|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قراءة في ديوان "حريق الفصول" للشاعر محمد كمال ـــ محمد الزينو السلوم ¡ بطاقة تعريف: الشاعر محمد بن إسماعيل كمال، مواليد حلب 1938م، حصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق عام 1964م، نال بعدها شهادة دبلوم في التربية، عمل في التدريس في ثانويات حلب، ثم عيّن مدققاً لغوياً في مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية بجامعة حلب، ومدرساً فيها مادة طرائق تدريس اللغة العربية لطلاب دبلوم التأهيل التربوي. له أبحاث ومحاضرات عديدة في التراث والنقد الأدبي الحديث إضافة للشعر. قام بتحقيق العديد من الكتب وتصحيحها، والإشراف على طباعتها، ومن هذه الكتب: ـ موسوعة حلب المقارنة: للعلامة خير الدين الأسدي. ـ إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء: للشيخ راغب الطباخ. ـ اليواقيت والضرب: المنسوب لأبي الفداء الحموي (مشترك). ـ الدراري في ذكر الذراري: لابن العديم. ـ الدر النضيد من كتاب العقد الفريد: لابن عبد ربه. ـ إرشاد القاصد إلى أسنا المقاصد: (مشترك). ـ بدأ عطاءه الشعري في بداية الستينات، يتصف شعره بالذاتية والوجدانية. ـ تحتل المرأة الجانب الأكبر في شعره، فهي تمثل حافزاً للإبداع والإلهام. ـ يتسم شعره أحياناً بنزعة انطوائية تصل إلى اليأس بسبب العزلة التي فرضها على نفسه منذ أيام الطفولة.. فقد كان يؤثر الانطواء والعزلة منذ أيام الدراسة، ويتبدّى ذلك في جسمه النحيل ورقة مشاعره وأحاسيسه حتى الآن. ـ يحمل شعره جذور نزعة صوفية تعود إلى زمن الطفولة أيضاً، تتعلق بالأسرة والبيئة آنذاك ـ تميّز شعره بالرثاء، حيث نجد صدق العاطفة وعمق الإحساس باللوعة والحزن. ـ من الناحية الفنية: يتصف شعره بوحدة القصيدة، التي تتناغم في انسياب موسيقي عذب، وإيقاعات ينسجم توظيفها مع الحدث، كما نلمس في شعره المزج بين القديم والحديث، وتطوّراً ونضجاً في تجربته الشعرية منذ بداياتها، قال عنه الصديق الناقد (عبد الرزاق شحرور) في كتاب (أدباء من حلب) بأنه شاعر الظلمة الخجول، ووصفه بعضهم بأنه خليفة أبي ريشة. ¡ ديوان حريق الفصول، للشاعر محمد كمال..! صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، عام 1999م، جاء من القطع الوسط، في (150) ص، وغلاف ملوّن جميل. يتضمّن الكتاب (43) قصيدة، وزّعت على الشكل التالي: ـ قصيدة ومضة (1) ـ قصيدة تفعيلة (19) ـ قصيدة عمودية (23) جاء تاريخ القصائد كما يلي: ـ (20) قصيدة، ما بين عام 1960ـ1967 ـ (6) قصائد، ما بين عام 1978ـ1989 ـ (17) قصيدة، ما بين عام 1990ـ1998 وهي غير متسلسلة من حيث التاريخ في الديوان. ¡ قراءة في ديوان حريق الفصول: لن أتعرّض هنا لما يتصف به شعر "محمد كمال" من كل ما ذكرت، وسأكتفي بالمرور سريعاً على النزعة الصوفية، والمرأة، وقصيدة الومضة (اليتيمة) فقط، ولعل الصفات الأخرى ترد في قراءة الديوان. ـ فيما يتعلق بجذور النزعة الصوفية: يتجلى ذلك في قوله:
إلى أن يقول:
والقصيدة بعنوان "مضى عنى الدليل" وهي مقولة ابن عربي كما نعلم. ـ أما فيما يتعلق بالمرأة، ففي قصيدة حسناء يقول:
ـ في قصيدة الومضة (قمر) يقول: "أنت حلوة../أنت حلوة../ أنت للأرواح نشوة/ كلما غيّرت ركنا/ طارت الأبصار نحوه 1962" ـ نتابع استعراض بعض قصائد ديوان حريق الفصول: في قصيدة (رثاء ص13) يقول:
ـ في قصيدة (حجب مسدلة ص29) يعبّر عن واقعه الذي يحياه فيقول:
ـ في قصيدة (الحلم المقدس ص31).. الآفاق السود تمطر علقماً، والدمع تجهّماً، حلمه مبهم، تمثاله محطّم، يقول:
إلى أن يقول:
ـ في قصيدة (ظلم ص56) نجد الشاعر يتهكم ويسخر من خيط النور الذي يأتي الظلام متأخراً
وإذا كانت قصائد الشاعر الخليلية قصيرة، فقد ولدت هكذا..(بعد العودة إلى الشاعر) خلافاً لقصائد التفعيلة. ـ في قصيدة (شرود ص73)، يعود الشاعر إلى ظلمته وحزنه فيقول:
إلى أن يقول:
ـ في قصيدة (عاطفة ساحرة ص93)، يسأل الحسناء: من أنتِ..؟!.
إلى أن يقول:
يشبّه مهجته بكرة في كفّ النجوم، آهتهُ غرقى في دمه، يبس الرجاء على جفونه، جفّ حلم يشبّه مهجته بكرة في روحه مثل إيغال الشذى في البراعم. ـ في قصيدة (الغريب ص103) يقول:
نلاحظ هنا الرقة والشفافية.. تمسّ الشغاف بإيقاع (فاعلاتن مفاعلن) وتأتي الدهشة في البيت الأخير:
"1992م" ـ في قصيدة (شاعر الغربتين ص118) ألقيت في تأبين الشاعر الكبير عمر أبي ريشة في عام 1990م (75 بيتا) يقول في مطلعها:
إلى أن يقول في آخرها:
كأنّ التاريخ في شعر أبي ريشة عروس.. وفي كلّ قصيدة فارس، وفي كل معركة بيان (هذا ما قاله الشاعر محمد كمال في القصيدة). "1991م" ـ في قصيدة (في منتصف الطريق ص121) يقول:
يؤكد لرفيقه أنّ رسُل الفجر لن يراها الشاعر،ويطلب منها أن تستقبلها وتقبّلها، أما هو فلن يكون له ذلك...لأن زاده من الحياة أمان مكبّلهْ.. "1991م" ـ في آخر قصيدة من (ذاك شبّاكها ص143) يقول:
تمر الأيام ويعود الشباك ليقول:
"1989م" ـ تتميز قصائد الشاعر الوجدانية، والغزلية، بالقصر، والتكثيف، إلا ما ندر منها كقصيدة عاصفة ساحرة، وقد يعتقد الدارس أنّ الشاعر أخضعها للغربلة، كما يفعل البعض، ولكن بعد سؤال الشاعر، تبيّن أنها ولدتْ كذلك مكثفة (قصيدة أين...؟! ص5،/ 8/أبيات، قصيدة حيرة ص7، /4/ أبيات، قصيدة انتظار ص8،/8/ أبيات، قصيدة لن نلتقي ص11، /7/ أبيات)، وعدا ذلك فقصائده الرثاء، والقصائد الوطنية، وقصائد المناسبات، نجدها طويلة قياساً على القصائد الأخرى (قصيدة النور والرماد ص21، /51/ بيتاً، قصيدة إلى ميريا.. الحلم ص15،/9/ مقاطع، قصيدة أحزان اللحظة المحتضرة ص50، /4/ مقاطع طويلة، قصيدة العائد ص 43، /6/ مقاطع، قصيدة تحية ص 82، /30/ بيتاً، وكذلك قصائده شاعرة، عاصفة ساحرة، العرّافة والوجد الآخر، شاعر الغربتين، وهذا ينسحب على القصائد العمودية، والتفعيلة معاً). ـ أمّا من حيث تكرار بعض الجمل في أكثر القصائد التفعيلة، فالشاعر كثيراً ما يعتمد التكرار، وخاصة في بداية مقاطع بعض القصائد، (في قصيدة إلى ميريا.. الحلم ص15، يكرر سؤال، لماذا أتيتِ..؟!، في بداية كل مقطع، وكلمة أجيبي، وأنت بذاتي، بأعماق ذاتي، أيضاً...وفي قصيدة أحزان اللحظة المحتضرة ص 50، يكرر جملة: اكتبوا لي، في بداية كل مقطع من مقاطع القصيدة أيضاً). ـ لوحظ الإهداء في العديد من قصائد حريق الفصول، يحدّد فيها الشاعر اسم المهدى إليه (كقصيدة على مائدة المساء ص41، العائد ص43، أحزان اللحظة المحتضرة ص50، قصيدة من دمشق ص56)، وهذه القصائد أهديتْ إلى أميرة الغور، مما يدفع الدارس لسؤال الشاعر عن هذه الأميرة، وينسحب ذلك على قصائد أخرى كقصيدة التمثال ص65، مهداة للشاعر سليمان العيسى، يُعارض فيها قصيدته /أخا القبة الزرقاء/، وقصيدة تحية ص82، مهداة للشاعر المرحوم محمد فؤاد عينتابي، ويضيف الشاعر، أنها ألقيتْ في التأبين بدلا من التكريم، وقصيدة وداع الأحبّة ص98، وقد ألقيتْ في حفل تأبين الشاعر الكبير عمر أبي ريشة وتقع في /65/ بيتاً، والتي مطلعها:
ـ مما يدل أن للرثاء في ديوان حريق الفصول، شأناً أي شأن، مما يشير إلى وفاء الشاعر، وإخلاصه لأصدقائه، أما فيما يتعلق بالمرأة فقد احتلت من ديوانه حيّزاً واسعا وثمّة قصائد متميّزة منها: قصيدة لن نلتقي ص11، يقول فيها:
في قصيدة الحلم المقدس ص31، يقول في مطلع القصيدة:
وفي قصيدة شاعرة ص89، يقول:
ـ تنوّع، وتلوّن البحور، والإيقاع: في قصيدة أين..؟ ص5، يعتمد البحر السريع (مستفعلن مستفعلن فاعلن):
في قصيدة انتظار ص8، يعتمد البحر الوافر(مفاعلتن مفاعلتن فعولن):
وفي قصيدة لن نلتقي ص11، يعتمد البحر المتقارب (فعولن فعولن فعولن فعولن):
في قصيدة رثاء ص13، يعتمد المديد (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن):
في قصيدة عتاب ص19، يعتمد البحر الخفيف (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن):
ـ أما قصائد التفعيلة، فقصيدة رحلة ص37(من إيقاع فعولن)، وقصيدة أحزان ص50 (من إيقاع فاعلاتن)، وقصيدة من دمشق ص56 (من إيقاع مفاعيلن). وهكذا نجد الشاعر يعتمد التنويع، والتلوين في الأوزان (بحوراً، وإيقاعاً)، يختار ما يناسب الحالة الإبداعية، الشعرية، وهذا التنويع في البحور يدل على رغبة من الشاعر في التنويع الموسيقي... كما يدل على صدور القصائد عن عاطفة جيّاشة تفرض على الشاعر البحر المناسب لها.. ـ الأسئلة الحيرى عند الشاعر: في قصيدة رثاء ص13، يسأل: ما تخافين..؟ وفي قصيدة إلى ميريا.. الحلم ص17، سأل لماذا أتيت..؟ ويكرر السؤال أكثر من مرة، ويسأل: هل أنت جنّية بابليّة..؟ ولماذا قصيدة الحلم المقدس ص31، يقول: وقدستها حلماً لدى الظن مبهماً..، وفي قصيدة مضى عني الدليل ص34، يقول: فكيف أراك في حلمي وصحوي..؟، وفي قصيدة الشاعر ص70، يقول: كيف شيّعت كلّ حلم جميل..؟، وفي قصيدة تحية ص82، يقول: فنثرتُ أحلامي على أعتابها..، وفي قصيدة شاعرة ص90 يقول:
وفي قصيدة إلى بتول ص107، يقول:
وفي قصيدة جارتي ص128، يقول:
وفي قصيدة في منتصف الطريق ص 131، يقول: أيّ حلم في قدس عينيك يُخفي تبتلهْ..؟ وفي قصيدة زائرة ص134، يقول: أصحيحٌ أنني شاعر أحلام الملاح..، وفي قصيدة دخان صفحة 141 يقول:
إن ظهور الورود في الديوان يدل على تعلق الشاعر برمز الحب والبراءة، فالورود هي رسائل المحبين وتعبير عن عواطفهم الجميلة، ويؤكد ذلك إلحاح الشاعر على الحلم ووروده بكثرة في شعره، وهو تارة حلم معطر، وتارة جثة، مما يدل على انكسار الحلم، وخيبته مع أنه مجرد حلم...وهذا كله يدل على نقاء المشاعر وبراءتها وصفائها، وكونها مجرد خيال... ـ إن الشاعر محمد كمال يمزج بين الأصالة والتجديد، في إيقاعات غنائية حزينة، يعزفها على أوتار قلبه، ومن هنا جاءت تسميتي له شاعر الظلال الحزين... فهو متمكّن من زمام قصيدته، وإذا كنت لم ألمس في قصائده من الستينات إلى التسعينات فذلك عائد لنضوج تجربته الإبداعية بشكل مبكر.. وما قرأناه يؤكد لنا ذلك.. ـ أغنى الشاعر محمد كمال الديوان بالتوزيع والتلوين الشعري في الشكل والمضمون معاً، في مراحل (طويلة) من حياته وخلال أربعين عاماً، نال محبة وتقدير جميع زملائه الأدباء فاستحقّ ذلك بجدارة، بقي أن أقول: إذا كانت الظلال والحزن والألم، لم تفارق الشاعر محمد كمال، وإذا كانت أحلامه لم تتحقق، وحجبه المسدلة عادت إليه من جديد، فإن بيادره مليئة بالسنابل، ومحصوله غني بالحب.. وقد نثر كنوزه ووزّع الخمور من دنانه، وما ملك رضاها... ويتجلّى ذلك في قوله:
...وبذلك دليل على أن الشاعر يمنح مشاعره وعواطفه، ولا يطلب البديل والمقابل مما يؤكد البراءة والنقاء لدى أبي براء.. وإذا كان للشاعر رؤيا شاحبة، حزينة، كالظلال، أو حتى سوداء كالليل (كما أشار إليها البعض) فذلك يعود لشفافيته، ورقته، وإحساسه المرهف، إلا أنني أجده في فضاءاته ودلالاته الشعرية قد ارتقى بشعره إلى الشعر الإنساني بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة، كما ارتقى بفنية شعره أيضاً. ولو أردنا أن نرسم معالم شخصية الشاعر بدقة لتشبْعت بنا الخيوط، لأن نسيج شخصيته منوّع وملوّن الخيوط، لقد صقلته التجربة حتى اشتد وقسا عوده، واخضرّت أغصانه، وأينعت ثمارها. وقصارى القول: إن أهم ما يميّز شعر (محمد كمال)، وهو رقته وشفافيته وإحساسه المرهف، وصدقه، وقدرته في التعبير عن المعاناة التي يعيشها، وقد جاءت في أطر فنية منتظمة كعقارب الساعة، تنساب في أوزان وإيقاعات غنائية تحمل دلالاتها وفضاءاتها الشعرية. لقد حاولت إضاءة بعض الزوايا في ديوان حريق الفصول، ولكنّ ألسنة النار لا زالت تصّاعد وتصّاعد في كلّ الفصول، والشاعر وحده يملك القدرة على إطفائها، أو يزيدها اشتعالاً وأختم رحلتي مع الشاعر، وديوان الفصول بقصيدة (إلى أميرة الغور) يقول فيها: "فقدتك في شمال الرعب والريح الجليديهْ/ وفي شفتيْ حديثٌ ما انتهى بعد/ وقيل رحلت..والهفي/ وعدتُ اختبئ/ وتحضنني دمشق بليلها المخمور تعفيني/ على أبد من الظلمات والسهر/ كأنّ السقف بالحمّى وبالآهات قد وكفا/..وأنتِ هناك يا سمراء، ألمح طيفك الولهان/ ألثمهُ...وأبكي، ثمّ أبكي../ ثمّ انطفأ.." | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||