|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
تَمُّوز في المدينة(1) ـــ د.شاكر مطلق "تمُّوزُ" عادَ إلى المدينةِ شاحباً مثلَ الظِّلالِ مُسَرْبَلاً ثوبَ الحِدادْ مِنْ بعدِ أن طالَ الغيابُ وحلَّ في الرّوحِ الرَّمادْ... سَعَفُ النَّخيلِ بِكفِّهِ لا خبزَ فيها، لا مطرْ إلاَّ نشيدَ الموتِ يعلو كالحرائقِ بالدّخَانِ يَلُّفُّ قاماتِ النَّخيلِ بما يليقُ من السَّوادِ ليبتدي طقسُ الحِدادِ مع التَّراتيلِ الحزينةِ في مَناحاتِ البلادْ... "تمُّوزُ" عادَ ولم يصلْ خيرُ الرَّبيعِ المُنتَظرْ ليُعيدَ للطِّفلِ الرَّضيعِ على النُّهودِ الضَّامراتْ لبنَ النَّجاةْ ويعيدَ للمَرجِ القَطيعْ مِنْ بعدِ أَهْوالِ الصّقيعِ ورِحلةِ القَحطِ الطَّويلْ فعَلامَ عادَ الآنَ في فصلِ المَواتِ وكانَ نبعاً للحياةِ يَفيضُ بالخيرِ الوَفيرْ يَهَبُ الرَّغيفَ مع العسلْ يَسقي جميعَ الكائناتْ ماءَ التَّآخي والسَّلامِ يعيدُ للرُّوحِ الوئامْ؟!... مَنْ أيقظَ الرَّبَّ النَّحيلَ مِنَ التَّجلِّي في الظلامِ وكانَ يجثو في الصلاةِ لينتهي طَقسُ العذابِ ويَبتدي طقسُ الخَلاصْ؟ أَلقاهُ في سِحْرِ المَنامِ إلى كوابيسِ الغزاةْ يأتونَ مِنْ عُمقِ السَّرابِ على الخيولِ الصَّافناتْ عبْرَ البوادي اليَعربيةِ والجهاتِ الفارغاتِ؟! ليشهدَ التِّنينَ في أرض "الفراتِ" يَسدُّ أبوابَ النَّجاةِ على عُراةٍ جائعينْ كانوا دروعاً للعربْ في القَحطِ يُعطونَ الرَّغيفْ والبطنُ خاوٍ كالرِّمالِ ديارُهمْ كانتْ ملاذاً للقويِّ وللضَّعيفْ فرسانُ عهدٍ لنْ يعودَ إلى خليجٍ يَندثِرْ رَهَنَ الكرامةَ والثُّغورَ وإِرثَ "سومَرَ" في العَرَبْ كالجُرذ فرَّ مِنَ القتالِ إلى الجَواري والقصورْ والآنَ تُحتَضرُ العواصمُ والشَّعوبُ بلا شعورٍ لا تَصيحُ ولا تَثورُ على عروشٍ تالفاتِ دونَ مَجْدٍ أو جُذورٍ كلُّ مَنْ فيها عبيدٌ بلْ قرودٌ للفجورْ قمرُ الخليجِ مُكسَّرٌ لا نورَ فيهِ ولا يدورْ مَجدورُ تَعلوهُ البُثورْ... في العالمِ السُّفليِّ صَمتٌ سيِّد الرؤيا وَديعٌ يَرتَضي حُكْمَ القمرْ ليعودَ بالحلُمِ الجديدْ حُلُمِ الخلاصِ المُنتَظَرْ مِن أينَ وافاهُ النِّداءُ دعاهُ توّاً للرّحيلْ؟ مَنْ قادَ مولانا النَّبيلَ بلا نِعَالٍ أو رداءٍ فوقَ أشواكِ الطّريقِ ليشهدَ الآنَ الحريقَ مُحاصِراً "دارَ السلامْ"؟ ويرى "عُلوجَ" المَارقينَ تَخُطُّ ألواحَ القَدرْ وتُهشِّمُ الإِرثَ العَريقَ وما تراكمَ مِن عصورٍ في التُّرابِ وفي البشرْ تَمْحو رُقيْمَ الذّاكرهْ وتُعيدُ تشكيلَ البلادْ؟... "تمُّوزُ" عادَ إلى المدينةِ مُنهَكاً مثلَ الـ"فراتِ" يَدقُّ ناقوسَ الحِدادْ يمشي ثقيلَ الخَطْوِ في عَتَمِ الأزقَّةِ والدُّروبِ الموصَداتْ مِنْ حَوله الغِربانُ تَجثو والذِّئابُ الجائعاتُ إلى مَزيدٍ مِن قَديدٍ أو لحومٍ طازَجاتٍ طافياتٍ في الدِّماءِ ولا يرى إلاَّ خراباً في المَدائنِ والنُّفوسِ ولا يرى "عشتارَ" إلاَّ ظِلَّ حلْمٍ في البعيدِ يَلوحُ في الزَّمنِ السَّعيدِِ وبابُها الزَّاهي شَريدٌ قدْ تَشظَّى في الشَّمالِ ووجهُ "ليلى" لا يُطلُّ مِن "الشَّناشيلِ" العتيقةِ(2) لا يُوافي العاشقينَ بكأسِ خمرٍ أو عَزاءْ ويرى وجوهاً مِنْ حديدٍ كُلُّها وجهٌ غَريبٌ بلْ كَئيبٌ أو مُريبٌ لا يُوافي بالأمانْ ويَرى حَمائمَ مِنْ رمادٍ في العيونِ وفي الشجرْ تعلو كقُربانِ الجَحيمِ إلى إلهٍ مِنْ حجرْ ربُّ الفجيعةِ والجنودْ مِنْ عَهدِ "عادٍ" أو ثَمودْ" ما زالَ يَنهشُ حُلمَنا ويُعِدُّ طَقْسَ المَجزرهْ يأتي إلينا مِن بعيدٍ عابِراً كلَّ الحدودِ ليَنهَشَ النُّورَ المُصفَّى "كَرْبَلاءَ" أو "النَّجِفْ" ربُّ الوَباءِ معَ الذِّئابْ يأتي على الطُّوفانِ مِن كلِّ الجهاتِ يُروِّعُ الأحفادَ والأجدادَ كلَّ الكائناتِ بكلِّ أصنافِ الجحيمِ وكلِّ أشكالِ العذابْ يُملي على الصَّحراءِ ناموسَ الغريبِ ويطلقُ التِّنينَ في روحِ العِبادِ لكي يكونَ له البقاءْ في برجِ "بابلَ" و"الجَليلْ" وعلى عواصمَ للعربْ كانتْ قبوراً للغزاةِ فصارَ يحكمها الطُّغاةُ بلا رَقيبٍ أو حَسيبٍ في بلادٍ راكِداتٍ فوقَ نَعشٍ مِنْ قصبْ... "تمُّوزُ" يا "تمُّوزُ" يا حُلُمَ الحياةِ المُغْتَصبْ هلْ كنتَ كابوساً ثقيلْ؟! أَمْ كنتَ حلْماً مستحيلْ؟! "نيسانُ" أمسى عاقراً مابينَ "دَجلةَ" و"الخَليلْ" بالأمسِ كانَ الدَّيرُ خِصْباً صارَ صمتَ المَقبرهْ يا "دَيرَ ياسينَ" الحزينَ(3) ويا شهيدَ المَجزرهْ عَفَتْ الرِّياحُ مع السِّنينِ على رُقيْمِ الذَّاكرهْ وشقائقُ النَّعمانِ تَذروها رياحُ الغاصبينَ ليغسلَ المطرُ الملوَّثُ ليغسلَ المطرُ الملوَّثُ ما تبقّى في البلادِ مِن السّوادِ على العيونْ ومِن الدّماءِ اليابسهْ وغُبارِ طَلْعٍ لا يَبْينْ إلاَّ على "دار السّلامِ" النّازفهْ فعَلامَ تأتينا عَليلاً أيُّها الوَجهُ الجميلُ وفي زمانِ الفاجِعهْ زمنُ انكساراتِ النَّخيلْ زمنُ الوَباءِ المُستحيلِ فربّهُ ربُّ الخرابِ وباعُهُ الدّامي طويلْ... يا إِرثَنا الدَّمويَّ يا نخلَ العراقِ المُستباحْ أوَّاهُ (لو تُركَ القطا ليلاً لنامَ)(4) وما استراحْ ذَبحوا الإمامَ ورَهْطَهُ والآنَ عادوا بالرِّماحِ بكلِّ ما عَرفَ الجحيمُ مِن الوحوشِ أو السلاحْ حَطَّ الوباءُ على الخليجِ وما علا إلاَّ النُّباحْ "تموزُ" يَبرقُ في ذُهولٍ كيفَ تأسِرُنا الرِّياحْ فنسيرُ للسَّبيِ الجديدِ مع الجواري والعَبيدِ ونحنُ مَن ورثَ الكفاحَ وخطَّ ألواحَ الصَّباحْ؟!... "تمُّوزُ" عادَ إلى الظَّلامِ إلى طَواغيت المنامْ هَجَرَ المدينةَ والرُّكامْ تَرَكَ القطيعَ إلى الذّئابِ مُبَعثَراً مثلَ الضبّابِ على بساتينِ "الخَصيبْ" يبكي على ثورِ السّماءِ مُلحَّباً فوقَ الرِّمالْ ووريثُ "سومرَ" لا يزالْ يَمْحو الهزائمَ بالدُّعاءِ وبالبلاغةِ في الكلامْ وهناك يَسْتعِر القتالْ... "تمُّوزُ" عادَ إلى الظَّلامْ "تمُّوزُ" لنْ يأتي إلينا لنْ يعودَ إلى الظِّلالِ تَعيشُ أحلامَ الخَرابِ معَ الأفاعي والذُّبابْ مِن قَبْلِ أنْ نَجِدَ الخلاصَ نَعودُ للخِصبِ الجميلِ وإِرثِنا الدَّامي الطَّويلِ نَدُقُّ أسوارَ الجَحيمِ وما تَنامى مِنْ رُكامٍ فوقَ مقبرةِ الجدودْ وعلى القصيدةِ والحدودْ لنكونَ أهلاً للعبورِ إلى ربيعٍ مُنتَظَرْ للقاءِ "تمُّوزَ" النّبيلْ... حمص ـ سورية 21/7/2003 الهوامش: (1)ـ هو عنوان المجموعة الشعرية الأولى للمرحوم جبرا إبراهيم جبرا (1959). (2) ـ الشَناشيل: نوافذ خشبية منتشرة، كما رأيتها، في العراق وبخاصة في البصرة. (3) ـ مجزرة الصهاينة في "دير ياسين" الفلسطينية، حدثت بتاريخ 9/4/1948. (4) ـ العبارة هي للإمام الشهيد الحسين يوم واقعة كربَلاء. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |