|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المعرفـة الجمالية في الموت ـــ نزار علي غدير تتحرك عقارب الساعة ببطءٍ، والوقت يمضي مسرعاً، والحركة هادئة... يخيِّمُ الصمت والسكون على المكان... تتحرك الشفاه بالابتهالات والدعوات... وفجأةً نسمع ذلك الصوت الذي كنا ننتظره بشغفٍ؛ صوت صراخ مولود جديد... إنَّها أول عملية شهيق يقوم بها كائن حيٌّ، وتعم السعادة والبهجة الجميع. الحقيقة الأولى الَّتي نعلمها هي أنَّ هناك كائناً حياً قَدْ دخل خضم هذه الحياة. لا نعلم ما تخبئه له الأقدار؛ من سعادة أو شقاء، من غنىً أو فقر، من علمٍ أو جهل... ولكنَّ الحقيقة الأكيدة الَّتي نعلمها وتقف في ساحة اللاشعور من عقولنا هي أنَّهُ سيأتي يوم يموت فيه هذا المولود، يموت من دون أن يعلم هو نفسه من أين أتى أو إلى أين هو ذاهب. "عندما يعي الوليد كونَهُ يبدو له أنَّهُ كان ثَمَّة موجوداً منذ الأزل، وأنَّهُ استيقظ من نوم لم يَدَعْ لديه أية ذكرى، وعبثاً يحدثونه عن مولده، فإنه لا يتوصل إلى بعث أية ذكرى... وإنَّ أحداً لا يقوم بتجربة بدء وجوده"(1). فنحن لو تأملنا هذا الكون الواسع وهذا الوجود لولدت لدينا أسئلة كثيرة لا نجد لها كلها جواباً؛ "فمن منا لم يتساءل عن معنى الحياة وسر الوجود؟ ومن منا لم يقف مشدوهاً أمام لغز البداية والنهاية؟ ولكن الحياة ضنينة بأسرارها فلم تقدم للإنسان إجابات قطعية ولا مقنعة عن كل هذه الأسئلة الَّتي بقيت من دون جواب منذ وجد الإنسان، فبقي الإنسان حائراً عاجزاً عن تجاوز حدود عقله وجسمه، ومن هنا بقيت مشكلة الموت تمثل التحدي الأكبر الذي واجهته البشرية"(2). والموت أمر حتميٌّ ليس على الإنسان فَقَطْ بل على كلِّ المخلوقات الكائنة على هذا الكوكب الذي مرَّ عليه الكثيرون، ومرَّ عليه الكثير الكثيرُ من الزمن، ولذلك فإن مشكلة الموت ليست وليدة اليوم وحسب بل إنها شغلت حيزاً كبيراً من تفكير الإنسان منذ قديم العصور. فقد عولجت هذه الإشكالية عبر مختلف مراحل الفكر البشري ومستوياته ابتداءً من الفكر الأسطوري مثل أسطورة جلجامش، ثُمَّ عالجها الفكر الديني من خلال أشهر الديانات؛ المسيحية واليهودية والإسلام، كما عالجها أيضاً الفكر الفلسفي من خلال ما قدمه كبار الفلاسفة من دراسات لهذه الظاهرة، وكذلك الفكر العلمي الذي لم يستطع الوقوف حيادياً أمام هذه المشكلة فقام بإلقاء بعض الأضواء على هذه الظاهرة التي أقلقت الجميع. فما هو الموت؟ الموت في اللغة هو توقف الحركة، وهو أيضاً حالة السكون الَّتي تصيب العضوية تلك البنية الَّتي أدهشت الجميع، وشغلت العقول... ولكن ذلك كله ليس كافياً ولا شافياً لأنَّهُ لا يعدو كونه وصفاً خارجياً شكلياً للحالة، ولذلك لا عجب في القول إن أفضل وسيلة لدراسة الموت وفهمه والتغلب عليه هي مواجهته والذهاب إليه والعيش معه. إنَّ كون الموت هادماً للذات قاهراً للأحلام يؤرِّق الإنسان ويسبب له التعاسة القلق، فليس هناك ما هو أكثر من الموت موضوعاً للكره عند الإنسان، "وليس من المتوقع إلاَّ في حالات نادرة جداً أن يندرج الموت في طائفة المثيرات التي تنجم عنها حالة السكينة بل إن الأكثر توقعاً هو أن ينتمي إلى فئة المثيرات الَّتي تترتب عليها حال القلق، فليس كالموت سبباً للقلق، إنَّهُ مرض الأمراض الذي لا شفاء منه أبداً، ولا علاج ناجعاً له مطلقاً"(3). والقلق في المفهوم العام "هو انفعال غير سار وشعور كدر بتهديد أو همٍّ مقيم، وعدم راحة واستقرار، وهو كذلك إحساس بالتوتر والشدِّ، وخوف دائم لا مسوغ له من الناحية الموضوعية، وغالباً ما يتعلق هذا الخوف بالمستقبل والمجهول"(4). وأما مفهوم قلق الموت فهو مختلف قليلاً وإن كان في الإطار العام مرافقاً لمفهوم القلق، "فقلق الموت كما يقول تبلر هو حالة انفعالية غير سارة يتعجل بها تأمل الفرد وفاته هو. ويعرفه هولتر أيضاً بأنَّهُ استجابة انفعالية تتضمن مشاعر ذاتية من عدم السرور والانشغال المعتمد على تأمل الفرد أو توقع أي مظهر من المظاهر العديدة المرتبطة بالموت"(5). من هنا نجد أن محض تفكير الإنسان في حاله وتاريخه؛ من أين، أتى وإلى أين هو ذاهب، يولِّد عنده أسئلة كثيرة تولد هي بدورها عدم الراحة والقلق والخوف، وليس هذا الخوف إلا خوفاً من المجهول والغامض، فالناس أعداء ما جهلوا، "والخوف انفعال سلبي يوجد لدى الإنسان والحيوان، ويميل الإنسان في العادة إلى الخوف من المجهول والغريب والخفي، وفي الموت جوانب كثيرة مجهولة وغامضة وخفية وغير متوقعة، كما أن الموت خبرة جديدة غير مسبوقة، ولهذا السبب يخاف كل إنسان تقريباً من الموت، ولكن بدرجات متفاوتة. والخوف ضرب من الكره، وعلى الرَّغْم من ذلك فإنَّ هناك عوامل كثيرة تؤثر في مدى خوفنا من الموت وكرهنا له ومنها ضعف الإيمان وعدم قوة العقيدة وتناقض التسليم بأمور الدين"(6). هذا من حيث حالة الخوف بشكل عام. إذا تعمقنا قليلاً في النفس البشرية سنجد أسباباً أخرى متصلة بطبيعة الإنسان بوصفه كائناً حيّاً يشعر بجسده ومعنى كلماتي أنه يشعر بجسده أي أنه يخشى الموت لما يحدثه ذلك من أعراض في الجسد المادي نفسه وتتجلى هذه الأعراض بأنَّ أكثر حالات الموت تأتي نتيجة لمرض ما أو حادث يرافقه الشعور بالألم "فإنَّ الثلاثية الألم ـ المرض ـ الموت ترتبط برباط متين ولذا فمن الطبيعي أن نخاف من الموت"(7). إنه حادث الحوادث بل إنه مشكلة المشكلات، إنه دهشة الماضي والحاضر وسؤال المستقبل. وفي ظل عجز الفكر البشري عن إيجاد حلول مقنعة لإشكالية الموت جاءت الديانات السماوية للتخفيف من خوف الإنسان منه وذلك بمحاولة بعث اليقين في عقول الناس بوجود حياة أخرى يتساوى فيها الغني الفقير والسيد والعبد، الرجل والمرأة أمام الرب ليحاسب الجميع واعتبار الموت جزءاً من الحياة والحياة جزءاً من الموت وتكتمل الحكمتان في اختبار الإنسان وامتحانه كما جاء في القرآن الكريم: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور.."(8). والتصوير الآخر للموت على أنه انقطاع وفناء شامل فإنه احتل حيزاً كبيراً من الفكر الإنساني، فالمشهد المثير لموت الإنسان والانقطاع المفاجئ عن التواصل مع العالم الخارجي كلها إشارات حملت بعض المفكرين على نفي العالم الآخر وهذا ما دفعهم للشعور بعبثية الحياة بقوة لا مثيل لها فإن كان الإنسان سيفنى فناءً شاملاً وإذا لم يكن ثَمَّة أمل في حياة أخرى فأي معنى يمكن أن تتحمله حياتنا(9). وقد كان هذا الاعتقاد نابعاً من جهل الإنسان لما بعد الموت أو لما بعد الدفن مباشرةً وخوف الإنسان كله من الموت سببه هذا الجهل والتساؤل المستمر والدهشة التي تترك أثرها على الوجوه أثناء موت أحد الأشخاص. "كم من الأجيال قد مرت على هذه الأرض وكم من الأجيال تستمر؟ أين هم؟ إلى أين ذهبوا؟ هنا وقف العقل البشري عاجزاً عن الإجابة على الرَّغْم من سعيه الحثيث للكشف عن هذا الجانب المطلع من الوجود بقي الإنسان نقطة صغيرة في محيط الحياة أقل أهمية من ورقة في غابة كبيرة فكما الورقة تسقط وتذبل وتموت من دون ضجيج كذلك الإنسان سيعود إلى حيث منتهاه الأبدي لا شيء يستطيع إيقاف حركة الزمن أو إعادته إلى الوراء فمن يجعلنا نسير نحو موتنا دون أن ندري؟ ولكننا في رحلة الحياة هذه لا نعرف أيضاً ماذا ينتظرنا في ظلمة القبر الأبدي لأن الموت انتقال من حال إلى حال من واقع معلوم إلى مصير مجهول"(10). وعندما وصل الفكر البشري في هذا المستوى من العلم والمعرفة وفي مشواره الطويل مع مشكلة الموت أراد أن يضع النقاط على الحروف وأن يضع الموت على طاولة الدراسة في مختبر التجارب بأن يدرس ماذا بعد الموت منذ الثواني الأولى وأثر ما يحدث في الجسد المادي وتتجلى تلك العلامات كما يقر العلم "ببرود الجسم وانخفاض حرارة البدن حين تهبط الحرارة درجة مئوية كل ساعة ونقص وزن الجثة بسبب نقص مائها واتساع حدقتي العينين وعدم تأثرهما بالضوء وانعدام بريق العينين لأنهما يغوران ولا يعودان يتحركان وانعدام مرونة الجلد وفقدان الحس وتوقف القلب وانعدام النبض والنفس"(11). لقد تأكدنا الآن من موت الجسد المادي ماذا نفعل الآن؟ أجمعت كل الشرائع والأنظمة والديانات على مواراة الجسد في التراب تحت الأرض وفيها من اتخذ طريقاً آخر في إتلاف الجثة كالحرق. وبما أننا في مجتمع اعتقد بأولوية الدفن في التراب وأفضليته، وقد أكد العلم الحديث أنه أفضل وسيلة وأفضل الأساليب المتبعة للحماية من مفاسد الجثة هو مواراتها في التراب الذي ستعود إليه لذلك سنقوم الآن بالنزول في القبر لنرى ماذا يحدث هناك. جسد ابن آدم بعد ساعات من وفاته يصبح جيفة لا تساوي شيئاً وذلك نتيجة عدة تبدلات فيزيائية وكيميائية وجرثومية لجسده سواء قبل الدفن أو بعده وقد أشار العلماء إلى هذه التبدلات واستناداً إلى الدراسات العلمية التي قدمها العلماء نتكلم عن هذه التبدلات بالتفصيل: أولاً: التلون الرمي وهو أول تبدل فيزيائي يطرأ على جسد الميت ويتمثل هذا التلوث بظهور بقع زرقاء كبيرة أو صغيرة في بعض المناطق من الجسم المنخفضة وذلك بسبب انحدار الدم بتأثير الجاذبية الأرضية إلى هذه المناطق المنخفضة مثل الظهر والوجه الخلفي للأطراف وهذا التلوث يظهر بعد ساعتين من الوفاة. ثانياً: التيبس الرمي وهو انقباض عضلات الجسم الإرادية واللاإرادية. ويرى العلماء أن سبب هذا التيبس هو تحول السكر المخزون في العضل إلى حمض اللبن مما يفقد الخيوط العضلية خاصية المرونة والتقلص وهذا التيبس يبدأ بعد ساعتين من الوفاة ويزداد تدريجياً حتى يعم الجسم كله بعد اثني عشر ساعة من الوفاة ويظهر أول ما يظهر في عضلات الفك السفلي ثم عضلات الوجه فعضلات الجزع ثم يعم عضلات الجسم كله ويرى العلماء أن هذا الانقباض والتيبس في العضلات يبقى لمدى يومين بعد الوفاة ثم يزول تدريجياً بسبب تأثير التفسخ الذي يقلب التفاعل الكيميائي للأنسجة الميتة من التفاعل الحمضي إلى التفاعل القلوي. ثالثاً: التعفن الرمي وهو تعفن جسد الميت وانطلاق الغازات العفنة الكريهة منه وذلك سببه عدة عوامل أهمها: أ- تأثير الجراثيم الهوائية واللاهوائية التي كانت عاطلة في الأمعاء قبل أن تجتاز الأغشية المخاطية للجسم عن طريق الدم وهذا يؤدي إلى إفساد المواد العضوية في الجثة ومن جراء ذلك تنتشر الغازات الغضة الكريهة. ب- تحول الأنسجة الشمعية في الجثة إلى مادة شمعية لينة ذات أحماض شمعية مشبعة كريهة الرائحة على نحو يصعب وصفه حقاً. ثم بعد ذلك ماذا يحدث؟ يحدث بعد كل هذا تشوه في هيئة الجثة حيث ينتفخ البطن وكيس الصفن ثم ينتفخ الوجه والمقلتان حيث تجحظان ثم ينتفخ اللسان ويبرز من الفم ويخرج جميع ما في البطن والأحشاء بفعل انطلاق الغازات من جميع فتحات الجسم من السبيلين والفم وفتحتي الأنف والأذن ويصحب كل هذه الأشياء رائحة كريهة منفرة ومضرة ويرى العلماء أن هذا التعفن يبدأ بعد يومين من الوفاة ويستمر حتى أسبوع. رابعاً: التفسخ الرمي: وهو تحلل الجسم وتفسخه وتحوله تدريجياً إلى سوائل ثم إلى غازات ثم يتبخر في الهواء ويساعد على هذا التفسخ عوامل عدة أهمها: أ- درجة حرارة الوسط الذي دفنت فيه الجثة ولذلك فإن التفسخ يكون في الصيف أكثر وأسرع منه في الشتاء. ب- درجة الرطوبة ودرجة رطوبة الجسم من لحم وعظم تسهم كثيراً في عملية التفسخ فالعظام والأسنان مثلاً لا تتفسخ لأن أنسجتها قليلة الماء ولكن سرعان ما تتفسخ إن أصابها ماء كجثث الغرقى وعلمية التفسخ هذه تبدأ بعد أسبوع من الوفاة وتتكامل خلال شهر. خامساً وأخيراً: مرحلة العظام النخرة وهي الحالة التي يظل عليها ما بقي من الجثة لا يعتريه النخور ما دامت لم تتعرض لعوامل غير طبيعية كالماء والهواء مثلاً وهذه الحالة تسمى بالعظام النخرة وقد أشار ربنا عز وجل إلى هذه الحالة على لسان منكري البعث بقوله (يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون أئنا لمردودون في الحافرة إئذا كنا عظاماً نخرة قالوا تلك إذاً كرة خاسرة((12). وهذه العظام مهما بليت فإنه يبقى منها جزء لا يعتريه البلى أو الفتت أو الفساد(13). إن هذه التحولات الفيزيائية والكيميائية التي تقوم بتحليل ذلك الجسد المادي وتفكيكه وتفسخه إلى فتات ورفات هي التي دعت البعض إلى عدِّ الموت فناءً وتلاشياً ليصبح الإنسان لا شيء. "إن النظريات التي تتناول حال الموت نظريات سدى فلم يصلنا عن ما وراء الوجود علم بأدنى تجربة ولذا يقول بعض الناس الموت لا شيء الموت هو العدم"(14). العدم، اللاشيء التلاشي، هل يمكن لأحد منا أن يتخيل أن كل هذه الأنا والذات والخيال والحلم والذاكرة والعقل ستفنى الفناء التام؟ كلاًّ، الكلُّ يبحث في ذاته والجميع يحلون شيئاً ما في أنفسهم الكل يؤمن بأن هناك ما لا يستطيع أن يؤثر عليه الدود والتفسخ ذلك أن الوجود غائب عن ذاته في اليأس حيال العدم أو إنه موجود أمام ذاته في يقين الخلود. وخير مثال بين أيدينا اليوم على إيمان الإنسان منذ القديم بأن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا هي تلك الصروح الهائلة الواقفة في وجه البلاء والدمار الواقفة في وجه الوجود والزمان والتاريخ الموجودة بجوار رمز الحياة المصرية أولاً وهو نهر النيل إنها الأهرامات تلك العجائب التي تبرهن على أن الإنسان منذ القديم والماضي البعيد تفكر في الحياة والموت ورأى بوجوب وجود حياة أُخْرَى، وجوب الخلود، شيء آخر غير الجسد المادي سيعود يوماً ما لبعث الحياة في الأجساد من جديد لذلك كان الفراعنة والكهنة والسادة يلجؤون إلى التحنيط بالمحافظة على الجسد المادي في هذه القبور الكبيرة. أما سقراط ذلك الفيلسوف العظيم ببساطته وعلمه وتواضعه قد أكد في حياته وأثناء موته على أنه لن يموت هو بذاته ولكن ما يبدو أنَّهُ فنى في التراب هو جسده وذلك بقوله عندما سأله أقريطون كيف يجب دفنه ابتسم وأجاب: "يأبى أقريطون أن يعترف إلا سقراط هذا الذي هو هنا والذي يخاطبكم الآن على أنه أنا في الحقيقة. إنه بالأحرى يؤمن بأنني ما سيراه بعد فترة وجيزة في صورة جثة ولذا فإنه يسألني كيف يجب دفني ويمضي سقراط قائلاً: أما إذا رأى أصدقائي إحراق جثتي أو دفن جسدي فإن عليهم ألا يحزنوا كما لو أن شيئاً فظيعاً حل بسقراط. ليمتنعوا عن القول أن سقراط نفسه هو الذي يحملونه أو يدسونه في التراب إنما يدفنون جسده وحده على النحو الذي يستحسنه أصدقاؤه والذي يبدو أنه أفضل ما يوائم العادات المألوفة، أما هو بذاته فيكون قد حلق طائراً منذ زمن طويل"(15). هذا ما أكدته الفلسفة وما قالته الديانات السماوية وغير السماوية وما أراده الفكر البشري ألا وهو وجوب وجود شيء آخر غير الجسد المادي هو الذي سيذهب ويرحل إلى عالم الخلود فما هو هذا الشيء. إننا عندما نحاول أن ندرس الموت لا نستطيع التخلي عن فكرة جوهرية أساسية في هذه الدراسة وهي فكرة مفهوم الروح لأن مفهوم الموت ومفهوم الروح مرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً ولا نكون خياليين أو متجاوزين لحدود المنطق ولا يدهش أحد أن نقول أن البحث في الموت ما هو إلا قناع نضعه على الوجه الحقيقي ألا هو البحث عن الروح أو في موضوع الروح. فإذا استطعنا أن نفهم الروح ونحيط بها ونراها نكون بذلك قد تجاوزنا مشكلة الموت تجاوزنا حدود عقولنا وما تقدمه لنا الحواس وتخلصنا من الخوف والقلق تجاه الموت بل أكثر من ذلك أننا بهذا الفهم نستطيع الحياة بسعادة والموت بسعادة بكامل أبعاد هذه السعادة وبكل ما تحمله من معنى وتتضمنه من حكمة لذلك سنقوم الآن برحلة إلى عالم الروح قد تكون هذه الرحلة أروع وأجمل رحلة ندخل عالمها ولا يتذكر إلا أولي الألباب. عندما نريد أن نعرف الاستدلال في المنطق نقول إنه تلك العملية الذهنية التي ننتقل منها من شيء متاح لنا معرفته إلى شيء آخر يرتبط بالشيء الأول بطريقة معينة ويكون قبولنا لهذا الشيء الجديد متوقفاً على قبولنا للشيء الأول بطريقة معينة أما القياس الذي هو نوع من أنواع الاستدلال غير المباشر فهو أن ننتقل فيه من المعلوم إلى المجهول بواسطة معينة ومن هذا المنطلق في وضع أسس ومسلمات نبني عليها المعرفة نقول: "إن المادة اليوم لا تصد المفكرين عن عالم الحقائق المجردة ولا هم يتخذون من صلابتها وجسامتها شرطاً للحقيقة الثابتة، فإن الحقيقة المادية نفسها لا تثبت اليوم بمجرد الصلابة والجسامة ولا تزال ترتد إلى أصولها حتى تؤول إلى عدد من الهزات في ميدان مجهول هو ميدان الأثير وميدان الفضاء. فالمادة في القرن العشرين قد اقتربت من عالم الفكر المجرد بل دخلته وأصبحت في تقدير الثقات عملية رياضية أو نسبة من النسب التي تقاس معادلات الحساب"(16). ويتطلب هذا الأمر منا أولاً أن نفهم طبيعة هذه المادة بما قدمته التجارب العلمية على تصوره وتصويرها وفهمها والتسليم بها لجعلها أساساً يبنى عليه العلم الحديث ولذلك نستطيع القول إن "من أوليات الفيزياء الحديثة أن جميع المواد الصلبة أو بالأدق تلك التي تبدو لحواسنا صلبة في هذا الكون تتكون من مجموعة عناصر يبلغ عددها تقريباً مائة عنصر وواحد وتشكيل المواد يتوقف على عدد العناصر الداخلة في تركيبها فهناك مواد مكونة من عنصر واحد وهناك مواد مكونة من عدة عناصر والجزيء هو وحدة المادة وهو ينقسم ويتفتت إلى ذرات متناهية في صغرها إلى أقصى مدى والمادة التي تتكون من ذرة واحدة تسمى عنصراً أما تلك التي تتكون من أكثر من ذرة فتسمى مركباً فمثلاً الأكسجين عنصر والهيدروجين عنصر آخر حين أن الماء يتكون من اتحاد هذين العنصرين فهو مركب وعدد وأنواع الذرات بسيط جداً لكنها تتكرر بأوضاع مختلفة. فالمادة مهما اتخذت من أشكال خارجية هي في حقيقتها عبارة عن أحجار متماثلة والأرض بأكملها وبموادها التي لا تحصى تبدو لعلماء الطبيعة الحديثة عبارة عن بناء مقاوم بواسطة أحجار متشابهة وبين العناصر المختلفة يوجد 14 عنصراً فقد تتكرر بكثرة في هذا البناء أما ما عداها فلا يظهر إلا نادراً. ولذا يقول سيرجينز إن اتحاد العناصر هو الطبيعة، وهو أشبه ما يكون باتحاد ثلاثة ألوان في الطباعة لإنتاج جميع الألوان الموجودة في الطبيعة تقريباً علاوة على درجات متفاوتة غريبة لتلك الألوان لا توجد في الأرض ولا في السماء وجميع المواد الصلبة مكونة في نهاية المطاف من ذرات، والذرات مكونة من إلكترونات وبروتونات وللذرة محيط وفي قلبها نواة ويسبح في محيطه في مدارات محددة أجسام خفيفة جداً ذات شحنة كهربائية سالبة تسمى بالإلكترونات أما نواتها فتتكون من بروتونات وهي أجسام ثقيلة نسبياً ذات شحنة كهربائية موجبة كما تتكون من نيوترونات وهي متعادلة من الوجهة الكهربائية والبروتون يعادل وزن الإلكترون 1840 مرة ووزن الذرة يتوقف على وزن البروتونات التي تكونها وقد عرف أن ذرة غاز الأيدروجين مثلاً تحتوي على إلكترون واحد حين تحتوي ذرة غاز الهليوم على اثنين والأوكسجين على ثمانية واليورانيوم على 92 إلكتروناً وهي أثقل ذرة موجودة في الطبيعة وخصائص الذرة تتوقف على الإلكترونات ويتساوى عدد الإلكترونات التي تدور في محيط كل ذرة مع عدد البروتونات الكامنة في نواتها ويكون إحساسنا بالمادة عن طريق تأثير الإلكترونات والبروتونات في حواسنا فالإحساس بالمادة وصف للتعبير عن هذا التأثير فيها أن البروتون والإلكترون في النهاية جسيمان كهربائيان متضادان في الشحنة فالبروتون موجب الشحنة إذ إن الإلكترون سالب الشحنة كما قلنا وهذا التأثير يحدث عن طريق الاهتزازات التي تثيرها في الأثير إلكترونات الأجسام الصلبة وبروتوناتها فتحدث بدورها تأثيرها في إلكترونات جسومنا وبروتوناتها والمادة الفيزيقية عبارة عن اهتزازات بين حدين ثابتين أمكن للعلم المادي تعيينهما وهذه الاهتزازات التي تؤلف العام الفيزيقي كله يتراوح مداها بين 34000 إلى 64000 موجة في البوصة الواحدة تمثل اهتزازات الطيف المنظر الذي يقع ما بين اهتزازات الأشعة دون الحمراء انخفاضاً والأشعة البنفسجية ارتفاعاً. أما إذا أردنا القياس بسرعة الاهتزاز في الثانية ـ لا بطول الموجة في البوصة ـ فإن العالم الفيزيقي يتراوح بين 750 بليون ذبذبة في الثانية و400 بليون ذبذبة فيها. والاهتزاز خاصية عامة لكل درجة من درجات الوجود في الكون والفارق الوحيد بينها هو رتبة الاهتزاز التي يهتزها أي شيء في هذا الكون"(17). فنحن لو تأملنا في قياس من ذبذبات الألوان والمواد عن طريق الإشعاع أو سرعة الاهتزاز نجد أن "اللون الأزرق سرعة اهتزازه تساوي 634 بليون ذبذبة في الثانية والأخضر 570 بليون والأصفر 520 والبرتقالي 500 بليون والأحمر وهو أقلها اهتزازاً فسرعة اهتزازه 434 بليون ذبذبة في الثانية وثمة منطقة أخرى مجهولة من العلم المادي لكنه مع جهله طبيعتها يسلم بوجودها ويرتفع اهتزازها من 570 إلى 1500 بليون ذبذبة في الثانية وتليها ارتفاعاً منطقة اهتزاز أشعة إكس التي تتراوح بين حوالي 3000 بليون و 30.000 بليون ذبذبة. وتحتوي الاهتزازات من أدناها في الصوت إلى أعلاها في أشعة إكس على 57 سلماً لا تستطيع حواسنا أن تدرك منها سوى 13 سلماً أو أقل من ذلك عن طريق جهازنا العصبي المادي. وتبعث الشمس ضوءها في شكل ذبذبات أثيرية يبلغ معدل سرعتها أربعمائة بليون ذبذبة في الثانية، وهذا الضوء نستقبله بحواسنا بحسب الظاهر لكن نستقبله بحسب الواقع بعقولنا، لأن السمع والنظر والشم والذوق واللمس عمليات عقلية قبل كل شيء وهذه الآن حقيقة يلم بها تماماً العلم المادي وذلك لأن الذبذبات المختلفة تمر بحواسنا. كلها وبغير استثناء أية ذبذبة منها فلا نشعر فيها إلا بما تستطيع عقولنا أن تتحمل تسجيله أما ما عداه فتمتنع هذه الحواس أو بالأكثر دقة تعجز عن تسجيله بقدر عجز العقل الذي يحكمها عن هذا التسجيل. وعندما يزداد عدد الذبذبات يتغير الضوء إلى لون وكل تغيير تنشأ عنه ذبذبات أقل من سابقتها في سرعتها أو أكثر فإذا تكلمنا عن العشب باعتباره أخضر وعن السماء باعتبارها زرقاء وعن الورد باعتباره أحمر فإننا نعلم أن هذا لا يصدق إلا في عقولنا فقط. لأن الإحساسات التي نحس بها نتيجة ذبذبات الأمواج الضوئية إنما تحدث الآثار اللونية وعندما تنخفض هذه الذبذبات إلى ما دون الأربعمائة بليون في الثانية فإننا نحس بها كحرارة ومن هنا نرى أيضاً أن الحرارة فإنما هي في عقولنا. وكما أن رسالة العقل هي أن يستقبل قدراً ضئيلاً من تموجات الطبيعة عن طريق المخ (طالما كان مرتبطاً به بسبب الحياة التي نحياها فإن كل فكرة يفكر فيها العقل إنما هي بدورها عبارة عن تذبذب وتموج مشحون بطاقة كهربائية مغناطيسية تنبعث منها ولا سبيل إلى رفع معدل ذبذباتنا العقلية إلا إذا كان مدار تفكيرنا أفكاراً نقية راقية حتى تكون عقولنا محطات إرسال واستقبال في نفس الوقت للأفكار النقية التي تُحدِث الصحة والمرح والسعادة والسلام لصاحبها"(18). نستطيع أن نتذكر هنا ما تؤمن به عقيدة اليوغا بشأن التأمل المحض للوصول إلى الحالة التي يستطيع من خلالها ممارس اليوغا السيطرة على وظائف أعضائه الحيوية في جسده المادي وما تنبغي الإشارة إليه أيضاً أن من المسلم به أن خلايا المخ تعمل كمولد كهربائي يبعث الكهرباء إلى الأعصاب التي تبعث بها إلى الخارج في صورة أمواج أثيرية تشبه تلك التي تبعث بها محطات الإرسال المختلفة وهذه الكهرباء النسبية ذات نشاط فعال لأنها من النوع الديناميكي وتتفاوت درجات اهتزازها تفاوتاً ضخماً"(19). ومعنى ذلك أن كل هذا اللون الذي تعودنا أن نصفه بأنه مادي عبارة في النهاية عن قوة أو طاقة كهربائية إيجابية ـ سلبية في وقت واحد، لكنه يبدو لحواسنا صلباً من باب خداع الحواس التي تضللنا في كل جزئية صغيرة من جزئيات هذه الحياة المادية. (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون((20) ولذا لا تصلح الحواس أساساً سليماً لأية حقيقة علمية ولولا الظواهر الوساطية لظلت حواسنا تذكر تماماً عالم الروح لأنها تجهل وجوده فحسب لا لأنه غير موجود(21). فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك فإنك أول ما خلقت به جاهلاً ثم عُلِّمت وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك(22). إن المادة تدل دائماً على عقل وتتبادل التأثير معه لأن المادة تؤثر في العقل، كما أن العقل يؤثر في المادة وكل شيء نلمسه أو نسمعه أو نراه أو نسمعه أو نتذوقه عبارة عن تأثير في درجة معينة من الاهتزاز كما قلنا وحواسنا تدرك ـ عن طريق العقل ـ قدراً ضئيلاً جداً من تموجات الكون ويفلت منها ما عداها بما في ذلك حاسة اللمس التي قد نتصور أحياناً أنها لا تخدعنا في اكتشاف "الماديات الصلبة" مع أن من الماديات ما قد يتجاوز في اهتزازه مستوى معين هو مستوى 64000 موجة في البوصة فلا نعود نشعر به بل ننكر وجوده إنكاراً تاماً مع أن وجوده الآن حقيقة علمية كوجود المادة الصلبة التي يتجاوز اهتزازها مدى ما"(23). وإذا كانت المادة الصلبة تمثل واحدة فحسب من ملايين الأسرار الكونية فإن الضوء هو أغرب هذه الأسرار، لأن أمواج الضوء تنفذ في الفراغ الذي يملأ الفضاء ويتخلل كل شيء حتى المادة الصلبة وحتى الأثير الذي يعتبر بمثابة ناقل للضوء في نظرية الاهتزاز، يرى أنشتاين أنه غير لازم وأنه يمكن طرحه جانباً ومع ذلك يظل مهام الفيزياء الحديثة لطبيعة الكون على حاله دون تغيير من ناحية لزوم وجود مستوى للوجود يلي في سرعة اهتزازه عالم المادة ومن ناحية التداخل المحتمل بين العالمين ومن ناحية كافة ما تؤدي إليه نظرية النسبية من نتائج تسبب الذهول والحيرة. وقد بين أنشتين بمعادلاته الرياضية كيف أن سرعة الضوء هي الأمر الثابت الوحيد في الكون وكيف أن الزمن والفضاء عاملان نسبيان يستمدان قياسهما من علاقتهما بسرعة الضوء. وهكذا أبعد أنيشتين بمعادلاته من الكون كل حقيقة ثابتة فيما خلا الضوء... أليس الله نور السموات والأرض؟... فهو الحقيقة الثابتة الأزلية الوحيدة وما عداه إلى زوال وفي معادلته المشهورة التي تبسط التساوي بين المادة والنشاط أثبت أنيشتين أن النشاط في أية ذرة من ذرات المادة معادلة لكتلتها أو وزنها مضروباً بمربع سرعة الضوء: ط= ل × سر2 ويتم إطلاق القوى الذرية عن طريق إفناء الذرات المادية وبهذا كان موت المادة يمثل ولادة العصر الذري(24). وهذا يعني باختصار شديد وبمقارنة نسبية أن موت الجسد المادي يمثل ولادة الجسد الأثيري بتحرره من المادة. إن سرعة الضوء قانون حسابي أو مقدار ثابت، لا لأن هناك حقيقة مطلقة في الـ 186.300 ميل في الثانية (وهي سرعة الضوء) بل لأنه لا يوجد جسم مادي تزيد كتلته تبعاً لسرعته يمكن أن يبلغ أبداً سرعة الضوء وبتعبير آخر فإن الجسم المادي المتناهي الكتلة هو الذي يمكن أن يعادل سرعة الضوء وتأسيساً على هذه الحقائق العلمية يقول الحكيم برمهنسا يوجانيزا: فالمعلمون الذين يستطيعون أن يتجسدوا وأن ينفضوا عنهم أجسادهم أو أية مادة أخرى وأن ينطلقوا بسرعة الضوء ويستخدمون أشعة النور الخالقة في إحداث أي مظهر مادي قد وفوا بالشرط الضروري الذي قال به أنيشتين بأن كانت كتلتهم غير متناهية... والجاذبية سواء أكانت القوة التي قال بها نيوتن أو القصور الذاتي الذي قال به أنيشتين عديمة الحول في إرغام الروح المتجسدة لإظهار الخاصية الثقل الذي هو الشرط المميز للجذب في الأشياء المادية فالشخص الذي يعرف أنه الروح الموجودة في كل مكان لا يعود يخضع لتأثير الجسم بمقاييس الزمن والفضاء. والإنسان الذي يخرج وعيه بالخالق يحس بالجوهر الكوني كنور ولا فرق لديه بين الأشعة الضوئية المكونة للماء والأشعة الضوئية المكونة لليابس. فإذا تحرر من الإحساس بالمادة ومن أبعاد الفضاء الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) ومن البعد الرابع وهو الزمن نقل جسمه النوراني بسهولة فوق الأشعة الضوئية للتراب والماء والنور والهواء، ومن ذلك الحين ينظر إلى المادة كتلة غير متميزة عن الضوء(25). وكما نعلم أن النظرية الحديثة حول طبيعة الضوء تقول بأن الضوء يشكل في مسيرته وطبيعته مرةً موجة وأخرى جسيماً والنظريتان صحيحتان وهما متكاملتان. أي إن عالم المادة وعالم الروح عالمان موجودان متداخلان أحدهما بالآخر ولكنَّ تفاوت رتبتي اهتزازهما تفاوتٌ شاسع جعل من أحدهما كائناً محسوساً منظوراً ومن ثانيهما كائناً غير محسوس ولا منظور وإن كان هو بذاته مصدر الحس والنظر وإذا كان التخلي عن الجسد المادي بالوفاة يكشف للحياة الجديدة عن وجود الجسد الروحي ويعطيه مظهره المادي فإنه يكشف في نفس اللحظة عن المستوى الروحي للحياة الطبيعية ويعطيها نفس هذا المظهر الخاضع للنظر وللإحساس..(26). وذلك كله يوضح لإفهامنا بطريقة محدودة جداً كيف أن عالم الروح جزء من هذا العالم وأنه مادي وإن تكن مادته من الرقة واللطف بحيث لا تستطيع حواسنا إدراكها وأننا نحن في هذه الدنيا الآن أرواح تغلفنا أجسام فيزيقية، وأن الموت ما هو إلا انفصال الجسم الأثيري أو الروحي عن الغطاء الفيزيقي، والجسم الأثيري هو الجسم الحقيقي الباقي وهو في شكله نسخة طبق الأصل من مقابلة الفيزيقي. وعلى هذا الاعتبار يسهل علينا أن نفهم كيف أنه بتوافر شروط خاصة لا نعرفها يستطيع هذا الجسد أن يغلف نفسه بمادة فيزيقية ثم يعمل تحت رقابة العقل كما نعمل نحن أنفسنا(27). وهنا نريد أن نقول شيئاً وهو أن اهتزاز الكون كله أو تذبذبه على هذا النحو حقيقة وصل إليها عقل الإنسان من القديم "ربما هذا ما أرادت قولـه العقيدة الشنتوية في اهتزاز أرواح الموتى عبر الانتقال من فصل الشتاء إلى فصل الربيع" وقد اكتشفها أيضاً فيثاغورث منذ ألفي سنة عندما قال إن كل ما في هذا الكون يتذبذب سواء أكان منظوراً أم غير منظور ومدارس الفيزياء الحديثة تميل إلى القول: إن الذرة والخلية والنبات كله يتأثر بالذبذبات المختلفة... وإن للحيوان الأعجم أجهزة تستقبل هذه الذبذبات ولا غرابة في ذلك إذا لاحظنا كيف يوجه الإلهام بذبذباته الحياة في كل مستوياتها هذا الإلهام الذي يُعبر عنه عالم الطبيعة أو الرياضة بأنه الشعاع الطبيعي أو الإذاعة الكونية الدائمة ذات الذبذبة الخاصة التي يلتقط منها كل كائن ما يلزمه وما يناسب جهاز الاستقبال فيه..(28). ولكن السؤال الجدير طرحه الآن هو أن الروح بعد ما تنفصل عن الجسد المادي أين ستذهب؟ على رغم تعدد الإجابات وعدم التحديد الدقيق لهذه الإجابات نستطيع القول بأنها حكماً ستلقى في هذا الفضاء الذي لم نعرف عنه حتى الآن سوى القليل. ولكن هل ستخضع الروح هناك، أياً كان عالمها الجديد، لتلك المقاييس الزمانية والمكانية التي كانت تخضع لها على هذا الكوكب الأزرق؟ إن الجواب على هذا الأسئلة هو من خلال دراستنا لطبيعة كل من الزمان والمكان أياً كانا في الفضاء. إن الزمان في حياة معلومة أو مجهولة هو حياة في زمن "ودراسة الزمن في الأعمال الأدبية ينير بعض الزوايا المظلمة ويفتح آفاقاً جديدة لسبر أغوارها خاصة إذا كان الموضوع هو الموت فالزمن والموت متلازمان ولا وجود لأحدهما من دون الآخر وهذا ما أكده كبار الفلاسفة والعلماء وإن اختلفوا في تصورهم لهذه العلاقة فمنهم من رأى أن الزمن يسير في حركة دائبة مغلقة، وآخرون قالوا بجريان الزمن في خط مستقيم ولكن المهم في الأمر هو أن الحدث الذي يبني على أساسه كل طرف براهينه هو الموت(29). ومن أجل فهم طبيعة كل من الزمن والمكان يجب علينا أولاً أن نفهم الفضاء أو بتعبير آخر السكون. وبداية نقول: إنَّ السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة ميلادية ونحن نحتاج إلى ما يزيد على مئتي بليون سنة ضوئية لكي ندور في الكون وأن سديماً واحداً في الكون مثل سديم الحلقة وحده يتسع لحوالي 30 ألف مجموعة شمسية كمجموعتنا الشمسية بكواكبه وأبعاد هذه الكواكب عن الشمس وبتقريب آخر للذهن لو تمكنا من أن نسير في سفينة فضائية تبلغ سرعتها 1/ 100 من سرعة الضوء أي تنطلق بسرعة ألف وثمانمئة ميل في الثانية أي يمكننا أن نقطع المسافة بين نيويورك وأوربا في ثلاث ثوان نحتاج إلى 430 عام لكي نصل إلى أقرب النجوم من مجرتنا ونحتاج إلى ما لا يقل عن عشرة ملايين سنة للعبور من أحد جوانب مجرتنا إلى الجانب الآخر وإلى عشرين ضعف هذه المسافة للوصول إلى أقرب المدارات إلينا وهي مجرة أندروميدا..(30). وقد تصور أينشتين الفضاء على أنَّهُ كروي محدود لا يمكن التحقق منه بالمشاهدة لأنه ينشئ على نفسه وفي النهاية ينقفل كما هو الشأن في سطح الأرض. وبحسب معادلته في المجال أمكن لعالم الفلك أدوين هابل في مرصد ويلسون ان يقدر نصف قطر الكون بأنه يساوي 35 بليون سنة ضوئية وذلك بعد أن قدر هندسة الكون أو انحناءه لتقدير قطره بالأجرام المادية الموجودة فيه وبعد الحصول على متوسط كثافة المادة في الكون ودراسة عينات من مساحات السماء لمدة عدة سنوات(31). حتماً إنه كون متسع مترامي الأطراف لا نعرف بداية لـه ولا نهاية ولا حدود فكيف سنفهمه بل كيف سنجد منها الروح فيه لذلك أجد انه من الضروري وضع أسس سليمة ومقدمات صحيحة من أجل فهم هذا الكون المدهش وفهم حركة وطريق الروح فيه. إن الثلاثية سر ـ س ـ زاي، أي سرعة النور والمسافة "المكان: والزمان هي عبارة عن ثلاثية موحدة من خلالها أتى كل ما في الوجود ولا يمكن فهم إحداها من دون البقية فكل منها تستمد وجودها من الأخريين وأكثر ما يحدد علاقة الزمان والمكان ببعضهما بعضاً هو سرعة النور "إن وجود سرعة حدية للضوء جعل من الوجود ممكناً وإن وجود الحدود لكل شيء في هذا الكون هو الأمر الذي جعل الكون يسير وفقاً لقانون ثابت قانون طبيعي ينتهي به كل حادث حيث يجعل هذا الأمر لكل عالم من العوالم زمانه الخاص ومكانه المحلي الخاص بهذه ويمكن فهم ذلك بالقول إن الزمن رهن بالحركة والمكان رهن بالأشياء(32). فالفترة الزمنية والتي تقيسها الساعة ليست كميات مطلقة مفروضة على الكون كله. جميع ساعاتنا قد ضبطت تبعاً للنظام الشمسي. فالمدة التي نسميها ساعة هي قياس مكاني، وهي قوس قدره 15 درجة من دورة الكرة السماوية اليومية الظاهرة. فسكان عطارد لو وجدوا فستكون لهم فكرة عن الزمن تختلف عن فكرتنا اختلافاً تاماً لأن عطارد وهو أسرع السيارات وأقربها إلى الشمس يدور حول هذه الأخيرة في 88 يوماً من أيامنا ويدور دورة واحدة حول محوره في نفس المدة أيضاً وهكذا فالسنة واليوم يتساويان على سطح هذا السيار(33). ولتقريب الفكرة للأذهان نقول كل عالم هو المحدود به أي عندما يتكلم شخصان على الأرض عبر الهاتف من مكانين مختلفين برلين ـ دمشق يحق لنا أن نقول إنهما يتكلمان في آن واحد على رغم أن كليهما ضبط ساعته على نظام فلكي واحد. فالتأين أمر نسبي، أي "الآن" ليس له معنى واحد بل له من المعاني بقدر ما هنالك من العوالم، فكل عالم له زمانه المحلي الخاص به هو وحده. بل إن أي حادثة لا تنتسب إلى عالم خاص بعينه لا معنى لتحديد زمن حدوثها مطلقاً"(34). ومع ذلك فإننا عندما نقول عن شخص إنه مات فهذا يعني أنَّ الحدث قدْ تم على كوكبنا وفي نظامنا الشمسي. لكن ما هو زمن حدوثه ونهايته بالنسبة لسكان العوالم الأُخْرى؟ "فإذا انطلق المتر بسرعة تعادل 90% من سرعة الضوء تقلص إلى نصفه، وإذا انطلق بسرعة الضوء لا يبقى منه شيء. وكذلك الساعة تختلف باختلاف العالم الذي تنتمي إليه فإيقاعها في عالم متحرك أسرع منه في عالم ساكن وإذا انطلقت بسرعة الضوء تتوقف تماماً ولا علاقة لذلك بالمادة التي يتركب منها المتر أو الساعة من حديد أو خشب أو ساعة شمسية أو نبض الإنسان وسرعة تنفسه وهذه التغيرات لا يحس بها سكان العالم المتحرك أنفسهم بل سكان العوالم الأخرى عند مقارنتها بعالمهم هم"(35). فعندما تزداد سرعة اهتزاز الجسد الأثيري الحاكم للجسد المادي من نبض قلب وسرعة تنفس وعملات عضوية أخرى يصل الأمر أو السرعة بالأصح إلى الدرجة التي تنخفض فيها ضربات القلب وسرعة التنفس إلى الصفر أي إلى التوقف فيحدث الموت على كوكبنا وفي الجسد المادي المغذي لأعضائه عن طريق القلب والرئتين بالدم والأوكسجين ولكن في هذه اللحظة ذاتها. سكان العالم المتحرك أي من تهتز أرواحهم بسرعة ما "المتوفون" تكون قد بدأت حياتهم بجسدهم الجديد في مكان آخر. يجري البحث الآن لمعرفة أين يوجد هذا المكان. وهذه الحقيقة القائلة بأنه كلما ازدادت السرعة قل الزمن هي حقيقة علمية رياضية استطاع أنشتين الوصول إليها من خلال معادلاته الرياضية وذلك على النحو التالي: "إذا كان أمامنا سكة حديد طويلة سُيِّر عليها قطار أنشتاين. وهناك محطتان تبعد إحداهما عن الأخرى مسافة 864000000 كم. فإن قطار أنشتاين بحاجة إلى ساعة واحدة لاجتياز هذه المسافة إذا كانت سرعته تعادل 2400000 كم/ ثا. نفترض أنه توجد في كل محطة ساعة، وأنَّ سائحاً قد استقل عربة من عربات هذا القطار في المحطة الأولى وضبط ساعته على ساعة المحطة قبيل انطلاق القطار وما إن وصل إلى المحطة الثانية حتى لاحظ مندهشاً أن ساعته قد تأخرت. وكانوا قد أكدوا للسائح في ورشة تصليح الساعات أن ساعته كانت مضبوطة على الإطلاق فما هو الأمر؟ فلنتصور، لتوضيح الأمر، أن المسافر يوجه شعاع ضوء من مصباحه اليدوي الموضوع على أرض العربة إلى السقف حيث توجد مرآة يقع عليها الشعاع فتعكسه بدورها على المصباح، أما بالنسبة للمراقب الموجود على الرصيف فإنه يرى الذي سينعكس فيه الشعاع فإن موضع المصباح سيتغير بالمسافة ذاتها، وهكذا فإننا نجد أن الضوء بالنسبة للمراقبين على الرصيف قد اجتاز مسافة أكبر مما هو بالنسبة للمراقبين في القطار هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنا نعرف أن سرعة الضوء هي سرعة مطلقة متساوية بالنسبة لمستقلي القطار والواقفين على الرصيف قد اجتاز مسافة أكبر مما هو بالنسبة للمراقبين في القطار هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنا نعرف أن سرعة الضوء هي سرعة مطلقة متساوية بالنسبة لمستقلي القطار والواقفين على الرصيف على حد سواء. الأمر الذي يحملنا على التوصل إلى الاستنتاج التالي: لقد انقضى في المحطة زمن أطول بين لحظة إرسال الشعاع الضوئي ولحظة عودته فما هو الأمر عليه في القطار وليس من الصعب حساب نسبة الزمنين. فلنفترض أنه قد اتضح للمراقب الموجود على الرصيف أنه قد انقضى عشر ثوان منذ لحظة إرسال الشعاع حتى عودته وفي خلال هذه الثواني العشر فإن الضوء يكون قد اجتاز مسافة 300000 × 10 = 3000000 كم/ ثا ومن هذا ينتج أن الضلعين أ ب، ب جـ يؤلفان الكيلومتر وأن الضلع أ جـ يساوي الطريق الذي اجتازه القطار خلال عشر ثوان أي 240000 × 10 = 2400000 كم/ ثا وليس من الصعب الآن تعيين ارتفاع عربة القطاع والذي هو عبارة عن الارتفاع ب د في المثل أ ب جـ ولنتذكر أن مربع الوتر أ ب في المثلث القائم الزاوية أ ب د يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمتين = أ د، ب د وهكذا يمكننا أن نحصل على المعادلة (أ ب)2 = (أ د)2 + (ب د)2 على أن ارتفاع عربة القطار هو ب د= (أ ب)2 ـ (أ د)2. نعلم أن أ ب = 3000000 ÷ 2= 1500000 كم/ ثا وأن أ د= 2400000 ÷ 2= 1400000 كم/ ثا. ب د = (1500000)2 ـ (1200000)2 = 900000 كم. يا له من ارتفاع هائل غير أن هذا ليس بالشيء المستغرب إذا ما أخذنا بعين النظر ضخامة قطار أنشتاين الفلكي. إن الطريق الذي اجتازه الشعاع من الأرض إلى سقف عربة القطار ذهاباً وإياباً يعادل بالنسبة للمسافر ضعف الارتفاع أي 2 × 900000 = 1800000 كم. ولاجتياز هذا الطريق يحتاج شعاع الضوء إلى 1800000 ÷ 300000= 6ثا. وإذاً فعندما مضت 10 ثوان من الوقت على المحطة انقضت في القطار 6 ثوان فقط وهكذا فإذا وصل القطار حسب ساعة المحطة بعد ساعة من انطلاقه فإنه حسب ساعة المسافر يصل بعد فترة زمنية قدرها 60 × 6 ÷ 10 = 36 دقيقة من انطلاقه وبعبارة أخرى فإن ساعة المسافر تأخرت عن ساعة المحطة خلال ساعة واحدة بأربع وعشرين دقيقة وليس من الصعب إدراك تأخر الساعات سيزداد كلمات ازدادت سرعة القطار والحقيقة فكلما اقتربت سرعة القطار من سرعة الضوء كلما اقترب ضلع القائمة أ د الذي يمثل الطريق الذي اجتازه القطر إلى وتر الزاوية القائمة أ ب الذي يمثل الطريق الذي اجتازه الضوء خلال نفس الوقت ونتيجة لذلك فستقل النسبة بين طول الضلع القائمة ب د والوتر أ ب ولكن هذه النسبة هي عبارة عن نسبة الفترة الزمنية وفي القطار إلى الفترة الزمنية في المحطة فكلما عملنا على تقريب سرعة القطار من سرعة الضوء يمكننا خلال ساعة زمنية من ساعات المحطة الحصول على فترة زمنية متناهية في الصغر من القطار(36). إن لهذه النتيجة القائلة بأنه كلما ازدادت السرعة قبل الزمن بالغ الأهمية في دراستنا لعلاقة الروح بلحظة الموت وبالزمان والمكان وبالخلود. فالإنسان عندما يتكلم عن الموت والفناء يتكلم من منطلق اعتبار ذاته مركز الكون من اعتبار أن الكون يسير تبعاً لأفكاره ومقاييسه الخاصة به فقط. لكن الكون يتمرد على كل إطلاق وهو ليس ما يجب أن يكون بل هو ما وجد ليكون. إن الطبيعة لا تعبأ بالصعوبات التحليلية. وأضيف إلى ذلك أنها لا تكترث للصعوبات الفلسفية ولا لقوانين المنطق بل ولا لمقتضيات الفيزياء إذ إنها تعمل وكفى. وأما القول بأن فكرة من الفكرة لا تكون صحيحة إلا بمقدار ما تنطبق على عقولنا فهو هراء لأن ذلك معناه أن يكون الكون من "زمان ومكان" قَدْ قُدَّ بالضرورة وفقاً لمقولات عقلنا وإنه يحرص على الانسجام مع مطالب فكرنا وهذا رجوع إلى غائبة القرون الوسطى وإلى غرور النظرة التي تجعل من الأرض والإنسان مركز العالم فليكن الكون ما يحلو له أن يكون وما علينا إلا أن نسجل كينونته(37). ما علينا إلا أن نعلم أن الموت ما هو إلا انتقال من حال إلى حال في كون مترامي الأطراف يخضع لقوانين هذا الكون وهو لا يصدق إلا على كوكبنا: من هنا من هذا الكوكب وفيه كان يقول بعض الناس: الموت لا شيء، الموت هو العدم. "إن الخوفين كليهما الخوف من العدم والخوف من حال الموت هما بلا أساس والعدم ليس عدماً إلا بإزاء الواقع الذي وجد في الزمان والمكان فهل يقضي هذا على الشعور بالخلود؟ ولكن التعطش للخلود لا يخلو من معنى، ذلك أن كياننا شيء لا يمكن أن نؤمن بأنه فان وأن رسالة الفلسفة هي أن تلقي بعض النور على طبيعة هذا الشيء. إن ظمأ البقاء يرجع إلى الوجود أما إرادة الخلود فإنه شيء آخر تماماً(38). الخلود هو الذي بقي الناس دهراً وهم يظنون أنه ذلك الشيء الذي ليس لها نهاية باعتبار موتهم هو البداية. كما كان يُعتقد قبل النظرية النسبية بأنه لو تلاشى كل شيء من الكون فسوف يبقى الزمان والمكان على حالهما. إلى أن استطاع عبقري كأنيشتاين من خلال معادلاته أن يبين أن الكون يتسع من حولنا وأنه نهائي ولكنه غير محدود إذ لا أول له ولا آخر فأي نقطة تصلح أن تكون أولاً وأن تكون آخِراً له فهو محدب منحني كسطح الأرض له حجم معين فهو نهائي غير محدود. فأينما انتقل الإنسان على سطح الأرض ومهما ابتعد فلن يصادف حافة له. أما بعد ظهور النسبية نقول: إنَّ "الكون ليس نهائيّاً ولا وليس ثابتاً، إنما هو شيء بين ذا وذاك لا تدركه الأوهام ولا يخطر في الأذهان"(39). من هنا سوف ننطلق في معالجتنا لمسألة الخلود وبما أن أنيشتين استطاع أن يثبت بالمعادلات الحسابية التي يستطيع فهمها أي طالب مبتدئ في عالم الجبر والهندسة بأنه كلما ازدادت السرعة قل الزمن ونقص يمكننا تعريف الزمن والمكان ووضعهما في حيز المعرفة والفهم والعقل. الزمن: هو الوقت الذي يلزمه الضوء لينتشر في مكان ما. أما المكان: فهو الحيز الذي يشغله الضوء في زمن ما. وبهذا نجد أنَّهُ كلما ازدادت السرعة نقص الزمن وهذا ما برهناه سابقاً وفق معادلات أنيشتين وذلك بتثبيت المكان وبتثبيت الزمان. ومن ثم فإنه كلما ازدادت السرعة اتسع المكان. وفقاً لذلك إذا وصلت السرعة إلى درجة ينعدم فيها الزمن ويكون فيها المكان لا نهائيّاً أي سرمديّاً فنكون قد حصلنا على الخلود وتخلصنا من سجن الزمان والمكان فإذا استطاعت الروح الممتزجة بالخالق بوعيها أن تهتز بالسرعة المطلوبة لها لتحصل على الخلود فلن يقف في وجهها لا الزمان ولا المكان أي أنها عند ذلك الحد فقط تعثر على الخلود. فالخلود ليس فكرة في الأذهان لا معنى لها بل إن الخلود موجود في الوجود نفسه وليس له نهاية ولكن له حدود لا نصل إلى حافتها أبداً. تبين من ذلك أن الزمان والمكان هما من خصائصنا وحدنا فالطبيعة تجهل كل شيء عن زمان ومكان نظن أنهما من خصائصها وإنهما ينتسبان إليها بمعنى مطلق فهما من خصائصنا نحن وينتسبان إلينا وليس لهما أي معنى خارجي عندما نحس ونقيس لأن كل منا يشق طريقه في متصل رباعي الأبعاد ويصطنع كونه وينحت زمانه ومكانه على نحوه الخاص به(40). إن البراهما قد خلق العالم ثم دخل فيه. هذا ما جاء في نص الأوبانشياد في الديانة الهندوسية منذ آلاف السنين. لقد قال القدماء أشياء كثيرة في شتى العلوم والميادين وخاصة أمور الغيب والأرواح وكان أساسها هو الإيمان بالغيب فكيف إذا اتضحت الأمور. إن أجمل انفعال يمكن أن تهتز له نفوسنا هو الانفعال الصوفي فهو أصل كل فن وكل حق. فمن ينعدم فيه هذا الشعور ولا تجد الدهشة سبيلاً إلى نفسه ويحيا هلوعاً جزوعاً فهذا ميت والسلام. هذا هو الموت الأبدي الخالد. إن معرفة أن ما لا ندركه موجود حقاً ويتجلى حكمة وأي حكمة؟! وجمال أي جمال؟! فلا ترى منه ملكاتنا الفقيرة غير أشد صوره فجاجة. أقول هذه المعرفة أي إن هذا الشعور هو محور الشعور الديني الصحيح فبهذا المعنى وبهذا المعنى وحده أضع نفسي في مصاف الرجال المتدينين تديناً عميقاً فأي إيمان عميق بالعقل الذي يتخلل هذا الكون لدى رجل مثل كبلر ونيوتن(41).. وأنيشتاين. إن حياة الإنسان ومضة وليس شيئاً في عمر الزمن ولكن هذه الومضة هي سر الوجود (ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ((42). إنها أول آيات القرآن الكريم في ثاني سورة فيه، وجعل فيها أول صفات المؤمنين المتقين هي الإيمان بالغيب. من هنا تنبع أهمية مشكلة الموت في حياة الإنسان فهي أساس مشاكله وهي مشكلة متصلة بالجانب الخلقي والنفسي والروحي للإنسان من خلال ارتباطها أشد الارتباط بمسألة الإيمان بالله لأن الإيمان بالله هو المحور الذي دارت حوله وتدور حوله اليوم المشكلات الفلسفية بغض النظر عن موضوعها المعالج. "وإذا كانت الفلسفة بحثاً في الأصول الأولى والغايات القصوى فليس أقرب من الموت بحثاً متصلاً بواحدة من أقصى الغايات بل آخرها وختامها ذلك أنه انتفاء الوجود ونهايته في الصورة التي ندركها في هذه الحياة الزائلة الدنيا"(43). وبما أن العلوم الرياضية توصف بأنها العلوم اليقينية التي تقطع دابر الشك باليقين الحتمي كان من واجب الفلسفة أن تعتمد وتتبع في القرن العشرين على العلوم الرياضية ثم يقدر صياغتها بطريقة فلسفية رائعة لتتجلى هذه اليقينية بأجمل صور الحكمة. وبفهم الموت ودراسته الدراسة العلمية البحتة الدراسة الموضوعية نستطيع وضع أسس رؤية جديدة لمشكلات فلسفية أخرى ترتبط بطريقة ما مع إشكالية الموت أو أنها نابعة منها مثل مشكلة المادة والروح حيث أن النظرية الحديثة تعد المادة طاقة مركزة والطاقة مادة مشتتة حيث وجد أنه "لو استحال 1 كغ من الفحم إلى طاقة خالصة لأعطى ما مقداره 25 تريليون كيلو واط ساعي أي ما تعطيه مصانع الولايات المتحدة الأمريكية مجتمعة من كهرباء لمدة شهرين متتابعين دون توقف"(44). إن المادة مكونة من طاقة والطاقة متكونة من مادة وكل منهما حالة عارضة موقوتة ظروف معينة ومن هنا كان موت المادة أو بالأصح تحولها من حال إلى حال ولادة وبدء حياة للطاقة وكذلك فإن مشكلة البدء والحدوث والنهاية والفناء قد بدأت تندرج في عقولنا في وحدة كلية أساسها سرعة النور وذلك من خلال معرفتنا كيف أن سرعة الضوء وعلاقتها بالزمان والمكان هي الكفيلة بإيجاد وإبداء الحادث وكذلك بإنهاء وإفناء تلك الحوادث والكلام عن ذلك يطول. وكذلك فإن مشكلة التمييز والتسيير قد بدأت بوادر حلولها تسطع في الأفق بل أن رؤية جديدة وفهماً جديداً بدأ لهذه المشكلة الخلقية الدينية الفلسفية من خلال الفهم العميق لقوانين الكون والتي تجعل منه كوناً يسير وفقاً لقانون أو بالأحرى قوانين ثابتة طبيعية ينتهي بها كل حادث من الحوادث هذه القوانين مستمدة من قانون وجود سرعة حدية للضوء 299792.58 كم/ ثا أو 300000 كم/ ثا إن وجود مثل هذه السرعة للنور جعل من التسيير هو القانون. أما تغطية سرعة الضوء في مسيرتها سرعات مختلفة دون هذه السرعة القصوى من أشياء وقوانين لكل شيء يجعلها تسير وفقاً لها ونعمل نحن أنفسنا من خلال هذه القوانين ونكتشف ما نكتشفه من خلال هذه القوانين ووفقاً لها والتمييز هو تابع لقانون علم الاحتمالات في الرياضيات وبذلك يكون الإنسان مخيراً ضمن حدود هذه القوانين المسيرة كل منها وفق قانونه الطبيعي الخاص به. إن هذه الإشكاليات الفلسفية وغيرها من إشكاليات متعددة سوف تتكشف عبر الزمن من خلال زيادة التعمق والفهم لكل من مفهومي الموت والروح "لأنه إذا ما جهل المرء أين توجد الحقيقة التي تأبى أن نعثر عليها نكون قد عودنا أعيننا أن نخترق محنة الساعة الأخيرة بالتطلع إليها بثبات. وبغير أدنى ريب توجد أشياء كثيرة يمكن قولها وسيقولها آخرون بطريقة أكثر قوة وبريقاً"(45). حقاً إن الوجود أكبر من عقولنا وهو يتحكم بنا وفق هذه القوانين فالمعادلات الرياضية تمشي بذكاء غامض يقلق المنطق ويدهش العقول ويترك الأسئلة مفتوحة على مصراعيها من دون جواب تلك المعادلات التي أتت بنتائج يقينية عن هذا الكون. ولكن على رغم ذلك فإن عقولنا لا تزال تأبى أن تعترف بذلك نتيجة لضعفها عن تخيل ما قد أتت به المعادلات الرياضية من وقائع إن ذلك اللغز والذكاء واليسر الرائع قد تجلى لعقولنا بها وامتنع عنها بها وإليه تحاكم [فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا](46). وبدأوا يضعون أرجلهم على أول الطريق للذهاب طوعاً أو كرهاً إلى ذلك القدر المحتوم الذي لا مفر منه إلا إليه. وكما أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ولكل شيء أساس يُبنى عليه كما هو الحال في علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء من مسلمات وبديهيات ومصادرات فإن بداية في الطريق نحو الخلود علينا التسليم بمسلمات هي الأساس الوحيد الصحيح لإعطاء نتائج صحيحة من مقدمات صحيحة. لأنه لو استطعنا أن نجد لكل سؤال جواباً يقينياً خالصاً ولو كان كل قول أو كل شيء مطلقاً محدوداً بحدود تفصله كل الفصل عما سواه ولو أردنا الاقتصار على معرفة الحواس لبقينا نلغي وإلى الأبد ذلك المصير الذي ألقى بنا في عالم محدود بحدود ذكائنا وحواسنا وإرادتنا، ولا نتمنى لأحد مهما بلغ ذكاؤه أن يظل محبوساً في عالم يقتصر هو فيه على ما تقدمه له حواسه المباشرة ليحسب نفسه أو يظن أنه قد عرف أعظم الأسرار وهو على هذا الكوكب الصغير وإنه قد فهم كل شيء. أما بالنسبة لمن أراد أن يثبت من ذلك كله فإننا نقول بأن هذا ليس ببعيد عن أي منكم فنحن نعلم أننا نحلم بعقولنا لا بأجسادنا نحن نحلم بقوى حتى الآن ما زال موقعها في الدماغ خفيّاً على علماء الأحياء ولكنها قوة موجودة ففي كل يوم وأثناء النوم ننتقل بأعمالنا وأخلاقنا وعلمنا أي بعقولنا وذاكرتنا إلى عالم الأرواح حيناً ثم نعود إلى أن يأتي اليوم الذي ننتقل به إلى ذلك العالم دون عودة. (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون((47) وقولـه تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون((48). والآن نستطيع أن نتأمل عظمة قول رسول الله (: [الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا]. إن كل هذه الحقائق أو الحركيات الصغيرة التي ندركها من دراستنا هذه تتوه كلها في رؤية رائعة الجمال أسميها صمت السكون. فعندما نجلس في ليلةٍ فيها السماء صافية والنجوم رائعة ونتأمل هذا الكون العميق نشعر بجمال هذه المعرفة، بجمال ما تعنيه كلمة صمت السكون. (1) عادل العوا: مقدمات الفلسفة ـ منشورات جامعة دمشق ـ دمشق ـ 1988م ـ 1989م ـ ص 385. (2) غسان السيد: إشكالية الموت في أدب جورج سالم وآخرون ـ دار معد ـ دمشق ـ 1993م ـ ص 11. (3) أحمد عبد الخالق: قلق الموت ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ 1987 ـ ص 11ـ 12. (4) المرجع السابق: ص 27. (5) المرجع السابق: ص 39. (6) المرجع السابق: ص 18. (7) أحمد عبد الخالق: قلق الموت ـ ص 18 + 19. (8) القرآن الكريم: سورة الملك ـ الآيتان 1 و2. (9) غسان السيد: الموت في أدب جورج سالم ـ ص 18 ـ 19. (10) غسان السيد: الموت في أدب جورج سالم وآخرون ـ ص 11. (11) عبد الرزاق مصطفى كيلو: الموت في البداية وحتى النهاية ـ دار المنارة ـ سورية ـ 1992. ص 49 ـ 50. (12) القرآن الكريم: سورة النازعات ـ الآية 6 ـ 12. (13) عبد الرزاق مصطفى كيلو: الموت من البداية وحتى النهاية ـ ص 54 ـ 58. (14) عادل العوا: مقدمات الفلسفة ـ ص 387. (15) عادل العوا: مقدمات الفلسفة ـ ص 396. (16) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ دار الفكر العربي ـ 1971م. ص 24ـ 25. (17) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 27 ـ 29. (18) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 40 ـ 41. (19) المرجع السابق ـ ص 41. (20) القرآن الكريم ـ سورة الحاقة ـ الآيتان 38 ـ 39. (21) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 36. (22) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة ـ دار الهجرة ـ إيران ـ 1412هـ ـ ص 395. (23) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 37. (24) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 42. (25) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 43. (26) المرجع السابق ـ ص 26. (27) المرجع السابق ـ ص 56. (28) المرجع السابق ـ ص 36. (29) غسان السيد: أدب الموت في أدب جورج سالم وآخرون ـ ص 51. (30) فرانسيس كريك: طبيعة الحياة ـ ترجمة أحمد ستجير ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ 1988م. ص 223. (31) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 49. (32) محمد عبد الرحمن مرحبا: أنيشتين والنظرية النسبية ـ دار القلم ـ بيروت ـ ص 72. (33) المرجع السابق ـ ص 75. (34) محمد عبد الرحمن مرحبا: أنيشتاين والنظرية النسبية ـ ص 77. (35) المرجع السابق ـ ص 78. (36) محمد عبد الرحمن مرحبا: أنيشتاين والنظرية النسبية ـ ص 60. (37) المرجع السابق ـ ص 67. (38) عادل العوا: مقدمات الفلسفة ـ ص 387. (39) محمد عبد الرحمن مرحبا: أنيشتاين والنظرية النسبية ـ ص 116. (40) المرجع السابق ـ ص 95. (41) المرجع السابق ـ ص 129 ـ 130. (42) القرآن الكريم ـ سورة البقرة ـ آية 1+ 2+ 3. (43) أحمد عبد الخالق: قلق الموت ـ ص 14. (44) محمد عبد الرحمن مرحبا: أنيشتاين والنظرية النسبية ـ ص 85. (45) رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد ـ ص 55. (46) حديث نبوي شريف. (47) القرآن الكريم: سورة الأنعام ـ آية 60. (48) القرآن الكريم: سورة الزمر ـ آية 42. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |