مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الغريب عند نهاية الامواج ـــ طالب همّاش

الشمسُ من ذهبٍ على سفح الغروبْ.‏

وفؤادها المحمرُّ فوق الجمرِ‏

يسبحُ في مياه الليل قديساً‏

على قمر السهوبْ.‏

الشمسُ من ذهبٍ...‏

ترشُّ سنابلَ القمحِ الصغيرةَ‏

بالندى الورديّ‏

فيما حزنها النائي يذيبُ سنابلَ الصابونِ‏

في أفقٍ من الخرّوبِ‏

أو يشتقُّ كحلَ الليلِ من أهداب مريمْ.‏

شمسٌ مذهّبة الضفائرِ في حقول المغربِ الشفافِ‏

ترفعها أكفُّ النايِ فوق أنينها المبحوح‏

ثم يردها جسدُ الهلالِ العذبُ‏

عن ندمِ السماواتِ المحرّمْ.‏

فتغوصُ في ماء الفراتِ الصعبِ‏

كالسيفِ المضاءِ بحزنهِ النهديّ‏

بينا تلمحُ الفتياتُ أجراساً‏

تعرّي قلبها المبيضَّ للشهواتِ،‏

والحزن الحسينّي الذي يمتدُّ خلفَ‏

شقائقِ النعمانِ‏

من أقصى الشهورِ إلى محرّمْ!‏

فتشقُّ قمصانَ النبيّ‏

حمامةٌ مذبوحة في حقلِ دمْ!‏

وتطيرُ ما بين الغيومِ البيضِ‏

تبحثُ عن سماواتٍ محنّاةٍ بحزنِ الروحِ‏

لكن الأعالي لا تجيدُ الحزنَ‏

والفرح الكذوبْ.‏

والشمسُ من ذهبٍ على سفح الغروبْ.‏

هل هذه الشمسُ المصابةُ بالفراقِ‏

محجّةُ الغرباءِ؟...‏

أم إيماءةُ الماضي التي يمشي الغريبُ وراءها‏

ليرى رهابَ الموتِ‏

تحملهُ على الأكتافِ أجسادُ الندامةِ‏

منذ آلاف السنينْ؟!‏

... ليرى سوادَ الليلِ تحملهُ جموعُ المريماتِ‏

من المسيحِ إلى الحسينْ.‏

أم أنها مُتعبّدٌ لليأسِ‏

عند نهايةِ الأمواجِ‏

يقصدهُ الغريبُ بقلبه الأعمى‏

ليجلسَ رائياً بين السكينة والسكينْ؟‏

...متوحّداً بالناي‏

أسمعُ في المغيبِ تنهّدَ النائينَ...‏

ألمحُ في المدى‏

وجهاً فراتيّاً يميلُ بحزنهِ المحروقِ‏

فوقَ مضاربِ البدو القدامى،‏

ألمحُ امرأةً تسرّحُ شعرها الأمواجُ‏

أمشاطاً لليلِ العاشقينْ.‏

... معضوضةُ النهدينِ كالتفّاحِ من جهةِ الشروقِ‏

كأنها ثمرٌ لأوجاعِ الطبيعةِ‏

قطّرتها من لبابِ النايِ‏

خمرةُ عاشقٍ مرّ،‏

وشمَّ مذاقها السكّيرُ مذهولاً‏

بطعمِ الاحتضارْ!‏

هيَ من رأتْ في الليلِ يوسفَ‏

طالعاً كالبدرِ‏

(أجملَ من غروبِ الشمسِ)‏

نادتهُ‏

فلم تسمعْ سوى نغمٍ يذيبُ‏

بكارةَ الأزهارِ في ماءِ الشموعْ،‏

ويستديرُ على محيّاهُ الهلالْ!‏

هيَ من رآها الصبحُ‏

أصفى من شروقِ الشمسِ....‏

طافية أنوثتها على التفاحِ‏

ناداها فلم يسمعْ سوى‏

رجعِ التأوّهِ في الصدى‏

وتراكضَ الليمونُ في سهلِ البقاعِ‏

شَبِيْهَ صفرتهِ‏

لينحتَ من دموعِ اليأس‏

أنصابَ الظلالْ!‏

هيَ من رأته‏

هوَ ما رآها‏

هيَ ما رأته‏

هوَ من رآها‏

لكنما قمرُ المواويلِ اشتهاها‏

وهي تغسلُ في مياهِ النهر صلصالَ الأنوثةٍ‏

إذ تراءتْ عضّةُ الشمسِ الصغيرةُ تحتَ نهديها لهُ..‏

حمراءَ كالتفاحةِ البكرِ التي ما مسَّها ضوءٌ‏

ولا قطفتْ يدانْ!‏

مِنْ ذلكَ الماء الذي ينحلُّ‏

من فِطْرِ الوحامِ الغضّ‏

تنبتُ زهرةُ الحنّاءِ قانيةً‏

كصحنِ الأقحوانْ!‏

ورأى الحليبَ بأمِّ عينيهِ‏

يطيّرُ من غبارِ الطلعِ أصدافاً لحزنِ الروحِ‏

شاهدَ موتَهُ المخبوءَ في جسدِ الأنوثةِ‏

طاهراً كالماء،‏

مرّاً كالجذامْ.‏

ورأى قصاصاتٍ مدلاة على الأزهارِ‏

تقطرُ من فؤادِ المرأةِ المعبودِ..‏

شاهدَ في عراءِ النهدِ ظلَّ حمامةٍ بيضاءَ‏

فاردة جناحيها‏

على زيتونةِ الحزنِ الحرامْ.‏

هي أيَّةُ امرأةٍ‏

تلاطمُ شعرها الأمواجُ‏

فوقَ رمالها العطشى،‏

ويحملها الحفيفُ على سنابلِ قمحهِ المبحوحِ‏

كي يرثَ الهبوبُ خريرَهُ المخضرَّ من دمها..‏

وشهوتها ترفرفُ كالملاءةِ في الظلامْ.‏

أبداً يحدّقُ شاعرٌ في ذلك الأفقِ الحزينِ‏

لزهرةِ الحنّاءِ‏

مشدوداً على وترِ الفراقِ كآخرِ الناياتِ،‏

منتظراً دنوَّ الموتِ من دمه‏

ليحني جذعَهُ المكسورَ فوق السيفِ‏

منتحراً على كرسيّهِ المتروكِ‏

في أقصى السنينْ!‏

من شرفةٍ مهجورةٍ يتأمّلُ الرجلُ الغريبُ‏

طيورُ عزلتهِ تجدّفُ في غروبِ الشمسِ‏

حاملةً ضريحاً شاغراً للخاطئينْ!‏

لا الليلُ.. لا الأحزانُ‏

لا (أحدٌ) سيعرفُ ما الذي‏

جعلَ الغريبَ يصيحُ في رحمِ السكينةِ‏

يائساً:‏

يا ليلُ هل هذا السوادُ خطيئةُ العشاقِ،‏

أم حبرُ الكهانةِ في مُتَعَزَّلِ الشعراءِ،‏

أم ندمُ الحياةِ بشخصها الأعمى‏

لما ارتكبتْ من الأحزانِ والألمِ المهيبْ!؟‏

أم أنه رجلٌ حزينٌ‏

حوّلتهُ العزلةُ الظمآى‏

إلى ما يشبهُ المنحوتة الصمّاء...‏

في كهفِ المغيبْ؟‏

لم يبقَ غيرُ اليأسِ‏

يذبحُ أغنياتِ الحزنِ في فردوسهِ المهجورِ،‏

والخمرِ التي تخزُ المواجعَ في سويداءِ الغريبْ!‏

لم يبق إلا عاهلُ الأحزانِ‏

مشنوقُ المراثي فوقَ صلبانِ النحيبْ!‏

فكأنَّ من قهرتهُ أسبابُ الحياةِ‏

يظلُّ طولَ العمرِ كالفزّاعةِ الجوفاءِ‏

منفرداً كئيبْ!‏

وكأنّ من دخلَ المدينة عاشقاًَ‏

لا بدّ أن يمضي وحيداً‏

حين يكبرُ حزنهُ،‏

ويدقُّ ناقوسُ المغيبْ!‏

لا شيءَ يتبعُ ظلّه إلا عواء الليلِ بالخسرانِ‏

والأوعارُ توحشُ قلبه الدامي‏

وتتركهُ وحيداً في العراءْ.‏

وهناك في مأوى الكآبةِ‏

حيث يبكي الكاهنُ الأبديُّ للأيامِ‏

ساعاتِ المساءْ.‏

(جلسَ الغريبُ) مكفّناً ببكائهِ‏

يتأمّل الأمواجَ كي ينسى مقاماتِ البكاءْ!‏

في ذلكِ الشفقِ الجريحِ‏

رأى حمامةَ روحهِ البيضاءَ داشرةً‏

على طرفِ الغيومِ السودِ‏

تسبحُ في عشيّاتِ الفراقِ‏

ففاضَ فيه الحزنُ،‏

فاضَ حنينه المحروقُ لامرأةٍ‏

فناحتْ في أقاصي الروحِ أبياتُ الرثاءْ!‏

وعلا بكاءٌ ضارعٌ في الريحِ‏

من جهةِ الغروبِ،‏

محمّلاً بتنهّدٍ محدودبٍ في صوتِ نايْ!‏

فرأيتُ سرباً من (شحاريرٍ)‏

يحوّمُ كالحمائمِ في أسايْ...‏

وصبيّةً محنيّةًَ مثل الهلالِ‏

على غديرِ الليلِ..‏

راخيةً ضفائرها على أمواجهِ السكرى‏

كشلالِ الشموعْ.‏

والماءُ ينضحُ تحت ساقيها‏

جراراًَ من دموعْ.‏

في غفلةٍ من قلبها‏

اهتزّتْ شجيرةُ فجرها المحمرِّ‏

وانكشفت جبالُ العتمِ عن طفلٍ يصلّي‏

الفجرَ في ذّيالكَ الأفقِ اليسوعْ.‏

فاسّاقطتْ من صدرها المبيضِّ‏

حاءاتُ المواويل الحزينةِ‏

بينما سالتْ دموعُ العينِ في حزنٍ وموسيقى‏

ليشربها الطلوعْ!‏

شاهدتها بثيابها البيضاءِ واقفةً‏

تيمّمُ وجهها جهةَ الشروقِ‏

كزهرةِ العبَّادِ،‏

يسقيها الحمامُ هديلَ عينيه الحزينَ،‏

ويستحمُّ الموتُ تحت جدائلِ الشعرِ المذهّبِ‏

مثلما السكّيرِ‏

حتى يرتوي وجدُ الثمالهْ.‏

وتضيءُ في دمها النجومُ الزهرُ‏

أصيافاًَ مصفّاةَ الليالي‏

ثمّ تُشعلُ قلبها مثل الشموعِ‏

لتملأ الدنيا قصاصاتٍ مذهبّةً‏

وتشعُّ من حزنِ الغلالهْ.‏

فأبحتُ في الليلِ البهيمِ بكاءَ روحي‏

صارخاً: هل هذه الدنيا امرأهْ؟...‏

يجري وراء سرابها العشاقُ‏

كي يتجرّدوا من يأسهم؟‏

لكنّهم لا يحصدونَ سوى الندامةِ والنحيب!‏

أم أنها مرثيّةُ الموتِ الأخيرةُ‏

تُسكرُ العشاقَ بالطعمِ المريرِ لخمرةِ الدنيا‏

وتلقيهم إلى أمّيّةِ الموتِ الحبيبْ؟‏

لم ينته قلبٌ ليعصمني من الليلِ المجرّدِ‏

بينما قمري وحيدٌ فوق مئذنةِ المدينةِ‏

يدشرُ في العشيّاتِ الحزينةِ كالغريبْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244