مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تهويمات اليمام الغريب ـــ سمر علوش

يحطُّ يمامٌ غريبٌ‏

على شجر الذكريات القصيَّةِ‏

منذ ذبول الحنينْ،‏

كأَنْ لا حدائقَ عريانةً‏

غير روحي‏

ليعصفَ في فصلها الذهبيِّ‏

كأَنَّ التفاصيلَ حولي مآذنُ شاهقةٌ‏

وتذوبُ إذا ما صحوتُ‏

كحبَّةِ ليلٍ على شفةِ الشمسِ‏

كلُّ التَّفاصيلِ بوابةٌ للبكاءِ‏

إلى آخر الجمرِ‏

ترجُني بالصَّقيعِ على عتباتِ السُّكونْ..‏

كأَنّي أُجمِّعُ أطرافَ وجهيَ‏

من فلَواتِ الغيابِ‏

أشُدُّ السفوحَ الثَّقيلةَ من خصرها‏

لتنامَ على كفيَّ الغضِّ‏

ثمَّ أُلفِّقُ كلَّ الأكاذيبِ‏

بين الجهات وحلمي‏

تُراني ذهبتُ،‏

وصلَّى على شرفات مدائنيَ الآخرونْ؟‏

لكَ الآن يا عُمرُ أن تتدلَّى‏

عناقيدَ من سقف صبري‏

لأستلَّ أسئلتي‏

وأدورَ على شفة الكأسِ‏

سبعَ خمورٍ‏

أَلَيلُكَ هذا الذي كنتُ فيهِ‏

أُجمِّعُ صبحَ الأراجيح من رقصات الطفولةِ؟‏

أخطفهُ قمراً، قمراً‏

من كتاب الحكايا‏

لأُنفِقَ صفصافةً كنتُها‏

فوقَ رمل الأنوثةِ،‏

حتى تهاوت على سَكَراتِ سواحلها‏

قبَّراتُ السِّنين؟‏

أَليلُكَ هذا الذي أسقطَتني طواحينُهُ‏

يدركُ الآنَ في آخر السطرِ‏

ما فاتَ شرفتَه من دموع انتظاري‏

ويمطرني بالسواد الطويلِ..؟‏

حبيبٌ يرصِّعُ لونَ السماءِ‏

بداليةٍ من رموش النجومِ‏

ويأتي بُعيدَ المغيبِ‏

ليمحوَ حبرُ قصائده دميَ الطفلَ‏

ثم يعرّي بقايايَ من فاكهاتِ النَّدى‏

ويربّي صغاراً من الشَّكِّ‏

قرب ضفافِ اليقينْ.‏

صديقٌ.. أفاقت لضحكتهِ‏

من سلالِ الشّروقِ رفوفُ العصافيرِ‏

خبَّأتُه قرب حلمي‏

ليقطَعني فأسُ هذا الزمانِ‏

إذا ما دنا من سماواتهِ‏

هل تُراهُ اهتدى دون قلبي إلى الدفءِ‏

حتى يسيلَ على نبضهِ‏

ـ بعد عمرٍ ونيِّفَ ـ كالنَّارِ‏

حتى يُعِدَّ لوردٍ مضى كلَّ هذا الأنينْ؟‏

وأمّي التي عدتُ من سفر الروحِ‏

حتى أُداعبَ وجدَ صباها‏

تودِّعني كإلهٍ‏

يسلّم للريح أسرارَهُ‏

وصحائفَ أنوارهِ‏

ثمَّ يركض نحو الغروب رويداً...‏

رويداً...‏

يرتِّل لغزَ الخليقةِ ثمَّ يغيبُ‏

فلا الظلماتُ التي أورثَتنا ستغدو ضياءً..‏

ولا بوحها يهبط الآن من جهة الضوءِ‏

كي يمطرَ الكونُ فضَّتَهُ‏

في فناءِ انتظاراتنا،‏

فألملمُ من صوتها المتراعش كالنبعِ‏

أشتاتَ صبري‏

وتصطفُّ أشجارُ فردوسنا نسقينِ‏

إذا انتثرت من يديها الطيوبُ..‏

ولولا تمرُّ مصابيحُها في مساءاتنا مَرةً‏

سنكونُ كما الماءِ‏

لا يخدشُ الماسَ فيها،‏

سنغدو صغاراً‏

ونختلقُ الخوفَ كيما تنامَ حكاياتُها‏

قبل إغفائنا‏

لو نصير صغاراً‏

ونخطفُ ما يتيسَّرُ من حضنها‏

وكقطعة ثلجٍ‏

على راحتيها نذوبُ...‏

لكَ الآن يا عمرُ.. أن تترددَ‏

مثل صدى الموجِ‏

أن تتردد مثل الغيوم الجديدة بالهطلِ‏

كلُّ الظلالِ التي أورثتها إلى الأرضِ قاماتُنا‏

تتخفَّى على بعد حزنٍ‏

وراءَ ستائرَ شفافةٍ مثل ثوب المساءِ، ثلاثونَ..‏

أسكبُ دمعَ الخطا في الشوارعِ،‏

أَقسمُ ريحَ الليالي الطويلةِ‏

بين البكاءِ وقلبي،‏

وأذكرُ أنَّ سواحلَها الخضرَ‏

كانت تموتُ على راحتيَّ،‏

أُعزِّي شواطئَها‏

ثم أمضي..‏

وأقترفُ العيشَ أكثرَ ممَّا تيسَّرَ للموتِ‏

ثمَّ أموتُ قليلاً...‏

وتجمَعُني بالصدى الريحُ،‏

أكثرَ ممَّا تطيقُ من الرَّقصِ غانيةُ الريحِ‏

تتركُ حوليَ عصفاً من الأصدقاءِ‏

وأصواتَ من عبروا حثتي‏

جمرةً.. جمرةً‏

ثمَّ غابوا بلا غصةٍ‏

مثلَ شمسِ البلادْ.‏

كأنّي أرى الوقتَ من عدمٍ‏

وإلى عدمٍ،‏

آنَ تقربُه الروحُ شيئاً... فشيئاً‏

لتلقى عليه الحقيقةَ من فوقِ قمتَّهِ‏

فيذوبُ بلا موعدٍ‏

ثم ينسلُّ منها إلى موتها‏

ويظلُّ على سفرٍ لا يحدُّ،‏

كما سندبادْ.‏

تفتِّشُ عنهُ خطايَ‏

على صدرِ كلِّ الدروبِ‏

تعانقهُ آنَ يسكنها‏

وتسطِّرُ فيه صدى ذكريات المواعيدِ‏

ثم يؤوبُ إلى رشدهِ آخر الليلِ‏

يتركُها لمناديلها، ويطيل البعادْ.‏

عميقٌ هو الوقتُ...‏

لا أدركُ المدنَ الذَّهبيَّةَ في بئرهِ،‏

وتموت الليالي على شاطئيهِ،‏

أَيذكرُ أنَّ دمي منذُ هزَّ النَّبيذُ توهجَهُ‏

يتلامَعُ كيما يرى غامضَ السرِّ،‏

يهدمُ مملكةً راودتَهُ ضلالاتُها‏

ليسيرَ على الماءِ‏

متَّشحاً بالهدى المُستعادْ؟‏

لكَ الآن يا عمرُ‏

أن تحملَ الحزنَ من فجوةٍ‏

لا أقلَّ من الليل عتمتها،‏

وتموتَ وحيداً...‏

فكلُّ الأناشيدِ تترك مقعدَها للبكاءِ،‏

وتغفو ليثمرَ هذا المدى الليلكيُّ خلودَكَ،‏

نَمْ‏

ليبادلَكَ البحر ملحاً بأنثاهُ‏

نَمْ‏

ليس عندي سوى تمتماتِ الرقادْ.‏

يَحُطُّ يمامٌ غريبٌ يقولُ:‏

تموتُ الأناشيدُ حين نموتُ،‏

ويتَّشحُ الكونُ بعد قصائدنا بالسوادْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244