينها وبين كل ما يطرحها بعيداً عن الإسهام في حال التقدم التي تقف الحياة المعاصرة شاهدة عليها، ومن المفارقات أن يقف شاعر كالبياتي ليجمل كل ما تسعى الحداثة إليه على صعيد تجديد اللغة في قولةٍ واحدة، أو في جرعة غير موفقة حيث حوّل اللغة في بعض شعره رموزاً أو معادلات رياضية تفتقر إلى الحد الأدنى من الشعرية كما في قوله: ولادة الإبداع هو الحب الحب هو الموت الإبداع الحب الموت ولادة فلماذا مات إذن نيرودا/ حكمت ولماذا آخر وردة في شرفة بيتي احترقت ولماذا وردة حبي أفلت(2) إن المتأمل هذا الشاهد يجد أن المشكلة ليست في الوزن، ولا في القافية، لأنه قد يلتقط إيقاعاً ناجماً عن هذين العنصرين فيه وإنما المشكلة في التركيب، أي في اللغة على وجه الخصوص. أنظر إلى القصيدة وقد تحولت بالفعل إلى ما يشبه المعادلات الرياضية، فلو أنك أبدلت كلمة (الإبداع) بالرمز (أ) وكلمة (الحب) بالرمز (ب) وأبدلت الضمير (هو) برمز (=) لكانت لديك المعادلة الرياضية الآتية: أ = ب ولو رمزت لكلمة (الموت) بـ(ج) لكانت لديك علاقة أخرى وهي: ب = ج وتستطيع تحويل السطر الثالث إلى معادلة أيضاً بإبدال كلمة (ولادة) بالرمز (د) فيصبح لديك ما يأتي: أ + ب + ج = د وهي تعادل التعبير الذي جاء به البياتي: الإبداع + الحب + الموت = ولادة ويضاف إلى ذلك أنه أسقط بعض أدوات الربط أو الضمائر من عباراته بصورة متعمدة مثل إسقاطه الضمير (هو) في قوله: "الإبداع الحب الموت ولادة"، ويريد كما قال أولاً: الإبداع هو الحب... وكذلك أسقط حرف العطف في قوله: "نيرودا/ حكمت" مستعيضاً عنه بالخط المائل (/) ليصنع تركيباً جديداً لا نظير له عند السابقين من الشعراء، غير أن صنيعه هنا ليس محموداً لما يحدثه من ليس يتأتى من جراء التركيب الذي لا تجيزه اللغة، والأصل أن يظهر حرف العطف في حيزه الحقيقي عندئذ يستقيم التركيب ليغدو (نيرودا وحكمت) يعني بابلو نيرودا الشاعر التشيلي وناظم حكمت الأديب التركي وهما معروفان. والأمر الآخر الذي ضاعف من جفوة العبارة في هذا الشاهد التقديم بغير مسوغ منطقي مما يشي أنه مجرد رغبة لتقليد أسلوب اللغات الغربية في التعبير كما في قوله: "ولماذا آخر وردة في شرفة بيتي احترقت". فيُلاحظ أن إقصاء الفعل بغير موجب بلاغي إلى آخر العبارة ليس من أساليب العربية، وهذا بالطبع يزيد من غربة القصيدة الحداثية ويوسع الهوة بينهما وبين الجمهور، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تخطي الوزن والقافية في قصيدة النثر لم يكن سوى إجراء شكلي مهد لتجاوزات جوهرية أخرى على الصعيد اللغوي، فالبياتي وهو من أسهم على نحو فاعل في إثراء قصيدة التفعيلة، قد قدم نماذج منها مراعياً قضايا الإيقاع، تنتمي إلى قصيدة النثر القائمة على التصرف الواسع في الاستخدام اللغوي، تكاد تكون أشد وأدهى من نماذج كثيرة قدمها الحداثيون لما تجاوزوا البنية الوزنية في القصيدة، ومن العجيب أن يغفل بعض منظري قصيدة النثر أمثال أنسي الحاج في مقدمة ديوانه (لن) عن مسألة التصرف اللغوي تلك، في حين انصب جهده على اقتباس مصطلحات النقاد الفرنسيين في هذا الباب. على أن نماذج الحداثة لم تكن بهذا العنت، فهناك نماذج جيدة منها كثيرة عند الماغوط وأدونيس وغيرهما. 2 ـ نقد الخليلي مقولة الحداثة الشعرية: كان الخليلي في ديوانه (وحي العبقرية) متمسكاً بأصول الفن الشعري، مخلصاً فيه للشكل العمودي، راعياً كامل رسومه الفنية، بيد أنه في ديوانه الآخر (في ركاب الجمهور) نزع إلى تجديد الشكل فآثر النظم على طريقة الشعر الحر، أو كما سماه الشعر المطلق أو المرسل، وليس ذلك فحسب، وإنما وضع بين يدي ديوانه الآنف مقدمة نقدية تفرّع فيها كلامه على قضية الحداثة فرعين: الأول يقف فيه بجانب أصحاب الشعر الحر، وانسجاماً مع هذا الموقف جعل شعره في هذا الديوان يجري وفق هذا الإطار، والآخر هاجم فيه أصحاب القصيدة النثرية، وقد أثار جملة من الأسباب لتسويغ موقفه هذا، ولسوف نعرضها فيما يلي بشيء من التفصيل. بدا الشيخ الخليلي في مقدمة ديوانه (في ركاب الجمهور) قلقاً إزاء ما يخالط الأفهام من مغالطات إزاء قضية الشعر في العصر الحديث، ولم يكن دفاعه عن الشعر يصدر في حال من الأحوال عن قاعدة متصلبة، أو رأي متحجر لا يجيز التغيير والتجديد والحداثة، بل على العكس تماماً فقد كان من دعاة التجديد الذي يتناسب ومنطق الشعر، ويوافق طبيعته الخاصة، من أجل ذلك نجده في بدء مقدمته المشار إليها آنفاً يتساءل عما هو جوهري في الشعر وما هو متغير، يقول: "هل الشعر هو فقط شعر صحيح إن كان عمودياً مقفى صحيح الوزن معتدل التفعيلة يسحب ذيله بقافية مزوقة كأذيال خمار العروس، ولو لم يكن به ملمس الشعور المرهف، والإحساس الشاعري، ورقائق الغزل، ومطارف الوصف، واتزان الحماس (الحماسة)؟ أم أن الشعر في حقيقته فياض عذب نمير يتحدر من نبع (ينبوع) الشعور والأحاسيس فتجد القلوب المتفتحة والعقول الواعية تتناوله بلهفة قبل أن تنفتح عنه أكمامه لتلم به روح الحياة الناعمة فيأخذ بمجامعها وينفذ إلى أعماقها"(3). إن مؤدى التساؤل الذي أطلقه الخليلي يجعل من القضايا المضمونية، عناصر داخلة في المفهوم الذي صيغ للتعبير عن جوهر الشعر، إذ الفكر النقدي أهملها واقتصر على القضايا الشكلية التي شملتها تعريفات النقاد القدامى وعلى رأسهم قدامة بن جعفر في مقولته: "إنه قول موزون مقفى يدل على معنى"(4). من أجل ذلك كان استيفاء النظر إلى مفهوم الشعر ببعديه المضموني والشكلي هاجساً لدى كثير من نقاد الشعر، وقد تكون الرؤية العصرية التي صاغها أحمد الشايب في محاولته إيجاد تعريف شامل للشعر من أظهر المحاولات التي رمت إلى استدراك ما تجاوزته تعريفات القدماء، يقول: "الشعر فن جميل، يعد أخاً للنثر الأدبي لاشتراكهما معاً في الخاصة الأدبية، وهي التعبير عما في النفس من فكر وشعور.."(5) إذ وجد تعريف الشعر عند المتقدمين يقتصر على الجانب الشكلي كما هو الشأن في تعريف قدامة بن جعفر الآنف. وواضح أن تركيز قدامة على العناصر الشكلية للشعر مؤاده تبيان حدّ منطقي للشعر قابل للقياس، بمعنى أن الشعر مهما تباين واختلف فإن تلك العناصر الأساسية: اللفظ والمعنى والوزن والقافية تبقى مشتركة وثابتة في آن، وهي كما كان يظن لا يطولها التغيير. وأما إهماله القضايا المضمونية فصادر عن كونها غير قابلة للمقايسة وهي مترجحة لا تتصل بمبدأ الثبات. ومما يؤخذ على تعريف قدامة أنه محا الفوارق بين الشعر والنظم، من أجل ذلك كثرت المحاولات الداعية إلى تجاوزه على اعتباره لا يصور جوهر الشعر، ومن هنا وجد الشيخ الخليلي مناسبة ليعبر عن موقفه من النظم، بعد أن أوشك الشعر العماني في باب واسع منه أن ينصهر في بوتقته(6)، وهذا الوعي العصري بوظيفة الشعر جعله يحدد الفوارق بين الشعر الحق والنظم، يقول: "إن الكلام ولو كان مقفى موزوناً لا يسمى شعراً ولا يمكن أن نطلق على صاحبه أنه شاعر، فأصحاب المنظومات العلمية والفقهية لا يدخلون في جماعة الشعراء مع وجود الوزن والقافية في منظوماتهم"(7). وكذلك يرى فارقاً آخر بين النظم والشعر ينحصر في كون النظم من الأساليب التي تسعف المتعلمين على حفظ المعارف، وأما الشعر الحق عنده "فهو ما دل على تجربة قوية ناضجة يستطيع القارئ من خلالها أن يدرك نمو التجربة وتسلسل الفكرة مع الالتزام بالوزن والقافية أو ما يعبر عنه بالموسيقى الخارجية"(8). وهنا يضيف الخليلي إلى مفهوم الشعر التجربة الشعرية وما تنطوي عليه من رؤى وأفكار تغني تخيلات القارئ وتثري تطلعاته إلى الجمال، ثم يضم كلامه على مفهوم الشعر إلى كلام معاصريه على الوحدة العضوية وهو ما عبر عنه بقوله (نمو التجربة وتسلسل الفكرة..). صحيح أنّ الوحدة العضوية لم تكن مصطلحاً نقدياً عصرياً؛ على اعتبار أن تأسيس هذا المصطلح يرجع إلى أرسطو، وقد عرفه العرب منذ القرن الثالث على الأرجح في أثناء ترجمتهم كتاب "فن الشعر" لأرسطو، ولكن ذلك المصطلح لم يلبِ حاجة لديهم إذ ذاك، فبقي الشعر العربي يقدم نفسه وفق مبدأ التنوع الذي يتيح للشاعر أن يقدم موضوعات مختلفة في قصيدة واحدة، كأن يتغزل ثم يمدح أو يهجو أو يفاخر، غير أن مفهوم الوحدة العضوية أمسى يناسب الذوق الفني في العصر الحديث الذي بات يزهد بالتنوع، ويسأم من التعدد، ويميل إلى الكلام الواحد المترابط. ثم يمضي الخليلي محاولاً تعليل خروج الشعراء المحدثين على الشكل الشعري العمودي الموروث، يقول: "ولما كان التزام الشاعر بعمود الشعر الذي أقره الأدباء منذ عهد أبي تمام حتى أنكروا عليه الخروج عن عمود الشعر كما أوضح الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري أمراً ذا بال ويحتاج إلى صقل التجارب الشعرية وتطويعها الموسيقى الوزن والقافية"(9). وهنا لاحظ نفر من الدارسين أنه لا صلة بين عمود الشعر ومسألة الخروج على الأوزان والقوافي كما ذكر الخليلي أعلاه، وظن أن مسألة عمود الشعر متصلة بالموضوعات القديمة كالوقوف على الطلل والرحلة وما شابه ذلك يقول: "فهناك محاولات عامة أخرى مثل قضية "عمود الشعر" لا تتصل على الإطلاق بقضية الوزن، وإن كان اللبس يتسرب إلى هذه القضية غالباً فيجري الحديث عن الشعر العمودي باعتباره الشعر الملتزم بعروض الخليل، والشعر غير العمودي باعتباره الخارج عن هذه الأوزان، والواقع أن قضية عمود الشعر كانت متصلة بالالتزام أو عدم الالتزام بالموضوعات القديمة في القصيدة مثل الوقوف على الأطلال وبكاء الديار والارتحال إلى الممدوح..."(10). ويدحض عبد اللطيف عبد الحليم هذا الكلام مشيراً إلى أن فكرة عمود الشعر هي التي صاغها المرزوقي بصورة وافية في مقدمة شرحه ديوان الحماسة لأبي تمام، فذكر: "إن الشعر العمودي شيء، وعمود الشعر شيء آخر تماماً، إذ يتمثل عمود الشعر كما ذكر المرزوقي بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه...(11). وهذا صحيح، وأما الموضوعات القديمة المتمثلة بالوقوف على الطلل والبكاء على الدمن والرحلة في الصحراء والتخلص بعد ذلك إلى المدح أو التفاخر أو الهجاء فهذا داخل في منهج القصيدة العربية الذي ذكره ابن قتيبة الدينوري في فاتحة كتابه "الشعر والشعراء" لما قال: "سمعت بعض أهل العلم يقول إن مقصد القصيد إنما ابتدأ بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا وخاطب الربع، واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين، إذ كان العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المَدر لانتقالهم عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق، ليميلَ نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجود، ويستدعي إصغاء الأسماع؛ لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسبب وضارباً فيه بسهم حلال أو حرام، فإذا علم أنه استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسُرى الليل وحرّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير بدأ بالمديح فبعثه على المكافأة وهزّه للسماح وفضله على الأشباه وصغر في قدره الجزيل"(12). ويقف الخليلي موقف المدافع عن التجارب الشعرية الجديدة المتمثلة بالشعر الحر، والتي وجد النقاد فيها خروجاً سافراً على عمود الشعر العربي وأوزان الخليل على حد سواء، وهنا نجده ينحاز إلى التجديد مستشهداً بتجربة أبي تمام التحديثية في قوله: "وفي الحقيقة فإن عمود الشعر بما يلزم من بحر معين وقافية معينة كان مثار جدل حتى إن أبا تمام نفسه اعتبر من الخارجين على عمود الشعر، ولم يفسد شعره ولم تقّل منزلته"(13). وكذلك اعتمد في دفاعه عن شعر التفعيلة على الاستئناس بما آلت إليه الموشحات الأندلسية من تطور أثرى المخزون الشعري العربي، يقول: "وعلى ابتداء تاريخ الحركة الأدبية نجد أن فن الموشحات الأندلسية كان ثورة على عمود الشعر، ولكنها لم تكن فوضى القرن العشرين، إنما كانت ثورة منظمة استحدثت منها الموشحات الأندلسية التي وجدت الأذن العربية فيها خصائص الذوق الرفيع موسيقى ولحناً وإيقاعاً"(14). وما يعنيه بفوضى القرن العشرين هنا يخص قصيدة النثر، التي رفضها جملة وتفصيلاً في قوله: "أما ثورة الأدباء المحدثين على عمود الشعر فقد تمخض عنها أمران: أحدهما مرفوض كل الرفض؛ لأنه لم يجد أذناً تنسجم معه، ولا يحمل معنى ذا أثر واضح في النفس، وأعني به الشعر المنثور أو الشعر الحر، وهو ذلك النوع الذي لا يلزم بوزن اصطلاحي ولا قافية، فضلاً عن أنه لا يحمل تجربة ذات قيمة مؤثرة، أما النوع الثاني وهو ما بعير عنه بالشعر المطلق أو المرسل، وهو ذلك النوع الذي يحتفظ بالإيقاع دون الوزن، وهو ما يمكن أن نسميه الشعر الموزون المتعدد القافية، فهذا ما أعنيه بالكلام"(15). إن
الشيخ الخليلي ينتصر للشعر المرسل، وقد ذكر ذلك صراحة في قوله: (الشعر المطلق أو
المرسل)، ومن المعروف أن الشعر المرسل مثل في النصف الأول من القرن العشرين مدرسة
شعرية مهمة، كان قد رفع لواءها طائفة من الشعراء أبرزهم جميل صدقي الزهاوي ويضع الباحثون بجانب الزهاوي شاعرين آخرين كانا من دعاة الشعر المرسل هما توفيق البكري وعبد الرحمن شكري ليقف هؤلاء الثلاثة وراء هذا التيار الشعري مدافعين عنه بضراوة في مقالاتهم وفي مقدمات دواوينهم، وقد سوغ الزهاوي خاصة ميله إلى إرسال الشعر من قافيته، وهو المبدأ الذي قام عليه هذا الاتجاه الشعري، بقولـه: إن القافية في الشعر العربي تشكل عبئاً ثقيلاَ على الشاعر؛ لأنها تفترض الالتزام بحركة الحرف السابق لحروف الروي، كما أن المجرى، وهو الحركة الإعرابية للقافية، جزء منها، مما يجعل القافية تتحكم بالبناء النحوي للأبيات عموماً؛ ولهذا يبذل الشاعر طاقات إضافية لإقامة القافية، وهذا عنده لا يكون إلا على حساب المعاني. إن الشكل الجديد للشعر الذي دعا إليه الزهاوي وأضرابه لم يجز الوزن على أية حال، وإنما قام على تخطي وحدة القافية، وقدم الزهاوي نماذج منه مثل قوله:
وقد لاحظ بعض الدارسين أن الزهاوي في هذا الشعر لم يبتدع أسلوباً جديداً في الشكل والموسيقى والمجاز يلفت نظر القارئ إلى قيمة لم تكن قد انطوى عليها الأدب القديم(17). لهذا نجد أن جهود أحمد زكي أبي شادي، وهو من أشد المدافعين عن الشعر المرسل، تركزت فيما بعد على تخليص البيت الشعري من التناظر بين شطريه في ديوانه "الشفق الباكي"، في محاولة للتصرف في بنية الشعر على نحو لم يكن معروفاً عند الرواد، وكان دافعه إلى ذلك إتاحة المجال أمام الشاعر ليختار الشكل الملائم للتجربة، بغض النظر ما إذا كان الإيقاع الناجم عن ذلك التصرف يدخل تحت إطار ما هو موزون أو غير موزون، وبذلك أسس رسماً بنائياً مختلفاً اتخذ لنفسه تسمية جديدة بعد ذلك عرفت بالشعر الحر أو قصيدة التفعيلة ظلت تفرق نفسها عن تجارب الشعر الحر في العراق ولا سيما عند الملائكة والسياب من جهة الخلط بين الأوزان، إضافة إلى التحلل من القافية بصورة سافرة. ونحا أحمد علي باكثير بالشعر الحر نحواً آخر، بدا ذلك في تكنيك جديد يقوم على اعتبار الجملة وحدة أساسية للنظم، بدلاً من الوحدة البنائية الصغرى المتمثلة في الشعر التقليدي بالبيت(18). 3 ـ الخليلي في شعره المرسل: كان من أهم الأهداف التي سعى إليها أعلام الشعر المرسل في الزمن الحديث، في محاولتهم إطلاق الشعر من قافيته، التحول من الغنائية إلى الدرامية، غير أنهم لم يصادفوا نجاحاً يذكر في هذا المجال، ولم يتمكنوا من الوصول إلى ذاكرة القارئ العربي ليجسدوا تلك المحاولات في اقتراح شعري يلبي حاجة جمالية لديه، لهذا كانت أبرز إنجازاتهم في هذا الباب لا تعدو حال النقل والترجمة أو نظم الأحداث التاريخية، وقد تمثل ذلك بما ترجمه على باكثير من مسرحيات شكسبير بصور شعرية طليقة من القافية. لقد مضى الشيخ الخليلي في ديوانه "على ركاب الجمهور" على سنن أعلام الشعر المرسل، ويمكن تبيان مواطن احتذائه على تلك التجارب بالنظر إلى النقاط الآتية: 1. لقد وضع الخليلي بين يدي ديوانه المذكور آنفاً مقدمة نقدية بيّن فيها موقفه من موجات التجديد التي عصفت بالشعر في هذا العصر، وقد آثر الشعر المرسل وفق صورته الحرة التي كانت راسخة عند كل من أحمد زكي أبي شادي وأحمد علي باكثير على وجه الخصوص، وكان هذان الشاعران قد مهدا لأشعارهما بمقدمات نقدية مثلت الإطار النظري لشعرهما على اعتبار أن الشعر المرسل لم يكن شائعاً، وربما كان مستنكراً في وقتهما، لهذا كانا يدافعان عنه ليس في مقدمات دواوينهما فحسب، بل في مقالات وبحوث ومحاضرات عديدة لهما عن هذا الموضوع. 2. لقد تحلل الخليلي من القافية في ديوانه المذكور كما صنع أبو شادي، ثم تخلص من التناظر الذي يجعل البيت الشعري متضمناً عدداً ثابتاً من التفعيلات، واعتباره الجملة وحدة بنائية صغرى في القصيدة بدلاً من وحدة البيت في القصيدة التقليدية، على الصورة التي جرت عليها معظم أشعار باكثير. 3. لقد كان دافع الخليلي إلى إيثار الشكل المرسل ميله إلى الجانب الدرامي، فقصائده الأربع التي انطوى عليها ديوانه "في ركاب الجمهور" وهي: (كيف أعمل) وقد ذكر أنها قصة شعرية تدور حول الخليفة الأموي الوليد بن يزيد، موزعة على أحد عشر مقطعاً، و(صرامة الفاروق) وفيها اثنان وعشرون مقطعاً، (ولا تحتكمي) وقد تألفت من ثلاثة عشر مقطعاً، و(لقيط والخيلاء) جاءت قطعة واحدة، وليست بذات طول كما هو الشأن في القصائد السالفة، لا تعدو كونها من حيث المادة مقبوسات تاريخية، نظمت فيها الأحداث لغرض وعظي أخلاقي. ومعلوم أن الجانب الدرامي كان وراء انصراف كل من الزهاوي وأبي شادي وباكثير إلى النظم وفق إطار الشعر المرسل، ذلك لأن القافية كما زعموا كانت تحول دون التعبير عن الجانب القصصي في الشعر. وخلاصة القول: لقد دأب الشعراء المحدثون على تطوير الشكل الشعري، ولم تكن الإسهامات في هذا الباب مقصورة على قطر من أقطار العرب دون قطر آخر، وإذا كان الزهاوي وعبد الرحمن شكري من الرواد في هذا المجال، ثم جاء أبو شادي وباكثير ليتابعا ذلك الجهد، فإن صنيع الشيخ الخليلي يعد صورة من صور التواصل الأدبي على نطاق الظواهر الفنية، تصب في آخر الأمر فيما نجم عن الذهبية الشعرية المعاصرة من تحولات تطول تجديد الشكل الشعري. الحواشي: 1 ـ السياب (ديوانه) ط، دار العودة بيروت 2000، مجلد: 1، ص:132. 2 ـ البياتي (الأعمال الكاملة) ص:423. 3 ـ الخليلي (في ركاب الجمهور) ط 1988، ص17. 4 ـ ابن جعفر (نقد الشعر) تحقيق كمال مصطفى، ط2، القاهرة 1963، ص:3. 5 ـ الشايب (أصول النقد الأدبي) ص:295. 6 ـ أشار نفر من الدارسين إلى صلة الشعر العماني الحديث بالنظم أنظر على سبيل المثال (تطور الأدب في عمان) د. أحمد درويش، ص211. 7 ـ الخليلي (في ركاب الجمهور) ص:18. 8 ـ المصدر نفسه. 9 ـ المصدر نفسه. 10 ـ درويش، أحمد (تطور الأدب العماني) ص:296. 11 ـ عبد الحليم، عبد اللطيف (في الشعر العماني المعاصر) ص:47. 12 ـ ابن قتيبة (الشعر والشعراء) ص: 1/32. 13 ـ الخليلي (في ركاب الجمهور) ص:19. 14 ـ المصدر نفسه. 15 ـ المصدر نفسه. 16 ـ س. موريه (الشعر العربي الحديث) ترجمة شفيع السيد وسعد مصلوح، ص:192. 17 ـ المصدر نفسه. 18 ـ المصدر نفسه. | |||||||||||||||||||||||||||||||||