|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الغريب عند نهاية الامواج ـــ طالب همّاش الشمسُ من ذهبٍ على سفح الغروبْ. وفؤادها المحمرُّ فوق الجمرِ يسبحُ في مياه الليل قديساً على قمر السهوبْ. الشمسُ من ذهبٍ... ترشُّ سنابلَ القمحِ الصغيرةَ بالندى الورديّ فيما حزنها النائي يذيبُ سنابلَ الصابونِ في أفقٍ من الخرّوبِ أو يشتقُّ كحلَ الليلِ من أهداب مريمْ. شمسٌ مذهّبة الضفائرِ في حقول المغربِ الشفافِ ترفعها أكفُّ النايِ فوق أنينها المبحوح ثم يردها جسدُ الهلالِ العذبُ عن ندمِ السماواتِ المحرّمْ. فتغوصُ في ماء الفراتِ الصعبِ كالسيفِ المضاءِ بحزنهِ النهديّ بينا تلمحُ الفتياتُ أجراساً تعرّي قلبها المبيضَّ للشهواتِ، والحزن الحسينّي الذي يمتدُّ خلفَ شقائقِ النعمانِ من أقصى الشهورِ إلى محرّمْ! فتشقُّ قمصانَ النبيّ حمامةٌ مذبوحة في حقلِ دمْ! وتطيرُ ما بين الغيومِ البيضِ تبحثُ عن سماواتٍ محنّاةٍ بحزنِ الروحِ لكن الأعالي لا تجيدُ الحزنَ والفرح الكذوبْ. والشمسُ من ذهبٍ على سفح الغروبْ. هل هذه الشمسُ المصابةُ بالفراقِ محجّةُ الغرباءِ؟... أم إيماءةُ الماضي التي يمشي الغريبُ وراءها ليرى رهابَ الموتِ تحملهُ على الأكتافِ أجسادُ الندامةِ منذ آلاف السنينْ؟! ... ليرى سوادَ الليلِ تحملهُ جموعُ المريماتِ من المسيحِ إلى الحسينْ. أم أنها مُتعبّدٌ لليأسِ عند نهايةِ الأمواجِ يقصدهُ الغريبُ بقلبه الأعمى ليجلسَ رائياً بين السكينة والسكينْ؟ ...متوحّداً بالناي أسمعُ في المغيبِ تنهّدَ النائينَ... ألمحُ في المدى وجهاً فراتيّاً يميلُ بحزنهِ المحروقِ فوقَ مضاربِ البدو القدامى، ألمحُ امرأةً تسرّحُ شعرها الأمواجُ أمشاطاً لليلِ العاشقينْ. ... معضوضةُ النهدينِ كالتفّاحِ من جهةِ الشروقِ كأنها ثمرٌ لأوجاعِ الطبيعةِ قطّرتها من لبابِ النايِ خمرةُ عاشقٍ مرّ، وشمَّ مذاقها السكّيرُ مذهولاً بطعمِ الاحتضارْ! هيَ من رأتْ في الليلِ يوسفَ طالعاً كالبدرِ (أجملَ من غروبِ الشمسِ) نادتهُ فلم تسمعْ سوى نغمٍ يذيبُ بكارةَ الأزهارِ في ماءِ الشموعْ، ويستديرُ على محيّاهُ الهلالْ! هيَ من رآها الصبحُ أصفى من شروقِ الشمسِ.... طافية أنوثتها على التفاحِ ناداها فلم يسمعْ سوى رجعِ التأوّهِ في الصدى وتراكضَ الليمونُ في سهلِ البقاعِ شَبِيْهَ صفرتهِ لينحتَ من دموعِ اليأس أنصابَ الظلالْ! هيَ من رأته هوَ ما رآها هيَ ما رأته هوَ من رآها لكنما قمرُ المواويلِ اشتهاها وهي تغسلُ في مياهِ النهر صلصالَ الأنوثةٍ إذ تراءتْ عضّةُ الشمسِ الصغيرةُ تحتَ نهديها لهُ.. حمراءَ كالتفاحةِ البكرِ التي ما مسَّها ضوءٌ ولا قطفتْ يدانْ! مِنْ ذلكَ الماء الذي ينحلُّ من فِطْرِ الوحامِ الغضّ تنبتُ زهرةُ الحنّاءِ قانيةً كصحنِ الأقحوانْ! ورأى الحليبَ بأمِّ عينيهِ يطيّرُ من غبارِ الطلعِ أصدافاً لحزنِ الروحِ شاهدَ موتَهُ المخبوءَ في جسدِ الأنوثةِ طاهراً كالماء، مرّاً كالجذامْ. ورأى قصاصاتٍ مدلاة على الأزهارِ تقطرُ من فؤادِ المرأةِ المعبودِ.. شاهدَ في عراءِ النهدِ ظلَّ حمامةٍ بيضاءَ فاردة جناحيها على زيتونةِ الحزنِ الحرامْ. هي أيَّةُ امرأةٍ تلاطمُ شعرها الأمواجُ فوقَ رمالها العطشى، ويحملها الحفيفُ على سنابلِ قمحهِ المبحوحِ كي يرثَ الهبوبُ خريرَهُ المخضرَّ من دمها.. وشهوتها ترفرفُ كالملاءةِ في الظلامْ. أبداً يحدّقُ شاعرٌ في ذلك الأفقِ الحزينِ لزهرةِ الحنّاءِ مشدوداً على وترِ الفراقِ كآخرِ الناياتِ، منتظراً دنوَّ الموتِ من دمه ليحني جذعَهُ المكسورَ فوق السيفِ منتحراً على كرسيّهِ المتروكِ في أقصى السنينْ! من شرفةٍ مهجورةٍ يتأمّلُ الرجلُ الغريبُ طيورُ عزلتهِ تجدّفُ في غروبِ الشمسِ حاملةً ضريحاً شاغراً للخاطئينْ! لا الليلُ.. لا الأحزانُ لا (أحدٌ) سيعرفُ ما الذي جعلَ الغريبَ يصيحُ في رحمِ السكينةِ يائساً: يا ليلُ هل هذا السوادُ خطيئةُ العشاقِ، أم حبرُ الكهانةِ في مُتَعَزَّلِ الشعراءِ، أم ندمُ الحياةِ بشخصها الأعمى لما ارتكبتْ من الأحزانِ والألمِ المهيبْ!؟ أم أنه رجلٌ حزينٌ حوّلتهُ العزلةُ الظمآى إلى ما يشبهُ المنحوتة الصمّاء... في كهفِ المغيبْ؟ لم يبقَ غيرُ اليأسِ يذبحُ أغنياتِ الحزنِ في فردوسهِ المهجورِ، والخمرِ التي تخزُ المواجعَ في سويداءِ الغريبْ! لم يبق إلا عاهلُ الأحزانِ مشنوقُ المراثي فوقَ صلبانِ النحيبْ! فكأنَّ من قهرتهُ أسبابُ الحياةِ يظلُّ طولَ العمرِ كالفزّاعةِ الجوفاءِ منفرداً كئيبْ! وكأنّ من دخلَ المدينة عاشقاًَ لا بدّ أن يمضي وحيداً حين يكبرُ حزنهُ، ويدقُّ ناقوسُ المغيبْ! لا شيءَ يتبعُ ظلّه إلا عواء الليلِ بالخسرانِ والأوعارُ توحشُ قلبه الدامي وتتركهُ وحيداً في العراءْ. وهناك في مأوى الكآبةِ حيث يبكي الكاهنُ الأبديُّ للأيامِ ساعاتِ المساءْ. (جلسَ الغريبُ) مكفّناً ببكائهِ يتأمّل الأمواجَ كي ينسى مقاماتِ البكاءْ! في ذلكِ الشفقِ الجريحِ رأى حمامةَ روحهِ البيضاءَ داشرةً على طرفِ الغيومِ السودِ تسبحُ في عشيّاتِ الفراقِ ففاضَ فيه الحزنُ، فاضَ حنينه المحروقُ لامرأةٍ فناحتْ في أقاصي الروحِ أبياتُ الرثاءْ! وعلا بكاءٌ ضارعٌ في الريحِ من جهةِ الغروبِ، محمّلاً بتنهّدٍ محدودبٍ في صوتِ نايْ! فرأيتُ سرباً من (شحاريرٍ) يحوّمُ كالحمائمِ في أسايْ... وصبيّةً محنيّةًَ مثل الهلالِ على غديرِ الليلِ.. راخيةً ضفائرها على أمواجهِ السكرى كشلالِ الشموعْ. والماءُ ينضحُ تحت ساقيها جراراًَ من دموعْ. في غفلةٍ من قلبها اهتزّتْ شجيرةُ فجرها المحمرِّ وانكشفت جبالُ العتمِ عن طفلٍ يصلّي الفجرَ في ذّيالكَ الأفقِ اليسوعْ. فاسّاقطتْ من صدرها المبيضِّ حاءاتُ المواويل الحزينةِ بينما سالتْ دموعُ العينِ في حزنٍ وموسيقى ليشربها الطلوعْ! شاهدتها بثيابها البيضاءِ واقفةً تيمّمُ وجهها جهةَ الشروقِ كزهرةِ العبَّادِ، يسقيها الحمامُ هديلَ عينيه الحزينَ، ويستحمُّ الموتُ تحت جدائلِ الشعرِ المذهّبِ مثلما السكّيرِ حتى يرتوي وجدُ الثمالهْ. وتضيءُ في دمها النجومُ الزهرُ أصيافاًَ مصفّاةَ الليالي ثمّ تُشعلُ قلبها مثل الشموعِ لتملأ الدنيا قصاصاتٍ مذهبّةً وتشعُّ من حزنِ الغلالهْ. فأبحتُ في الليلِ البهيمِ بكاءَ روحي صارخاً: هل هذه الدنيا امرأهْ؟... يجري وراء سرابها العشاقُ كي يتجرّدوا من يأسهم؟ لكنّهم لا يحصدونَ سوى الندامةِ والنحيب! أم أنها مرثيّةُ الموتِ الأخيرةُ تُسكرُ العشاقَ بالطعمِ المريرِ لخمرةِ الدنيا وتلقيهم إلى أمّيّةِ الموتِ الحبيبْ؟ لم ينته قلبٌ ليعصمني من الليلِ المجرّدِ بينما قمري وحيدٌ فوق مئذنةِ المدينةِ يدشرُ في العشيّاتِ الحزينةِ كالغريبْ! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |