|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
دور الجزائر في حياة أندريه جيد(1) ـــ عمار رجّال- الجزائر الملخص: يدخل هذا المقال في إطار الدراسات المقارنة التي تهتم بكاتب وما يسجله ويدونه عن بلدٍ، وما يتركه هذا البلد من أثر وتأثير في هذا الكاتب. لقد زار أندريه جيد الجزائر مرات عديدة وأقام فيها أسابيع وشهوراً... جاءها مريضاً منهكاً يائساً، لكنه على أرضها وبفضل مناخها ـ وبخاصة مدينة بسكرة ـ استطاع أن يتجاوز محنته، ويعود إلى الحياة، فقد صرّح في مناسبات مختلفة: "أخيراً أتنفس من جديد". اجتمعت عناصر مختلفة فعلت فعلتها في حياة أندريه جيد، بدءاً بالمناخ المعتدل، مروراً بالطبيعة الخلابة وتواضع الفرد الجزائري وكرمه وحسن استقبال الضيف... دون أن ننسى مظاهر الحياة المختلفة، كالعادات والتقاليد، ونمط المعيشة، والنظرة إلى الحياة التي يفرضها الدين الإسلامي، ومدى إعجاب جيد بكل هذا. وعليه، يمكن القول بأن الجزائر لعبت دوراً حاسماً في حياة أندريه جيد، وغيّرت من مواقفه، كما منحها هو أجود ما فاضت به مشاعره من حبّ وتقدير واعتراف بالجميل، من خلال كتابات متنوعة. Resume: Cet article entre dans le cadre des etudes comparatives, qui s’interessent aux ecrivains et a ce qu’ils ecrivent et notent sur un pays, et sur l’influence exercee par ce pays sur cet ecrivain. Andre Gide a visite l’Algerie a maintes et y a sejourne plusieurs semaines sinon plusieurs mois… Il est arrive dans ce pays malade, ereinte, et grace a cette terre et son climat – la ville de Biskra surtout – il a pu surmonter sa dure epreuve et revenir a la vie. Ll a declare a plusieurs occasions: “Finalement, je respire a nouveau!”. Ce changement notable dans la vie de Gide a ete le plusieurs elements qui ont partieipe a sa concretization, tel le climat de la region, la nature luxuriante, la simplicite de l’homme Algerien, sa generosite et l’accueil chaleureux qu’il reserve a ses invites… Sana oublier les differents aspects de la vie, comme les us et les coutumes, le mode de vie, le regard porte a la vie inspire de la religion musulmane, et la grande admiration de Gide de tout cela. Donc, nous pouvons dire que l’Algerie a joue un role primordial dans la vie d’Andre Gide, puisqu’ elle l’a influence dans le changement de ses proses de positions. De son cote, il lui a dediee le meilleur de ses sentiments: son amour et sa reconnaissance a travers ses differentes oeuvres. ـ مقدمة: يُجمع الدارسون الذين اهتموا بحياة أندريه جيد Andre Gide على أنه لم يعرف طفولته(2)، وهي ملاحظة هامة جداً في مسرحياته. ويعود سبب ذلك إلى عوامل مختلفة، منها موت والده المبكر الذي كان بمثابة الصدمة الأولى، ومرض السلّ الذي كوّن لديه شعوراً بالنقص، ومعاملة أمّه إياه بشدة وحزم... ولم يفته أن يدوّن في الصفحة الأولى من مؤلفه "لو لم تمت الحبة" ما كان يختلج في نفسه من حزن وأسى، يقول: "في هذه المرحلة البريئة حيث يشعر المرء بالصفاء والطهر والحنان، كنت أحس في أعماقي بشاعة وتكتماً"(3). ومما زاد من معاناته في مرحلة شبابه، ما كانت تلزمه به أمه من واجبات أخلاقية ودينية لا يقوى عليها، ومع ذلك كان يستسلم طائعاً لإرادتها فنتج عنه كبت، يضاف إلى ذلك بعد قريبته عنه وصمتها المطبق الذي تركه يعيش في دوامة من الحيرة. من مثل هذا الواقع المنهك الرازح تحت وطأة قيم التحجر والجمود، ومن مثل هذه الحياة القاسية، غادر جيد أهله وبلاده نحو آفاق جديدة، وكان في نيته قطع كل صلة بهذا الماضي ولو إلى حين، فقصد الجزائر في خريف 1893(4)، بعد زيارات إلى إسبانيا وإيطاليا وسويسرا وغيرها... وكم أعجب بالجزائر! حتى إنه ظل يتردد عليها لمرات عديدة، بل أحياناً أقام بها شهوراً، وكانت آخر هذه الزيارات عام 1945. يبقى سؤال يطرح نفسه هنا: ما دور الجزائر في حياة أندريه جيد وأدبه؟ ـ دور الجزائر في حياة أندريه جيد: وصل جيد إلى الجزائر مريضاً، يطارده ماض مثقل بأنواع الهموم والآلام والعقد... وقد يتسرع امرؤ ويرى أن قدومه إلى الجزائر لا طائل من ورائه بحكم التناقضات التي تميز الغرب عن الشرق. لكنه رأي لا يقوم على أساس سليم. فالشرق عند الكثيرين قبلة الشعراء والمفكرين والرحالة، أمثال "غوته" الذي كان "يؤكد المرة تلو الأخرى على غنى وفتنة العالم الذي ينتصب أمام عيني الشاعر العربي: إن خصب وغنى الشعراء العرب ينبع من الاتساع اللامتناهي للعالم المحيط بهم ومن غناه اللامحدود. يضاف إلى ذلك أن الشرق رغم هذا الجمال وهذا الغنى أو ربما نتيجة لهما منطقة تتسم بالإشراق والبساطة"(5). من هنا يتجلى واضحاً أن بإمكان جيد أن يبدأ حياة جديدة في بلد جديد. 1 ـ مقاومته المرض: وصل جيد إلى مدينة "بسكرة" منهكاً فاقداً وعيه أحياناً، وظنّ نفسه هالكاً لا محالة(6). كان يشعر بعجز تام وكان يتنفس بصعوبة كبيرة، حتى تعجّب لكونه ما زال حيّا. وبعد أيام قليلة، تكوّن لديه شعور يتمثل في العلاج والاهتمام النفسي والصحي، فأخذ يتدرب على القيام بحركات يومية تسهّل عملية التنفس وتثير الشهية للأكل، الذي كان في أشد الحاجة إليه. بدأت الإقامة في بسكرة تعطي نتائجها، فبعد أن كان قد ألِفَ العزلة والسكون في بلده، لم يعد يحتمل غياب الطفل (بشير) الذي كان يتردد على مقر إقامته ويتجاذب معه أطراف الحديث وبعض الألعاب المسلية... كان يرى فيه صورة حية للنشاط والمقاومة، وكم تمنى أن يكون مثله رغم علامات الفقر التي كانت بادية على ثيابه(7). ازداد قلق جيد على مرّ الأيام ولم يعد يشغل باله سوى جسمه المريض: "سأتكلم عن جسمي إلى درجة يبدو فيها أني تخليت عن روحي. لا تسمح قواي بالاعتناء بالجانبين: الجسمي والروحي، فأهملت متعمداً هذا الأخير، وقد أتحدث عنه إن كتبت لي حياة. لا يمكنني القول إنني بخير: أتصبب عرقاً وأشعر بالبرد من أجل لا شيء. إني مصاب على حدّ تعبير "روسو" بقصر النفس (courte haleind)... كان همي الوحيد هو أن أتنفس بصورة طبيعية، كنت أجد مشقة في ذلك رغم العناية الفائقة والاهتمام البالغ"(8). استمر أسابيع يقاوم مرضه ويحاول التغلب عليه. ووجد في خروجه إلى حديقة مدينة بسكرة عاملاً إيجابياً أنساه بعض معاناته وجعله يمدّ بصره بعيداً عن "جسمه". توالت نزهاته بين هذه الحديقة وبيته، سواء أكان وحده أو بصحبة الأطفال (بشير) و(عاشور) وغيرهما(9). أخذ يراوده شعور بأن الأمل كبير في شفائه وأنه بدأ يعيش كل شيء في هذا المكان وهذه المدينة. بدأ يأخذ معنى جميلاً وطعماً لذيذاً. عادت الحياة تدب فيه شيئاً فشيئاً بصفة طبيعية، فأحس أنه يحيا لأول مرة، ويتنفس ويستنشق، وأنه غادر وادي الموت والظلام. كانت جميع حواسه تهتز لكل صوت ورائحة ولون...(10). ولم ينس أن يسجل "هذا الشعور المفاجئ" في مؤلف آخر: "أقعدني المرض، وسافرت وقابلت (مينالك)، وكانت نقاهتي العجيبة ولدت مجدداً في كائن حيّ، تحت سماء جديدة وبين أشياء متجددة"(11). يتجلى واضحاً أن مدينة بسكرة فتحت ذراعيها لتحتضن "الشاب المريض" بكل رفق وحنان، وتوفر له دون مقابل كل ما بإمكانه أن يساعده على الخروج من أزمته وتجاوز محنته، فأقبل على الحياة بحماس كبير، وهذا بفضل شمس المدينة الدافئة والطبيعة الخلابة والرائحة الزكية والحب النقي(12). وقد تركت له مدينة بسكرة انطباعاً "حسناً"، وظل يذكرها في شوق وحنين مع اعتراف صريح: "بسكرة! ذلك المكان الذي أريد العودة إليه! نعم ها هي الحديقة العمومية، وها هو المقعد... لقد عرفت المقعد الذي كنت أجلس عليه في الأيام الأولى من نقاهتي"(13). يبقى الاعتراف أقوى الأدلة، وقد جهر جيد بـ"فضل" بسكرة، وعليه لم يعد هناك شكّ في أن حياة جيد بدأت في "التحول" على أرض الجزائر، وستبقى في تحول مستمر وكما يريده الكاتب. 2 ـ استعادة الثقة بالنفس: تبين أن أندريه جيد تجاوز مرحلة الخطر وتفتحت عيناه من جديد، ولو سئل يوماً عن سبب ذلك لأجاب حتماً بما قاله الرسام "جون سلون" (Jihn Sloan) وهو يرسم صورة من أدفأ وأرق صورة عن الشعب: "لابد من أن الحياة الإنسانية جميلة"(14). اقتنع بعد تماثله للشفاء أن يبدأ حياة جديدة ويطرح جانباً تلك الأوهام التي جعلته يشكّ في قدراته وبخاصة عندما كان طالباً بالمدرسة الألزاسية. كان يؤثر العزلة لكونه يشعر بأنه لا يشبه أترابه؛ لكن ما أن احتك بأهل مدينة بسكرة ـ لا سيما بأطفالها ـ حتى تخلص من مركب النقص هذا، ولم يعد يطيق البقاء وحيداً. تغيّر كل شيء بالنسبة إليه: شعب وعادات وتقاليد وطبيعة.. الكل يبعث على انطلاقة جديدة أساسها مجابهة الحياة واكتشاف الذات، "فليس الإنسان إلا عمله، وأنه لا يكتشف نفسه إلا بالتفكير في نفسه وأننا نكتشف الحياة كما نكتشف الحرب"(15). بدأ في اكتشاف نفسه واستعادة ثقته بها شيئاً فشيئاً، فعمل على التمتع بكل ما تقع عليه عينه في بلاد الجزائر دون استحضار الماضي. لم يبق ما يعرقل اندفاعاته، بل توفر له ما يحث على المغامرة والاكتشاف والتطلع، وما يترتب عن ذلك من آثار. لقد حان الوقت ليعرف جواباً عن تساؤلاته العديدة، وبخاصة ما نقرأه في مؤلفه "محاولة حب" (Tentarive amoureuse): "متى أداعب فرحة تحت الشمس، بعيداً عن كآبتي؟ متى أعانق سعادة قوية لا يشوبها خوف، بعيداً عن الماضي وديانات لا جدوى منها؟"(16). انطلق يبحث عن الفرحة، فمنحته إياها: الواحات والحدائق وأشجار النخيل والشمس والصحراء... أما السعادة فوجدها بين أحضان أهل مدينة بسكرة: يجالسهم، ويجاذبهم أطراف الحديث، ويستمع إلى نغماتهم المؤثرة المنبعثة من الناي، ويذهب معهم إلى المروج مع قطعان الماعز(17). لم يعد يفكر في مرضه وماضيه، بل أصبح همه الوحيد البحث عما يبعث البهجة والنشاط والحيوية، والسعي قدماً نحو آفاق جديدة ولو كانت نقطة البداية فيها من هذه المناظر وهذه الحضارة "المغايرة"، التي تبعث على التحول(18). وكم يسعده أن يعترف بأن مدينة بسكرة هي التي ساعدته على "تهذيب" انفعالاته واستعادة شبابه وعنفوانه(19). وهو ما يؤكده كذلك "ريمون طحان" بقوله: "كان لإفريقيا أن تجر جيد نحو السقوط والجنون وتفلت الغرائز، لكنها فجأة أنقذته ووهبته الصحة ومنحته الثقة والإيمان في الحياة"(20). ويتضح جلياً بأن حياة جيد أخذت منعرجاً هاماً على أرض الجزائر، فبعد مقاومته المرض بأعجوبة والتغلب عليه، ها هو يجتاز مرحلة أخرى من حياته بكل سلام وأمان: إنها مرحلة استعادة الثقة بالنفس والتمسك بالحياة. 3 ـ حقيقة حب ((مادلين)): لقد عاش جيد قصة حبّ عنيفة مع قريبته "مادلين"، وذكرها في كثير من كتبه: "اللاأخلاقي"، و"لو لم تمت الحبة"، و"اليوميات". ولا تهمنا القصة في حدّ ذاتها من بدايتها إلى نهايتها، بل ما عرفته هذه القصة من تطورات في أرض الجزائر، ومدى انعكاساتها على حياة جيد. بعد زواجهما، رحل العروسان إلى الجزائر لقضاء شهر العسل، وسعى جيد إلى أن يعرّف زوجته بكل الأماكن التي زارها بالجنوب الجزائري، وبخاصة بسكرة وضواحيها، حيث ابتسمت له الحياة. قاما بنزهات في الحدائق والواحات والصحاري والمروج ينشدان سلاماً وراحة في عالم يمزقه القلق. وكانت رحلتهما إلى الجزائر أول لقاء مباشر وبدون حواجز، فلكم عارضت أمه هذا الحب وهذا الزواج(21). منحتهما الجزائر السعادة والطمأنينة، فكان أسعد الناس بحبها، كما كانت أسعد الناس بحبه(22). لكن هذه "الأرض المعجزة" لم تقدر على منعه من إخفاء بعض الغرابات، حيث كان "لا يستطيع أن يسيطر على هذا "الجزء من كيانه الذي يدفعه إلى تذوق كل أنواع الملذات..."(23). أدركت السيدة جيد أن زوجها لم يعد ذلك الطفل الوديع الذي عرفته بين أحضان الأسرة، فمنذ إقامته بالجزائر أصبح شخصاً آخر، وشعورها الخالص نحوه تحول إلى خيبة أمل كبيرة لم تقدر على كتمانها، لأنها كانت "مؤمنة صادقة، وآذاها من غير شك أشدّ الإيذاء ما ظهر من انحراف زوجها الذي كانت تحبه وتؤثره..."(24). آثرت الصبر عسى أن يتوب زوجها، لكن ذلك لم يمنعه من المضي في طريقه تلك: لقد رسم نهج حياته، وليس في نيته أن يتراجع عنه رغم اعترافه الصريح، بأنه كان السبب في مأساة أعز مخلوق أحبه: لم أكن أحب سواها ولا أقدر على العيش من دونها، لا أبالي بغضب الجميع المهم عندي مادلين"(25). كشفت الجزائر إذن عن مرحلة هامة من حياة جيد، وجعلته يعرف توجهه "الصحيح" ويقتنع به ويدافع عنه، مهما كان الثمن حتى ولو كانت "مادلين". تمثل هذه الحقيقة القاسية التي عرفها جيد في الجزائر منعرجاً حيوياً مثلما كانت إيطاليا بالنسبة إلى "غوته"(26). لم يكن جيد ليستسلم لحبه الذي يعترض اندفاعاته ومضيه في التمتع بأقصى ما يمكن أن توفره الحواس، لقد فتّقت الجزائر جميع حواسه وليس في مقدوره أن يخمد لهيبها على هذه الأرض بالذات. استمر في انطلاقاته بكل قواه ضارباً عرض الحائط بما قد يخفيه له القدر وأمله ألاّ يتخلّى عن حبّه ما إن وجد إلى ذلك سبيلا؛ إما أن يتوقف قليلاً عن التمتع بالحياة ليمهل حبه فرصة، فذاك ما لم يكن يقدر عليه. اكتشف حقيقة حبه واقتنع بها: مادلين لن تكون الرفيق المبجل في هذه الحياة(27). فالأسمى هو ما يطمح إليه المرء ويسعى إلى تحقيقه، وبخاصة إذا كان نابعاً عن دراية وبصيرة لا عن حماس وغفلة: "ليس حب الحقيقة هو الحاجة إلى اليقين. ومن الغفلة الخلط بينهما. إن المرء يستطيع أن يحب الحقيقة حبّاً كبيراً كلما ازداد إيمانه بأنه لن يستطيع الوصول إلى مطلق تقوده تلك الحقيقة الجزئية"(28). 4 ـ نبذ التزمت الديني والثورة على الأخلاق والأعراف: نشأ جيد في أسرة كاثوليكية ـ بروتستانتية ملتزمة بالأعراف في صرامة لا تعرف حدوداً، متمسكة بأوامر الدين إلى أقصى ما يمكن. ولم يكن باستطاعته أن يبدي رأياً أو يوجه نقداً، فالسكوت من ذهب، وحلّ في صمت إلى الجزائر وبعد قضاء ثلاث سنوات في زيارات متتالية، يكتب في يومياته بمدينة القنطرة عام 1896: "ليس في مقدوري أن أحب بلداً أكثر من الجزائر! لا يمكننا أن نتأمل أكثر مما نتأمّل هنا"(29). يعدّ كلامه هذا بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وتشاء الأقدار أن تثور هذه العاصفة من الجزائر وأن يتحول هذا التأمل إلى بداية تمرّد: "إن مراجعة القيم ضرورية في بعض مراحل الحياة"(30). لن يعلن عن موقفه هذا سواء في إنجلترا أو إيطاليا أو سويسرا... وقد يكون مردّ ذلك إلى ما يجمع بين هذه الدول من عوامل مشتركة، منها الدين والأعراف، لكن بعض الباحثين أكدوا على أن هذا التحول المفاجئ لدى جيد يعود إلى انبهاره منذ اللحظة الأولى بحضارة الجزائر المغايرة وأعرافها التي تميزها النسبية لا المطلق(31). فبين هؤلاء العرب المتواضعين والحضارة الدافئة والطبيعة اللامتناهية لا يمكن للفرد الذي ألف تلقي الأوامر طيلة حياته، إلا أن يدرك فجأة بأن الأمر الجديد الصادر إليه غير مقبول(32). بدا واضحاً في كتابات جيد الأولى "محاولة حب"، و"بليد" (Paludes)، و"قوت الأرض"، و"الحاج"، و"اللاأخلاقي"... بدا واضحا ًعزمه على إعادة النظر في كل شيء: الأخلاق والدين والأسرة والمجتمع... والحرية، حيث الذهاب دون قيد أو شرط، فالمغامرة واجبه. أصبحت القيم عنده ريشة في مهب الريح، والأخطر من ذلك أنه رمى بالكتب المقدسة في البحر، ولن تردّها إليه أية موجة(33). ودليل ذلك العبارة التي كثيراً ما رددها في كتابه "قوت الأرض": "الق كتابي"، الممزوجة أحياناً بنوع من الأسى والحسرة: "آه، لقد عشت في تحفظ حتى اليوم. يجب أن نكون بلا قوانين لنتبع القانون الجديد. يا للخلاص!"، ثم يضيف قائلاً: "لقد وجب إلى حين أن أقبل بطرح كل وازع خلقي، وأن لا أقاوم رغباتي، فهي وحدها كانت جديرة بتعليمي، فاستسلمت إليها"(34). راح جيد يتغنى بعالمه الجديد الذي لا تحكمه قوانين ولا أخلاق ولا أعراف... بل لذات ورغبات. إن فكرة "نيتشه" الشهيرة المتمثلة في كون الإنسان يعبر عما ينقصه لا عما يملكه قد وجدت صدى لدى جيد على أرض الجزائر التي حركت فيه حقداً دفيناً ظل يكتم أنفاسه ويحطم حياته، فعمد إلى مبدأ التعويض الذي يقوم على أساس "المستقبل أهم من الماضي"، وعلى أساس قاموس تفيض كلماته حبّاً ولذة، مثل: "نكهة اللحظة"، و"السعادة"، و"حب العيني"، و"الحمية"... لا على أساس قاموس تثير كلماته الخوف والقلق، مثل: "الالتزام"، و"الطاعة". حدد جيد مستقبله ـ إذن ـ من أرض الجزائر وكان توجهه مغامرة يحدوها بريق من الأمل ينبعث من هذه الأرض التي نصبت نفسها ولياً على هذا الكاتب الشاب، ولم تترك ماضيه يلتهمه مثلما التهم بطل مؤلفه "يرومثيوس في قيده غير المحكم" (Le Promethee mal enchaine) صقره في نهاية المطاف، وسمحت له بأن يكتب: "إني ألوم وأكره كل من يحط من قدر الإنسان، وكل من يرمي إلى انتقاص حكمته وثقته وسرعته، لأنني لا أرضى أن تقترن الحكمة دائماً بالبطء، والحذر، ولذلك أعتقد أيضاً بأن في الولد من الحكمة أحياناً فوق ما في الشيخ"(35). إن هذا الولد الذي جمع بين "متناقضات" من عبثية وصراحة وتمرد وحكمة ولا أخلاقية... اكتشف العالم بدءاً من أرض الجزائر، فهل أحسن الاختيار؟ تبقى الخصومة على أشدها والحكم يتطلب تتبع مسيرة هذا الولد ـ الشيخ، التي تجاوزت الثمانين عاماً، وهو ليس بالأمر اليسير!. ـ الهوامش والإحالات: 1 ـ أندريه جيد كاتب فرنسي من مواليد 1869 بباريس، من أب بروتستانتي وأم كاثوليكية. كانت سنواته الأولى كلها نشاط واهتمام، واطلع بفضل عناية والده على كتب هامة كالأوديسا والسندباد البحري وموليير... تميّزت حياته أيضاً بزيارات مختلفة لعدد من الدول الأوروبية كإيطاليا وسويسرا وإنجلترا وروسيا وبعض الدول الإفريقية والآسيوية.. وإذا أردنا اختصار حياة جيد، فإننا نقول إنه استطاع خلال ثمانين سنة ونيف ـ حيث توفي عام 1951 ـ أن يترك كمّاً هائلاً من الكتب والأعمال، تحدث فيها بصفة المطلع المتمكن الفاعل في مجالات عديدة كالفلسفة، والدين، والحضارة، والأدب، من خلال الشعر، والمسرح، والرواية، والأسطورة.. دون أن ننسى الرحلة التي احتلت حيزاً هاماً في كتاباته، وبخاصة رحلاته إلى الجزائر، بدءاً من الرحلة الأولى عام 1893 إلى آخر رحلة عام 1945. من مؤلفاته: قوت الأرض، إذا لم تمت الحبة، المزيّفون، اللاأخلاقي، الحاج، أوديب، اليوميات... 2 - J. Cocteau, poesie, editions Gallimard, Paris 1959, p, 217. 3 - Andre Gide, Si le grain ne meurt, journal 1939, 1949 (souvenirs) editions Gallimard paris 1954, p. 349 - 350. 4 – R. M. Alberes, L’odyssee d’Andre Gide, nouvelles editions, Paris 1951, p. 65. 5 ـ أحمد الحمو، غوته والأدب العربي، مجلة المعرفة، العدد 191 و192، سوريا 1978، ص154. 6 – Andre Gide, L’Immoraliste, romans, (oeuvres lyriques), editions Gallimard paris 1958, p. 380. 7 ـ المصدر السابق، ص384, 383, 381. 8 ـ المصدر نفسه، ص386. 9 ـ المصدر نفسه، ص389. 10 – Andre Gide, Si le grain ne meurt, p. 57. 11 ـ أندريه جيد، قوت الأرض، إشراف ومراجعة الدكتور شكيب الجابري، منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1965، ص . 12 – L. p. Quint, Andre Gide: sa vie, son oeuvre, Librairie Stock, Paris 1923, p. 29. 13 – Andre Gide, I’Immoraliste, p. 465. 14 ـ سيدني فنكلشتين، الواقعية في الفن، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مراجعة الدكتور يحيى هويدي المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1981، ص13. 15 ـ غايتان بيكون، أندريه مالرو، ترجمة أميرة الزين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1973، ص29 –30. 16 – Andre Gide, La tentative amoureuse, recits et soties (oeuvres lyriques), editions Gallimard paris 1958, p.72. 17 – Andre Gide, I’Immoralist, p. 391. 18 - H. Freybergr, I’evolution de la disponibilite Gidienne, editions A. G. Nizet, Paris 1970, p. 73. 19 – Andre Gide, Amyantas, nouvlle revue francaise, 1925, p. 162 – 163. 20 – T. Raymond, Andre Gide et l’orient, imprtmerie ABECE, paris 1963, p. 15. 21 – R. M. Alberes, L’odyssee d’Andre Gide, p. 58. 22 ـ طه حسين، فصول في الأدب والنقد، دار المعارف، القاهرة، ط4، 1961، ص146. 23 ـ نادية محمود عبد الله، الرحلة بين الواقع والخيال في أدب أندريه جيد، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد1، المجلد 13، سنة 1983، ص100. 24 ـ طه حسين، فصول في الأدب والنقد، ص146. 25 – Andre Gide, Joumal 1939 – 1949, p. 1153. 26 – J. M. Chadourne, Andre Gide et L’Afrique, editions A. G. Nizet, paris 1968 (introduction). 27 – H. Freyberger, l’evolution de la dicponibilite Gidienne, p. 41. 28 – Andre Gide, Journal 1889- 1939, edirtions Gallimard, 1951, p. 949. 29 ـ المصدر نفسه، ص71. 30 ـ المصدر نفسه، ص912. 31 – H. Freybergr, l’evolution de la disponibilite Gidiennw, p. 37. 32 ـ كروكشانك جون، ألبير كامي وأدب التمرد، ترجمة وتصدير جلال العشري، دون معلومات ص18. 33 – V.Jacques, Litterature a l’emporte pieca, editions du cede, paris, p. 87. 34 ـ أندريه جيد، قوت الأرض، ص165 و202. 35 ـ المصدر نفسه، ص215 – 216. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |