مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تَمُّوز في المدينة(1) ـــ د.شاكر مطلق

"تمُّوزُ" عادَ إلى المدينةِ‏

شاحباً مثلَ الظِّلالِ‏

مُسَرْبَلاً ثوبَ الحِدادْ‏

مِنْ بعدِ أن طالَ الغيابُ‏

وحلَّ في الرّوحِ الرَّمادْ...‏

سَعَفُ النَّخيلِ بِكفِّهِ‏

لا خبزَ فيها، لا مطرْ‏

إلاَّ نشيدَ الموتِ يعلو‏

كالحرائقِ بالدّخَانِ‏

يَلُّفُّ قاماتِ النَّخيلِ‏

بما يليقُ من السَّوادِ‏

ليبتدي طقسُ الحِدادِ‏

مع التَّراتيلِ الحزينةِ‏

في مَناحاتِ البلادْ...‏

"تمُّوزُ" عادَ ولم يصلْ‏

خيرُ الرَّبيعِ المُنتَظرْ‏

ليُعيدَ للطِّفلِ الرَّضيعِ‏

على النُّهودِ الضَّامراتْ‏

لبنَ النَّجاةْ‏

ويعيدَ للمَرجِ القَطيعْ‏

مِنْ بعدِ أَهْوالِ الصّقيعِ‏

ورِحلةِ القَحطِ الطَّويلْ‏

فعَلامَ عادَ الآنَ‏

في فصلِ المَواتِ‏

وكانَ نبعاً للحياةِ‏

يَفيضُ بالخيرِ الوَفيرْ‏

يَهَبُ الرَّغيفَ مع العسلْ‏

يَسقي جميعَ الكائناتْ‏

ماءَ التَّآخي والسَّلامِ‏

يعيدُ للرُّوحِ الوئامْ؟!...‏

مَنْ أيقظَ الرَّبَّ النَّحيلَ‏

مِنَ التَّجلِّي في الظلامِ‏

وكانَ يجثو في الصلاةِ‏

لينتهي طَقسُ العذابِ‏

ويَبتدي طقسُ الخَلاصْ؟‏

أَلقاهُ في سِحْرِ المَنامِ‏

إلى كوابيسِ الغزاةْ‏

يأتونَ مِنْ عُمقِ السَّرابِ‏

على الخيولِ الصَّافناتْ‏

عبْرَ البوادي اليَعربيةِ‏

والجهاتِ الفارغاتِ؟!‏

ليشهدَ التِّنينَ في أرض "الفراتِ"‏

يَسدُّ أبوابَ النَّجاةِ‏

على عُراةٍ جائعينْ‏

كانوا دروعاً للعربْ‏

في القَحطِ يُعطونَ الرَّغيفْ‏

والبطنُ خاوٍ كالرِّمالِ‏

ديارُهمْ كانتْ ملاذاً‏

للقويِّ وللضَّعيفْ‏

فرسانُ عهدٍ لنْ يعودَ‏

إلى خليجٍ يَندثِرْ‏

رَهَنَ الكرامةَ والثُّغورَ‏

وإِرثَ "سومَرَ" في العَرَبْ‏

كالجُرذ فرَّ مِنَ القتالِ‏

إلى الجَواري والقصورْ‏

والآنَ تُحتَضرُ العواصمُ‏

والشَّعوبُ بلا شعورٍ‏

لا تَصيحُ ولا تَثورُ‏

على عروشٍ تالفاتِ‏

دونَ مَجْدٍ أو جُذورٍ‏

كلُّ مَنْ فيها عبيدٌ‏

بلْ قرودٌ للفجورْ‏

قمرُ الخليجِ مُكسَّرٌ‏

لا نورَ فيهِ ولا يدورْ‏

مَجدورُ تَعلوهُ البُثورْ...‏

في العالمِ السُّفليِّ صَمتٌ‏

سيِّد الرؤيا وَديعٌ‏

يَرتَضي حُكْمَ القمرْ‏

ليعودَ بالحلُمِ الجديدْ‏

حُلُمِ الخلاصِ المُنتَظَرْ‏

مِن أينَ وافاهُ النِّداءُ‏

دعاهُ توّاً للرّحيلْ؟‏

مَنْ قادَ مولانا النَّبيلَ‏

بلا نِعَالٍ أو رداءٍ‏

فوقَ أشواكِ الطّريقِ‏

ليشهدَ الآنَ الحريقَ‏

مُحاصِراً "دارَ السلامْ"؟‏

ويرى "عُلوجَ" المَارقينَ‏

تَخُطُّ ألواحَ القَدرْ‏

وتُهشِّمُ الإِرثَ العَريقَ‏

وما تراكمَ مِن عصورٍ‏

في التُّرابِ وفي البشرْ‏

تَمْحو رُقيْمَ الذّاكرهْ‏

وتُعيدُ تشكيلَ البلادْ؟...‏

"تمُّوزُ" عادَ إلى المدينةِ‏

مُنهَكاً مثلَ الـ"فراتِ"‏

يَدقُّ ناقوسَ الحِدادْ‏

يمشي ثقيلَ الخَطْوِ‏

في عَتَمِ الأزقَّةِ‏

والدُّروبِ الموصَداتْ‏

مِنْ حَوله الغِربانُ تَجثو‏

والذِّئابُ الجائعاتُ‏

إلى مَزيدٍ مِن قَديدٍ‏

أو لحومٍ طازَجاتٍ‏

طافياتٍ في الدِّماءِ‏

ولا يرى إلاَّ خراباً‏

في المَدائنِ والنُّفوسِ‏

ولا يرى "عشتارَ" إلاَّ‏

ظِلَّ حلْمٍ في البعيدِ‏

يَلوحُ في الزَّمنِ السَّعيدِِ‏

وبابُها الزَّاهي شَريدٌ‏

قدْ تَشظَّى في الشَّمالِ‏

ووجهُ "ليلى" لا يُطلُّ‏

مِن "الشَّناشيلِ" العتيقةِ(2)‏

لا يُوافي العاشقينَ‏

بكأسِ خمرٍ أو عَزاءْ‏

ويرى وجوهاً مِنْ حديدٍ‏

كُلُّها وجهٌ غَريبٌ‏

بلْ كَئيبٌ أو مُريبٌ‏

لا يُوافي بالأمانْ‏

ويَرى حَمائمَ مِنْ رمادٍ‏

في العيونِ وفي الشجرْ‏

تعلو كقُربانِ الجَحيمِ‏

إلى إلهٍ مِنْ حجرْ‏

ربُّ الفجيعةِ والجنودْ‏

مِنْ عَهدِ "عادٍ" أو ثَمودْ"‏

ما زالَ يَنهشُ حُلمَنا‏

ويُعِدُّ طَقْسَ المَجزرهْ‏

يأتي إلينا مِن بعيدٍ‏

عابِراً كلَّ الحدودِ‏

ليَنهَشَ النُّورَ المُصفَّى‏

"كَرْبَلاءَ" أو "النَّجِفْ"‏

ربُّ الوَباءِ معَ الذِّئابْ‏

يأتي على الطُّوفانِ‏

مِن كلِّ الجهاتِ‏

يُروِّعُ الأحفادَ والأجدادَ‏

كلَّ الكائناتِ‏

بكلِّ أصنافِ الجحيمِ‏

وكلِّ أشكالِ العذابْ‏

يُملي على الصَّحراءِ ناموسَ الغريبِ‏

ويطلقُ التِّنينَ في روحِ العِبادِ‏

لكي يكونَ له البقاءْ‏

في برجِ "بابلَ" و"الجَليلْ"‏

وعلى عواصمَ للعربْ‏

كانتْ قبوراً للغزاةِ‏

فصارَ يحكمها الطُّغاةُ‏

بلا رَقيبٍ أو حَسيبٍ‏

في بلادٍ راكِداتٍ‏

فوقَ نَعشٍ مِنْ قصبْ...‏

"تمُّوزُ" يا "تمُّوزُ"‏

يا حُلُمَ الحياةِ المُغْتَصبْ‏

هلْ كنتَ كابوساً ثقيلْ؟!‏

أَمْ كنتَ حلْماً مستحيلْ؟!‏

"نيسانُ" أمسى عاقراً‏

مابينَ "دَجلةَ" و"الخَليلْ"‏

بالأمسِ كانَ الدَّيرُ خِصْباً‏

صارَ صمتَ المَقبرهْ‏

يا "دَيرَ ياسينَ" الحزينَ(3)‏

ويا شهيدَ المَجزرهْ‏

عَفَتْ الرِّياحُ مع السِّنينِ‏

على رُقيْمِ الذَّاكرهْ‏

وشقائقُ النَّعمانِ‏

تَذروها رياحُ الغاصبينَ‏

ليغسلَ المطرُ الملوَّثُ‏

ليغسلَ المطرُ الملوَّثُ‏

ما تبقّى في البلادِ‏

مِن السّوادِ على العيونْ‏

ومِن الدّماءِ اليابسهْ‏

وغُبارِ طَلْعٍ لا يَبْينْ‏

إلاَّ على "دار السّلامِ" النّازفهْ‏

فعَلامَ تأتينا عَليلاً‏

أيُّها الوَجهُ الجميلُ‏

وفي زمانِ الفاجِعهْ‏

زمنُ انكساراتِ النَّخيلْ‏

زمنُ الوَباءِ المُستحيلِ‏

فربّهُ ربُّ الخرابِ‏

وباعُهُ الدّامي طويلْ...‏

يا إِرثَنا الدَّمويَّ‏

يا نخلَ العراقِ المُستباحْ‏

أوَّاهُ (لو تُركَ القطا ليلاً لنامَ)(4)‏

وما استراحْ‏

ذَبحوا الإمامَ ورَهْطَهُ‏

والآنَ عادوا بالرِّماحِ‏

بكلِّ ما عَرفَ الجحيمُ‏

مِن الوحوشِ أو السلاحْ‏

حَطَّ الوباءُ على الخليجِ‏

وما علا إلاَّ النُّباحْ‏

"تموزُ" يَبرقُ في ذُهولٍ‏

كيفَ تأسِرُنا الرِّياحْ‏

فنسيرُ للسَّبيِ الجديدِ‏

مع الجواري والعَبيدِ‏

ونحنُ مَن ورثَ الكفاحَ‏

وخطَّ ألواحَ الصَّباحْ؟!...‏

"تمُّوزُ" عادَ إلى الظَّلامِ‏

إلى طَواغيت المنامْ‏

هَجَرَ المدينةَ والرُّكامْ‏

تَرَكَ القطيعَ إلى الذّئابِ‏

مُبَعثَراً مثلَ الضبّابِ‏

على بساتينِ "الخَصيبْ"‏

يبكي على ثورِ السّماءِ‏

مُلحَّباً فوقَ الرِّمالْ‏

ووريثُ "سومرَ" لا يزالْ‏

يَمْحو الهزائمَ بالدُّعاءِ‏

وبالبلاغةِ في الكلامْ‏

وهناك يَسْتعِر القتالْ...‏

"تمُّوزُ" عادَ إلى الظَّلامْ‏

"تمُّوزُ" لنْ يأتي إلينا‏

لنْ يعودَ إلى الظِّلالِ‏

تَعيشُ أحلامَ الخَرابِ‏

معَ الأفاعي والذُّبابْ‏

مِن قَبْلِ أنْ نَجِدَ الخلاصَ‏

نَعودُ للخِصبِ الجميلِ‏

وإِرثِنا الدَّامي الطَّويلِ‏

نَدُقُّ أسوارَ الجَحيمِ‏

وما تَنامى مِنْ رُكامٍ‏

فوقَ مقبرةِ الجدودْ‏

وعلى القصيدةِ والحدودْ‏

لنكونَ أهلاً للعبورِ‏

إلى ربيعٍ مُنتَظَرْ‏

للقاءِ "تمُّوزَ" النّبيلْ...‏

حمص ـ سورية 21/7/2003‏

الهوامش:‏

(1)ـ هو عنوان المجموعة الشعرية الأولى للمرحوم جبرا إبراهيم جبرا (1959).‏

(2) ـ الشَناشيل: نوافذ خشبية منتشرة، كما رأيتها، في العراق وبخاصة في البصرة.‏

(3) ـ مجزرة الصهاينة في "دير ياسين" الفلسطينية، حدثت بتاريخ 9/4/1948.‏

(4) ـ العبارة هي للإمام الشهيد الحسين يوم واقعة كربَلاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244