|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
تجليات القارئ في النصوص السردية قصص (المازني) نموذجاً ـــ عز الدين بوبش- الجزائر يمثل حضور القارئ في النصوص السردية جانباً من عملية البناء الفني التي يجريها الكاتب عبر مخيلته قبل الكتابة وأثناءها؛ فهو متمم أطراف المعادلة الصحيحة في التجربة الإبداعية (الكاتب ـ النص ـ القارئ)؛ إذ لا تنهض جماليات النص إلا بهذا الحضور الفعلي للقارئ إن على مستوى النص أو القراءة. وقد أدرك المبدعون منذ القديم قيمة القارئ، لذا خصصوا له على مستوى الفكر والتعبير الحيز الذي يشمله، ووفروا له مجالات المشاركة في النص وإعادة إنتاجه وفق رؤاه كصاحب سلطة ثان بعد المبدع. وقد كشف النقد منذ القديم أهمية القارئ، ولاحظ عناصر التواصل بينه كمستقبل لما هو مبثوث وبين السارد، غير أنه لم يستطع وضع نظرية تحكم شروط القراءة وجمالياتها إلا حديثاً، خاصة على يدي الشكلانيين الروس وغيرهم من الدارسين للفكر والأدب؛ حيث حاولوا إثبات الجسر الذي يربط بين الكاتب وقارئه، فتمثله "توما تشوفسكي" في لحظتين هامتين هما: اختيار الغرض وصياغته، يقول: ((إن اختيار الغرض هو أمر وثيق الصلة بالقبول الذي يجده لدى القارئ... ويكون الكاتب نفسه، في أغلب الأحوال، على غير معرفة دقيقة بها. إن صورة القارئ تكون حاضرة باستمرار في وعي الكاتب، حتى ولو كانت مجردة، أو تطلبت من الكاتب أن يفرض على نفسه أن يكون قارئ عمله))(1). وأهمية اختيار الغرض يتوقف على المحفزات الأكثر التصاقاً بالوضع اليومي، حتى يضمن الكاتب لما اختاره، الاستمرارية، لأن المحفز الذي يرتبط بالمناسبة سرعان ما ينقضي بانقضاء تلك المناسبة وزوال الاهتمام بها. أما الصياغة فينبغي للكاتب أن يعمد فيها إلى دعم تلك الأهمية بإثارة انتباه القارئ فالأهمية تجذب، والانتباه يستبقي(2). ومتى راعى الكاتب القاص في عملية الإبداع العناصر الغرضية الجزئية التي يتكون منها الغرض العام للقصة، ووظفها وفق أنساق سببية وزمانية تتجاذب فيما بينها نجح في إيقاف القارئ أمام مبنى حكائي متماسك. وقد أدرك الشكلانيون الروس وغيرهم من الدارسين للقصة والرواية هذه العلاقة الموجودة بين السارد والقارئ، فدعوا إلى العناية بها، إلا أنه بالرغم مما لهذه الشخصية (القارئ) المتخيلة من أهمية في صنع الخطاب السردي، فإن الاهتمام بها، مع ذلك، ظل محدوداً وضئيلاً، إذا ما قورن بحجم الدراسات التي خصت بها شخصية السارد. ومادام الخطاب السردي كباقي أنواع الخطابات الأخرى، يحتاج إلى متكلم ومستمع، فإنه بدونهما يفقد معناه ويتحول هذياناً لا مبرر له، وهو ما يفسر حرص الكتّاب/الرواة، على أن يكون سردهم استجابة واعية لدعوة صادقة عن المسرود له، إن لم نقل إنه يتأسس عليه في بعض الأحيان، ولكن من غير أن تكون وجهة النظر صادرة عنه. يقول"بيرسي لوبوك": ((إنني ما زلت أفترض أن الرواية الجديرة بالاعتبار هي الرواية التي تتطلب ـ في الواقع معظم الروايات كذلك ـ وجهة نظر ليست صادرة عن القارئ))(3). والحقيقة إنه بمجرد ما يعلن المتكلم عن نفسه، ويتسلم مقاليد اللغة، فإنه يغرس الآخر أمامه، كيفما كانت درجة الحضور التي يمنحها لهذا الآخر؛ لأن عملية السرد مشروطة، أساساً، باحتوائها العناصر الثلاثة الرئيسية الضرورية لكل خطاب، وهي: السارد أو المرسل، والمسرود له أو المتلقي، والمتن الحكائي أو الرسالة. ونحن بوصفنا قراء، لا ندرك المتن الحكائي إدراكاً مباشراً أو أولياً، قبل إدراك السارد له؛ فهو الذي ندرك من خلاله أنواع العلاقات التي يقيمها مع شخصيات عالمه التخييلي، مما يكون له دون شك انعكاسات واضحة على شكل تلقينا له. وهذه الطريقة التي يتم بها إدراك الحكاية من قبل السارد هي ما قصدها "تودوروف" بمصطلح (جهات الحكي). ولها مصطلحات أخرى متنوعة منها: وجهة نظر، الرؤية السردية، التبئير، المنظور، مظاهر السرد... الخ، وغيرها من المصطلحات الأخرى التي تفيد جميعها الطريقة التي يتم بها إدراك القصة أو الرواية من قبل السارد. ـ فالكاتب /الراوي الذي يعرف كل شيء أو كلي المعرفة: هو راو يسرد الأحداث والأفعال من الداخل رغم غيابه عنها، مادامت له معرفة مسبقة بكل ما يجري، سواء عن أحوال الشخصيات ورغباتها أو عن مختلف الأفعال ومجرياتها، مخترقاً جميع الحواجز كيفما كانت طبيعتها. ويفترض أن تحكى القصص أو الروايات التي من هذا النوع بضمير الغائب. ومن حق الراوي أن يتدخل في سرده، وأن يوجهه وفق رغباته، الأمر الذي يبعد عنه طابع المصداقية، مادام يقدم مادته دون إشارة إلى مصادر معلوماته، وينتقل فجأة من مكان إلى آخر، أو من زمان إلى آخر، أو من شخصية إلى أخرى دون مبرر مسبق. "وبالرغم من أن الراوية غير مرئي بالنسبة للقارئ كما هي حال الآخرين، فإنه في كل لحظة أقرب منهم بطاقته بالعين الباصرة، وهو لا يستطيع أيضاً أن يرجئ مهمته، بل عليه أن يستمر بثبات في النظر والوصف"(4)، ولا ينبغي عليه أن يفقد هذا السلطان أو يجعله يضعف، ((فإذا ضعف سلطان الراوية في أية لحظة فإن القارئ يستدعى من المشهد ليرى المؤلف مجرداً أمامه، وعند ذلك ستعتمد القصة فقط على إصرار المؤلف المباشر. أليس من غير الممكن إذاً تقديم وجهة نظر أخرى لتكوين راوية من جديد يتحمل وطأة تأمل القارئ))(5). وبغياب الراوي هذا الكاتب الضمني، أو الظل الفني للكاتب، وتقديم الكاتب بضمير الـ"هو"، أعزل من تقنيات السرد وفنيته، يصبح العمل السردي، أحياناً، مجرد أخبار، أو نقل حوادث، أو سرد حكاية أو مجموعة حكايات تفتقر إلى المصداقية التي يولدها الفن حتى في واقعيته. ((وبدل هذه المصداقية الفنية يتوكأ العمل السردي، على مصداقية برانية، أو خارجية، يعتبرها قائمة في الطابع الراهني للحدث، أو في الهوية المرجعية، أو ذاكرة القراءة التي عليها أن تصل إلى هذه المصداقية بنفسها، وبشكل مستقل عن العمل السردي، أي من معرفتها هي بالحدث، أو بالمرجع، بحكم معايشتها له، أو بحكم وقوفها على جانب الكاتب وتبنيها القول الذي يقول))(6). وقد تعرضت هذه النظرة للطعن، منذ عهد متقدم، من طرف بعض النقاد، ولاسيما، من "هنري جيمس"، لما لها من انعكاسات سلبية على تماسك وحدة العمل القصصي(7). غير أن "بيرسي لو بوك" يراها في العمل القصصي السيروري ذاتي علامة الصحة؛ لأن طبيعة هذا النوع من القصص ميزتها التفكك وعدم التناسق(8). ـ الراوي بضمير الأنا: هو شخصية بطلة، في الغالب، تعلم ما تعلمه باقي الشخصيات أو أكثر إلا أنها ـ مع ذلك ـ لا تقدم أي تفسير للأحداث قبل أن تصل الشخصيات ذاتها إليه؛ بل تتبنى منظور الشخصية، وترى <<معها>> ما نلاحظه، وتشارك في بناء الأحداث أيضاً، فهي راو حاضر، يروي قصته من الداخل، لذلك يظهر في القصة بمظهرين: مرة في هيئة راوية، ومرة أخرى في صورة بطل. وهذه القصة التي يسرد الراوي بعض أحداثها، ويشارك في صورة البطل في بعضها الآخر هي عالمه المتخيل، يرتبط بزمان ومكان محددين وبشخوص تربطه بهم علاقة. يرى من خلالهم جميعهم هذا العالم معكوساً في شخص البطل. وليس كما يتوهم البعض، أن من يروي بضمير الأنا هو ـ دائماً ـ أمام سيرة ذاتية، بل هي تقنية يلجأ إليها السارد، ليتمكن من ممارسة الكتابة بصورة أسهل، ولتخوله الحضور في النص وتسمح له، بالتالي، بتوجيهه والتحليل بشكل يولد وهم الإقناع. يقول "المازني": ((وإن كنت أروي كثيراً مما أكتب على لساني وأورده بضمير المتكلم فليس معنى هذا أن ما أرويه وقع لي، وإنما معناه أني أرتاح إلى هذا الأسلوب في القصة، وأراه أعون لي على تمثل ما أحاول وصفه وتصويره، فليس فيما أروي شيء شخصي، وكثيراً ما نبهت إلى هذا، ولكني أهمله أحياناً اعتماداً على فطنة القارئ))(9). وبتحول الراوي إلى الشخصية، يمكن للحكي أن يتحول من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب دون أن يفقد القارئ الانطباع السابق، لكون الراوي شخصية مشاركة في القصة. ـ الراوي الشاهد: هو سارد يصف ما يرى، وينقل ما يسمع دون أن يتجاوز ذلك لما هو أبعد، لأنه يرى من الخارج (راوٍ غير حاضر)، وأقل معرفة من أي شخصية أخرى. لذا لا ننتظر منه البوح بما يضمره الشخوص، كالحديث عن وعيها، أو مشاعرها. ولا يتدخل ولا يحلل إلا في حدود ما تخبر به العين التي يبصر بها، إنه ((بمثابة العين التي تكتفي بنقل المرئي في حدود ما يسمح لها النظر، وبمثابة الأذن التي تكتفي أيضاً بنقل المسموع في حدود ما يسمح به السمع. وظيفة هذا الراوي هي التسجيل، أي أنه يميل إلى أن تكون وظيفته أقرب إلى وظيفة الآلة، إنه تقنية آلية))(10). واستخدام الراوي بهذا المفهوم (الشاهد)، يتطلب من القاص مهارة عالية، حتى يستطيع تحويل ما هو عبارة عن صورة آلية جامدة إلى بنيات دالة يجعل نطقها المنسوج يقول بلا قائل. وكأن الراوي مجرد شاهد على ما تقول وهذا النوع من الرؤية نادر الاستعمال بالقياس إلى الرؤيتين السابقتين. الكاتب الذي لا يعرف كل شيء ويروي من خارج: هو كاتب روائي ليس كلي المعرفة، بينه وبين ما يرويه مسافة تبقيه خارج ما يرويه من أحداث (راو غير حاضر). وليس شاهداً، فما يرويه هو مما سمعه من آخرين. لذلك نراه يبحث عن شروط أدائية تمكنه من أن يروي كما لو أنه سمع ورأى وعرف ما يروي، أي كما لو أنه حقاً على علاقة فعلية صادقة بما يروي، حتى يكون مقنعاً، لكن بدون تحوير أو تزييف منه ((لا يدَّعي ا لنفاذ إلى دواخل النفوس، ولا يتنطح لنبش دوافن القلوب، بل يلجأ أحياناً إلى تأويل هذه المظاهر، وهو إذ يفعل يعدِّد التأويل، أو يترك دلالته للاحتمال فيترك بذلك أمر الخيار فيه للقارئ. كأنه بفعله هذا يقف في موضع القارئ، مثله، على مسافة. أو كأنه يضع القارئ مكانه فلا يريه أكثر مما يرى))(11). وهذه الرؤية عكس الرؤية الأولى تماماً. هؤلاء هم أنواع الرواة كما حدَّدهم الباحثون في علاقاتهم مع النص والقارئ. ومن خلال هذه الأنواع رصدوا رؤيات سردية متعددة، تختلف من باحث لآخر بحسب وجهات النظر المتميزة. ولعل تحديد هذه الرؤيات لدى الكاتب/الراوي، هي السبيل الذي يسهل مهمة ضبط الموقف الذي يعرض الراوي من خلاله الأحداث ويظهرها، ويجعلنا ندرك حقيقة تعدد الأساليب، ومختلف أبعادها بشكل يكون أكثر واقعية. إنه أمر نقدي ضروري لمعرفة البنية الصحيحة للنص. فمعرفة وجهة نظر الراوي من خلال القصة والقارئ معاً، تجيب عن السؤال المعقد عن الأسلوب في صنعة الراوية، هذا الأسلوب الذي حوَّل المؤلف مسؤوليته عنه، وجعله يقع حيث يستطيع القارئ إدراكه وتحديده. غير أن هذه الرؤية إذا لم يحسن الكاتب بيانها، ولم يختر لها الشخصية القادرة على رفع شعارها، فإنه يضر بالنص وبالشخصية المنتخبة لأداء هذا الدور، ولاسيما إذا لم تكيف هذه الشخصية نفسها بشكل طبيعي مع وجهة نظر القارئ، الذي يتجه تارة نحو القاص ويصغي إليه، وتارة أخرى نحو القصة نفسها التي يأخذ بمراقبتها. وهنا ندرك قيمة الدور الذي تلعبه الشخصية الراوية تجاه القصة، والآفاق التي تفتحها أمام القارئ من أجل إحلال التوازن وإحداث الانسجام. فما نوع الراوي الذي يسرد قصص المازني؟ وهل كيفها بشكل طبيعي مع وجهة نظر القارئ؟ رغم كون قصص "المازني" تصويرية أكثر مما هي درامية، بمعنى أنها تستدعي راوية ما شخصاً يعرف كيف يتأمل في الحقائق، ويصوغ منها إحساساً معيناً. فإنها فتحت أمام القارئ باباً يطل من خلاله على تجربة إنسان معين، تتوافر على عناصر تاريخية ونفسية وأخلاقية وعاطفية لا حصر لها. وترسبات فترة من الزمن. استطاع الكاتب بطريقته، ومن خلال وجهة نظر راويته أن يجعل القارئ ينظر إلى ماضي الشخصية البطلة ويتأمل أحداثها في خضم علاقاتها مع باقي الشخصيات. لقد اختار "المازني" لقصصه: "إبراهيم الكاتب"، و"إبراهيم الثاني"، و"ثلاثة رجال وامرأة"، الراوي كلي المعرفة. ولقصته "عود على بدء" الراوي بضمير الأنا. ففي القصة الأولى "إبراهيم الكاتب" لا نلمس للراوي حضوراً داخل القصة، ومع ذلك فهو عالم بكل شيء، ويتدخل من حين لآخر محللاً أو مفسراً، ومسقطاً المسافة بينه وبين ما يروي. وهذا النوع من الراوية لا يكون ـ كما سبق أن ذكرنا ـ إلا الكاتب نفسه. ولاسيما إذا كان ما يرويه سيرة ذاتية. فهو إذ يبني عمله الأدبي لا ينقل بوساطة، بل يظهر بمظهر الناقل الحر. لذلك قد يفشل في إقناع قارئه، لانعدام المبرر. وهو ما يجعله يتكئ على الأسلوب المغري بالإيهام، وبالتالي حقيقته. ومن خلال هذه التقنية يتوارى الكاتب، ويتقدَّم في هيئة راو يتوسط بين الكاتب، الذي يمثله، وشخوص عالمه المتخيل. فإذا تدخَّل كثيراً وأبدى معرفة كاملة لما يجري، فإن لعبته تلك سرعان ما تتكشف فيظهر بأنه الكاتب. وهذا عيب يؤخذ على المبدع، ويُعَدُّ من أحد أسباب فشله في بناء عمله ولاسيما إذا لم يكن سيرة ذاتية. "فالمازني" الذي يريد أن يوهمنا بأن ما كتبه في قصة "إبراهيم الكاتب" وغيرها من القصص ليس سيرة ذا تية. فشل في إخفاء بصماته التي دلت عليه، من خلال التطابق القائم بينه كشخص مستقل، وبين بطله "إبراهيم" كما يظهر في القصة. بالإضافة إلى تدخلاته غير المبررة، التي كانت تفضحه من داخل النص، في علاقاته مع الشخصيات والأفعال. نقرأ في المقطع الآتي من قصة "إبراهيم الكاتب" قول الراوي: ((قضى فتانا إبراهيم ـ وهو اسمه ـ ليلة هادئة عميقة النوم إذا استثنينا حلماً قصيراً ركب فيه جواداً بلا لجام جمح به في طريق وعر، ينحدر على أحد جانبيه نهر جائش، وتعترضه في بعض المواضع أقنية تختلف ضيقاً وسعة، عليها ألواح من الخشب، وقف الجواد الخبيث فجأة، فوق واحدة منها وأهوى برأسه وقادمتيه إلى الماء ليشرب!))(12). فالراوي عارف هنا بكل شيء حتى بالحلم الذي عاشه"إبراهيم"؛ فهو يخترق الظلام، وينفذ إلى عالم لا وعي الشخصية، ويعرف ما ينطوي بداخلها، دون أن يقدِّم مبرراً عما يخبرنا عنه؛ إنه لا يستعين بشخصية ثانوية من القصة فتخبره، ولا يتخذ من الشخصية الرئيسية التي يروي عنها، واسطة فتطلعه على ما يقوله. وبالتالي يضمن المصداقية لكلامه. ونراه يتحرك على مساحة النص، لا يعيقه في ذلك حاجز، ولا يوقفه مانع. حتى الزمن بالنسبة إليه يتلاشى؛ فهو ينتقل في أية لحظة شاء من مكان إلى آخر في لمح البصر. ويبقى لاصقاً كالظل ـ وإن كان للظل زمن محدد ـ يراقب كل شيء، لا يعي ولا يمل؛ يحضر في غرفة العمليات الجراحية، ويسترق همس المكالمات الهاتفية، ويحضر كل المقابلات السرية، ويعلم خبايا النفوس. وهو في كل ذلك يروي ولا يُرَى. وقد يحدث ألا يعرف، وهذا نادر، مثل قوله: ((فلم يسعه إلا أن ينقل رجله الأخرى ويخطو الخطوة التي كان هَمَّ بها وصدَّه عنها ما لا نعلم))(13). أو قوله: ((ولكنها تحركت! إما لأنها أحست به وإما لأن الوقفة أتعبتها أو أملتها))(14). وقوله أيضاً: ((ولا ندري ماذا يعني على التحقيق))(15) وهذا البعض من الشيء الذي لا يعلمه، يضعه في صورة الإنسان لا في صورة الإله. فالراوي/الكاتب، في قصة "إبراهيم الكاتب" أعلم من الشخصيات ومن البطل نفسه: ((ولم يكن إبراهيم يعرف كل شيء ـ وأنى له أن يعرفه؟))(16). ينقل كل كبيرة وكل صغيرة، ما بدا منها وما ستر. ويتدخل في كثير من الأحيان، كما في قوله: ((وننصف ليلى فنقول إنها طردت هذا الخاطر وهي تمضي إلى غرفتها بالرسائل... وننصف ليلى مرة أخرى فنقول إنها لم تشعر بذرة من الغيرة، كلا، ولا بشيء من الشماتة أو السرور الذي كان خليقاً أن يفيدها إياها علمها ـ الناقص ـ أن إبراهيم لا يجاري "شوشو" حباً بحب، بل لا يعنى لسبب ما حتى بقراءة رسائلها، ومن أين لها أن تعلم أن حب إبراهيم "لشوشو" دفين في صدره وأن البركان كأحر ما يكون وإن كانت فوهته لا تقذف بالحمم؟))(17). لقد نقل الراوي كل ما دار في عالم القصة بضمير الغائب وعينه على القارئ، هذا المخاطب الذي اصطحبه معه منذ مطلع القصة: ((شوشو فتاة يقول لك جسمها إنها ناهزت التاسعة عشرة ويشهد حديثها وحركاتها أنها لم تجاوز السابعة عشرة))(18). فكاف المخاطب هنا، هو القارئ الذي لم يتوان الكاتب لحظة في استدراجه إلى حيث يريد الوصول معه؛ لأنه يعلم بأهميته وبصدى رضاه عنه. فهو يغازله من أجل إقناعه بأن ما يرويه يقع في موقع اهتمامه. لأن العمل الأدبي المقدَّم إليه وفق هذا المنظور يفتقد الشروط الأدائية التي تؤكد صحة أخباره وصدقها. وقد تكررت كلمة (القارئ) على مساحة القصة، مرات عديدة، مما يؤكد حرص الكاتب على إيجاد الجسر الرابط بينهما. وهذه بعض أمثلة عن ذلك، يقول الراوي: ((ولكن من الممكن أن نقول ـ ومن الممكن أن يُصدِّق القارئ ـ أن ماري كانت تبدو في بعض الأحيان جميلة وفي البعض الآخر غير جميلة تبعاً لحالتها الصحية والنفسية))(19). ((والمستشفى كما يسهل أن يدرك القارئ ـ أشبه ببقعة معزولة عن العالم أو منتزعة من أحشائه، يكون فيه التفكير أكثر من العمل والقلق والملال أكثر من التفكير، ولا يجري التفكير فيه حين يجري، إلا في دائرة ضيقة، وقلما يؤدي إلى نتائج خيالية. ولكنه على ذلك مسرح تمثل عليه روايات تداني في جلالها واتساقها ووحدتها أحياناً، خارجيات سفوكليس وشكسبير، ويساعد على إكسابها هذه المزايا تركز العواطف وشدة توقف بعض الحيوات على بعض))(20). ((والقارئ لابد يعلم أن الرجل إذا وقعت من نفسه امرأة فهو يحضرها إلى ذهنه في صورة هي أحب إليه مما عداها، لأن هذه الصورة تكون أعلق بذاكرته وتكون هي المظهر الذي تبدو فيه لخياله حتى يتمثلها))(21). ((وقد ينكر القارئ أن يتسع القلب الواحد لحبين، غير أن الواقع كان كذلك))(22) ((من الممكن أن يغتفر القارئ لليلى أن فتحت عدة خطابات باسم إبراهيم واطلعت على مافيها ولاشك أن هذا غير جائز ولكنه لاشك أيضاً أنها ألفت نفسها مرغمة على ذلك))(23). ((هذا هو السبب والقارئ معذور إذا استغربه))(24). وأمثلة أخرى كثيرة، تبين كيف أن الراوي كان يستعطف القارئ، ويبحث له عن وسائل الإقناع من خارج النص، لغيابها في داخله في كثير من الأحيان. وذلك بالعودة إلى ما أفرزته وقائع الحياة في تعاملها مع النفس البشرية. ولاسيما إلى ذات القارئ نفسها، مادامت تعكس القصد المباشر في الخطاب القائم مع الذات. فالكاتب بهذا التوجه الذي يختاره نحو القارئ، لا يجعلنا نقول إنه راو فاشل، كما قد يتصور البعض، ويذهبون إلى أن عدم قدرته على الإقناع هي من صميم عجزه، ولكنا نقول هذه هي طبيعة القصة السيرة الذاتية. وقد وفق الراوي في استمالة نظرة قارئه إلى وجهة نظره إلى حد بعيد، إن لم يكن واضحاً على مستوى الفكر والإحساس ـ لانعدام الصلة، في بعض الأحيان، بين واقع فكره وإحساس جمهور قرائه، لأنه كان يحكي عن واقع ليس واقعهم ـ فإنه موجود ـ على الأقل ـ على مستوى التعبير، كما نلاحظ ذلك في "صيغ الحكي". فالإقناع على مستوى الفكر والإحساس، نلمسه عنده أكثر، عندما يُعَبِّر عن واقع الحياة في مجتمعه، لأننا ونحن نتابع أفكاره وأحاسيسه في داخل النص، نراقب عالمه الخارجي الذي يروي عنه، ومتى خالفه شعرنا بانعدام المصداقية. هكذا علمنا النقد الجدلي وتربَّى ذوقنا عليه. لكن الراوي كان ببراعته في التعبير يمسك بقارئه، ويمنحه فرص الصدق الفني، التي تجعله يواصل معه الإنصات دون كلل أو ملل. وهو الأمر المطلوب في أي عمل فني أصيل. هكذا استطاع "المازني" في قصته "إبراهيم الكاتب" تكييف وجهة نظر الراوي مع وجهة نظر القارئ؛ وتكييف وجهة النظر، لا تعني بالضرورة، قبولها من القارئ، فهو قد يرفضها، ويأخذ موقفاً منها غير أنه يستملح طرحها، ويتجاوب معها. فالفشل والنجاح ليسا مرهونين بمدى مطابقة النص للواقع، لكن بمدى الأثر الذي يخلقه على مستوى القراءة. ولاشك أن قصة "إبراهيم الكاتب" قد خلقت آثاراً واضحة ومتميزة انفرد بها "المازني" في فن القص عن سواه من القصاصين، وهو أمر كاف للإعلان عن نجاح هذه القصة، ناهيك عن مصاعب الكتابة القصصية في أدب لم يعرف القصة أو الرواية بالشكل الفني الناضج من قبل. إن الطريقة التي روى بها السارد القصة في "إبراهيم الكاتب" وجعلنا ندرك من خلالها معاني القصة، هي المظهر نفسه الذي يطالعنا به الراوي في القصة الثانية "إبراهيم الثاني"؛ فالراوي في هذه القصة هو الكاتب نفسه الذي سرد لنا أحداث القصة الأولى وأفعالها، فهو يحكي دوماً من الداخل رغم غيابه. ويعرف كل شيء عن شخوصه، حتى ولو تعلق الأمر بسر أو شعور دفين؛ يخبرنا عن حوادث وقصص يعرفها دون أن يُقَدِّم مبرراً يؤكد صحة كلامه. إنه يعتمد على مصداقيته هو ككاتب، وليس على مصداقيته كراوٍ للنص، الذي يفترض أن يكون فيه ذا شخصية مستقلة، يتوارى خلفها الكاتب تماماً ولا يظهر، ولاسيما إذا كان هذا العمل الأدبي ليس سيرة ذاتية؛ لأن ظهور الكاتب وبروزه في العمل القصصي يُعَدُّ أمراً سيئاً ومعيباً للغاية(25). وما دمنا أمام قصص من نوع السيرة الذاتية فإن أمر الكاتب بات مكشوفاً حتى وإن بادر إلى نكران أن ما يكتبه ليس سيرة ذاتية. لأن تدخلاته في أثناء السرد، تفضحه بما لا يدع مجالاً للشك في أنه هو الكاتب، لغياب ما يبرر أقواله كراوٍ مستقل الشخصية أو محايد. وفي القصة الثالثة "ثلاثة رجال وامرأة"، يبقى الراوي دوماً كلي المعرفة، رغم غيابه، ويروي من الداخل، بضمير الغائب، بشكل لم يغيب صورة الكاتب؛ بل زادها بروزاً أمام انعدام المبررات الحكائية؛ فهو حين يصف مثلاً "محاسن" يستوقفنا عند صور ومناظر، لا يمكن لأحد أن يطلع عليها إلا إذا كانت له علاقة جنسية معها(29). ومع ذلك لم يكشف عن مُخبْره، لما يصفه أو يرويه، وهذا الإخبار لا يمكن أن يتم إلا من "الأستاذ حليم"، الذي كان يختلي بها، ويزني معها(27). وكذلك ينكشف الكاتب أمام كثرة تدخلاته المباشرة إزاء سرد الأحداث والأفعال؛ فهو لم يكتفِ بالنقل والوصف فقط، بل كان يتدخل من حين إلى آخر، ليعطي تفسيرات، وتبريرات، لا تخلو من التعاطف مع بعض الشخصيات، كما هي الحال مع "محاسن" التي أبدى تعاطفاً كبيراً تجاهها، عندما طردها مدير الشرطة "راتب بك" من عملها، يقول الراوي: "لو درت محاسن بما حاق براتب بك بعدها، لكان أول ما هو خليق أن يجري لها بخاطر. أن الله قد انتقم لها من هذا الظلوم الشرس الطويل اللسان، ثم لكانت حرية أن تبتسم ويدركها عليه العطف وتقول <<مسكين>>))(26). ويقول أيضاً: ((وهيهات أن يقتنع الشباب الغرير بأن لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع، وأن "ثمار الطيش" وصفة نافعة لمن يركب الحياة بجموح الشباب))(29). أو قوله في نهاية القصة: ((وكانت هذه هي البداية وهي حسب القارئ. وفيها عبرة كافية سقناها غير باخلين على من يطيل لسانه على البنات الطيبات))(30). وقد يحدث أن يظهر الكاتب بمظهر الراوي المستقل الشخصية، عندما يستوفي شروط الأداء، كما في مثل قوله: ((ولم تكن محاسن تبادل محموداً حباً بحب، بل لعلها لم تكن تباليه أو تعبأ شيئاً بإقباله أو إدباره، إذا صَحَّ ماكانت تفضي به إلى الأستاذ حليم حين يخلو لها وجهه))(31). فهنا نلاحظ بروز الراوي واختفاء الكاتب بشكل تام، عندما كان الإخبار مبرراً بوساطة. رغم عدم المصارحة المباشرة بذلك. مما يجعل الكلام مقنعاً، ويضمن لنفسه المصداقية من الداخل. وقد كان الراوي على تواصل تام بينه وبين القارئ، كما نتبين ذلك من افتتاحية القصة وخاتمتها؛ حيث كان خطاب الكاتب موجهاً إليه، من أجل أن يتيح له أن يرسم لنفسه صورة يؤلفها خياله مما توحي به الأوصاف التي يُقدِّمها إليه على حد قوله(32). ولتكون عبرة لمن يطيل لسانه على البنات الطيبات. أما القصة الرابعة "عود على بدء" فإنها تختلف عن القصص الأخرى من حيث راويها، وطريقة الحكي التي صيغت بها؛ فراويها بطل لا اسم له. يقوم بممارسة الحكي من الداخل، ويشارك في بناء أحداث القصة وتطوير أفعالها. إنه رَاو حاضر، يعرف أموراً كثيرة، مما يخوله التدخل والتحليل بشكل يجعله يوجه القصة كيفما شاء وأراد، مادامت أفعالها تتعلق به وتعنيه. ويجري حكيه بوساطة ضمير الأنا.((ولاشك في أن استعمال ضمير المتكلم هو مصدر راحة للكاتب الروائي في مجال التأليف، فهو أسلوب يتكون على هواه أو هذا ما قد يشعر به الكاتب، لأن البطل يمنح القصة وحدة غير قابلة للانفصال بمجرد عملية سردها... وحينما يروي الحكاية بنفسه فإن هذه الحقيقة من شأنها أن تؤدي خدمة بأن تدفع القصة إلى الأمام وأن الشخص الأول سيتحدث بشكل غير مترابط وسيقص علينا قصة مكونة من عدة شظايا ثم يعمد إلى إلصاقها بطراز معين كوحدة منفردة))(33). وهذه الوحدة المتماسكة التي تمتاز بها القصة التي تكون من هذا النوع. ترجع إلى أن أي جزء فيها هو على الأقل متّحد بكل الأجزاء بوساطة التوافق، مادامت في خدمة هذا الشخص الواحد، الذي هو البطل. ومعرفة القاص/الراوي، ورؤيته كجزء من القصة، هي أكثر إقناعاً من معرفة المؤلف؛ لأنه ـ أي القاص ـ هو الذي يحكي القصة ويبدع الصورة. وهو ما يجعلنا لا نَصْدُّ عنه لنواجه الكاتب، ونرقب التأثير الذي تحدثه القصة فيه؛ بل ينبغي علينا أن نركز الاهتمام كله في الحياة التي يتذكرها ويثيرها من خلال بطله، أو هذا الظل الفني، الذي في الواقع، قناع من أحد أقنعته التي يستطلع العالم من خلالها. وفي عملية القص بضمير الأنا، تنهض المسافة بين الراوي ومرويه. فالمسافة الزمنية التي خولت الراوي الحكي في قصة "عود على بدء" هي مسافة قصيرة كما نستشف ذلك من المتن؛ إنها مسافة انتهاء الزيارة وانقشاع الحلم. فهذا المد الزمني الذي انقضى، ترك للراوي مجالاً للرؤية والحكي والاسترجاع، بعد أن كان في أثنائه مجرد شخص يخوض نمطاً من العيش مع زوجته وابنيه وخادمته ومع كل ما تبدَّى له في أثناء حُلمه. الآن وبعد انتهاء هذا الدور، وتجمع أحداث وأفعال هذا الماضي القريب، وما أحاله عليه من استرجاعات نحو زمن بعيد، يشرع في الحكي من منظور نفسي، بتقنية متميزة، ومهارة عالية. نلمح فيها تقدُّم الأحداث بسرعة نحو الأمام، ومصداقية عالية، لأنه أعطى لشخوصه فرص الكلام، للتعبير عن ذواتهم بأنفسهم، وعزز بحضوره تدخلاته وبرَّرها من داخل النص. الهوامش والإحالات: 1 ـ توما تشوفسكي: نظرية الأغراض،ترجمة: إبراهيم الخطيب، ص 176. 2 ـ انظر: المرجع نفسه، ص 177، 178. 3 ـ بيرسي لوبوك: صنعة الرواية، ترجمة: عبد الستار جواد، بغداد، ص 133. 4 ـ المرجع نفسه، ص132. 5 ـ المرجع نفسه، ص 225. 6 ـ يمنى العيد: تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص 98. 7 ـ انظر: سيزا قاسم: بناء الرواية، ص 132، 133. 8 ـ انظر: بيرسي لوبوك: صنعة الرواية، ص125. 9 ـ المازني: المرأة في حياة الأديب، ضمن مجلة "الرسالة"، العدد 303، السنة السابعة 01/05/1939، ص849. 10 ـ المرجع نفسه، ص100. 11 ـ المرجع نفسه، ص 105. 12 ـ المازني: إبراهيم الكاتب، دار الشروق، بيروت، القاهرة، 1975، ص 15. 13 ـ المصدر نفسه، ص52. 14 ـ المصدر نفسه، ص51. 15 ـ المصدر نفسه، ص293. 16 ـ المصدر نفسه، ص125. 17 ـ المصدر نفسه، ص251. 18 ـ المصدر نفسه، ص09. 19 ـ المصدر نفسه، ص31. 20ـ المصدر نفسه، ص31. 21 ـ المصدر نفسه، ص50. 22 ـ المصدر نفسه، ص225. 23 ـ المصدر نفسه، ص249. 24 ـ المصدر نفسه، ص304. 25 ـ كولين بالي نقلاً عن نعمات أحمد فؤاد: أدب المازني، ص201. 26 ـ المرجع نفسه، ص201. 27 ـ انظر: يمنى العيد: تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص92. 28 ـ انظر: المازني: ثلاثة رجال وامرأة، ص9. 29 ـ انظر: المصدر نفسه، ص 24. 30 ـ المصدر نفسه، ص118. 31 ـ المصدر نفسه، ص51. 32 ـ المصدر نفسه، ص124. 33 ـ المصدر نفسه، ص12. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |