|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
حلم في رحلة قصيرة ـــ محمود حسن قبل عشرين عاماً كانت الطريق بين اللاذقية وطرطوس ضيّقة وكثيرة الالتواءات والانحناءات، فمرةً تجد نفسك على الشاطئ والموج يلمس قدميك، ومرةً تغوص في حقول من الخضرة، وكانوا يسمّونها طريق الموت لكثرة الحوادث التي كانت تحصل عليها، ولم تكن تلك الحافلات الحديثة، فكانت عبارة عن /مكروات/ صغيرة وضيّقة المقاعد والناس تنحشر فيها جلوساً ووقوفاً والشاطر من يسبق ليجد مقعداً خالياً يجلس عليه وإلاّ سيبقى واقفاً مسافة الطريق، ومع كلّ هذه الزحمة كانت تُراعي أفضلية الجلوس للنساء وكبار السنّ، وعندما تجلس امرأة أو صبية طالبة في الجامعة، يبقى المقعد بجانبها شاغراً إلى أن تأتي أنثى وتجلس بجانبها لذلك كنتُ محرجاً جداً عندما صعدتُ إلى الباص وأغلق السائق الباب خلفي ثمّ أدار المحرك معلناً بداية الرحلة ولم يوجد سوى مقعد بجانب امرأة فجلستُ عليه، ومن اللحظة الأولى لم أشعر أنها كانت محرجة من جلوسي بجانبها سوى أنها انزاحت قليلاً وفتحت زجاج النافذة ثمّ نظرت نحو الخارج. الزمن شهر /أب/ والشمس في قبة السماء ترسل أشعةٌ من نار وامرأة في الثلاثين من العمر أو هكذا قدّرتُ ـ ثيابها تضيق بجسدها الممتلئ وأنا بطبيعتي لم أكن من محبّي العظام المجردة من اللحم، ولم تلفت نظري عارضات الأزياء اللواتي تطقطق عظامهنّ عند المفاصل، ربما لأني قضيتُ زمناً طويلاً من عمري أنام على فراش من القشّ، فكنتُ أحلم دائماً بفراشٍ ناعمٍ طريّ يدغدغ عظامي دون أن يخدشها، ولأني لم أكنْ من هواة الرياضة ولا من أولئك الذين يضيعون برنامجاً غذائياً للمحافظة على جمال قاماتهم، فإنّ قامتي كانت كشجرة بريّة تتغذى من محيط متجدد، وتمتد كيفما شاءت، فكان جسدي منفوشاً ولابدّ لجسدين منفوشين في مقعدٍ ضيق إلا أن يتلاصقا فكيف يكون الأمر إذا كان هذان الجسدان لرجل وامرأة والرجل أول مرة في حياته يشتمّ رائحة امرأة بهذا القرب والطريق كثيرة الالتواءات والانحناءات، والحافلة تترنّح تحتهما... يميناً ويساراً....؟ ولكي أُبعد الأنظار التي بدأت تتراشق عليّ /كحجارةٍ حطّها السيل من علٍ/ أغمضتُ عينيّ وتظاهرتُ بالنوم، ثم تركتُ جسدي على هواه، وكان إحساسي أنها فعلت نفس الشي وإلاّ لماذا لم تسحب ساقها التي كانت تلتصق بساقي تحت المقعد...؟ فمرّة أجد رأسي على صدرها، ومرة أجد يدها تطوّق عنقي ومرة أكون مسنداً لها بكامل جسدها ومرة تكون مسنداً ناعماً طرياً لجسدي وبكلّ الرضا والسرور. الجسدان يلتهبان في أتون واحد. الركّاب الجلوس يترنّحون في مقاعدهم والوقوف متراصّون ومتشبثّون بعوارض حديدية تمتد في سقف الباص، ونحن خارج هذا العالم، وإذا كان الكلام هو الإفصاح أو التعبير عن شيءٍ ما، فلم نكن بحاجة إلى ذلك الكلام الذي يخرج من الأفواه لأنّ جسدينا كانا يعبّران بصدق عمّا يريدان لأنّ الأجساد لا تكذب ولا تنافق حين تعبّر عن نفسها لأنها تكون خارج العقل وخارج الإرادة وخارج كلّ القيود والحواجز التي صنعها الإنسان لكبح تلك الرغبات التي لا تحدّها القوانين ولا الأساطير ولا عصا الشرطة استطاعت أن تمنع تلك الشرارة التي تنطلق من قطبين في لحظة الالتحام والاحتواء، الأرض لا تستثير الفلاح عندما تفتّق قشرتها لتخرج من جوفها النبات، ولا أحد يستطيع أن يمنع البرق أو الرعد عند تلاقي غيمتين تحبلان بالمطر، وعندما يُقدم الإنسان أول مرة على عمل أو مغامرة، يشعر بالخوف والتردد في البداية، لكنه عندما يقطع شوطاً من الممارسة، يتلاشى الخوف وتجري الأمور في مجراها الطبيعي، علماً أني لم أفكر بمغامرة، وكلّ ما كنت أفكر به هو أن تطول هذه الطريق ثم كيف سننفكّ عن بعضنا عند النهاية...؟ هل سيذهب كلّ منّا في اتجاه، دون أن يعرف شيئاً عن الآخر..؟ فاللاذقية ليست طوكيو أو نيويورك والناس تعرف بعضها إن لم يكن بالاسم فباللوحة، وكلانا من مجتمع يقبع في داخل كلّ فردٍ فيه شرطي يحمل بيدٍ كل الأساطير والتقاليد، وباليد الأخرى عصاً من خشب السنديان الأحمر وهذا الشرطي من أكبر المنافقين الذين عرفهم التاريخ، إذْ لا يشهر عصاه إلا في وضح النهار، ويسمح لك بكلّ المعاصي شريطة أن تكون في الظلام، وعبر تاريخه كان متحيّزاً ولا يرى إلا بعينٍ واحدة ومع تناغم الجسدين بدأت تنمو وتترعرع في داخلي صبابة لم أشعر بها من قبل، صبابة جعلت قلبي يخفق ويدقّ فهل هذا هو الحب.؟ ولم أكن مراهقاً ولا هي في سنّ يبيح لها بمراهقة طفولية، فأيّ حبّ هذا الذي وُلد من تلاصق جسدين لا يعرفان عن بعضهما سوى هذا الاحتكاك والتناغم..؟ قد تكون متزوجة أو مرتبطة بعلاقة ما لكن الشي المؤكد والذي لا يقبل الشكّ أن الجسدين يشتعلان في أتون واحد وبكلّ الرضا والسرور وأنه لم يبق بينهما سوى ذلك الشرطي المنافق الذي يمنعهما من الكلام المسموع والذي يحول دون الإفصاح بصدق عن ما تحسُّ به كبشر نُسهم في أول بداية لصنع الحياة، وإذا كان هذا الشرطي يكبر ويتضخم مع كبر الإنسان واتّساع علاقاته فكيف إذا كان هذا الإنسان مدرّساً لمادة الأدب وفي أكبر مدرسة في اللاذقية، ومن أسرة تعتبر وجه المرأة عورة وأول مرة في حياته يحتكّ جسده بجسد امرأة...؟ والعشق في دين مديره حرام وإذا أراد أن يبهدل مدرّساً وأن يمرّغ سمعته بالوحل يقول عنه عاشقاً لإحدى طالباته، يرتدي بذّته السوداء الجوخ في عزّ الصيف ولم نره حاسر الرأس وحتى في مكتبه لا يخلع الطربوش. شعاره /إنما الأمم والأخلاق ما بقيت فإنْ همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا/. يُقال إنّ زوجته ماتت في الولادة لأنه رفض أن تلد في المشفى ويكشف عليها الطبيب. عند مدخل اللاذقية فتحتْ حقيبة كانت تضعها في حضنها وأخرجت منها منديلاً أسود لفّت به رأسها، ثمّ أخرجت منديلاً آخر أسدلته على وجهها. فقلتُ في نفسي هذا مطلب تريده أمي وأنّ سنّي ومركزي لا تناسبه واحدة من بنات اليوم اللواتي يتراقصن في مشيتهنّ وسط الشوارع. وعندما كانت تكفكف المنديل على رأسها فتّحتُ عينيّ واسترقتُ نظرة من يديها لأتأكد فيما إذا كان في أصابعها ما يشير إلى أنها متزوجة أو مخطوبة، فرأيتُ وكأنّ ورماً في أصابعها التي تنبت من ما يشبه خفّ الجمل، ثمّ وقفت وطلبت من السائق أن يقف، وكان من المستحيل أن تخرج من المقعد إلا بعد أن أخرج منه لأفسح لها المجال بالخروج وكانت فرصة لي أن أكون وجهاً لوجه وبإمكاني أن أتملاّها بدقة وظهري يشكِّل حاجزاً منيعاً لسهام المسافرين وفكّرتُ أن أبدأ من الأعلى وبما أن الوجه مخفي خلف المنديل فإني سأبدأ بالرقبة لأني أحب الأعناق الطويلة ولأن أمي كانت تحتفظ بعقدها القديم الذي أهداه لها المرحوم يوم كتب الكتاب وتقول: هذا سيكون هدية للفتاة التي سأختارها لك يا ولدي. لكني لم أجد لها رقبة فالرأس ملتصق التصاقاً تاماً بالمنكبين فقلتُ لنفسي ربما المنديل الذي يكفكف على الرأس ويلتف حول الرقبة هو الذي أعطاني هذا الانطباع وزحفت نظراتي نحو الصدر لأن الأثداء هي التي تعطي شكلاً متميزاً للمرأة لكني أيضاً لم أجد أثداءً ولم أرَ سوى اسطوانة متساوية الأبعاد من الكتفين حتى أسفل الوركين، عندئذٍ عدتُ خطوة إلى الوراء حتى خرجت من المقعد ودخلت في الممرّ الذي يتزاحم فيه المسافرون، ولمّا عدتُ إلى مقعدي ونظرتُ من النافذة رأيتُ رجلاً يلبس طربوشاً أحمر وبدلة سوداء ولمّا وصلت إلى جانبه، مشى ومشت خلفه وعندما كان الباص يبتعد كانا يبدوان كظلين لا شكل لهما وهما يسيران على الطريق الواسعة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |