|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
البيت المقابل ـــ لينا نعمة ـ1ـ بقعة الضوء التي ترسمها أشعة الشمس، تتحرك على الجدار المقابل للفراغ بين بنائين بإحداثيات تتغير على مدار السنة حسْب الفصول، تكبر أو تصغر، ترتفع أو تنخفض، فتبدو كمن يتلاعب بضوء على مسرح، يفرِشُه أو يلمه. يتنقل سليم بكرسيه متابعاً الشمسَ، يسنده على زجاج محله الأنيق ويسرح في مدن أخرى.. مدن بحرية بنخيل كثيف في الطرقات، وأشجارِ موز ومراكب وهواءٍ مملح. يغمض عينيه فَيُعينُه هدوء الحي على تأملاته وأحلامه ـ منذ كان صغيراً وهو يحلم بالاغتراب أو الهروب من بكائيات الوطن. يبدو الحي لمن يعبرهُ أكثرَ صمتاً من حيِّ مخططِ على الورق. تتسرب ضجة الشارع الرئيسي القريب مخنوقة وكأنها أُضيفت إلى الرسم من شريط تسجيل لتجعل وجودَه حقيقياً. ينعس سليم، يغفو، يقرأُ مجلة، ينهض لينفُضَ الغبار عن المعروضات، ثم يرْجع إلى كرسيه. الأبنية في الحي عتيقة متلاصقة ومبنية من الحجر، تطل منها شرفات ضيقة لا تكاد تتسع لجسد امرأة تنشر غسيلَها على حبلين قصيرين. لم تكن تلك الشرفات تغري أحداً بالجلوس فيها. تلقي النساء نظرات متعجلة على الشارع بينما هن يعلقن الستائر المغسولة أو يلمعن زجاج الشبابيك. مرَّتْ امرأة منهكة وجهها ذابلٌ وعيناها كامدتان، تأملت واجهة المطعم على الزاوية المقابلة لمحل سليم. لاحظت الدرجات الرخامية التي تصعد إليه من الشارع، لم تكن هذه الدرجات موجودة من قبل، والشبابيك أصبحت واسعة أنيقة تفيئُها مظلات بحرية ملونة وبينما شفَّ الزجاج عن جوٍ رومانسي فالعتمة الخفيفة والمصابيح الجدارية الصغيرة، موهت ملامح الأشياء والأشخاص في الداخل، وأعطت ظلالاً حالمة للمكان. جعلت المرأةَ تسمعُ من داخلها موسيقى فيروزية تلائم الصورة. فكرت ـ كيف تكون هذه الجدران هي ذاتُها التي كنت أُنظفها وأمسحها، ويتفنن الصغار بتقشير دهانها الرطب. لمح سليم المرأة وهي مستغرقة في تأمل المطعم. البيت المقابل الذي يحتل زاوية الشارع، وازدحم يوماً بأحفاد الجدة. كان سليم صديقاً لبعضهم في طفولته وقد اعتاد زيارتَهم هناك... يتذكر الغرف الواسعة التي تعطرها رائحة الأشياء المغسولة ـ2ـ ببرش الغسيل والمغليةِ بالمبيضات. يتذكر الأثاثَ العتيقَ ولكن الجيد، ويتذكر بعضاً من الأشخاص الكثيرين الذين كانوا يترددون. اعتاد الأقاربُ والأحفاد زيارة بيت الجدة لفترات تطول أو تقصر، طمعَ بعضهُم بأعطياتها. والبعض رغب بتجربة السكن في حي راق ـ ذلك الزمن ـ أو كمأوى في سنوات الدراسة الجامعية. ماتت الجدة، وأُغلق البيت، وتفرق الجميع.. تفرقوا بسرعة واختفوا، اهتم سليم قليلاً بمتابعة بعض الأخبار ثم سافر. ـ تذكرتك... كنت صغيراً بشعر أسود وعينين عسليتين. كانت أمُك قليلاً ما تزورُنا، ولكنك اعتدت المجيء. ـ أنت ابنة أخ الجدة. البيت المقابل تحول في غيبة سليم إلى مطعمٍ فخم. عندما عاد سليم ـ وكان أصبح رجلاًـ سارع إلى تحويل غرفة الجلوس التي تواجه نوافذ المطعم إلى محل أنيق له واجهة زجاجية واسعة، وحشاه بكل تلك النثريات التي لا ضرورة لها والتي يسارع حديثو النَعْمَة إلى إدعاء عشقها... ربما على سبيل إثبات ارتباكهم بثرواتهم وتبديدها فيما يظنون أنه يؤكد أصالتهم. تلك النثريات التي لا يمكن أن يُحدَدَ سعرها أو نوعها أو مصدرها بدقة. من الجدار المرطب بثلوج اليومين الماضيين ارتفعت رائحة الحجر نفاذه، ذكرتها برائحةِ المقبرةِ عندما ذهبت لتلقي نظرة على الجدة، لتتعرفَ شكلها هناك وتقيسَ سطوتَها فلم تكن لتتَخَيلَها إلاّ جالسة بأبهتها تأمر وتَنْهَي في الأموات. كانت أشباح المقابر العالقةْ في رأسها من زمن الحكايات، ما تزال تنوح بين الشجيرات القصيرة بالرغم من وصول ضوء الصباح الجنوبي. نزعت الخوفَ ورمته بين بقايا رُزَمِ الآس، ومضت تبحث وتقرأ الشاهدات بدا لها أن الموتى كثيرون ومتشابهون في استلقائهم وتحللهم والتربة الباردة التي تحتويهم. بجانب الاختفاء الحقيقي للجدة، واستمرارها ـ فقط ـ كاسم فوق شيء صلب. ـ3ـ انسل الماضي من روحِها وأعصابها واندس في ثنايا ذاكرتها الأكثر حيادية تاركاً لها الصور مجردةً. أصبحت الفتاة التي اعتادت خدمة كل من دخل بيت الجدة، فتاةً لها نفس ملامحها وصوتِها، ومثلُها تجيد كل أعمال البيت أو أجادتها في سبيل تأمين بقائها تحت سقف ومأوى ـ لم يكن أبوها شقيق الجدة ـ أمام الشاهدة الرخامية الواطئة تبردت أحاسيسُ كثيرة حملتها عمرها ـ هل ثمة فضاء آخرُ عند القبور يُغلف بالنسيان الذكريات ـ هو نسيان مؤقت كما تنسى المرأة آلام الولادة. ـ لم تتغير كثيراً يا سليم... تابعتْ تتكلم باندفاع عن بعض الذكريات. سرح سليم يراقب مدخل المطعم. كان يلاحظ رؤوس الزبائن الداخلين أو المغادرين وتكفي التفاتة عفوية من أحدهم باتجاهه حتى يقومَ بحركة ما تبدو لمن يراقبه حركة غبية ليلفت الأنظار إلى محله. ـ بقدر ما كرهتْ هذا المكان بقدر ما يثير في من الشجن... ربما لأنني بين جدرانه صبية فتية بشعر طويل مسترسل وجسد منتصب قوي. كنت جعبة أسرار، كل بنت أو شاب، رجل أو امرأة مرّوا في هذا البيت رموا فيه سراً تلقفته وحفظته... رمقتْ نوافذ المطعم مرة أخرى من خلال دمعة مترددة. كانت نوافذ البيتِ ترتفع عن الرصيف قامة رجل. وكانت هي تُسند مرفقيها إلى الحافة الرخامية الباردة وتتابع أحداث الحارة. في الماضي كان درب الحارة هو التسلية الوحيدة. فالأولاد يتجمعون هناك ليلعبوا بأي شيء يقع تحت أيديهم، أو يخترعونه. يتجمع الشباب عند المنعطفات يتكلمون بضجيج ويقهقهون. بينما تتمشى الصبايا الأكثرُ جرأة وتحرراً، وتراقب الأخريات ما يجري من نوافذ مشرعة أو مواربة. تتذكر أنها كانت تعرف كل صغيرة وكبيرة، حفظت الأسماء وتكهنت القصص وتاهت عن المصائر. في ذلك الزمن جربت النجاح والرسوب والحزن وأفراحاً بسيطة ارتبطت بغيرها وتجنبَتْها، وتسليات كانت تنتزعها من شراك التعب وابتسامات صيفية مع الأحفاد. هزت رأسها:ـ لا أريد أن أقابل أحداً منهم... لم يسألوا عني أبداً. ـ4ـ انتبهت إلى سليم الغارق في بوابة المطعم. ألقت التحية ومضت حاملة معها رائحة الحجر الرطب. بعد أيام مرت امرأة أخرى سلمت على سليم وبادرته: ـ أما زال بيتُكم كما هو بحديقة كبيرة وجميلة... ضحك دون أن يخفي استغرابه. كان ثمة شيء غامض فيها ذكره بالمرأة الأخرى. ـ أتذكركَ صغيراً بشعر أسود، وعينين عسليتين. ـ كنتِ في هذا البيت يوماً؟ أشار ناحية المطعم. ـ حفيدة الجدة. أمرُّ من هنا أحياناً... أحب أن أتذكر المكان.. ـ تغير كثيراً. ـ نعم... لا أحب الدخول إليه حتى لا تتغيرَ صورته الأولى واضطر إلى نزع أهله من أماكنهم وزواياهم، وأن أزيح الأسرَّة والأرائك والمجلى والمكتبة، واستبدلها بالطاولات والكراسي والزبائن. ـ ماذا تراقبين إذاً؟. ـ أستعيد البيوت الأخرى والحارة والرصيف فأتذكر تلك الأيام بوضوح أكبر.. التفتت وأشارت إلى السور الخارجي للمطعم وكان من المعدن المفرغ بالتزيينات ـ أفتقد الياسمينة من الصورة... لم يكن ثمة داعٍ لاقتلاعها ـ بدت وكأنها تطرح السؤال على سليم ولم تنتظر الإجابة. قررت: ـ ربما لم تتماشَ مع أهواء الأثرياء لبساطتها. كانت تتكلم باندفاع ومباشرة، وبطريقة تجعل الحديث وكأنه يستمر بينهما منذ تلك الأيام. ـ لم أعد أرى أحداً منهم منذ زمن. قال سليم ـ ذابوا في همومهم، وتبددوا في الضواحي والبيوت المستأجرة، والمواصلات المزدحمة. دارت بنظراتها تمسح الدروب المتعامدة. كان الهدوء خلاباً... وبقايا ثلج الأسبوع الفائت لم تذب بعد في حديقة شمالية لأحد البيوت. البرد الشديد جعل المطعم يبدو في الشارع كقنديلٍ دافئ في قفر جليدي. ـ5ـ وبالرغم من عري الأشجار وارتجافها، فقد رأت طفلة تلعب في حديقة بيت مسورة بشجرة ياسمين، كانت تقفز وتلقي حجراً أملس على مربعات مرسومة فوق البلاط. كان داخل البيت مزدحماً بالوجوه في أمسية صيفية ملونة بالفاكهة المرصوفة بذوق في طبق من القش. مرت الجارات العجائز وهن يحدثن جلبة عالية، ويمضين استراحَتَهُن في طريقهن إلى غرفة الجدة بالتوقف أمام التلفزيون الأبيض والأسود. لمحت ثوبها البنفسجي عند النافذة. تذكرت أنها رأت منذ فترة الشاب الذي اعتاد المرابطة في النافذة المقابلة. كان يصحب طفلين وبدا منهمكاً جداً وهو ينظف أكفهما من دبق البوظة. في الداخل لا بد اختفى المطبخ الواسع وكرسي القش المشدود، واستبدل ضوء الشمس القبلي بعتمة مصطنعة. وانتشرت روائح العطور الثمينة والملطفات، ولكن رائحة النظافة وقهوة الجدة لا تزال عالقة في المكان ـ كانت متأكدة ـ كادت الذكرى تبكيها، فغادرت مسرعة بعد أن ألقت التحية. راقبها سليم وهي تبتعد، قرر أنها أصغرُ من الأخرى وأقل ضياعاً وحزناً. سمع جلبة من ناحية المطعم التفت بسرعة وهو يكاد يلعن غفلته. كان ثمة شاب وصبية يغادران المطعم نحو سيارة فارهة. دست الفتاة ذراعها في ذراع الشاب، وهي ترسم ارتجافها من البرد بهزات تُموج شعرها الغزير فوق كتفه بحركة غنج. سحبته من ذراعه ناحية محل سليم. هب سليم منفعلاً مبتسماً. لقد تحمَّل جليد الهواء في انتظار لحظات كهذه. نسي بسرعة كل شيء عن المرأتين والبيت المقابل وأصدقاء الطفولة الذين غابت صورهم في الضباب منذ زمن والبيت المقابل بالنسبة إليه مطعمٌ يقصدهُ زبائن أثرياء، ويأمل بابتهال أن يعرجوا على محله قبل دخولهم أو بعد مغادرتهم. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |