مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الصداع ـــ غسان كامل ونوس

ـ1ـ‏

كارثة لا تنتهي، كابوس يهيمن كل وقت اليقظة، وفي أي مكان؛ موجات حادة متتابعة تحس معها أن تصدعاً هائلاً يصيب المخ، فتفور الأوجاع، وتمور الأحاسيس، وتتوالى المشاهد ضارية قارسة...‏

"فوهة معتمة تغوص عميقاً، سرعان ما تبتلع الصرخة الوحيدة التي تند عنه بعد الطلقة الوحيدة في الرأس المعصوب المسنود على الحافة..."‏

ها أنا أعيد كلامه ذاته وقد بدأت موجاته بالتحرك منذ البارحة، وها هي تشتد مع مرور الوقت والمسافة..‏

***‏

ـ2ـ‏

حين أمرته أن يردم تلك الحفرة، بدا كأن جبلاًَ انهد على صدره، أطرق، مشى ببطء وتثاقل، تردد في الصعود إلى الجرافة، دار حولها مرات.. طلبت منه الإسراع بردمها قبل أن يهطل المطر فتتضاعف خطورة الاقتراب منها. همّ. تراجع. وقبل أن يتقدم توقف المحرك... سألته:‏

ـ مالأمر.؟!‏

قال مطرقاً ماسكاً رأسه بيديه:‏

ـ لا أدري يا أستاذ؛ رأسي يوجعني؛ انطفأ المحرك...‏

ـ ما علاقة رأسك بالمحرك؟!‏

ـ لا أدري...توقف المحرك، رأسي يوجعني، الصداع عاد إلي...‏

ـ وما العمل الآن؟!‏

ـ نريد ورشة الكهرباء من المديرية.‏

(أبرر للأستاذ قلقه وانقباضه، فأغلب آليات المشروع لا تدور من نفسها. وتحتاج ورشة من الفرع، تدور كل صباح. وهي قد غادرت مشروعنا منذ قليل، وسيمضي وقت طويل قبل أن يكون بإمكانها العودة إلينا، بعد أن تنهي جولتها على آليات المشاريع المبعثرة في بقاع المحافظة. وأبرر صراخه:‏

ـ سيضيع النهار دون أن نعمل شيئاً...‏

وسيصرخ في اليوم التالي أكثر حين أتوقف بالجرافة والشفرة غاصة بالتربة والحجارة على حافة الحفرة.‏

وأصرخ أيضاً ماسكاًَ رأسي باليسرى، ضارباً باليمنى على السواقة:‏

ـ رأسي يوجعني، لا أستطيع... لا أستطيع... توقف المحرك رأسي يوجعني.. هاتوا آلية أخرى ... سائقاً آخر.. لا أستطيع..!‏

لا أدري كيف قلت ذلك. حين يداهمني الصداع، أكاد أفقد الوعي. الأستاذ يعلم ذلك؛ الكثيرون يعرفون..‏

ـ أنت تعلم أنه ليس في المؤسسة آلية أخرى بجنزير...‏

ـ جنزير أو دولاب.. هاتوا سائقاً آخر.. آلية أخرى... رأسي يوجعني... لا أستطيع..!‏

***‏

ـ3ـ‏

(كنت أتمنى لو أني معصوب العينين، أو مسدود الأذنين، أو مخدر الأحاسيس... لكن الوقت المتروك لاستعادة الهدوء وإمكانية السيطرة على الطلقة التالية لا يلبث أن ينتهي، ويبتعد زميلي مفسحاً الدور لي... صرخت: لا ...لا أستطيع... كان الرأس التالي صغيراً وقامته ستضطرني للانحناء..‏

لكن صوتاً زلزل كياني:‏

ـ إن لم تفعل، سترافقه..‏

كانا اثنين، حصة كل منا واحد..!‏

وعلى الرغم من أن أيام الحادثة وسواها تغور بعيداً في هوة التاريخ، فإن نيرانها لا تزال تلفحني. قال الطبيب المهم المعالج:‏

ـ ستنسى حين تنخرط بالحياة، تزوج فتنشغل بالهم والاهتمام، وتنسى..‏

لم يكن على حق؛ هل يعرف ذلك ويحتال على صداعي؟!‏

هذا الصداع الذي يعود ضارياً. منذ أن علمت أن زوجتي حامل؛ لا أطيق رؤيتها، لا أحتمل تصور ولدي... كيف يمكنني أن أربيه؟! كيف سأعامله وأنا أرى في الحلم مرات مسدسي مصوباً إلى رأسه على حافة هوة غامضة...؟!).‏

***‏

ـ 4 ـ‏

الطريق تبتعد عن المشارف المأهولة، ويزداد الاتساع قفراً، واللون يشحب مع نوسان في اللون الأخضر الذي يتلاشى.. الصومعة المتعالية آخرُ البنيان الممتد الذي يظل بادياً لمسافات طويلة: ها هي هزات من التصدع تعيد الفكر إلى تحرقه، والجسد إلى توفزه، والوقت إلى بساط من شوك خبير...‏

"ـ قبل أن تباشروا الصب، تأكدوا من أن أحداً ليس في الجدار...!‏

ضحك النجارون والحدادون وعمال البيتون...‏

ـ لا تستغربوا... حدث مثل ذلك في أحد الأعمدة الطويلة في سكة الحديد.. نزل الخبير ليتأكد من سلامة تحضير أحد العناصر؛ تأخر؛ نسي العاملون ذلك؛ أُعطيت الأوامر بالصب.‏

ـ وماذا حل بالخبير..؟!"‏

***‏

ـ5ـ‏

(ـ أستاذ... أرجوك... لا أستطيع...!!‏

كان يمسك رأسه بيديه...مكفهراً..!‏

ـ ما بك يا سعيد؟!‏

ـ لا أستطيع يا أستاذ؛ الصداع سيقتلني... أرجوك. انقلني إلى مكان لا يوجد فيه بيتون.‏

أرفع اقتراحاً بنقلي خارج المؤسسة، خارج الوظيفة..‏

ـ لماذا؟! وما هذا الصداع؟! متى يبدأ؟!)‏

أمسكت رأسي بكلتا يدي:‏

(البيتون قاتل.. البيتون... آه! لماذا يعصر الإنسان؟! يضغط على جسده فيتفصد الدم من كل فتحات وجهه، من كل رأسه.. الإنسان الحي.. الإنسان حياً؛ رأيتهم يضعونه في برميل، يصبون حوله المجبول البيتوني إلى رقبته...!! تصور! لا... لا أستطيع.. لماذا يفعل البيتون ذلك؟! لا أقدر أن أتحمل البيتون؛ أكرهه، أمقته؛ أكره نفسي.. أكره الحياة...أستاذ... أرجوك... أبعدني عنه... انقلني أرجوك...!!).‏

***‏

ـ6ـ‏

الشساعة وامتدادات الآفاق ورقص السراب الذي بدأ يقاطعنا من بعيد.. أمور تترك في النفس شروخاً إضافية.. أسئلة وترددات وأصداء: لماذا هذا البعد؟! ما هذا المشروع الذي يتطلب أناساً من فصيلة "الأوادم"؟! رجالاً ثقة؟! ربما من جناح الصم البكم العمي الذين يفقهون فتزداد خصالهم قتامة، ومساماتهم كثافة تتناسب مع هذا البعد، وهذا الرشد الضائع في صحراء تبدو من دون نهاية...‏

تلكم بعض أناس يحفرون شيئاًَ ما.. لعله خندق يخدم ذلك المشروع.. المشروع الذي نساق إليه...؟!‏

بدت أدواتهم أكثر قرباً.. يحفرون بنهم.. القيظ والغبار والبعد يجعلون منهم فرساناً في معركة مغلقة، لا مناص من التخويض فيها بكل العزم والشراسة.. هذا ما خطر في باله المشوش؛ هل هو في طريقه إلى خضم هذه المعركة؟! وماذا هناك؟!‏

الوجع يتصاعد، والإحساس العارم بالألم يتضاعف:‏

(ـ ما رأيك بهذه الحفرة؟!‏

ـ مناسبة؛ أكيد أنها تناسب الأحجام المطلوبة...!‏

ـ أوه.. وتزيد.!‏

ـ هذا جيد؛ على كل الزيادة أفضل من النقصان، وإن كان في هذا خسارة مضاعفة: جهد الحفر وكميته وكمية البيتون وجهد تنفيذه وكلفته..‏

ـ لا أحتاج بيتوناً، التراب يكفي..!!‏

ـ لا مستحيل، الأساسات أصل البناء، واستقراره من قوتها واستنادها الصحيح على أرض صلبة..‏

ـ أما سمعت...؟!‏

ـ ماذا؟!‏

ـ كانوا يطلبون من الأسير أن يحفر حفرة على طوله. وحين ينهيها يتكوم فيها بطلقة واحدة في الرأس.. طلقة واحدة... ليس إلا..!!‏

ـ ما رأيك بهذه القواعد يا أستاذ؟! ألا تصلح أساساً لأفعال ومبادئ وتحركات لو كانت تستحق...!!‏

يضرب العامل على رأسه..!‏

ـ لا.. لا ..أستطيع..! لا يمكن..!!)‏

قال السائق المرافق:‏

ـ أستاذ.. أستاذ... مالك..؟! لماذا تصرخ هكذا...؟!‏

ـ آه عفواً.. لا شيء...لا شيء!! هل مازال المشروع بعيداً...؟!‏

ـ لا... لا بضع دقائق.. ليس غير..‏

ـ هل نجد هناك حبوباً لوجع الرأس..؟! يكاد يدمرني ويتضاعف؛ أحس أن مطارق تعصف بي ومخارز تشرخني. لم أعد أستطيع تحمله. وفرغت زوادتي من الحبوب.!‏

***‏

ـ7ـ‏

بضع آليات تتحرك في بحر من الغبار والقيظ... بضع عمال ينصبون براكات.. عند أول محرس قال الواقف هناك محيياً بضحكة مصفرة:‏

أهلاً برئيس مشروع الـ.....!!‏

كأن صاعقة نزلت على رأسي، دارت بي الأرض طويلاً، حتى ضاع الإحساس بالوجود.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244