مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لا يكتمل الزواج إلا بأربع ـــ عوض سعود عوض

-1-‏

صدرت الأوامر إلى موظفي الفندق وعماله أن يكونوا جاهزين لاستقبال الشيخ متعب. ترك كل عمله، حتى الأجراس التي تقرع لا تجد من يجيب عليها.‏

أيمكن أن يحصل مثل هذا الإهمال في فندق يقال إنه خمس نجوم. انتظروا حتى مجيء السيارة التي تقله. صف من السيارات توقف. تراكض العمال يحملون الحقائب، بينما فتح الموظفون الأبواب. مدير الفندق بذاته ركض صوب سيارة الشيخ. فتح الباب وأشار بيده. وعندما وقف الشيخ شامخاً كالنخيل، حنى المدير رأسه وظهره ولم يستعد طوله إلا بعد أن تلقى الأمر بذلك.‏

-2-‏

كان الجميع يخدمون الراقصة جيجي لبراعتها في فن التمايل والانحناء وهز الأكتاف والأرداف، وتبيان المستور محاولة منها لإثارة المشاهدين إلى نهديها المكورين اللذين يحاولان الخروج من فتحة الصدر. يتوالى التصفيق وترى نفسها نجمة تستحق أن تكون في أعلى طابق، وفي جناح فخم، ولا يطلبها إلا السادة الذين يدفعون بالعملة الصعبة.‏

هالها أنها تقرع الجرس فلا تجد مجيباً. اضطرت إلى الخروج من غرفتها، تسأل لماذا هذا الصّد؟ وعندما تلقت الرد. قررت أن تكون واحدة من المرحبات بالضيف الكريم. نضت عنها بعض ثيابها، فبدت صنوبرة تستحم بالضوء والمطر، هزت شعرها فتطايرت النجوم والعصافير من الليل الداكن. وقفت تنتظر دورها في السلام والترحيب. عيناها المنتشيتان بالشهوة والشهرة، رسمتا أحلى سهرة في ذهنها، وتركت ذلك لليل وللأمير الذي لن يخيب ظنها.‏

-3-‏

أشاح الشيخ متعب وجهه بعيداً عن جيجي. أمر أحد أتباعه أن يرمي عباءة عليها، لتستر عريها. وبلهجة لا تقبل الجدل طلب إبعادها عن طريقه. أحست الراقصة برائحة عرقها، بوضاعتها، بعريها، بموت أحلامها. كانت مستعدة أن ترقص حتى الصباح، أن تغني له ما شاء من الأغنيات، أن تهبه سهرة تليق بمقامه الرفيع.‏

تساءلت أيعقل أن يكون رأي الشيخ متعب قطعياً. أم أن منصبه ومكانته لا تسمح له بالتعاطي مع راقصة. إلا أنها دوخت العشرات، المئات، الألوف، ما إن يرى النزيل جسدها الضامر وحدائقه المعلقة، يراها تتوهج كالسنابل المشعة قبيل الحصاد، حتى يدفع ما يملك من نقود. أيعقل أن يكون هذا الشيخ "الكرنيب" عفيفاً شريفاً نزيهاً. أقسمت بأغلظ الأيمان، إنه عكس ما بدر منه.‏

-4-‏

طلب إلى أحد معاونيه أن يبحث عن صبية تليق بمقامه. يتزوجها طوال إقامته. يريدها فتاة بعمر الزهور. واحدة لم يمسسها غيره. واحدة لها نقاء الطفولة وإشراقة الشمس، لها جسد ناضج؛ عليه أن يكتشف مجاهله؛ وأن يغوص بدروبه ومنحنياته.‏

-يا سيدي الشيخ الوقت متأخر الآن، يمكنك أن تفطر على الراقصة، أو على أية واحدة تختارها من الوسط الفني.‏

-اذهب يا ولد وأحضر واحدة ومن يكتب عقد النكاح. ليكن والدها حاضراً ليقبض مهرها. ولا تنسَ الصفات التي أريدها. "بنيه صغيورة تليق بنا".‏

خرج مساعده، تلقته جيجي. تحادثا. تفاهما. قالت:‏

-أنا لك هذه الليلة، أريد فقط أن تساعدني على إعادة كرامتي التي سفحها متعبكم.‏

إن كان يريد الزواج حسب الشريعة فأنا تحت يديَّ بدل الواحدة عشر.‏

لم يصغِ لما قالته، هام في الشوارع يبحث عن فتاة لا تتجاوز الثامنة عشرة، جسدها معجون بالنِّيران والحليب. بيضاء، توافق على الزواج من الشيخ، وتقبض هي ووالدها ربع مليون ليرة، زواج لأيام، أو لأسبوع، أو ربما على أبعد احتمال لشهر.‏

عاد ولم يحقق غرضه.‏

تلقته الراقصة، اتصلت بالهاتف، بعد وقت قصير انتصبت شابة كالقصيدة، كالشمس تقف أمامه. بسرعة أنهوا عقد القران، وما هي إلا ساعة وكانت وحيدة بين يدي الشيخ. نظر إليها وقال بينه وبين ذاته، إنها رائعة تساوي ضعف ما دفعته.‏

وقف يحدق بجيدها وردفيها وساقيها ونهديها، ببريق عينيها. اقترب منها فبدأت تكشف عريها. جلست إلى جانبه. التصقت فخذها بفخذه، فردت جناحيها تريد أن ترتحل إلى عشه، أحس بعبق جسدها وفورانه، بثورة عريها، أضاءت ليلته. تراقصت النجوم على محياها. البرق يتلاقح مع جسدها المتناسق. بيده خلصها من ورقة التوت. فبدا الجسد أكثر إثارة، جسد معجون بالنيران. غدت متوهجة ومتقدة كالجمر. يتصاعد اللهب من شفتيها، من يديها، من جسدها الذي يحيله البخار إلى موقد.‏

أمضى العروس لياليه الأولى بالفرح والحب والعشق والجنس. كانت عروسه ملكه، إلا أنها لم تكتف بالمطر القادم من الصحراء، بالمطر الشحيح. في لحظة شبق أو لحظة حب، لفت أحد العمال بعباءتها، وعاشت معه أحلى لحظاتها، في هذا الوقت جاء المأذون ثانية ليطلقها؛ وتخرج من باب الفندق ذي النجوم الخمس إلى غير رجعة.‏

-5-‏

أحس الشيخ متعب أن الراقصة جيجي هي التي دفعت محظيته للخيانة، هي التي رتبت كل شيء، وعندما طلقها الشيخ زغردت، فأمر بطردها من الفندق، وكان له ما أراد.‏

صحيح أنه تمتع أسبوعاً بأحضان الصبية، إلا أنه طلب واحدة عمرها أقل وجسدها أكثر نضجاً، عبر عن ذلك بقوله: "جسد ريان من الرخام والمرمر. النهار طلتها، والليل في أهدابها والشبق في محياها" فتاة سيمنعها من مغادرة غرفته طوال إقامته.‏

بعد بحث طال يومين، جاءته فتاة حنطية، جسدها المياس يضحك. سلمت عليه، ووقعت على عقد الزواج لمدة قد لا تطول، وافقته على كل طلباته. حرر لها شيكاً بالمبلغ الذي طلبته، إلا أنها تطمح بالمزيد، إنها تبيع جسدها. أهلها موافقون، فلِمَ لا تستعمل ذكاءها عرته من لباسه فبدا كالغصن اليابس. لا نفس فيه ولا روح. هي لم تتعرَ. بل لفت ساقاً على أخرى بكل وداعة وخبث. فبدا جمال ساقيها آية في الروعة والتناسق. حتى لونهما المشرب بالحليب والموشى بشيء من الحمرة بدا مذهلاً. فتاة تظهر بعض زينتها وتتفنن في لباسها، في عريها، تظهر أعلى صدرها، وما فوق ركبتيها بقليل. عينيه تشتهي وقلبه يدق. تبدو بطة ساقيها، بطنها. تتحلل من لباسها قطعة قطعَة. هجم ليعريها. صدته ورفضت أن يمد يده، هي التي تغريه، وهي التي ستتعرى على مزاجها وطريقتها. رمت قميصها فبدا البطن عارياً، وبدا الخصر رهيفاً، بينما السُّرَّة تتماوج على وقع غنجها وتمايلها. برشاقة ردت شعرها إلى الخلف، فبدا متماوج الألوان. يحدق بعريها، يضيع في لجة عينيها. غير قادر على الصمود. اقترب منها، ووضع يده على كتفها، نقلها إلى صدرها، إلى فخذها الساخنة الملتهبة. أبعدت كفه. مرَّ الوقت دون أن يتجرأ على اقتحامها. مهرة أمام جواد هرم. ابتهر بجمالها وبفيضها الأنثوي وإغرائها الذي لا يقاوم. حررَ شيكاً بالمبلغ الإضافي الذي طلبته. بدأت تتعرى من بقية ملابسها. جاءته طواعية، أخذ يمرر كفه على جسدها الأملس الناعم.‏

لم يحسّ سابقاً بمثل هذه النعومة والرهافة. وهبته خصرها. أرادت أن ترقص معه. أن يدوخ. رفض واقتطف قبلة من شفتيها. تهاوت مقاومتها، فغاصا بالسرير الوثير.‏

أحست بالتقزز والقرف. وعندما غط في النوم لعنت النقود والأهل. لعنت ذاتها. وما مثلته من خبث وحب. أدركت أنها باعت جسدها. باعت حبيبها الذي ينتظر موافقتها للزواج. باعت روحها فهي لا تستحق شيئاً حتى الشفقة. دخلت الحمام. وقفت أمام المرآة تتأمل الكهرباء في خدها، والفواكه في صدرها، تتأمل فتوتها وخواره. بجسدها الناهض وجسده الخاوي. حسبت كم من السنوات بينهما. هالها الرقم الذي تجاوز الخمسين. أهي عاهرة؟ يبدو عريها باهتاً وموجعاً بشيء من البقع الزرقاء تغطي جسدها، حاولت فركها. حاولت إعادة الحياة إليها دون جدوى.‏

تمتمت:‏

-إنك متوحش أيها العاهر. فقط نقودك هي التي تحبسني، آه كم كنت سيئاً في ملاطفتك، عشرتك، كلماتك، في تعاملك مع أنثى من البنفسج. أتظن حقاً أنك اشتريتني؟!‏

فاضت عيناها. ارتدت ملابسها وغادرت الفندق غير قادرة على إكمال هذا الدور، بعد أن بصقت على ذاتها وعلى أمواله.‏

-6-‏

جاءه معاونه بالفتاة الممشوقة. التي اعترف أنها أجملهن، وأن الله دفع الثانية إلى الهرب؛ ليهبه واحدة يتوضأ بكلماتها، برائحة جسدها. ليحبها ويسبح في عطرها. فتاة قادرة على التكيف معه. منتشية بجسدها وهو يتحرر من ذاته. تغريه بالسهر. كل ما فيها غريب، حتى طعمها أحس أنها ذات مذاق لا ينسى. تشع شهوة. الليل في قلبها شديد التوهج. دفنت آخر النجوم. تعدو إليه كغزالة اللوحة المعلقة على الجدار. وكالسهل الذي حصدت حنطاه. أهي كالغزالة تعدو إلى الأمام؟ هي رغم ما فيها من فتنة ورغم ما امتلكته من أموال غير سعيدة. على الجدار الآخر لوحة لمهرة تعدو بلا توقف وفي السماء غمامات رمادية. قفز سؤال إلى رأسها. أهي هذه المهرة التي لا تروض؟ أقادر الشيخ على ترويضها؛ أقادرة هي على منحه الحب والثقة؟ ها هي ذي تعدو وكأنها قادرة أن تصل إلى السماء، نعم لم لا تكون اللوحتان تعبيراً عن حالتها، عندما أحبت، وعندما ارتضت العهر، فأجادت الإغراء، وصارت فاتنة في كل حركة أو إيماءة أو قول. ومع ذلك كئيبة، في داخلها ليل وحبيب فض بكارتها وهرب. تناست الماضي. سلمت جسدها ليده الخشنة بعد أن طالبته بالشيك. أظهر حبه. تساوي أكثر من المبلغ التافه الذي دفعه. تظاهرت بالرضا والحب وهي نافرة منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها. إلا أنها تمثل السعادة. تتظاهر بأنه فارس العرب الوحيد القادر على إشباعها. بعد عشرة أيام كان مصيرها خارج الفندق. ورقة طلاقها بيدها اليمنى وفي اليسرى بضعة شيكات قابلة للدفع بالعملة الصعبة.‏

-7-‏

في ساعة صفاء أحبت إحداهن أن تستفزه بجمالها علها تحظى بمنزلة أميرة. شيخ مثله يستطيع إكمال دينه ويتزوج الرابعة. انتفض لجرأتها وشغبها وغبائها. إنها تريد أن تقفل الدائرة، وهو يريدها مفتوحة. أكان يستطيع الزواج والطلاق لو كن أربع؟!‏

-8-‏

تأخر وصول الطائرة الخاصة بنقله وإعادته إلى بلده. تأخر سفره، بحث عن واحدة فلم يوفق. همسَ بأذن معاونه أن يحضرا الراقصة جيجي، إلا أنه لم يجدها. فقد استغنى مدير الفندق عن فنها بناء على طلبه.‏

عند سفره اصطحب امرأة تسليه في رحلته. دققوا النظر إليها. دققوا باسمها. إنها الراقصة جيجي ذاتها، التي هزت خصرها وهي تصعد إلى الطائرة.‏

2003-8-27‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244