مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

رائدات عربيات في صحافة المرأة ـــ د.سهيل الملاذي

قامت الثروة الصناعية في الغرب، فنقلت المجتمعات الغربية نقلة حضارية مهمة، إلى عصر جديد، اتسمت فيه ثقافاتها بالإقبال على العلوم والمعارف، وتميزت بارتقاء الآداب والعلوم الإنسانية، وانتشار الوعي الاجتماعي والتحرر الفكري، ونهضت بالأوضاع الاجتماعية إلى مرحلة، نالت فيه المرأة حظها الوافر من النهوض والتقدم.‏

أما المجتمعات العربية، فكانت تخضع لنظام إقطاعي قائم على العشائرية والطائفية، وتعاني من استبداد الحكام وظلم الولاة، الذين قاموا بنهب الثروات ومصادرة الحريات، وتركوا شعوبهم في حالة سيئة من الفقر والتخلف والجهل.‏

وكانت المرأة العربية، في أقسى أوضاعها المتردية، تنوء تحت وطأة التقاليد البالية، التي تركتها رهينة بيتها، تعاني من الجهل والعبودية، مما أبعدها عن المشاركة في الحياة العامة، والمساهمة في الرقي الاجتماعي المنشود.‏

كل ذلك، إضافة إلى المطامع الاستعمارية، خلق واقعاً عاماً متخلفاً، أعاق قيام قوى اجتماعية واعية، تنقل المجتمعات العربية إلى عصر التحرر والمعرفة. في وقت كان العرب أحوج ما يكونون فيه إلى هذه النقلة.‏

وللخروج من هذه الأوضاع الصعبة، حمل المتنورون العرب عبء المشروع النهضوي العربي، فكانوا قادة الفكر ورواد التنوير، ودعاة التحرر السياسي والرقي الاجتماعي، الذي لا يمكن أن يكتمل إلاّ بتحرير المرأة، كجزء أساسي من تحرير المجتمع.‏

لقد كانوا يربطون بين تخلف المرأة وانحطاط المجتمع، ولهذا نقلوا قضية المرأة من وضعها الخاص، إلى إطارها العام، كقضية سياسية اقتصادية اجتماعية، مرتبطة بحركة النهضة العربية الشاملة.‏

وقد لعبت المطابع والصحف والجامعات والمدارس، دورها المهم في تجديد الثقافة العربية، والتفاعل مع القيم والأفكار الجديدة للثقافة الأوربية. وساهمت بشكل رئيسي في إقامة المشروع النهضوي العربي.‏

كان تعليم المرأة من أساسيات القضايا التي وضعها المشروع النهضوي في اعتباره.‏

ذلك لأنّه المقدمة لتحرير المرأة، وتنمية وعيها، لتقوم بدورها الفاعل في تقدم المجتمع.‏

حتى مطلع القرن التاسع عشر لم يكن في البلاد العربية سوى الكتاتيب وعدد ضئيل من المدارس.‏

وحين جاء محمد علي، اهتم بالتعليم، لكنّه اعتمد على الخبرات الأجنبية في إقامة المؤسسات التعليمية. وأرسل البعثات إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا والنمسا، لكنّها اقتصرت على الرجال، مما أبقى الوضع التعليمي للمرأة مزرياً.‏

ارتبط تعليم البنات في الشام ومصر بداية بالإرساليات الأجنبية.‏

ففي عام /1834/ افتتحت الإرسالية الأمريكية أول مدرسة لتعليم البنات في بيروت.‏

وبعد عشر سنوات أنشأت إحدى البعثات التبشيرية مدرسة للبنات في القاهرة. ثم تتوالى التسابق إلى إنشاء المدارس الأجنبية في الشام ومصر.‏

مما دفع الأهالي إلى التفكير في منافسة التعليم الأجنبي، فبدأوا في إنشاء مدارس وطنية خاصة للبنات فيهما.‏

لكن مسألة تعليم المرأة، ظلت محصورة حتى مطلع القرن العشرين، في بنات الأسرة الحاكمة، وعائلات الموسرين وكبار الموظفين الحكام. ورغم ذلك نشأت طبقة متعلمة منهن، بدأت تتحدث عن دور المرأة في النهضة وتقدم المجتمع، وكانت الصحف هي المجال الأرحب للتعبير عن آرائها. وهكذا كانت بداية عمل المرأة في الصحافة.‏

ومن خلال احتكاك المثقفين العرب مع الثقافات الغربية، نشأت طبقة منهم، أدركت أنّ من شروط النهضة، ردم الفجوة بين المجتمعات الشرقية والغربية، نظراً لشعورهم بقصور العرب، وتخلفهم عما بلغه الغرب من نهضة علمية، ورقي فكري، وتطور اجتماعي، وكان وضع المرأة الشرقية مظهراً من مظاهر هذا القصور.‏

ولكنّهم، بسبب التخلف الاجتماعي العام، الذي كان ينكر على المرأة أي حق من حقوقها، لم يجرؤوا –في البداية –على طرح قضية المرأة إلا بشكل خجول.‏

ومنتهى ما وصل إليه رفاعة الطهطاوي، ما ذكره في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، عام /1834/، حين اقتصر على وصف حال المرأة الفرنسية ومكانة الحب في المجتمع الباريسي، والمساواة بين الجنسين فيه. ولم يكن في كتابه أي تحفيز أو استنهاض للمرأة العربية، أسوة بما بلغته المرأة الباريسية.‏

أما أحمد فارس الشدياق، في كتابه "الساق على الساق" /1852/، فقد أباح للمرأة أن تتلقى بعض العلوم، التي ترفع مستواها الفكري، بحيث تمكّنها من محادثة الرجل والتعامل معه.‏

وكان المعلم بطرس البستاني أكثر جرأة في طرح قضية المرأة، ففي خطاب له حول تعليم البنات، عام /1849/، استنهض همة النساء إلى العلم، ليتمتعن بكرامة أكثر. وحثّ الرجال على إصلاح حالهن، وانتشالهن من أوضاعهن المتردية.‏

بل لقد أوجب –في خطاب آخر –تعليم المرأة، وأبرز حقها فيه، وربطه بتعليم الرجل. وحدد لها ما يجب أن تتعلمه، وهو الديانة واللغة والقراءة والكتابة والجغرافيا والتاريخ والحساب، وكل ما ينفعها في تربية أولادها والاعتناء بأسرتها، وكل ما تحتاج إليه لتقوم بواجباتها، ولتساعد الرجل في البناء الاجتماعي.‏

واعتبر تعليمها الخطوة الأولى في إصلاح أحوال الناس والنهوض بالمجتمع.‏

لكن الطهطاوي خرج إلينا في عام /1876/ بكتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين" وفيه حصر تعليم المرأة في أمرين:‏

1-أن يؤهلها لتصبح زوجة وأماً صالحة.‏

2-أن يمكنّها من ملء أوقات فراغها، التي تشكل مفسدة لها.‏

إذن، فقد بدأ الحديث عن قضايا المرأة العربية، منذ أواسط القرن التاسع عشر، واستمر يتطور، إلى أن ظهر كتابان مهمان لقاسم أمين (1863 –1908) في نهاية ذلك القرن.‏

وتبرز أهميتهما من حيث أنهما أول كتابين تخصصا في قضايا المرأة، وتكلما عليها بشكل مباشر وصريح وجريء.‏

أولهما: "تحرير المرأة" /1899/، الذي تجاور الحديث المألوف عن مشاكل المرأة، ليربط قضيتها بالأوضاع الاجتماعية والنظام السياسي، فالوضع السياسي ينعكس على حياة الأسرة، وهي بالتالي تؤثر على الآداب الاجتماعية والقيم الأخلاقية. والحرية السياسية للرجل ترتبط بالحرية الذاتية للمرأة.‏

إنّ هذا التطور في النظرة إلى المرأة، قد سبب موجة عاتية من الانتقاد تعرّض لها قاسم أمين من المتزمتين، الذين رأوا في الكتاب مؤامرة، شارك فيها الشيخ محمد عبده والأميرة نازلي فاضل.‏

ثانيهما: "المرأة الجديدة" /1900/، وفيه رأى قاسم أمين أنّ سعي المثقفين العرب لتحقيق أسباب النهضة العربية، متأثرين بالنموذج الغربي، جعلهم يلمسون الهوة القائمة بين المجتمعات الغربية والشرقية، وخصوصاً في نظرتيهما المتباينتين إلى المرأة، مما يحدوهم لرفع شأن المرأة العربية، وفي مقدمته التعليم –ليناسب الوضع الجديد للرجل، الذي أصبح أكثر علماً ووعياً وانفتاحاً ورغبة في التغيير.‏

ولعلنا نلمس بوضوح تأثير تلك الحركة الاجتماعية الفاعلة، التي قامت في مصر أواخر القرن التاسع عشر، للانتقال بقضايا المرأة، إلى واجهة المشروع النهضوي، متمثلة في ما سمي آنئذ (ترقية حال المرأة).‏

ومن الإنصاف أن تقول: إن البدايات الحقيقية قد بدأت في الشام، ثم انتقلت إلى مصر.‏

قام بها المتنورون من الرجال والنساء معاً.‏

في الشام كان للمرأة مواقف جريئة، وإسهامات واضحة في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية، أفسحت الصحف مجالاً لها.‏

وكان من هذه الصحف: جريدة "المقتطف" ببيروت /1876/، قبل أن تنتقل إلى القاهرة، و"لسان الحال" و"الجنة" و"الجنان".‏

انتبه القراء والقارئات لأول مرة، إلى صوت المرأة، وإلى أدبياتها، عبر تلك المقالات المنشورة في الصحف، بدون توقيع، أو تحت اسم مستعار، أو بعنوان: "ترجمات من بعض الصحف الأجنبية". كانت بقلم مريانا مراش، وندى شاتيلا، ومريم مكاريوس، وروجينا شكري، وسلمى طنوس، وفريدة وأنيسة حبيقة، وجميلة كفروش، ومريم ليان، وغيرهن.‏

ورغم وجود هذا العدد الكبير من الكاتبات، فإن الشام لم تعرف أي صحيفة نسائية، حتى مطلع القرن العشرين، حين أصدرت ماري عجمي في دمشق، عام /1910/، "مجلة العروس" مستفيدة من جو الحرية الذي أعقب إعلان دستور /1908/.‏

لقد اعتبر إصدار أي صحيفة نسائية، أو أي كتاب لامرأة، خروجاً عن تقاليد المجتمع الإسلامي. باستثناء ديوان شعر صغير في /30/ صفحة بعنوان "بنت فكر".‏

سمحت السلطة العثمانية لمريانا مراش (1848 –1919) بطباعته في المطبعة الأدبية ببيروت عام /1893/. فكانت أول شاعرة يؤذن لها بنشر كتاب، لما احتواه من قصائد في مدح السلطان وأمه.‏

كذلك كانت –كما يقول فيليب طرازي –أول سيدة عربية كتبت في الصحف السيارة، وأول سيدة سورية أنشأت مقالة في مجلة أو جريدة، ونشرت أفكارها في الصحف العربية.‏

ولدت مريانا في حلب، في آب /1848/، في أسرة مرّاش الحلبية العريقة.‏

أبوها فتح الله مرّاش، وكان صاحب علم وفضل ومكتبة نفيسة. وأخواها: فرنسيس، وهو عالم وشاعر وأديب، وعبد الله، وهو كاتب وصحفي. وجميعهم من وجوه حلب الفكرية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.‏

درست في المدرسة المارونية، ثم الإنجيلية، مبادئ العربية والحساب والعلوم. وتابعت دراسة العربية على أخيها فرنسيس، والفرنسية في مدرسة راهبات ماريوسف، والصرف والنحو والعروض على أبيها، وأتقنت الفرنسية على أبيها وبعض المعلمين. ودرست فن الموسيقا، فأتقنت العزف والغناء.‏

تزوجت من حبيب غضبان، ورزقت بولد وبنتين: جبرائيل وليّا وأسما.‏

ظهرت مواهبها الأدبية والشعرية في وقت مبكر. واقتحمت ميدان الكتابة في الصحف بجرأة تفوق ما هو متوقع لامرأة تعيش في مثل الظروف الاجتماعية السائدة، فكانت أول أديبة عربية تكتب في الصحف العربية (الجنة –الجنان –المقتطف –لسان الحال وغيرها) مقالات تمردت فيها على واقع المرأة، وثارت على أساليب الكتابة التقليدية، ودعت المرأة لمشاركة الرجل في معالجة فنون الأدب والعلم، وقوّمت تقاليد بنات عصرها، وبثت في نفوسهن مبادئ الفضيلة والأخلاق والعادات الحميدة، وروح المدنية الحديثة، مستوحية ذلك من رحلاتها إلى الغرب، واطلاعها على حضارته.‏

نظمت مريانا في الغزل والمدح والرثاء، وأكثره في رثاء أخيها فرنسيس /1836 –1873/، وعدة أغان متنوعة الأنغام، وبعض ما نظمته نشرته في ديوان "بنت فكر".‏

وجعلت من بيتها ندوة أدبية، يلتقي فيها أهل الشأن في العلوم والآداب والفنون، وبعض رجال الدولة والقناصل الأجانب، يتحاورون ويتناقشون ويستمتعون بالشعر والموسيقا والغناء، كان منهم قسطاكي حمصي. ولعله أول صالون أدبي في عصر النهضة العربية الحديثة.‏

إن هذه الأجواء الفكرية التي سادت في الشام، تعرضت للانتكاس، بسبب الظروف السياسية والفتن الطائفية واستبداد الحكام. وهكذا وجد المتنورون في الصحف التي كانت تصدر خارج سورية، متنفساً لطاقاتهم وكتاباتهم.‏

ومع رحيل عدد منهم إلى مصر، حيث ساد جو من الحرية، لم تعرفه الشام، فتحت الصحف المصرية المجال واسعاً، للأقلام التي تدافع عن قضايا المرأة، إضافة إلى ما كان يدور حولها من حوارات في الصالونات الأدبية.‏

وقد عرفت مصر عدداً من الكاتبات والأديبات الجريئات، اللواتي كتبن عن هموم المرأة في الصحافة، (وكانت الصحافة –آنئذ –هي الوسيلة المثلى لبث الوعي، والنهوض بالأمة والمجتمع) أمثال: زينب فواز –هند نوفل –هنا كوراني –الكسندرة الخوري –وردة اليازجي –لبيبة هاشم –لبيبة مخايل، وغيرهن.‏

وكان من هذه الصحف: المؤيد –النيل –الأهالي –الأهرام –الهلال –المتقطف –المفيد –فرصة الأوقات، وغيرها.‏

طالبت الأقلام النسائية بالنهوض بأوضاع المرأة العربية، أسوة بالمرة الغربية، عن طريق تنمية وعيها، وصقل شخصياتها، والارتقاء بإمكاناتها الثقافية والذاتية، ودعتها للمشاركة في القضايا القومية، والنضال الوطني المعادي للاستعمار.‏

وكانت زينب فواز (1846 –1914) أول الأصوات النسائية، التي طالبت بالمساواة، ودعت المرأة للدفاع عن الحقوق الوطنية ومقاومة الاحتلال، ومقاطعة البضائع الأجنبية، ومشاركة المرأة في العمل السياسي وتكوين الأحزاب.‏

ولدت زينب فواز عام /1846/، في قرية تبنين في جبل عامل بجنوب لبنان. في أسرة ليست من الأسر المرموقة –آنئذ –كأسر مريانا مرّاش وملك حفني ناصف (باحثة البادية) وعائشة التيمورية وهدى شعراوي ومي زيادة.‏

تفتح وعيها المبكر على الإحساس بالقهر الذي تعاني منه المرأة، في وسط اجتماعي متخلف، يعاني من الجهل والعادات البالية، حاول أن يفرض عليها زواجاً غير متكافئ، فتمردت عليه.‏

سافرت إلى مصر، لتمارس نشاطها في بيئة أكثر انفتاحاً وتحرراً. وما لبثت أن لفتت إليها نظر الأديب حسن حسني الطويراني صاحب جريدة "النيل" بالقاهرة. ونشرت رسائلها ومقالاتها في جريدته، وفي "المؤيد" و"الأهالي" و"المهندس" و"المقتطف" و"الفتاة" و"أنيس الجليس" و"العرفان" وفي مختلف الصحف المصرية والعربية.‏

في كتاباتها دعوة تنويرية غير مسبوقة لتحرير المرأة، ودفاع عنيد عن حقوقها، ومعالجة لشتى الموضوعات الاجتماعية والإنسانية والسياسية، فكانت الداعية الأولى لنهضة المرأة وتحررها ومساواتها بالرجل في العلم والعمل والسياسة والاجتماع.‏

وفيها خرجت عن إطار الدعوات التقليدية، إلى الدعوة لسن قوانين وتشريعات، تنظم حياتها، وتؤكد حقوقها.‏

كانت زينب أول رائدة عربية تحمل رسالة المرأة العربية بنفسها، وتطرحها أمام المجتمع بجرأة لا مثيل لها.‏

دعت زينب المرأة العربية للمشاركة في الجمعيات والمعارض والمؤتمرات الدولية، وخصوصاً مؤتمر النساء العالمي، الذي انعقد في سانتياغو في التشيلي عام /1893/، لدراسة شؤون المرأة وحقها في التعليم.‏

في هذا المؤتمر صوّتت المشاركات على قرار يحدد تعليم المرأة، ويحصر نشاطها في منزلها، فانتقدت زينب هذا القرار والمشرفات على المؤتمر، وأكدت على وجوب إطلاق المرأة في شتى المجالات الإنسانية، وخصوصاً العلم.‏

وكانت هنا كوراني (ممثلة النساء السوريات في المؤتمر) قد دعت في جريدة "لبنان"، إلى حصر مهمات المرأة في منزلها، وإلى ابتعادها عن السياسة، التي تعتبرها من أعمال الرجل.‏

انبرت زينب فواز للرد عليها في جريدة "النيل" /19/، في مقالة بعنوان: "المرأة والسياسة"، أيدت فيها الحركة النسائية التي ظهرت في لندن زمن غلاد ستون، مطالبة بمشاركة المرأة في سياسة البلاد.‏

وكان الشيخ أحمد عارف الزين، صاحب مجلة "العرفان" قد انتقد في مقال له، مطالبتها تلك، فردت عليه أيضاً.‏

وصلت شهرة زينب إلى سورية، واقترنت بالأديب أديب نظمي، صاحب جريدة "الشام" /1896/، وحضرت إلى سورية، وأقامت في قرية الشيخ مسكين –حيث يسكن –وتنقلت ما بين حوران ودمشق، وشاركت من وراء ستار، في المجلس الأدبي الأسبوعي، الذي كان يقيمه زوجها في قريته، ويحضره مفكرو ذلك العهد وأدباؤه، ومنهم سليم عنحوري.‏

بعد ثلاث سنوات من زواجها، عادت مطلقة إلى القاهرة، وتابعت نضالها النسوي، وساهمت في نشاطات الحزب الوطني، بزعامة مصطفى كامل، الذي دعا إلى خروج إنكليزي من مصر. إلى أن توفيت في 27 /1/ 1914.‏

تركت زينب فواز عدداً من الآثار الأدبية المهمة:‏

-"الرسائل الزينبية": وهو مجموع مقالاتها ورسائلها في الصحف. طبع عام /1904/ في مصر.‏

-"الدر المنثور في طبقات ربات الخدود": فيه /456/ ترجمة لأعلام النساء في الشرق والغرب، ودفاع عن حقوق المرأة المشروعة، وبيان لدورها عبر التاريخ، شاركت به في المعرض الكولومبي عام /1893/.‏

-"المسرحية الشعرية" حسن العواقب"، أو "غادة الزهراء: /1899/. وهي أول رواية عربية. أكدت فيها على ضرورة العلم والعمل للمرأة، وعلى احترام عقلها، وعلى حقها في اختيار أسلوب حياتها.‏

تم تجاهل هذين العملين (الروائي والمسرحي) حوالي مئة عام، إلى أن أخرجهما المجلس الثقافي للبنان الجنوبي عام /1984/.‏

-"كشف الإزار عن مخبئات الزار" و"ديوان شعر"، وهما مفقودان:‏

-"الملك قوروش" أو "ملك الفرس" /1905/، رواية تاريخية.‏

-ولها عدد من الآثار المخطوطة، منها: مدارك الكمال في تراجم الرجال"، و"الدر النضيد في مآثر الملك الحميد".‏

أما هنا كوراني، التي دارت بينها وبين زينب فواز، تلك المناظرات على صفحات الصحف في لبنان وسورية، بعيد مؤتمر النساء العالمي عام /1893/، الذي مثلّت فيه النساء السوريات. فكانت رائدة في الدفاع عن حقوق المرأة، مع أنّها كانت –بخلاف زينب فواز –لا تدعو إلى المساواة التامة بين المرأة والرجل، لأن للمرأة طبيعتها الأنثوية، ودورها الذي يتميز عن دور الرجل.‏

كانت هنا كسباني كوراني أصغر من زينب فواز بكثير، ولم تعش أكثر من ثمانية وعشرين عاماً. ومع ذلك فقد كانت خلال حياتها القصيرة، كتلة من النشاط وشعلة من الحيوية والعمل.‏

ولدت الأديبة الشاعرة هنا كسباني في عام /1870/، في كفر شيما بلبنان، التي أنجبت كوكبة من رجال الفكر والصحافة.‏

تلقت علومها في المدرسة الأميركية في كفر شيما، ثم في مدرة شملان الإنكليزية، ثم في كلية البنات ببيروت، بعدئذ انتقلت للتدريس في مدرسة البنات الأمريكية بطرابلس، وبدأت ممارسة نشاطها الأدبي والصحفي.‏

تزوجت من نسيبها أمين كوراني، واستقرت معه في بيروت. لكنّ ارتباطها به لم يستمر سوى ثلاث سنوات، وانتهى دون أن يثمر أطفالاً. ولذلك أغرقت نفسها في العمل الأدبي فعمت شهرتها الآفاق.‏

عام /1893/ سافرت على رأس وفد النساء السوريات إلى مؤتمر النساء العالمي، مرتدية الزي العربي، الذي تعودّت على ارتدائه دائماً، مؤكدة على انتمائها العربي.‏

وقد ألقت بالإنكليزي خطاباً في المؤتمر، دافعت فيه عن المرأة العربية.‏

بعدئذ أمضت ثلاث سنوات في الديار الأمريكية، تحاضر وتخطب حول قضايا المرأة العربية، رغم مرض السل الذي ينهش جسمها. ثم عادت إلى مسقط رأسها، لتموت بعد عام من عودتها، بين ذراعي والديها، وذلك عام /1897/.‏

تركت آثاراً أدبية مهمة، منها:‏

-كتاب "رسالة إلى الأخلاق والعادات"، الذي منحها السلطان عبد الحميد عليه "وسام الشفقة"، الذي يمنح للنساء المتفوقات في المجتمع.‏

-روايات ثلاث هي: "فارس وحماره" و"زقاق المقلاة" "الحطاب وكلبه بارود".‏

-"التمدن الحديث وتأثيره في الشرق": وهو رسالة مطوّلة، دونت فيها (بعد عودتها من أمريكا) رأيها في المرأة العربية الغربية وانطباعاتها عنها.‏

بعد وفاتها بقليل، طلب جرجي نقولا باز (وكان من أنصار المرأة) من والديها أن يطّلع على آثارها، ليقوم بطباعتها. ولكن عزّ على الوالدين المفجوعين أن يكون موت ابنتهما سبباً في منفعة مادية يصيبانها، فعمدا إلى أوراقها ومخطوطاتها فأحرقاها.‏

ما لبثت المرأة أن استقلت بصحافتها، في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، حين ظهر في مصر عدد من المجلات النسائية:‏

-"الفتاة": التي أنشأتها هند نسيم نوفل، عام /1892/، واستمرت حتى شباط عام /1894/. وهي أول مجلة نسائية في الوطن العربي. وكتب فيها عدد من الكاتبات، في طليعتهم زينب فواز.‏

-"الفردوس": التي أصدرتها لويزا حبالين في القاهرة، عام /1896/.‏

-"مرآة الحسناء": التي أصدرها سليم سركيس في القاهرة، عام /1896/، باسم مريم مزهر، أو مظهر.‏

-"أنيس الجليس": وقد أصدرتها الكسندرة الخوري دي أفرينوه، في 31 /كانون الثاني عام /1898/ في الإسكندرية إضافة إلى إصدارها مجلة "اللوتس" بالفرنسية. وقد استمرت عشر سنوات.‏

-"العائلة": أصدرتها استير أزهري مويال في القاهرة عام /1899/.‏

كانت هند نوفل أول امرأة عربية تصدر صحيفة نسائية. ومع أن مجلتها "الفتاة"، لم يطل عهدها أكثر من سنتين، إلا أنّها تركت أثراً مهماً في صحافة المرأة العربية.‏

كانت صاحبتها ابنة نسيم نوفل (من أسرة نوفل المعروفة في العلم والفضل) سورية الأصل، مصرية الإقامة. امتازت بعلمها وسعة معارفها. وقد اهتمت بقضايا المرأة، فأنشأت مجلة "الفتاة" في القاهرة، عام /1892/، واعتنت بتحريرها، واختيار موضوعاتها الأدبية والاجتماعية والتاريخية، واستقطبت اهتمام الكثير من القراء والقارئات، وأقلام العديد من الكاتبات.‏

في عام /1893/، تزوجت من حبيب بن سركيس دبانة، وكان من أسرة دمشقية الأصل، سكنت ببيروت بعد فتنة /1860/. وقد رحل إلى مصر، وأقام فيها مع إخوته ووالدته.‏

انشغلت بحياتها الزوجية، ولم تعد تجد متسعاً من الوقت للاهتمام بمجلتها، (رغم أنها لم ترزق بأولاد)، ولهذا ما لبثت أن أوقفت إصدارها عام /1894/.‏

أما الكسندرة الخوري أفرينوه (1872 –1927)، صاحبة مجلة "أنيس الجليس"، فهي ابنة قسطنطين نعوم خوري المعروف.‏

ولدت في بيروت عام /1872/، وتعلمت في مدارسها، ثم قدمت إلى الإسكندرية، وهي في العاشرة من عمرها. فتابعت الدراسة في مدارسها، وأتقنت اللغتين الفرنسية والإيطالية، إضافة إلى تمكنها من اللغة العربية، وتقوية ملكتي النثر والشعر لديها، اللتين ورثتهما عن والدها.‏

وفي السادسة عشرة من عمرها اقترنت بالنبيل الإيطالي ملتيادي دي أفرينوه، الذي شجعها على النضال النسوي العربي.‏

لم يشغلها الزواج وتربية الأولاد عن المطالعة وطلب العلم والاهتمام بالأدب، ونظم الشعر.‏

استهوتها الصحافة، فدخلت معتركها، وأنشأت مجلة "أنيس الجليس"، /1898/ التي دافعت فيها عن المرأة، وناضلت عن حقوقها، مع توخيها نشر العلوم النافعة والمبادئ الخيرّة، الكفيلة بحياة سعيدة راقية لكلا الجنسين، مما جعلها تنال سمعة حسنة، وأقبل على قراءتها الرجال والنساء على السواء. وأكسب صاحبتها صيتاً ومكانة في الشرق والغرب، لم تنلها امرأة في عصرها. وحصلت على العديد من النياشين وكتب الثناء من الملوك والرؤساء والزعماء.‏

لعبت دوراً في حث البنات على دخول المدارس، وأصبحت قدوة لبنات مصر وسيداتها، ولهذا انتدبت لتمثيل المرأة المصرية، في معرض جمعية السلام النسائية في باريس عام /1900/، وكل لها حضور ملفت، وحظيت بحفاوة فائقة.‏

بعد عودتها من باريس، فكرت في إنشاء مجلة بالفرنسية، ليطّلع الغربيون بواسطتها على آداب العرب وحقيقة أحوالهم، وعلى ما بلغته المرأة الشرقية من التقدم، فأنشأت مجلة "اللوتس"، التي كان كبار كتاب فرنسا مراسلين لها. وما لبثت أن أوقفتها، بعد أن أدّت رسالتها.‏

وكانت قد راسلت "جمعية السلام النسائية" في أوروبا، وحصلت على ثقتها واحترامها، مما حدا برئيستها الأميرة فيزنيوسكا أن تسألها كي تكون نائية عنها ومراسلة لها في الشرق. إضافة إلى عضويتها في العديد من الجمعيات العالمية.‏

وزادت الأميرة فيزنيوسكا وزوجها، فمنحا أسرتها لقبهما واسمهما ليبقى لقب الإمارة فيها، إذ لم يكن لهما ذرية تحمل هذا اللقب بعدهما.‏

كان لألسكندرة ولع بالسياسة، عبرت عنه بمقالاتها في جريدة "المؤيد" وغيرها. وفي جريدة "إقدام" التي أنشأتها لخدمة الوطن والحركة الوطنية، إلا أنها اضطرت إلى إلغائها، لما كابدت من مشقة وخسارة. وبقيت مع ذلك تنشئ المقالات في كبرياء الصحف، تدعو فيها المرأة إلى القيام بدورها في العمل الوطني، وفي إسعاف الجرحى زمن الحرب العالمية الأولى.‏

جعلت الكسندرة من منزلها صالوناً أدبياً، يرتاده الأدباء والشعراء والصحفيون، يديرون فيه الحوارات الفكرية. ومنهم الشاعر إسماعيل صبري، الذي أصبح بعدئذ من رواد صالون مي.‏

إلى ذلك فقد كان لها شعر جميل، وإبداعات أديبة، منها ترجمتها لرواية "شقاء الأمهات" وتأليفها لمسرحية "أمانة الشعب" في خمسة فصول (لم تطبع).‏

منيت بخسائر مادية خلال الحرب العالمية الأولى، ولهذا، ما إن انتهت الحرب حتى لحقت بأولادها في لندن، إلى أن توفيت فيها عام /1927/، عن خمسة وخمسين عاماً.‏

منذ مطلع القرن العشرين بدأت نهضة حقيقية لصحافة المرأة العربية، فقد قامت أديبات وكاتبات عربيات، بإنشاء العديد من المجلات الخاصة بالمرأة، في مصر ولبنان وسورية والعراق والمهجر. لعبت دوراً تنويرياً في الحياة العربية الحديثة، وفي تقدم أوضاع المرأة العربية، باعتبارها جزءاً من المجتمع، وركناً من أركانه.‏

واتجهت الأقلام النسائية نحو المطالبة بتطوير إمكانات المرأة العربية، وصقل شخصيتها، وتنمية وعيها ومداركها، لتشارك الرجل في النضال الوطني والاجتماعي.‏

دارت مناقشات حول حقوق المرأة وتحررها ومساواتها، وحول مسائل التعليم والزواج والطلاق والمهور وحضانة الأولاد.‏

أما قضية الحجاب، فكانت مسألة مؤجلة، لأن هم المرأة –آنئذ –أن تجد لها أنصاراً بين الرجال، لا أن تثير مواضيع قبل أوانها.‏

كانت مجلة "فتاة الشرق" لبية هاشم في القاهرة، في 15 /10/ 1906، أهم مجلة نسائية عربية افتتح بها القرن العشرون.‏

يقول فيليب طرازي (تاريخ الصحافة العربية: 4 /296):‏

"لا نعرف مجلة نسائية –قبل فتاة الشرق وبعدها –بلغت هذا الشوط من الجهاد الأدبي. وهي دائبة في الانتشار بلا انقطاع. يرجع الفضل في ثباتها ونموها ورواجها، إلى منشئتها الكاتبة الشهيرة لبيبة هاشم، التي شيدت لبنات جنسها بمجلتها، صرحاً خالداً في دولة الأدب والبيان".‏

ولبيبة هاشم هي ابنة ناصيف ماضي. ولدت في بيروت. وانتقلت مع مطلع القرن العشرين مع أسرتها إلى القاهرة. وفيها درست اللغة العربية، وتعلمت الخط الفارسي الجميل، على العلاّمة الشيخ إبراهيم اليازجي، فأجادتهما كل الإجادة.‏

عيّنتها الجامعة المصرية أستاذة في القسم النسائي، وعهدت إليها إلقاء محاضرات في التربية (1911 –1912).‏

في عام /1919/ أسندت إليها الحكومة العربية في دمشق وظيفة التفتيش بوزارة المعارف السورية، فقامت بهذه المهمة خير قيام.‏

في عام /1921/ سافرت إلى جمهورية التشيلي في أميركا الجنوبية، حيث أنشأت مجلة "الشرق والغرب" في مدينة سانتياغو في 15 /9/ 1923.‏

في عام /1924/ رجعت إلى مصر، واستأنفت تحرير مجلة "فتاة الشرق" حتى ثلاثينات القرن العشرين.‏

وما دمنا نتحدث عن الرائدات العربيات في ميدان الصحافة، فلا بد أن نذكر بتسي تقلا، التي أدارت جريدة "الأهرام" منذ وفاة زوجها مؤسس "الأهرام" بشارة تقلا عام /1901/، وحتى وفاتها عام /1924/.‏

وكان سليم وأخوه بشارة تقلا قد أسسا جريدة "الأهرام" في الإسكندرية في مطلع عام /1876/. وفي عام /1892/ توفي سليم، فانتقل امتيازها إلى بشارة، الذي نقلها إلى القاهرة عام /1899/. وحين توفي عام /1901/، أدارتها زوجته بتسي.‏

ولدت بتسي في بيروت عام /1869/. من أسرة كبّابة، وهي من أشهر الأسر الحلبية وأرقاها.‏

وكان والدها نعوم كبابة –عند ولادتها –مقيماً على إدارة أملاكه في بيروت، فاعتنى بتربيتها مع أشقائها الثلاثة ميشيل وبطرس ونقولا، وشقيقاتها الثلاث. وتلقت في مدارس بيروت: العربية والفرنسية والإيطالية والرياضيات.‏

توفي والدها، فذهبت مع إخوتها إلى لندن، حيث كان يقيم عمها بولس، وهو –آنئذ –من أكبر تجار منشستر ولندن. وانصرفت هناك إلى إتمام تعليمها، بدراسة اللغتين الإنكليزية والألمانية، ثم التركية بعدئذ.‏

انتقل أهلها إلى مرسيليا، وأقامت معهم فيها، إلى أن تعرّفت على بشارة تقلا، في إحدى رحلاته السنوية إلى أوروبا، وتزوجا في 15 /6/ 1889. ورزقا ابنهما جبرائيل في عام /1891/.‏

شاركت بتسي زوجها مهمات الحياة، وأعباء العمل الصحفي في جريدة "الأهرام".‏

فتاريخ حياتها منذ زواجها عام /1889/، وحتى وفاتها عام /1924/، شطر من تاريخ "الأهرام" استمر خمسة وثلاثين عاماً.‏

يرجع الفضل الأكبر إليها في بناء دار "الأهرام" بالقاهرة، وفي نقل الجريدة من الإسكندرية إلى القاهرة عام /1899/، وفي إنشاء "الأهرام" بالفرنسية إلى جانب "الأهرام" العربية، لتقوم بنقل آراء‏

المصريين ومطالبهم في الحرية والاستقلال إلى الأجانب.‏

وحين فارقها زوجها بشارة تقلا عام /1901/، انتقل امتياز "الأهرام" إلى ابنهما جبرائيل، وكان في التاسعة من عمره. فقامت مقام زوجها على إدارة "الأهرام" "والبيراميد" ومطبعتهما، وتسيير سياستهما خير قيام، حتى تحافظ على سيرتهما ودورهما في خدمة الوطن.‏

وحين عاد جبرائيل من أوربا عام /1912/، حاملاً شهاداته في الحقوق والاقتصاد السياسي، سلمته الوديعة، ليتابع المسيرة بإشرافها وتوجيهها، حتى وفاتها في عام /1924/.‏

شاركت بتسي في الحياة السياسية في مصر والشرق عموماً. وكان لها رأي محترم في الأحداث، سواء على صفحات "الأهرام" و"البيراميد"، أو في المحافل السياسية. وكانت ترسم سياسة صحيفتيها، متوخية نشر الدعوة الوطنية، التي كان مصطفى كامل يستوحيها، وهو يرتاد مقر "الأهرام".‏

وكان لها تأثير في النهضة النسائية، إذ كانت مشاركة في معظم الجمعيات النسائية في مصر وأوربا وأمريكا. وكانت توجه محرري الأهرام لنشر الدعوة لتعليم البنات وتهذيبهن، وتبدي رأيها في "الأهرام" حول هذا الموضوع، بين وقت وآخر، حيث كانت ترى أن لا يقتصر تعليم البنات على القراءة والكتابة، بل يجب أن يتعداه إلى تعليمها مبادئ الطب والاقتصاد، وتدبير المنزل، وقضاء حاجات العائلة.‏

وكان لها مساهماتها في الحياة الاجتماعية والأديبة، حتى حصلت على مكانة رفيعة، نالت بسببها العديد من الأوسمة.‏

توفيت بتسي في فيينا في 12 /8/ 1924، ودفنت في القاهرة في 27 /8/ 1924، بجانب زوجها بشارة تقلا، في مدفن الروم الكاثوليك في مصر القديمة.‏

حين توفيت بتسي تقلا، كانت حركة النهضة النسائية العربية تتنامى في مصر، تتزعمها هدى شعراوي (1879 –1947)، التي كانت تقود من مصر الحركة النسائية العربية.‏

كانت هدى شعراوي من أسرة رفيعة وغنيّة، وهذا ما جعلها في موقع محترم، متوسط بين القصر والفئات الشعبية والوطنية. وزاد من إمكانية قيامها بزعامة حركة النهضة النسائية، التي كانت تحظى بدعم المثقفات من بنات الأسرة الحاكمة، أو الأسر الغنية والعريقة، ومنهن: ملك حنفي ناصف (باحثة البادية)، ومي زيادة، وعائشة التيمورية وغيرهن، ومساندة زعماء النهضة الحديثة –آنئذ –كقاسم أمين وشبلي شمّيل وإسماعيل مظهر ومحمد حسين هيكل وغيرهم.‏

قفزت هدى شعرواي بقضايا المرأة قفزة جريئة، وانتقلت بمطالبها من الدعوات السابقة إلى حقها في التعليم، إلى الدعوة إلى تطوير التعليم، وإنشاء الجمعيات النسائية، والمشاركة في المؤتمرات النسائية العربية والدولية، ومناقشة قضايا الحجاب والسفور، والأحوال الشخصية وتشريعات الزواج والطلاق وحضانة الأطفال، والعمل الشعبي والوطني وفنون المرأة.. وغيرها.‏

وهاهي تتحدث في المؤتمر النسائي الدولي، الذي انعقد في 10 /5/ 1916، في جامعة السوريون بباريس، عن الدعوة لمنح المرأة حق الانتخاب.‏

ثم نجدها تترأس الاتحاد النسائي العربي، وتطالب من خلاله برفع الظلم عن المرأة، المتمثل بتعدد الزوجات والطلاق التعسفي وحضانة الأطفال.‏

وفي عام /1930/ دعت إلى عقد "مؤتمر النساء الشرقيات"، في الجامعة السورية بدمشق، وتقرر فيه: فتح أبواب العمل للمرأة أسوة بالرجل، مراقبة دور السينما، ضرورة تعارف الزوجين قبل العقد، إلغاء المهر أو تخفيفه، تحديد سن الزواج، تشجيع المصنوعات الوطنية، إلزامية التعليم الابتدائي.‏

وفي كانون الأول من عام /1943/، دعت إلى مقر مؤتمر نسائي عربي في القاهرة، كان من مقرراته:‏

-حث الحكومات العربية على تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق السياسية تدريجياً.‏

-وفي مجال الحقوق المدنية: المطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية، بحيث يضمن جعل الحضانة للأم، وتقييد حق الطلاق وتعدد الزوجات.‏

-تعميم التعليم الإلزامي، والإكثار من المدارس الصناعية والزراعية، وأن يعهد إلى النساء بتعليم الناشئة وخصوصاً البنات.‏

إضافة إلى مطالب أخرى تتعلق بحماية الصحة والأمومة والطفولة.‏

كان لهدى شعراوي دور رائد في الحركة الوطنية، ولولا اقتران اسمها بقضايا المرأة لكان لها زعامتها السياسية.‏

فقد شاركت، ودعت المرأة للمشاركة في مقاومة الاحتلال الإنكليزي، ومساندة الحزب الوطني وزعيمه مصطفى كامل، ودعمت ثورة /1919/، وحركة سعد زغلول الوطنية.‏

وكان لهدى شعراوي نضالها في ميدان الصحافة، فقد نشرت في الصحف المصرية والعربية الكثير من المقالات، في القضايا السياسية والوطنية والاجتماعية.‏

وأصدرت مجلة "المصرية" بالفرنسية، في القاهرة بين عامي (1925 –1940). نشرت فيها في مدة صدورها أربعاً وسبعين مقالة باللغة الفرنسية. وكان لسيزا نبراوي أمينة تحريرها مقالات فيها أيضاً.‏

وفي عام /1937/، أنشأت مجلة باللغة العربية، أطلقت عليها الاسم نفسه "المصري". واستمرت في الصدور حتى عام /1940/، حين توقفت المجلتان معاً. وكان لهدى شعراوي في "المصرية" العربية خمس وثلاثون مقالة، إلى جانب العديد من المقالات لأمينة تحريرها إيفا حبيب المصري.‏

وقد خاضت هدى شعراوي في مجلتيها معركة التحرر الوطني والتطور الاجتماعي.‏

ففي العدد الثاني من "المصرية" الفرنسية، الذي صدر في آذار /1925/، ربطت التنمية الاجتماعية والاقتصادية ، بالتحرر الوطني:‏

"لقد علمتنا أربعون عاماً من التجارب، أننا ما دمنا خاضعين للإنكليز، فإن كل محاولة نحو التقدم لا جدوى منها، إن كان المقصود مصلحة البلاد الخاصة.‏

وإذا ما حدث بعض التحسن في العهد السابق في الميادين الاقتصادية والزراعية في مصر، فذلك لأن هذا التحسن كان يفيد المحتلين في الوقت نفسه".‏

لم تشهد المرأة في سورية ولبنان نشاطاً، إلا بعد إعلان دستور /1908/، بينما وجدنا صحافة المرأة في مصر تزدهر منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر.‏

كانت مجلة "العروس" التي أصدرتها ماري عجمي (1888 –1965) في دمشق ، في كانون الأول عام /1910/، أول مجلة نسائية تصدر في سورية. وقد تلت مباشرة مجلة "فتاة الشرق" للبيبة هاشم /1906/ في القاهرة.‏

ثم توالى إصدار المجلات النسائية في مصر ولبنان وبغداد والمهجر، منها: مجلة "الكرامة" التي أنشأتها سلوى سلامة أطلس (1883 –1949) في سان باولو بالبرازيل عام /1914/. ومجلة "الفجر" التي أصدرتها نجلا أبي اللمع معلوف في بيروت عام /1919/.‏

ومجلة "المرأة الجديدة" التي أصدرتها جولية طعمة دمشقية (1883 –1954) في بيروت عام 1921. ومجلة "منيرفا" التي أصدرتها ماري يني عطا الله (1895 –1975) في بيروت أيضاً عام /1923/.‏

أما ثانية مجلات المرأة في سورية فكانت مجلة "المرأة" التي أصدرتها نديمة منقاري الصابوني (1904-1991) في حماه وحلب عام /1930/، وفيما بعد في دمشق عام /1947/.‏

ولدت ماري عجمي في عام /1888/ في دمشق. ودرست اللغتين العربية والإنكليزية في المدرستين الروسية والأيرلندية بدمشق، وفن التمريض في الجامعة الأمريكية ببيروت.‏

ونشأت أديبة وشاعرة مبدعة.‏

كانت في الثانية والعشرين من عمرها. حين اقتحمت ميدان الصحافة، وفكرت بإنشاء مجلة نسائية علمية أدبية صحية فكاهية. بتشجيع من أدباء عمرها. ومنهم قسطنطين يني، وهو شقيق ماري يني، صاحبة مجلة "منيرفا" ببيروت /1923/، وكان يملك مطبعة في حمص، فقام بطباعة الأعداد الأولى من مجلتها، التي أطلقت عليها اسم "العروس" وصدرت في كانون الأول من عام /1910/. وبعد مدة قصيرة صارت تطبع في مطابع دمشق.‏

قامت ماري بنفسها بأمور المجلة، وتحملت الأعباء المادية والمعنوية، من تكاليف الطباعة إلى التحرير والتوزيع وغير ذلك.‏

ولكنها اضطرت إلى إيقافها في خريف عام /1914/، شأن معظم الصحف السورية المعروفة بمعارضتها لسياسة الحكام الأتراك، بأمر من جمال باشا، الذي لم يبق إلاّ على بعض الصحف الموالية لسياسته في الحرب العالمية الأولى. وكانت آنئذ قد أصدرت ثلاثة مجلدات وتسعة أعداد، في ما يزيد عن ألف وخمسمائة صفحة.‏

ما إن انتهت الحرب، حتى استأنفت ماري إصدار "العروس" إلى أن أوقفت نهائياً عام /1925/، بسبب قلمها الجريء ومقارعتها للاستعمار الفرنسي.‏

كتب في المجلة عدد كبير من رجال الفكر والأدب في الوطن العربي والمهجر، وعدد من الأديبات العربيات البارزات. كما استقطبت أقلام الأدباء الشباب.‏

كانت لماري مقالات خطيرة توقعها تحت اسم (ليلى)، إضافة إلى زاويتي "طاقة أزهار" و"حديث ذو شجون"، تضمنها مطالعاتها في الصحافة العربية، وتعبر فيهما عن أفكارها الجريئة.‏

وكانت إلى جانب اهتمامها بالسياسة والأدب والتاريخ وأعلام النساء، والنوادر والمقالات الساخرة، تعنى بالقضايا الاجتماعية، وشؤون المرأة بشكل خاص، وهي لم تكتف بالدفاع عن حقوقها فقط، بل قرنت ارتقاء المرأة ونهوض المجتمع بتحرر الوطن وحرية المواطن.‏

كانت "العروس" واسعة الانتشار في الوطن العربي والمهجر، وصدر منها حتى توقفها أحد عشر مجلداً، في (6900) صفحة، وهذا يشير إلى مدى إسهامها في النضال الوطني، ومشاركتها في بث الوعي السياسي والاجتماعي.‏

لم يتوقف نشاط ماري عجمي بتوقف مجلتها، فقد انصرفت إلى التدريس في مدارس سورية والعراق، وصارت توزع مقالاتها على الصحف العربية في الوطن العربي والمهجر، ومنها مجلتا "العروسة" و"الأحرار" المصورة في القاهرة.‏

وكانت قد أسست عام /1920/ مع نازك العابد "جمعية نور الفيحاء" وناديها، ومدرسة لبنات الشهداء، و"النادي الأدبي النسائي"، الذي ما يزال يمارس نشاطاته، وترأسه الآن الشاعرة وداد الطويل عبد النور.‏

وكانت ماري المرأة الوحيدة في "جمعية الرابطة الأدبية"، التي تأسست في دمشق في آذار /1921/، وكان من أبرز أعضائها: خليل مردم بك، أحمد شاكر الكرمي، ميشيل فرح، المطران إيفانيوس زائد، محمد الشريقي، زكي الخطيب، سليم الجندي، حليم دموس، نجيب الريس، فخري البارودي، إضافة إلى فارس الخوري الذي قال فيها :‏

يا أُهيل العبقرية ـــ سجلوا هذي الشهادة‏

إن ماري العجمّية ـــ هي ميُ وزيادة‏

كذلك انتخبت ماري عضواً في جمعية "الحلقة الزهراء" لسيدات ورجال الأدب عام /1944/.‏

توفيت في دمشق في 25 /12/ 1965، تاركة رصيداً من الأعمال الأدبية في الشعر والنثر والرواية والترجمة.‏

بعد خمس سنوات من احتجاب "العروس" عن الصدور، كانت صحافة المرأة في سورية على موعد مع مجلة أخرى، لا تقل أهمية، هي مجلة "المرأة" للمربية والأديبة نديمة منقاري.‏

ولدت نديمة المنقاري في حلب عام /1904/. وأتقنت في مدارسها اللغتين العربية والفرنسية، وتخرجت من دار المعلمات عام /1926/.‏

تزوجت من الشيخ عطا الله الصابوني، وكانت نعم العون له في إصدار مجلته "الفجر" عام /1927/.‏

كانت تتمتع بثقافة عالية وفكر متفتح وحيوية كبيرة، ولذلك فكرت –حين عينت لتدريس الفرنسية في حماه –أن تنشئ مجلة خاصة بشؤون المرأة. وقد لقيت الفكرة ترحيباً من زوجها، ومن أدباء وأديبات عصرها، ومنهم الأديب عبد الحسيب الشيخ سعيد، الذي أبدى استعداده لطباعة المجلة في مطبعة "الإصلاح" التي يملكها في حماه.‏

وهكذا صدر العدد الأول من مجلة "المرأة" في 22 /5/ 1920، الذي حددت في افتتاحيته دور المرأة في المجتمع كمربية ومعلمة ومرشدة لأبناء الجيل وشريك للرجل. وكان شعار المجلة: "المرأة مربية الرضيع ومعلمة اليافع ودليل الشاب ورفيقة الرجل".‏

لكن السلطات الفرنسية ضيقت الخناق عليها، مما اضطرها إلى إيقاف مجلتها أواخر عام /1923/، بعد أن صدرت منها –بشكل متقطع –عشرة أعداد.‏

وحين انتقلت نديمة المنقاري إلى دمشق، لتدريس العربية فيها، استأنفت إصدار مجلتها، بالتعاون مع حمدي طربين (صاحب مطبعة الهلال). في نيسان /1947/.‏

لكنّ مجلة "المرأة" في عهدها الثاني، لم تستمر سوى سنتين. فقد ألغيت بالمرسوم /157/، الذي أصدره حسني الزعيم في 15 /4/ 1949، وأوقف بموجبه عدداً كبيراً من الصحف والمجلات.‏

تحدثت المنقاري في افتتاحية العدد الأول من "المرأة" في عهدها الثاني، عن المجلة بقولها:‏

"لقد مضى صوت مجلة المرأة في أداء رسالة المرأة شوطاً بعيداً، ودلل على عزيمة ماضية صادقة.. لقد كان بارقة فكر لمعت في جو خاص، وأشرقت في وسط خاص، فلما أتيح لنورها أن يمتد أن أفق أوسع، لقي من المصاعب ما حد من سيره، فارتد وانحسر، لا ليخفت إلى النهاية، بل ليتركز ويقوى. وها قد توفرت له العوامل، فأخذ ينبثق من جديد، بادي الأثر، قوي الإشراق، رحب البسيطة، وذلك لأن رسالة المرأة في الحياة، قد أخذت تتميز بطابع جديد، فتحددت من بعد حيرة وقلق، واتزنت من بعد ميل وزيغ، ولقيت من نصرة المجتمع واهتمامه، ما يكفل لها المضي إلى هدفها، قوية ثابتة، لأن هذه السنوات التي مضت كفلت أن تغير نظرة الناس إلى المرأة، ونظرة المرأة إلى نفسها، ونظرة الناس والمرأة إلى الحياة".‏

حفلت المجلة بمقالات العديد من المثقفين والمثقفات، وطرحت كثيراً من القضايا المهمة في شؤون المرأة والمجتمع، ودافعت عن حقوق المرأة بلا هوادة، ففيها تقرأ موضوعات حول إصلاح الشؤون البيتية وتربية الطفل. وحول تحرير المرأة وتعليمها وعملها، وحول عدم التسرع في إطلاق يمين الطلاق وتعدد الزوجات والسفور والحجاب.‏

"كانت المجلة وجهاً من وجوه النهوض الاجتماعي المرتبط بالواقع السياسي. وكان لها فضل كسر الجمود في النظر إلى المرأة، وتطهير موقف الرجل منها. وقد عملت في الحقل الاجتماعي العام، فيما يتصل بالمرأة، وتنمية وعيها، وتوسيع دورها في حياة مجتمعها، أماً ومعلمة ومربية، والتزمت خط الدفاع عن القيم الخلقية والقومية والإنسانية العامة، فهي تتعامل مع التيارات الوافدة بحذر شديد، فلا تتأثر إلاّ بالفكر المتطور الذي لا يصدم القيم العامة، ولا يشوه الأصالة أو ينال منها".‏

إلى جانب الدور التربوي والصحفي لنديمة المنقاري، فإن لها دوراً آخر، إذ أسست فرقة "الحمامة البيضاء" للتمثيل المسرحي، وأدخلت رقص السماح، وأقامت المعارض الفنية في المدارس التي كانت تديرها أو تعلم فيها، وألقت محاضرات وأحاديث تربوية وأدبية واجتماعية في إذاعة دمشق ، وعقدت الندوات في صالونها الذي أقامته في منزلها بحلب .‏

توفيت في حلب في العاشر من كانون الأول /1991/.‏

إن تاريخ النهضة النسائية العربية، يحفل بأسماء لا تحصى، لرائدات متنورات، كان لهنّ الفضل، من خلال الصحافة والأدب والنضال الوطني والاجتماعي، في الوصول بقضايا المرأة العربية إلى ما وصلت إليه في وقتنا الراهن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244