|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
انتظار المستحيل ـــ حسب الله يحيى *الأب: أحدق في سماء غرفة جرداء، مثل فلاح زرع أرضه ولم يحصد سوى اليباب، مثل أم انتظرت مولودها زمناً طويلاً، فإذا طبيبها يعلق لها حقيقة حملها الكاذب، مثل صياد ظل طوال نهاره.. يَعِدُ نفسه بسمكة.. أية سمكة تقيه الجوع، وتعيد إليه ابتسامة ما يحملها في أفول النهار إلى بيته.. أحدق.. ألّون بياض سقف، بدا شاحباً، اكتسب حزنه من السجاير وأقداح الشاي ودخان المدفأة النفطية والأنين الذي يندفع في زفرات منكسرة. النافذة، التي أُستبدل زجاجها بخامة من النايلون الذي تجمد وانكمش فعله بفعل الشمس والهواء والغبار، النافذة الوحيدة هذه؛ بدت وكأنها تعكس العالم القاتم خارج النافذة إلى أحزان قلبه، مثلما تعكس قتامة الروح في داخل الغرفة إلى الخارج. لا شيء.. يوحي بشيء، ولا شيء يمكن أن يستبدل بشيء آخر. الانتظار نفسه، والهموم ذاتها.. والمستحيل لا يجيء بغير المستحيل.. باع كل ما كان بحوزته، كل ما اختزن لأيام العتمة التي رسم واستعد لمواجهتها.. الآخر الذي فيه يطمئنه، والآخر الذي يذكره ويدق على أنفاسه.. يجعله في موقع الندم والتشاؤم والهمّ الثقيل. أعرفه.. أعرف هذا الذي هو أنا، المقسم إلى قطع وزوايا وعوالم وأشلاء. أعرفه.. أعرف من أنا، من أكون، من سوف أكون، من الذي لا أكونه أبداً. فعلت ما كان ينبغي على أب حنون أن يفعله من أجل ابنه الوحيد، وكيف يمكنه المساهمة في بناء مستقبل ابنه وإعداده إعداداً سليماً لحياة سعيدة له ولسواه من الناس. مازن.. تخرَّج في كلية الطب بتفوق، وما زن أكمل الخدمة العسكرية الإلزامية، ومازن تم تعيينه في عيادة طبية شعبية في الريف، ومازن يعدُّ نفسه للزواج، ومازن يعدني بالكثير، يريد أن يعوضني عن تعب الأزمنة الغابرة، ومازن سيكون بديلاً عني في رسم حياة مريحة لأمة، ومستقبلاً زاهراً لأختيه: أنغام وألحان.. مازن وضع الجنة في أحلامنا. مازن وضعنا في مسرّات وسعها الأرض والسماء، وجعلنا ننتظر وكبر مازن في آماله.. وبات مازن صغيراً، قميئاً، محبطاً في إنجاز تلك الآمال التي بدأت تذبل في عينيه شيئاً فشيئاً. بدأ يذوب مثل شمعة، يعمل بجد حتى يضيء، وكلما اتسعت مساحة الضوء التي كان يشغلها؛ بات يحس بغربة نفسه، وانكسار أحلامه.. حتى أدرك أنه في هم. حاولت أن أزيل عنه هذا الوهم، هذا الحزن الثقيل الذي بات يثقل على أنفاسه وذاكرته المتعبة.. كان صديقي، مثلما كان ابني.. ونحن نشترك سوية مع بقية أفراد العائلة في هذا الجمع السعيد على مائدة الطعام والثرثرة وتناول بذور عباد الشمس.. الذي أضفينا عليه صفة أجمل وقلنا زهرة الشمس.. بدلاً من العبودية التي حبسناها في داخلها. لكن مازن بات غريباً علينا وهو بيننا، يحب الصمت على غير عادته، يؤثر النوم المبكر على غير ما نعرف عن رغبته الدائمة للسهر، مغرق في التأمل، عازف عن الأغاني والضحكات وحبات زهرة الشمس وأقداح الشاي. أسأله، وأخشى جوابه، أصمت، والكلام يخنق أنفاسي.. وبين الصمت والكلام.. تجد رابحة نفسها في موضع الرقيب الحنون، والأمومة التي تكتم.. فيما تجد أنغام وهي التي ارتضت الوظيفة، وجعلتها كل حياتها.. وراحت أرقام الحسابات تملأ رأسها..؛ تجد أن دخولها إلى عالم مازن الطبي والحياتي قد يجعله مستاءً منها أو عادلاً عن حبها. ورأت ألحان أن التعليم أفضل خيار لعمل المرأة، كما أنه أفضل مهمة لبناء حياة زوجية سعيدة وأبناء قدّوا من نجاح وتربية صالحة..؛ رأت أن التأمل في عيني مازن تنم عن إحباط من جهة ورغبة ما.. مكتومة من جهة أخرى. أما التأمل فهو ليس من طبعه.. تقول. وأما الرغبة.. فهي ليست مما يعتاده المرء..تقول، وتقول إن فيه إصراراً على معنى وهدف ورجاء. سألته.. وأنا أضيق بصمته، لا شيء. أعرف أنه سيجيبني.. لا شيء، وكل شيء، يوحي بأشياء.. والأشياء تقود إلى أشياء في مقدمتها قراره باختيار السفر. أطلق صيحة خجولة محبوبة ومحجوبة وناعمة مثل نسمة. كان يخشى النطق.. يخشى عليّ من بوح محبوس في داخله، ظل لأيام طويلة يختزنه، ذلك أن يعرف وقع النبأ على صدري ورأسي وحواسي.. كان يؤثر على الجميع، والجميع في صف واحد، موقع واحد.. وأنا لوحدي في موقع كلي وأساسي متفرد. ما كان عليّ أن أقول، ما كان على الصمت الذي يختزن الكلام كله أن يتكلم. الكلام قدّ من ذهب ومن أزهار ومن راحة.. الصمت ثقل من همّ وحزن وعبودية.. من كوابيس ثقيلة، ومن مرارات وأوجاع واختناقات. كان مازن، يعرف، يعرف جيداً ماذا سأقول. عفاني من مهمة أن أسأل وأرتجي وأتوسل. -أبي.. أعرف أن الأمر يحزنك كثيراً. أعرف أن السفر يعني بالنسبة إليك كارثة.. لكن الكارثة درستها، تأملتها، راجعتها مراراً، جعلت احتمالات الفشل فيها ممكنة، مثلما إمكانات النجاح فيها ممكنة كذلك.. واتخذت قراري في السفر. وتعطل لساني.. فيما خيّم الحزن على النسوة الثلاث، بدون وكأنهن قد شخن فجأة! -أبي. أمي. أنغام عزيزتي. ألحان حبيبتي.. أرجوكم، أتوسلكم، اسمعوني.. هنا درست عن أمراض تقليدية.. وقد بدأت أحس أنني أعالج أمراضاً غير تقليدية. وفكرت بالرجل الذي سأكونه، بالزوج والأب والمستقبل.. وقد وجدت أن المسافة بيني وبين هذه الآمال عصيّة وطويلة وشاقة.. أنا لا أريد لولدي أن يتنفس جواً ملوّثاً.. ويموت بين يديّ وليس بوسعي علاجه مثل كثرة من الأطفال الذين يموتون كل يوم وهم في أحضان أمهاتهم وآبائهم.. وليس بالإمكان إسعافهم. وأنا لا أريد لولدي أن يفتح نهاره على تعلم الكذب والغش والخديعة في المدرسة والشارع والسوق.. لا أريده أن يعرف أن حديقة كانت هنا وقد تحولت إلى مكان تجمع فيه النفايات. وأن يعرف أن ملاعب الطفولة قد تحولت إلى قضبان للسجون أو أسلحة لزرع الخوف. كنا نلتم على بعضنا، نصغي جيداً.. ولكن مثل تلاميذ كسالى يصغون وينامون في حالات الإصغاء هذه.. فيما يكون المعلم قد تعب من الكلام والوقوف ورقابة نفسه وهو يتحدث في جو بارد. رابحة عبرت عن احتجاجها بالبكاء. أنغام شبح الاختناق في أنفاسهما. ألحان أخذت تحدق في الوجود، وتبحث عن إجابة.. وكنت الوحيد الذي أدرك فيه أن مازن قد اتخذ قراره ولن يثنيه رجاء أو توسل.. وكل ما يمكن لي التعبير عنه هو أن أدعم مشروع سفره فحسب، ذلك أنه قادر على السفر حتى بدون بناء هذا المشروع معه.. لأن معه مفاتيح قراره الحاسم. أعددت نفسي لمواجهة امتحان قلبي.. وامتحان نجاح سفره، بما يعزز وجوده في الغربة، لا عوزه وفاقته وذله ومرارة ندمه. اكتفينا بأقل من القليل.. وبعنا ذاكرة موشومة على أشياء كثيرة، شاخت وتعبت من طول عيشها معنا، وآن لها أن تنصرف إلى فضاءات أخرى. أنّ المقعد الخشبي، غرد البلبل الحبيس في قفصه ونحن ننقله إلى الخارج، نطق المذياع القديم وهو يرانا نجره جرَّاً من مكانه المدفون فيه منذ سنوات طويلة.. كانت حنجرته مخنوقة. جعلنا نهج البلاغة نحنو عليه ونلمس بخشوع.. بدا دستويفسكي حزيناً وهو يحدق في صفحات روحه تباع في المزاد العلني، وصار عبد الرحمن منيف يرى مدن الملح تذوب وأرض السواد تلبس ثوب الأسى، وبكى داريل وهو يودع الإسكندرية.. ورأيت سوار رابحة يسقط على بساط صارت وروده ذابلة.. وتأملت قلادة أنغام تذمّرت من جيدها الناعم، وساعة ألحان تتوقف مؤشراتها عند زمن قتيل. و.. أعد مازن حقائب للسفر.. وأعددنا شفاهنا للقبلات وقلوبنا للحزن وأرواحنا للوداع ورؤوسنا للانتظار.. وأيامنا لكثير من الاحتمالات. عند الحافلة.. وجدنا دموعاً تتوجع، وأوانٍ مملوءة بالمساء، تغسل الشر وتبعد البلوى، وتسقي الخير بالآمال والمسرّات.. قبلات تزهر وتنطفيء، ونظرات تتوسل وتتحسر وترجو.. وأكف لا تريد أن تفلت من بين أصابعها.. أصابع، وأحضان دافئة، لا تصدق أن هذا الدفء.. قد أخذ منها، وأن عليها احتمال البرد والأحلام اليتيمة.. و.. تجر أقدامنا، مثل فريق كروي خاسر، ومثل أولئك الذين يودعون عزيزاً في مقبرة مليئة بالأشواك.. ثم يبدأون السير، وأقدامهم تغوص في أوحال وبقايا أشياء فتنة، أحسني في جنازة. أحس رابحة قد ودعتني.. أنا الذي كنت الجنازة. أحس أن أنغام تودع أمانيها في حبيب تزوج، وقد خذلها وترك لها وحدتها. أحس أن ألحان قد ذبلت وهي تقاسم أختها حزناً أقل ومستقبلاً مستحيلاً قد أقفل أبوابه.. وبدأ يتمطى فوق أرواح تهيم في الظلمة.. في مساحة شاسعة من الظلمة والصدأ والقهر.. أحسني أذوب.. أذوب ببطء حدّ التلاشي. *الأم: رأيته فجأة يشيخ، شيخوخة لم آلفها من قبل.. أدركَ أنني أرقبه. أرقب ثقل الحزن عليه.. لذلك بادر إلى أخذي من يدي وأجلسني جواره، كأنما يتوسلني ألا أحزن، ألا يثقل عليّ فراق مازن. واصطفى أنغام وألحان قبالته.. قال: -ما كان ينبغي علينا أن نستجيب لرغبته في السفر. احتجت أنغام: -أبي.. أنت من سكت فسكتنا. قلت والدموع في عينيّ: -أما كان عليك أن تقسو عليه هذه المرة وتمنعه..؟ واسته ألحان. ربتت على خدي ألحان. ألقت ابتسامة شاحبة على وجه أنغام. قالت: -أبي.. هل سيطول غيابه؟ ووجدته ينكمش، يصغر، خفت عليه. خفت على صحته وحسراته.. واسيت روحي. قلت: -سنعتاد غيابه.. وسنعتاد الحديث عنه. سنقرأ رسائله سوية، وقد نسمع صوته الهاتفي، قد يأتي صديق منه وقد رسم معالم وجهه.. وعندئذ نراه في عيني صديقه. -هذا كل ما تبقى لنا من مازن..! جاءت كلمات حسان موجزة، موحية، مذابة بدموع غير مرئية.. تنام في أحضان اليأس. تناولنا أقداح الشاي وحبات الشمس.. دون رغبة. كان التناول عصياً علينا، مثلما كان النوم عصياً على أجفاننا.. وقد اخترنا تلك الليلة أن ننام نحن الأربعة سوية. تظاهرت بالنوم. سألني: -رابحة، هل نمت. لم أجبه.. وأحزنني أن لا أجيبه، وأحزنه أن لا يسمع إجابة مني. -أبي.. هل أنت بحاجة إلى شيء. لبت نداءه ألحان. قال: -ألحان.. افتحي النافذة، إنني أختنق. -أبي.. الجو بارد. -البرد أهون.. أريد أن أشم نسمة. فتحت ألحان النافذة، فاحتشد البرد في الغربة، وجاء يتدفأ ويحتضن المدفأة النفطية التي سهرت تلك الليلة، اغتنمت الفرصة، فرصة النسيم والبرد الدخيل. -أوه.. النافذة مفتوحة.. -أغلقيها. -هل أنت صاحٍ؟ -أنا.. أنا أنام مع الليل، هل رأيت ليلاً ينام؟ -وهل أنت الليل؟ -بالتأكيد.. وها هي فوانيسي. وأشار إلى بقايا ضوء شاحب في البعيد.. وتقاسمنا الصمت.. ثم سألته: -هل وصل الآن..؟ -رابحة.. الغرباء لا يصلون.. وإن وصلوا، إن فيهم صلة تشدهم إلى المكان الذي غادروه مازن لن يصل أبداً، مازن سيكتب إلينا ما يطمئن به نفسه بالوصول، وليس بوسعنا إلا أن نصدقه.. لكن نقطة وصوله، لا تتم إلا في طريق العودة. نهضت أنغام من نومها، قالت: -أبي قرأت عن أسماك ما أن تترك المياه التي كانت فيها.. حتى تموت فوراً. وأكملت ألحان قائلة: -وهناك أشجار ما أن تقتلع من جذورها حتى ترفض العيش في مكان آخر.. سألت الأم.. -حتى إذا كانت الوقت ربيعاً؟ -الأشجار تعرف أن الربيع يجيء من أجلها.. وعندما تكون في موطنها.. لا أن تكون مقتلعة من جذورها.. لتسكن في مكان مجهول. أضاف حسان: -البنات تحس وتخجل وتتألم، وتحب الشمس والضوء والدفء. -أبي.. الأسماك ألا تحس بالبرد وهي في الماء شتاءً؟ سألت ألحان، فأجاب الأب: -لا.. إن الماء وطنها، وهي تحتمل برودته، مثلما تحتمل دفأه.. تقاوم شباك الصيادين ويساعدها الماء في الخلاص أحياناً.. و.. أنام بجفون رمداء مالحة.. وأحلم أن سمكة بيضاء.. بيضاء، تبتعد عن الضفاف، ثم تجد نفسها ضائعة، ويصعب عليها العودة، فقد أضاعت طريق العودة، مثلما تعبت من البحث. عن مكان تأوي إليه، عن ضفاف ترسو عندها.. لكنها أخفقت، وفي إخفاقها تعلقت بأقرب شصّ نصبه صياد وأغرى بطعمه السمكة المتعبة الجائعة.. ثم أمسك بها.. وراحت تتوجع في أصابع الصياد الخشنة.. أيقظها الحلم.. وراحت تتعرف أنفاس حسان وأنغام وألحان وتطمئن.. ثم تحس أن المرأة التي كانت هي.. قد غابت. قد غبت، كما لو لم أكن. كما لو لن أكون. تسكنني رهبة أن أموت هكذا.. وفيّ بقية من لهفة إلى رؤية مازن عائداً، وحسان قد عادت إليه طمأنينته وابتسامته، وأنغام قد تزوجت بعريس يليق بها. وبألحان وقد لحقت بها.. وقد أنجبتا بنين وبنات.. سمعت دقات على الباب، سبقتني إلى فتحه ألحان.. -أهلاً خالتي.. أهلاً. ورحت أركض أستقبل فيه أختي.. في صباح باكر: -أريد أن أودع مازن قبل سفره. -جئت متأخرة.. كان يريد رؤيتك. وبتنا خمسة نبحث عن وجه سادس يعلن عن غيابه.. خمسة ما كانوا يريدون لسادسهم أن يغيب، وأن تنكسر أجنحة تحليقهم إليه، أو تحليقهم إلى أزمنة المسرات، أو تحليقه إليهم وإلى أزمنة الألفة.. جلسنا إلى الفطور، كان الرقم كاملاً.. وحسابات أنغام مضبوطة، ولكنها ليست دقيقة.. فلقد استبدل التوقيع بآخر.. -للتوقيع صاحب، وللمكان بصماته.. لا يمكن لأحد أن يكون بديل أحد. قالت أنغام، وفيها لهفة إلى دفء الصباح وبهاء الوجوه التي تشرق متفائلة.. اجتمعنا عند دائرة الفطور.. ظل شيء ينقصنا. ظل طبق مازن فارغاً. ملأته الخالة. قلت: -لا.. لا خذي هذا، هذا طبقك يا أختي.. -ولكنه فارغ يا رابحة.. قلت: -لا.. لا.. ليس فارغاً، هذا طبق مازن، سأملأه الآن، سيظل يمتلئ.. يوماً ما سيدق الباب، ويجد طبقه مملوءاً.. هذا ما ينبغي أن يكون، وليس من المناسب أن يكون طبق مازن فارغاً.. ورحت أملأ.. وأضيف، وأحسه بحاجة إلى فيض دائم من الحنان.. *مازن: تصحبني الحقائب أو أصحبها، أرافقها أو ترافقني، أستظل بها أو تستظل بي.. فكلانا ينتمي إلى وطن واحد، وكلانا عرف الوجوه نفسها، وكلانا يعاني من الغربة والتشرد، وكلانا يحس أن البرد يأخذ منه أجمل ما فيه. دفأه. من ألزمني على كل هذا.. من أكرهني على هذا الخيار. كيف رضيت أن أستبدل كل تلك الحفاوة في وجوه من أحب ومن ألتقي ومن أحاور.. بكل هذا النحس، في وجوه تعاملني بشك وريبة ورهبة، وَجَعَلَها تنظر إليَّ كما لو كنت معتوهاً أو مصاباً بالجذام، أو الإيدز أو.. أو الجمرة الخبيثة. من أخذ البسمة من كل هذه الوجوه.. من جعلها تعاملني بهذا الجفاء، وكأنني بقايا نفاية، بقايا كائن هامشي غير جدير بالحياة، ماذا فعلت. ما الجناية التي حُددت بموجبها لعنتي..؟ كانت الدروب موصدة أمامي، كانت شهادتي الطبية لا تعني شيئاً. كانت لا تضفي عليّ أقل احترام أتوسله.. كانوا يحدقون مراراً في وجهي وجواز سفري وشهادتي وأوراقي. كنت متهماً بشكل دائم.. ودائماً عليّ أن أثبت براءتي. توجهت إلى الجامعات.. أدق أبوابها.. فتتنكر لي. أقصد الأصدقاء الذين كنت أتوسم فيهم الاستقبال الحسن والمساعدة.. فإذا بي أحصد الخيبة. أعرض جهودي لأشغال عديدة، قد تقيني ضائقة الجوع والعوز.. فتطردني شر طردة.. وفي حال كهذا.. وجيوبي قد خلت إلا من الامتلاء الكامل بالفراغ، أن أتولى تدبير أمري مع الأقارب.. ففيهم بقايا من جذور أمي وتطلعات أبي، وفيهم شيء من ظمأ دجلة وحلاوة الرطب ونسائم الليالي الطويلة. و.. شملوني بعواطفهم. شاركتهم طعامهم، وارتويت من عذب مائهم، وجعلوا يبحثون لي عن عمل.. دون جدوى، حتى وجدوا أنفسهم بحاجة إلى تجنيدي لخدمتهم. كنت أبذل أقصى طاقتي، حتى أبدوا في عيونهم جديراً بالاحترام والرعاية.. وذات مساء.. حدثت ابن خالتي عن حالي وعائلتي، وحدثني بتفاصيل عن حياته.. كنا نفتح نوافذ على خصوصيات حياتية كثيرة، كانت بالنسبة لي مقفلة، وبالنسبة له لا تعنيني. الآن.. بدأ يتجه لانشغالي بشؤونه، حتى أنها صارت جزءاً من مشاغلي.. وصارحني: -ما رأيك لو تقدمت لخطبة أنغام؟ -ولكنك متزوج ولك أطفال.. -أنا على خلاف معها.. سوف ننفصل. -والأطفال..؟ -هو من شأنها. -وكيف ترضى أنغام الزواج من رجل لا تعرفه، لم تتحدث إليه، ليس معه عوامل مشتركة..؟ -بالعكس.. بيننا عوامل مشتركة عديدة، أليست ابنة خالتي؟ -وهل يكفي هذا للزواج..؟ -و.. أنا في الخارج، وضعي المادي ميسور.. سأنقذها من الفقر، سأجعل منها أجمل امرأة. -أنغام لا تفكر بهذه الطريقة. أنغام ترى أن ما يجمل الحياة.. المحبة والتفاهم. -صورتها تقول.. أنها قادرة على فهمي.. هيا كلمها. كن إلى جانبي، حدث والدك بالأمر. أريد أن أكلمها بنفسي.. سأعرف كيف أجعلها توافق. كان الليل ينتصف، نصفه لصحّة الروح، ونصفه الآخر لهذا الذل والمرارة والمساومة. كنت أحدق في عينيه، فأرى فيهما الدعوة التي ينبغي أن تلبي، والرجاء الذي يلزمني بالتنفيذ. رفعت الهاتف، تيبست إصبعي في دائرة القرص، ساعدني على طلب الرقم. أعطاني السماعة. و.. حدثت أبي عن صحتي وعناية قريبي واعتزازه بي، حتى أنه فكر أن يتزوج من أنغام. فوجئ أبي بالطلب.. قال أنه شأن يتعلق بها، وأنه لا يلزمها على شيء ما، ولكنه يقترح ويقدم وجهة نظره.. وأنها هي التي تقرر بنفسها كل ما يعنيها. وطلبتها.. كانت نائمة.. جاءت كلماتها دافئة. قالت إن الأمر يحتاج إلى تفكير. طلبها ابن خالتي. سمعته يقول لها: حياتنا الخاصة، وسعادتنا المشتركة، وأن زوجته قد تخلى عنها ولم يعد هناك سوى الانفصال رسمياً.. وأحسست أنها قد وعدته خيراً. وفيما وجدته مبتهجاً وهو ينهي المكالمة؛ أحسست وكأنني أساوم على مستقبل أختي.. أختي التي تتعامل مع حياتها بطريقة دقيقة، بمسائل حسابية معقدة.. وبعدها تتخذ القرار المناسب في هذه المسألة أو تلك. أحسست بالندم. شعرت أنني أوافق على زواج بالمراسلة. هو يعتقد أن كل امرأة عراقية وهي في الظروف العسيرة وضائقة الأنفاس، يمكن أن تقبل بكل ريح وأمل.. يأتيها من الخارج.. الخارج رخاء وأمان وسياحة. الداخل عدم ومرارة ولا استقرار. الخارج عرس دائم. الداخل مأتم كل الفصول.. ستشد الرحال متوجهة إليه. أنغام ستتخلى عن كل قناعاتها، وتشغل بالها بالجنة التي فتحت أبوابها.. لتستقبلها، وسأكون أنا من قادها إلى هذه البوابة الموعودة بالسعادة. كانت الهموم تثقل على أنفاسي، بحيث يصعب عليّ أن أتنفس بملء رئتي. كنت أعرف أن ابن خالتي.. له أهواء غير مستقرة، ومواقف غير أكيدة.. ومطالب وأهواء. مختلفة، ليس من طبع أنغام القبول بها. ستفاجأ أن ما قد رسمته لم يكن إلا حلماً.. وأن هذا الحلم الحافل بالمسرات، سوف ينتهي ويأخذ الواقع مسيرته الشاقة على حياة أنغام. كنت أكتوي بناء القربة والهزيمة والإخفاق والآمال الكبيرة التي تلاشت في أول صحوة، مثلما أكتوي بناء القناعة الزائفة، والرغبة الذاتية في حشد الرضى، والنفع والاستقرار مع ابن الخالة الذي لا طموح له سوى المال والنساء والكبرياء الزائف. أتساءل: أضع نفسي في جمرة السؤال، في حقيقته الناصعة: -إذا كنت أعتقد أن حياتي مع هذا الرجل.. حياة إخفاق؛ كيف إذن.. أسعى نحو إخفاق مماثل يشمل العزيزة أنغام؟ أجيب.. وبي شيء من الشك والقلق واللا إرادة: -سأنقذها من حياة العزوبية، سأخلصها من حياة العانس التي راحت تشغل بالها.. هناك لا أحد يتزوج، لأن لا أحد يريد لأطفاله أن يفتحوا عيونهم على الفاقة والحرمان، لأن لا أحد يريد أن يستأجر ثوب عروسه وقماط طفله وضحكات أفراحه من الآخرين. كنت أعلم جيداً، أنني أضعها في حفرة ليس من السهل الخلاص منها، وإنقاذ نفسه من نتانتها وعمقها ودائريتها.. وهي التي عاشت حياة.. هي من البساطة، بحيث تأمن عليها من أحزان قلبها والاطمئنان على راحة الفتاة الطيبة التي تمتلكها. و.. كنت أدرك أية مرارة تعيشها أمي وهي ترى عمر السنوات يشيخ في عالم أنغام، ليلحق به عالم ألحان.. وأبي المقهور دائماً، الحزين دائماً، الذي يترقب دائماً ذلك المستحيل الذي لن يأتي أبداً، وإذا اعتزم على المجيء.. فإنه سيجيء متأخراً، وسيكون هو.. هو قد ملّ الانتظار و.. رحل! لم يكن سهلاً أن أعتذر لأنغام.. لأن الذاكرة عندما تستعد لمجد فرح تصنعه، يصعب عليها أن تتجه إلى ذاكرة أخرى وتحول هذا المجد السعيد.. إلى وهم. ولم أفلح في إقناع ابن خالتي للتخلي عن فكرة الزواج بأختي.. لأن التخلي يعني بالنسبة إليه.. مصفقة خاسرة، ومشروعاً فاشلاً.. وآمالاً مبددة، ووجوداً تعفنت قطافه، ودانت عناقيده إلى الجفاف.. *أنغام: منذ الطفولة.. لا أعلم كم كان عمري، عندما تعلقت بثوب أول عروس شاهدتها في حياتي.. وظل هاجس أن أتحول إلى عروس في يوم ما، يملأ عليّ حياتي، ويصبح أقصى أمنياتي، وأدعى الأشياء إلى أفراحي ومسراتي وأحلامي. أكملت دراستي الثانوية والجامعية، باتجاه أن أحظى بعريس يليق بي.. وجديرة به. تعبت وسهرت وتعاملت مع ملايين الأرقام في وظيفتي الحسابية، وصورة الرجل كانت تملأ رأسي وكياني كله. بقيت على عذريتي واستقامتي والرغبة الملحة التي في داخلي.. وفي طي الكتمان.. احتفظ بها جميعاً للرجل الوحيد الذي سأقترن به وأحوّل عالمه إلى جنات عدن ويحوّل عالمي إلى الفردوس الذي ظل حلمي المستحيل.. لكن الحروب جاءت؛ وقطفت ربيع الرجال.. حتى أصبحت الزهور عصية على الحياة النساء لم يعد إنجابهن إلا شقاء البنات.. اعتزازاً بألق الشباب الذي يسافر في رحلة الصيف والخريف إلى الحرب، واستنكاراً وتنديداً ورفضاً لكل الحروب. ولدت مع فاتحة الحروب، وكانت كأنما أمي قد حملت بها.. معي في مشيمة واحدة. كانت فاتحة الدم والموت والجراح والدموع والملابس السوداء.. تملأ مساحة كبيرة من تشكيل ذاكرتي والصور في عينيّ التي سمعت كثيراً من يقول أنها أجمل العيون، وفيها من الزرقة بحيث يبني الرجال أنفسهم الأمجاد فيها، أو التحليق في سماء زرقتها. كنت أصغي إلى ما يقال: -لا تأكلوا من نبات الكماء الطبيعي، فقد تفجرت في الصحراء التي تنبت فيها آلاف القنابل. لا تأكلوا الطماطم لأن سمادها كيمياوي قاتلوا. وأضيف: لن أشرب الماء لأنه ملوث، لن آكل رغيف الخبز لأن الأرض اختزنت الكثير من الغازات السامة، لن أركب سيارة تقلني إلى بيتي أو عملي لأنها تحبس الحناجر بدخانها.. ولن.. لن أتزوج أبداً، لأن الشباب كانوا قد تعرضوا لكل أنواع الأسلحة المدمرة والسامة.. أصوم حتى الموت.. والموت حتى الاحتراق.. والاحتراق حتى الرماد. أية فواجع يعيشها المرء وهو يعيش حياة مملوءة بالشك والريبة والرهبة والخطر..؟ وامتحن مسراتي، فإذا بها تذوب وتضمحل، وسنوات عمري تنكمش وأشيخ. شبح الشيخوخة يهددني ويتوعدني.. وكلما أردت أن أنسى.. يجيء أبي ويذكرني، تجيء أمي وترقبني.. وفيما أجد أزهار روحي تذبل، كنت أنظر أزهار ألحان تنمو وتنتشي وتبدو أجمل وأنضج وأحلى.. عندئذٍ أدرك أن عليّ التخلي عن مكاني لها.. فلا يصح أن أكون أنانية وآخذ سنواتي وسنوات سواي، ولا عطور الفتنة التي كانت فيّ، وأقطرها في شباب بدأت معالمه تعلن عن نفسها وتبوح بأسرار جمالها. أقرأ قصص الحب. أشاهد أفلام الألفة. أرى أمي وأبي. أرقب صديقاتي، لكل منها حبيب تأنس له ويأنس لها.. أحدق في طيور الحب كيف تغازل بعضها. أنتبه إلى القطط كيف تشم بعضها وتحنو على بعضها وتمارس الفعل اللذيذ. أنا كائن يعي، أنا مخلوق قدّ من وجع ونبل وحذر. وعليّ أن أحتمل إلى ما لا نهاية. استسلمت ولم أنفلت إلى التمرد الذي كنت أتمناه.. استسلمت إلى واقع مر لم أشارك فيه، ولم أكن قد اخترته.. لكنه صار يثقل عليّ. وذات ليل.. ليل إثر ليل.. كنت أستسلم لعوالم شتى، لأحلام موجعة.. فإذا نداء يناديني: -أخوك يطلبك على الهاتف.. وأحدثه، أريد أن أحتضن غربته. كان صديقي وأخي وموطن أسراري.. كان مازن يكبرني بعام واحد. ضدان كنا، وحليفان كنا، وصديقان حميمان أصبحنا. فاجأني خبر دعوته للزواج من ابن خالتي. فاجأني أمر أن يكون لي ابن خالة يحدثني لأول مرة ويطلب مني الموافقة على الزواج منه.. أنا لم أدرك بعد أن يكون لي قريب بعيد يحدثني ويشدني إلى قرابة مقطوعة.. إلا في خالة لا تزورنا إلا في مناسبات متباعدة جداً. كنت أريد استيعاب الحالة، هضمها والاقتناع بها أولاً، ثم مناقشة كيف نعرف بعضنا.. فإذا عرفنا بعضنا وتلامست أفكارنا، عندئذ قد.. قد نستجيب للعواطف وندعها تنمو.. أما أن يكون الأمر.. بهذه العجالة، فهو شأن عصي على فهمي. ترددت في الجواب.. أحسست أن الرجل يريد أن يسلبني قراري على عجل وأن تعلقه بي مسألة غير طبيعية وأن إرادة قلبه، أقوى من إرادة ذاكرتي.. رجحت أن الغلبة له ووعدته خيراً.. الوالدان باركا لي عرسي سلفاً، ألحان غبطتني ورشقت وجهي بقبلات ساخنة. كانت إرادة الاقتران قد أصبحت واقعاً، وليس أمامي سوى القبول بما كان وما رسمته لي أقداري السعيدة وامتحان أيامي العصيبة التي أفلحت في زواج سعيد.. سيترك بصمات أفراحه عليّ وعلى عائلتي.. بعد طول صبر ومعاناة وانتظار. *ألحان: الفرحة التي غمرتني بنبأ استعداد أنغام للزواج، لا تعادلها سوى فرحة زواجي الذي لا يمكن أن يمر قبل إكماله مشروع أختي الكبرى أنغام. أنغام.. كانت أجمل نغم في حياتي. كانت تملأ حياتي بالآمال والأفراح، وكنت أعلم جيداً أنها تواجه حياة مرّة وسقماً لا آخر له. كانت تعد سنوات عمرها بالدقائق والثواني.. وليس بالسنوات. كانت السنوات قصيرة خداعة، وهي كائن عملي يحسب للأشياء حساباتها.. وللمسرات مناسباتها الغائبة والمعطلة والجافة أما أنا.. فقد أخذ التعليم قسطه من شبابه، حتى رحت أفكر بأمومتي لتلاميذي في المدرسة، أتفقدهم كأم رؤوم.. أرعاهم كما لو كانوا أزهار حديقة روحي.. كانت روحي تفتقد إلى الألق. إلى السمو والرفعة والسعادة.. كان همي مشغول وضمن مساحة واسعة بأنغام.. ذلك أنني لا ينبغي أن أطمح بعالم سعيد يتجاوزها أبداً. أفكر بشبابي من خلالها. أفكر بشيخوختي المبكرة من خلال شيخوختها المعتقة. أخبئ أنوثتي عنها.. حتى لا تقارن ولا تغار. أبعد عنها شبابها الذي بدأ يأفل.. وفيّ يسكن وجود مر وقاس وموجع.. وفيّ وفاء ونقاء وعزوف عن لذات أطمح إليها وأريدها.. وفيّ إرادة إيقافها من أجلي أولاً. من أجل أنغام، وأبي وأمي.. وفيّ، وفيّ.. أشياء كثيرة لا أريد أن أعلن عنها حتى لنفسي خشية أن تسرقها نسمة وينتشر أمرها بين الناس..والناس يحرقون آمالهم بآلامي، والناس يسلبون إرادتي بعد أن سلبت إرادتهم، والناس يبكون بعيون سواهم، والناس سعداء ما داموا قد أفلحوا في التغلب على سواهم. سواهم عدم.. وليس لسواهم سوى السقم. لا يهم، المهم أن يكونوا وفق ما يريدون أن يكونوا عليه.. وأخي واحد منهم.. هاتفه يقول هذا. هاتفه يرشح ذاك الذي اسمه ابن خالتي.. وخالتي غائبة من الذاكرة..! و.. فوجئت به ذات عتمة. أراد أن يكلمني مباشرة، وجد في صورتي أجمل من سابقتي.. كان قد اعتذر لسابقتي لأختي.. حبيبة قلبي، ادعى أنه قد عاد إلى الوفاق مع زوجته، وتخلى عن الزواج الموعود.. باركنا له العودة في مكالمات عديدة، وجعلنا الأمور تسير على وفق صورة صحيحة.. بعد أن كانت هواجسنا كلها مشغولة بشأن الزواج والاتفاق بشأنه من مواقع بعيدة وآجلة وغريبة.. فماذا لو كان الزواج قد تم ونمت بذوره.. كيف كان يمكن أن تكون الحلول..؟ حسن أن ينتهي الأمر على هذا النحو. استبشرنا خيراً، وإن كان الحزن يوشم القلب ويدميه. تعلقنا بزمن النسيان.. تعلقنا بأهداب المستحيل.. حتى تجيء، بعالم يأخذنا من الغفلة إلى اليقظة. وجاء صوته.. في ليل غاب فيه القمر.. وانطفأ الكلام في أول محطاته. -قلت لك.. صورتك أجمل منها. -شكراً. كلانا.. كل منّا لها خصوصية جمالية. واستوى الكلام إلى طلب: -أنت من أريدها زوجة لي. لقد انفصلت عن زوجتي نهائياً، طلقتها، وجعلت الأولاد من نصيبها الآن.. أنا حر. أستطيع الزواج منك.. متى شـ.. عجبت لطلبه. أحسست به يصفعني، وأنا ضعيفة أصغي إليه عن غير إرادة مني.. امتلكت أعصابي واندفعت إليه.. صارخة: -من قال لك إنني سلعة يمكن لك شراؤها وقت ما تشاء، وتستردها وتستبدلها كلما رغبت.. من قال لك إن أنغام وجود لكائن تريده أو ترفضه حسبما أردت.. من جعلك تعتقد أن الصورة ناطقة وجامعة.. من.. من.. كنت أصرخ وأبكي.. وجدت نفسي بين ثلاثة وجوه تحدق وتحنو وتسأل.. وجدت عتاباً مراً، ووجعاً مخبأً، وأحزاناً ثقيلة.. تنوء بها تلك الوجوه وأنا أحدثها بما كان من مكالمة ابن الخالة.. والأخ المشجع و.. والألم المستقر الذي يقطر الوجع. ورحت أقرأ في العيون أشياء كثيرة: حروب تُترك بصماتها. غربة تسحق بقايا نفوس هدم كيانها، وشبيبة تصدأ.. آمال منطفئة.. هواجس يقتلها السقم. وكنا جميعاً.. كنا نحس بالاختناق، بلهفة إلى رجاء ما، إلى مستحيل نستل من أعماقه ثمة أمل.. ثمة وجود نقطف من طول انتظاره نقطة ضوء.. 15/1/2002 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |