|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
تحت الغطاء ـــ زهير جبور تبددت شمسي منذ سنين، وها أنا أعيش الظلام وصحراء نعيمي السرابي وينبغي أن أجعلها تشرق، لأرجع كما كنت. سأعانقهم هؤلاء الذين ابتعدوا عني، وأنا منهم وهم لي. غدا سأفتش عنها تلك التي أتخمتها أحاديثاً عن الوفاء، والورد، والأمل، سأعود إليها لأحقن في وريدها مشاعري من جديد. غدا سأطلق روحي لتغوص في البحر، وتنتعش بملوحة مياهه وحنين رماله، سأتركها تحوم كطير فوق غصن، وتغني. لقد افتقدت ذلك، وما ربحت إلا هذا القلق الذي ينتابني، وأنا أتقلب تحت الغطاء كل يوم. ينبغي أن أبدل واقعي، وأعيد إلى وجهي ابتسامته الأصلية، وأنزع عنه البرمجة التي شوهته. غدا لن أتذلل للمسؤول الأعلى، ولن أفرط بالفرح القديم الذي سألملم شظاياه الضائعة منذ تسلمي المنصب. غدا موعدي مع الحياة، مع عفويتي الرائعة التي سلختها عني. سأرفض جمل المسؤول الكبير، وهو يمشطني بنظراته ساخراً، الرفض مفردة أهملتها، بل محوتها من قاموسي. غدا سأرفض، سأشفي نزف العمر الذي حرقته بالجمر، سأنتهي من دور الإسفنجة التي تعفنت من امتصاص المواقف الآسنة. سألبس يومي طيفه العتيق، وفراشة يقظتي السوداء ألوانها، لن أتعب نفسي إرضاء لأنانيتي وغروري، ولكرامتي مكانتها، وسأتخلى عن صهوة مصالحي، وخطاي، وعقلي الذي تسطح كنعل حذاء مثقوب. أنا ساقط... نعم أنا ساقط، علي أن أصرخ وأعلن ذلك بشجاعة الرجال وقد افتقدتها. غدا سأقذف المنصب بقدمي، وسأبصق على توقيعي، وسأجعلهم يحبونني مثل أيام زمان، لن أركب العربة، وأنظر من خلف زجاجها القاتم، سأمشي في الشوارع، وأقف أمام واجهات المحال التجارية، سآكل (سندويشة) فلافل، وأشرب (العيران) وأجلس في حديقة عامة، وأقرأ أوراق النعي لأعرف من مات، سأدخل الحي، وأقبلهم جميعهم، السمان، والجزار، وماسح الأحذية، سأجلس على الكرسي القش في المقهى، وأزور (المقبرة) وأقرأ الفاتحة على روحها، واستحضر صورتها، واقفة رافعة رأسها للسماء داعية (الله يفتحها في وجهك) وحين فتحها أوصدتها في وجوه الآخرين، يا أنا من نذل. غدا سأرمي ثوب (الانتهازي) كما يقولون، ولن أكون (الواطي) المتمسك بالمنصب، والكرسي، الذي لا يخدم إلا بقدر ما يقبض. سأعترف أن شعاع طهرها قد أعادني إلى صوابي، وابتسامتها لن تغادر مخيلتي، رغم كل النساء اللواتي مررت عهراً، سأقول لها لقد حررت ضميري من قيوده، فاغفري ذنوبي وسامحيني، هي لن تفرط بحبي، وتصر على أن طينتي ليست هكذا، يا لتلك الطينة التي شوهتها. استيقظ غدا، لكن شمسه المتوهمة ليلاً لا تشرق أبداً، دخل العربة التي فتحت أبوابها، لم يرد التحية، ولم يلق نظرة ما على الذين حدقوا به. راحت جمل المسؤول الأعلى تتراشقه، ويتقبلها منحنياً، ذليلاً، كعادة كل يوم، وقد غابت تماماً شجاعته تحت الغطاء، وتعزز شعوره بالتسطح، والنعل المثقوب، فمارس نهاراً انتقامه من البسطاء، والضعفاء. كان نومه يفر ليلاً، ويتقلب، ويقرر غداً... وغداً.. وسيبقى هكذا حتى لحظة الفصل بين النبض والتراب... حينها ستسدل ستارته. ويستمر عرض الآخر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |