مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الورقة ـــ محاسن الجندي

عاد إلى حديقة منزله الصغيرة بعد أن تأكد –بالتجسس من وراء الباب- أن من كان يكلم زوجته بالهاتف هو أختها سلمى.‏

جلس وصب من الإبريق المبالغ في تنظيفه ماء حاراً صافياً كالبلور، كان يستحيل إلى الصفرة في كأس المتة، التي لم يكن يشعر بشيء من لذتها في لحظات توتره هذه.‏

-لكن.. قد لا تكون أختها، وربما أحست بوجودي وراء الباب، فتظاهرت بذلك..؟!‏

صعقته الفكرة، فهب مذعوراً قبل أن تمتلئ الكأس، واتجه صوب الغرفة بخطوات لص خبير، لكنه قبل أن يصل، استدار وعاد إلى الحديقة، مردداً في سريرته:‏

-يا لسخفي! (متذكراً) أليس سالم في تلك الغرفة؟!.‏

جلس إلى الطاولة، التي مسح سطحها قبل قليل بعناية مدبرة منزل عتيقة، وأكمل صب الماء، رفع الكأس إلى فمه، وكالملسوع خبطها على الطاولة قبل أن تصل (المصاصة) إلى فمه، لم يدم جلوسه الثاني أطول من سابقه، وكلص مرتبك اتجه نحو الباب ثالثة.‏

-في النهاية ليس سالم إلا طفلاً.. ثم إنه قد يكون نائماً، أو منشغلاً باللعب.. قد يكون..‏

وقبل أن تلتصق أذنه بالباب فُتح فجأة..‏

-يا إلهي! ماذا أفعل؟ أعود؟ أتظاهر بالدخول؟ ماذا أقول؟..‏

لم تخذله بداهته وقدرته على لملمة شتات ذهنه في لحظات الحرج. انبثق من قلب الغرفة وجه ابنه سالم ذي الأعوام التسعة، وباغته بسؤال، مستغرباً:‏

-بابا..! ماذا تفعل؟‏

وبلهجة واثقة أجابه بعد أن شده من يده، مبعداً إياه عن الباب:‏

-يا لك من ولد شقي! حتى شرلوك هولمز لن يستطيع النيل منك، كنت على وشك أفاجئكما أنت وأمك، كما يفعل شرلوك هولمز حين يداعب أصدقاءه لكنك أذكى منه وأسرع..‏

كان يعلم مدى ولع ولده بشارلوك هولمز، وظن أنه ورث هذه الاهتمامات عنه وبرغم ارتباكه الخفي الذي سترته الرواية المفتجأة والابتسامة المخاتلة، كان يتلهف لرؤية الدهشة على وجه ابنه البريء.‏

وبالفعل ابتسم الطفل، ثم استحالت ابتسامته ضحكة رنانة، فقهقه حين تخيل موقف خالته عندما تسمع شهقة الهلع التي ستطلقها والدته عند رؤية شارلوك هولمز يقتحم الغرفة مزمجراً:‏

-استسلما! قبضت عليكما أيها المجرمان..!‏

أحسن بالانتصار لرؤية فرح ابنه بفكرته، وانشرحت أساريره وهو يحاكم الأمر على الشكل التالي:‏

-حسناً استطعت السيطرة على الموقف، بل وحولته إلى مداعبة، أضحكت ابني.. وهل هناك أجمل من طفل يضحك، بغض النظر عن كونه ابني.. لماذا نناضل إذاً أليس من أجل الأجيال القادمة.. من أجل هؤلاء الأطفال..‏

لم يستطيع أن يكمل محاكمته بسبب وخزة من الخجل دهمته، فقال في نفسه:‏

-كم هو بريء.. وكم أنا آثم..!‏

وامتزح خجله هذا بدفعة غريبة من حب مشفق على هذا الكائن السماوي، وتذكر لم آلمته وأرّقته دفقات الحنو هذه، كانت تنتابه هجمات من الألم الذي يصهر القلب، حين يفكر –بغير سبب –بضعف ولده وقلة حيلته أمام قسوة العالم.‏

وكثيراً ما كان يقوم من سريره ليلاً، ويذهب إليه، ليتأمله وهو مستسلم للنوم، فيضمه إلى صدره بقوة، يقبله، يشمه، ثم يعود إلى سريره –الذي اعتاد أرقه وتقلبه وهو يكاد يبكي، لم يكن ما انتابه الآن هجمة وإنما دفقة، تدارك نفسه قبل تحولها إلى هجمة.‏

-يا لتفاهتي..! لم يبق إلا أن أبكي..‏

فكر، وهو يترك سالماً يفلت من بين يديه اللتين ضمتاه بقوة وعنف.‏

-كنت حريصاً على ضبط مشاعري، خصوصاً ما كان نبيلاً منها..‏

واعترف لنفسه:‏

-لعل ذلك هو أكثر عمل أتقنته طيلة حياتي.. حسناً لا يليق بالرجال أن يبكوا أمام أبنائهم، ولكن.. ربما يكون ابني آثماً أيضاً..‏

كان الآن يتذكر طفولته، ويقارنها بطفولة ابنه، ولما ارتسمت في ذهنه ذكرى أرقته كثيراً، وطواها في أعمق بئر في نفسه، تغيرت ملامح وجهه، وصار التعبير الوحيد البادي عليه، هو التركيز إلى حد نسيان كل ما يحيط به.‏

-ربما يكون سالم يفعل ذلك مع أحد أولاد الجيران.. لا.. لا يمكن أن يكون...‏

سأقتله إن تأكدت من ذلك، على أن أنظم له أوقات خروجه من البيت، وأراقبه حتى لا يجلب لي العار.. أنا فعلت ذلك فيما مضى، لأن ظروفي تختلف عن ظروفه؟...‏

استحضر بعض التفاصيل المعيبة.. ورماها من ذهنه بسرعة من يقبض على جمرة، ومن ركن مشاغب من أركان نفسه، انبثق هذا السؤال:‏

-هل يحبها أكثر مني..؟!‏

كان الآن قد نسي أمد تلك المكالمة، فغرق في كرسيه الأنيق، خدشته رؤية المتة التي لوثت الطاولة، بعد أن خبط الكأس عليها، فأخرج منديلاً من جيبه –الذي كان من المستحيل أن يخلو من المناديل –وراح ينظف الطاولة بعناية، مجاهداً في محاكمة معقدة للبنية النفسية للطفل، الإجابة على تساؤله الخطير:‏

-طبيعي أن يحب الطفل أمه، فهي في النهاية، وكذلك أنا أبوه..‏

استعان بذخيرته الثقافية المعتبرة، فلم تعجبه تأكيدات مختلف مدارس علم النفس، التي تؤكد أن حب الطفل لأمه أكثر أصالة من حبه لأبيه، وهنا كان عليه الالتجاء إلى نفسه، إلى خبرته:‏

"لم يكن حبي لأمي يفوق حبي لأبي بل على العكس. صحيح أن والدي كان قاسياً أحياناً ككل الآباء، ولكن ذلك كان استثنائياً، وكقلة من الآباء لم يتدخل في شؤوننا، صامت دائماً، حتى في حبه لنا كان صامتاً –لكننا وأنا على الأقل –كنت أعرف أنه يحبني ولعله كان يظن –مثلي تماماً –أنه لا يليق بالرجال أن يبالغوا في إظهار عواطفهم، لقد أحببته حقاً ولم يكن من أمر لمبالاته الظاهرة أن ينتقص من حبي له. كنت طفلاً ذكياً وأدركت ذلك وسالم ابني يمتلك نفس الذكاء، ولا بد له أن يعرف هذه الحقيقة.‏

فبالنسبة لأمي.. تلك العجوز المسكينة، لا أخفي أنني كرهتها أحياناً، قاسية متسلطة، ساخرة، لا يعجبها أي شيء، هل أقول أنها كانت مجرمة بحقي أنا بالذات؟‏

فهي لا تنفك تعنفني وتقسو عليّ حتى بعد أن صرت شاباً، تزورني مرة وتزور إخوتي خمس مرات..‏

-آه.. مالي أتذكر كل ذلك في النهاية، لو وضعت أبي في كفة ميزان وأمي في الكفة الثانية لرجحت الأولى قليلاً...! لا يهم فالطفل يحب أباه وأمه وسالم لا بد أنه يحبني أكثر منها بعض الشيء صحيح أنني أغيب عنه طويلاً.. يا لتعاسة حظي..! ولكنني أحاول أن أعوضه الآن.. أحضرت له ما يحب من طعام وفواكه وألعاب..‏

ثم إنني لست لا مبالياً مثل أبي، بالإضافة أن قسوة أمي لا تنقص زوجتي اللعينة.. لا بد أن يشعر بالفرق.. أدلله كثيراً، ألاعبه، أتعب وأعاني الأمرين في سبيله وبعد كل هذا...‏

كأن صاعقة انقضت عليه في هذا الموضع من محاكمته التي لم تفلح حتى الآن في طمأنته.‏

هاهو يهب من جلسته واقفاً، وهو يقبض بقوة على المنديل الرابع الذي كان يمسح به الطاولة.‏

-"لماذا خرج سالم من الغرفة..؟ لا شك أنها صرفته ليخلو لها الجو.."‏

ومضى بثبات باتجاه هدفه.‏

-إنها تقهقه مثل ال..."‏

في منتصف المسافة تذكر أن الباب بقي مفتوحاً بعد خروج سالم، لن يستطيع استراق السمع، حتى لو وقف بجوار الباب، لأن سالماً سيراه من الغرفة الثانية.‏

-لا يجوز أن يراني أفعل ذلك، ماذا سيفكر؟! قد يخبرها ببراءة دون أن يقصد وعاد إلى الحديقة مثقلاً بشكه المتعاظم، الذي امتزج بالغيظ والشعور بالعجز..‏

-يجب أن أتأكد من ذلك.."‏

تمتمها من بين أسنانه المترامية، وقد تذكر أنه يستطيع دخول الغرفة بشكل طبيعي فهو في بيته، كل ما عليه هو الدخول والتوجه إلى المكتبة والتظاهر بالبحث عن كتاب ما‏

-لماذا انخفض صوتها هكذا؟ لم أعد أميز ما أسمع.. إن دخلت ستلحظ ذلك، وتتظاهر بأنها تحدث أختها، من الأفضل استراق السمع إذن.‏

كان الآن يقف في الصالة مرتبكاً، فهو لم يجرؤ على التقدم خطوة واحدة، ولا يستطيع رغم جهاده التقاط أي كلمة.. شلته الحيرة، وفيما كان يلتفت حوله في ضيق وحسرة وقعت عيناه على ورقة تحت أحد الكراسي، آذاه المنظر وإهمال زوجته لترتيب البيت ونظافته.‏

-والله عال، لم يبق إلا أن أسير وراءها لألملم قذارتها، أتعب وأشقى في الوظيفة وفي البيت أغسل وأنظف هكذا مثل البغل.. علي أن أقوم بكل شيء.. حتى سالم أنا من يحممه تقول لي: (حبيبي –قال حبيبي قال –اترك لي ذلك) أو (لقد مسحت الأرض) وإن مسحت فكيفما اتفق، كل ما تفعله ناقص.. وتتعمد إيذائي وإغضابي وتحقيري أمام الناس، وأنا تتمناني ألف فتاة لشكلي ولرجاحة عقلي، كم من النساء أبدين إعجابهن بي مستغربات أنني لا أنفر من مساعدة المرأة في أعمال البيت. لا شك أن هذا يقربني من قلوبهن.. إذاً ما المشكلة فيما لو طلقتها...؟!‏

ولو شئنا الإنصاف لاعترفنا بمهارته في تدبير المنزل، وأكثر من ذلك كانت هناك مسحة أنثوية تسم كل عمل يقوم به.‏

-"لا تنقصها البراعة، ولكن الوقت.. معظم وقتها هناك على الهاتف، أو أنها تقرأ.. هه تقرأ؟! لتتفلسف أمام الآخرين، وأمام ذلك الخنزيز، لاحظت ليلة أمس كم كان معجباً بحديثها، ترى أأعجبه حديثها أم.. أنا رجل وأفهم الرجال.. وعبثاً حاولت إقناعها بضرورة طرده حين يعود لزيارتنا، صحيح أنني بكيت يومها وحيداً في الصالة واستخدمت أسلوباً عنيفاً لإقناعها، بأن وضعت السكين في بطنها، لكنني كنت محقاً، فقد اصرت أن شكي بغير محله، وأن ما ظننته اهتماماً غير عادي بها لم يكن سوى وهم مبعثه الغيرة.. وربما اختلاف وجهات النظر بيننا، يا لها من مهزلة..! طبيعي أن لا أتفق مع خنزير كهذا، ومن أين له وجهات النظر أصلاً..! حذائي فيه ثقافة أكثر من عشرين ألف واحد مثله.. ثم أنها –تلك الـ.. –ألم تتعمد تهميشي في الحوار..؟ وكأني فأر أجرب، نعم كان ذلك واضحاً تعمدت أن تظهر أكثر ثقافة مني وتفهماً.. يا للعار!".‏

كان غضبه يزداد اضطراباً، فيما يصر على نكء الجروح، جروح قرحة تركته ليلة أمس بغير نوم.‏

-"نسيت أني أنا من صنعها، أنا من فتح عينيها، وانتشلها من جهلها، وعرفها على أولئك المثقفين جميعاً، بما فيهم ذلك الصرصور.. إبراهيم"‏

صار الآن كالثور الهائج، لم يعد يأبه للفت انتباهها، أو انتباه سالم، رمى من يده المنديل والورقة، وقد حولهما ضغط قبضته وعرقها إلى كرة صغيرة، وأخذ يزرع أرض الصالة جيئة وذهاباً، لم يكن قد هزم تردده وحيرته بعد، ولم تفارقه فكرة استراق السمع أو اقتحام الغرفة، وكانت صورة إبراهيم على الطرف الآخر للهاتف تزداد إلحاحاً في فجاجتها خصوصاً أن ما يتناهى إلى سمعه الآن، لم يكن سوى همسات وقهقهات خافتة، تنم عن سرّية وخصوصية الحديث، إلا أنه لم يجرؤ على الإتيان بأي شيء سوى ضغطه على أصابعه التي بدأت تؤلمه.‏

كان يسير بعصبية زائدة، وحين سأله سالم الذي سمع وقع خطواته:‏

-بماذا يفكر شرلوك هولمز الآن..؟!‏

صرخ دون أن يتمالك نفسه:‏

-أغرب عن وجهي..‏

لم يستغرب سالم تصرف والده، فقد بررت له أمه ذلك مراراً بتعب أبيه في العمل، فعاد إلى لعبه منكسراً ومشفقاً على حالة أبيه. أما هو فمضى متلظياً.‏

-"شيء جميل! أعرفها على كل الرجال لتخونني معهم، يا لها من وقاحة.. لا إنها أكثر من وقاحة خيانة..؟! وما الذي تعنيه الخيانة؟! أليست انعداماً لكل المعايير والضوابط أليست جريمة تستحق الموت..؟!‏

وهذا المدعو إبراهيم.. لو غسل قدميّ وشرب ماءهما، لما كفاه ذلك رداً للجميل.. أحسنت معاملته، ساعدته، علمته، منحته أغلى ما أملك من أفكار.. كل الحق علي، أمنحه أفكاراً ليأتي ويفاخر بها مصطاداً.. من..؟ زوجتي... يا للخسة..! حقاً اتق شر من أحسنت إليه.. رعاع.. مرتزقة... أحذية.. أجل إنهم أحذية وطأت كل مزابل العالم، وهذه حقيقة تفقأ العين.."‏

-"أليس هذا ما فعله اليهود بالمسيح، وأهل مكة بمحمد..؟!‏

وانبعثت في ذهنه عبارة يوليوس قيصر الشهيرة: (حتى أنت يا بروتس) واستمتع بترديدها بالإنكليزية عدة مرات ( Le you proetus) أيكون هذا عدلاً..؟ نبدع، نشقى، نضني أنفسنا في‏

سبيل رعاع لا يتقنون إلا رد المعروف بالطعن.."‏

برغم كل هذه المواساة للنفس، وصل غضبه إلى أوجه، فركل كرسياً، مما ساعده على استجماع نفسه.‏

-"لن يفيدني الغضب.. لأفكر بهدوء.. يجب أن أفعل شيئاً ما.. عليّ التخلص من ذلك المتطفل ولكنه ليس المتطفل الوحيد، فهناك هاشم.. كريم، كلهم يدّعون صداقتي، وهو أكثرهم استفزازاً وخطورة على سعادتي، إذا تخلصت منه يكون أمر الآخرين أهون.. ولكن ماذا عنها، فقط لو أتأكد بالدليل القاطع.. سأقتلها.. سأقتلهما معاً.. سأقول لسالم ببساطة: أن أمه كانت..‏

استكان إلى أحد الكراسي، وراح يتلذذ بفكرة القتل التي هدأت من ثورته بأسرع مما فعلت كل محاولاته لتعزية نفسه، وشرد طويلاً متخيلاً شتى الطرق لقتل خصمه وديدمونته، ولو نظرت إليه الآن لرأيت رجلاً بوجه طفل، أشعث الشعر، كأنه أفاق للتو من نوم عميق، عيناه جاحظتان باستغراب، كأنه مراهق مأخوذ بحكاية مثيرة.‏

انتشلته من أفكاره قهقهة زوجته التي تعالت كزغرودة، وحين وقع نظره على تلك الكرية الشعثاء الملقاة على الأرض، انتفض وانقض عليها، وشرع يخلص الورقة من المنديل.‏

قد تكون هذه الورقة هي ما أبحث عنه.. ربما هي الدليل.. رسالة منه سقطت سهواً أو.."‏

نسي الآن تماماً.. أو أنه لم يحاول أن يتذكر –على أي كرسي جلس إبراهيم، وتحت أي من الكراسي الستة وجد الورقة.‏

عندما انتهى من عمله الطبي –البوليسي الدقيق، بدأ بفتح الورقة بحرص وهدوء، كانت حياته برمتها مخبأة داخل تجاعيدها، ومصيره وكل شيء، انفتحت الورقة أخيراً بأقل تلف ممكن لا يمكنك أن تخمن أي شعور انبلج في دخيلته عندما قرأ تلك الورقة، لم يكن بحاجة إلى غير نظرة واحدة ليتيقن من محتواها.‏

كان بحاجة إلى تلك الورقة لتتلاقى كل السيول التي تصاخبت جارفة نفسها في كل الاتجاهات مشكلة نهراً عظيم الجريان من مختلف المشاعر والأحاسيس والأفكار، نهراً من الشعور بالعجز واللاجدوى، والألم الذي يتبع كل نوبة من نوبات قلقه، قد يكون شعور من السعادة داهمه للحظات سريعة، أو إحساس بالانقباض والحزن إذا لم تحسم شكوكه المؤرقة، وقد يكون كلا الوجدانين معاً انبعث في أنحائه الهائجة.‏

كان يقف وسط الصالة، مستسلماً، مدلياً رأسه وقد جحظت عيناه في الورقة التي أمسكتها يده المرتعشة.‏

دخلت زوجته وسألته بلهفة رغم معركة الأمس:‏

-عزيزي ما بك..؟‏

وبعد صمت قصير أعادت:‏

-ما بك؟ هل تشكو من شيء؟‏

وحين لم يجبها، هزت رأسها يائسة وعادت لسؤاله:‏

-ولكن.. ما تلك الخبطة التي سمعتها؟ وما هذه الورقة؟‏

ودون أن ينظر إليها أجابها بصوته الراسخ:‏

-لا شيء.. فقط كنت أتمشى هنا، ثم تعثرت بذلك الكرسي، كنت أفكر في سداد الديون.."‏

تلك الورقة.. كانت كالهاتف، أو الثقافة، أو الأصدقاء، تركته نهباً لشعور العجز، لن يقتل، لن يطرد، لن يطلق، باختصار لن يفعل أي شيء.‏

تلك الورقة.. المطوية بإتقان هندسي، والمكتوبة بخط أنيق، لم تكن سوى قائمة ديونه، ولم يكن أحد سواه قد كتبها، ولم تسقط سهواً من جيب أحد سواه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244