مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قصص العدد الماضي ـــ محمد قرانيا

ما يلفت النظر في قصص هذا العدد انصراف الكتاب إلى غرضين رئيسين؛ الأول يتّجه إلى الهمّ السياسي والإداري العام الذي يقضّ مضاجع المثقفين في الدول النامية، ترسم ملامحه قصتا إبراهيم خريط، ومحمد رؤوف بشير، والثاني الهمّ الجنسي أو العلاقة بين الذكورة والأنوثة، حيث يحظى بالحيّز الأكبر، وهنا يأخذ القارئ العجب، ففي الزمن العربي المسكون بالوجع المتواصل، يدير الكتّاب ظهروهم لهذا الواقع، ويعودون في معظم قصص العدد إلى العلاقة الأزلية بين الذكر والأنثى، وكأنهم يجعلون من الجسد الأنثوي بديلاً للخيبات المتلاحقة التي تصيب جسد الأمة، وقد تبلورت الحركة والعلاقة في السرد القصصي وفق الرغبات الشبقة، وقِيَم المجتمع الاستهلاكي، مبتعدةً عن الإطار الطبيعي للهدف الذي خُلق الإنسان من أجله، أو كما قال "د. عبد الله الغذامي" خارج اللغة، حيث "راح مسار اللغة الثقافي، ينطلق بعيداً عن أصله المؤنث، فتحوّلت المرأة إلى (موضوع) ثقافي، ولم تعد "ذاتاً" ثقافية أو لغوية. راح الرجل‏

يرسم المرأة، وينقشها في صورٍ خياليّةٍ، تواترت عليها الأزمنة حتّى ترسّخت، وكأنما هي الشيء الطبيعي، وفي هذه الصورة جرى تضخيم الجانب الحسّي في المرأة إلى أن تحوّلت إلى مجرّد جسد شبقي. ليس له وظيفة، سوى إثارة الرجل وإغرائه". "على اعتبار أن (تاء التأنيث) جاءت كتزيينة للفعل (صفة الذكور) أو عالة عليه، وتُؤََمّن لهذا الفعل أريحيةَ وجودِه، بشكل من الأشكال، في وقت يكون هذا الفعل ـ وهو الأكثر ـ ولن يكون التذكير أصلاً إلاّ إذا صار التأنيث فرعاً، ومن هنا، فإن (فلان) وليس (زوجة فلان) إن كنت تتحرّى الفصاحة والأصالة. "وهذا ما تجلّى في قصة سمفونية الزمن، لـ"محمد أحمد سوسو". حيث برز الضعف الإنساني الذي يسم حياة المرأة في المجتمع الأبوي بأبهى مظاهره.‏

ضمّ العد 392 لشهر ‏كانون الأول‏ من عام 2003 من مجلة الموقف الأدبي القصص الآتية‏

1ـ جدو...والبحر، لـ"مصطفى حقي".‏

2ـ الأقنعة، لـ"نزار عابدين".‏

3ـ الهاوية، لـ "إبراهيم خريط".‏

4ـ تلك البيضاء الكحيلة، لـ"يحيى خضور".‏

5ـ ربما، لـ"نصر معيوف".‏

6ـ سمفونية الزمن، لـ"محمد أحمد سوسو".‏

7ـ من مذكرات رجل لم يولد، لـ"محمد رؤوف بشير".‏

أولاً: قصة (جدو...والبحر) لـ(مصطفى حقي):‏

تبدأ القصة بسرد الهموم الأسرية، التي تكاثرت على الأبوين عندما صار الابن في الثانوية، لذلك عمدت الأسرة إلى الاقتصاد في نفقاتها، فانقطعت عن تقليدها السنوي في الاستجمام البحري، إلى أن كبر الأولاد، وبقي الأب والأم كما ابتدأا، لذلك داعبهما الحنين للعودة إلى البحر، فانطلقا إلى (الشاليه) بعد انقطاع طويل، وهناك تنداح ذكريات الأب.. يتذكّر شبابه، وألعاب أولاده وصخبهم، وكيف آل بهم الزمن بعد أن كبروا، ومعاناته من كثرة الأولاد، وهاهو في منتجعه يجد نفسه منشغلاً بهم، رغم أنه قرر مع زوجته اغتنام فرصة ابتعاده عنهم لقضاء أسبوع‏ استجمام مريح.‏

تتزايد هموم الأبوين وهما يستعرضان واقعهما ويعانيان من وحدتهما، فالأب لم ينزل إلى الماء في الصباح كما كان يفعل في شبابه عندما كان أطفاله حوله، واكتفى بالنرجيلة والشرب القليل، والابتعاد عن الزوجة، مما زاد من شعوره بالفراغ، الأمر الذي لم يعد يقوى على الصبر عليه، فانطلق إلى الهاتف لدعوة ابنته مع حفيده. لكنها اعتذرت رغم إلحاحه.‏

تؤرّق الأب مشاعر الوحدة، بسبب انصراف الزوجة عنه في السرير، واعتذار الابنة عن القدوم، ورؤيته الأطفال يزرعون الشاطئ ويقلقونه بصخبهم المفرح، فيلجأ ـ للخروج من وحدته الموحشة ـ إلى قراءة رواية، يندمج في أحداثها، ويعانق بطلتها عناقاً ضخّمته الزوجة بشخيرها: "عانق بطلتها بإعجاب شديد، وضمّها إليه بشغف، ووجد نفسه معها متحرراً من نواميس البيئة المتسلطة، ومارس معها كل أنواع الحب، واستيقظ وهو يضم الكتاب، وشخير زوجته يملأ المكان..."‏

يقودنا هذا المقبوس إلى عالم الحلم الذي يحاول فيه الرجل أن ينفث عن كبته، في اندماجه بالقراءة و العيش في النوم مع أنموذجٍ أنثوي كان بديلاً للزوجة التي أدارت ظهرها للزوج في الفراش... ولعل ذلك يحمل مؤشراًَ على أن الرجل لا يمكن أن يتخلى عن هذه العلاقة الأزلية التي تجذبه إلى الأنثى جذباً شبقياً، إضافة إلى الجاذبيات الأخرى على الرغم من تقدّمه في السن. وقد وقفت الروائع القصصية والروائية عند هذه المسألة، كما في شخصية "أحمد عبد الجواد" في ثلاثية نجيب محفوظ.‏

يتوقف الكاتب ملياً عند هذه النقطة التي تشغل تفكير الرجل والمرأة على السواء، فيصوّر برودة الزوجة وانصرافها عن الذكر، وتأثير ذلك على نفسيته، ثم يعرض لتغيّر حال الزوجة في الليلة الخامسة من الرحلة، وانقلابها من أنثى باردة عاطفياً إلى أنثى أخرى تضجّ بالحيوية والأنوثة والرغبة:‏

"لقد زال الاكتئاب الطارئ عن شريكة حياته، فإذا بها في أوج نشاطها التفاؤلي، ومسحت وجهها بأدوات الزينة حتى غدت ابنة أربعة عشر، وارتدت ثوباًَ فاضحاً بانتظار فارس على حصان أبيض، واحتفالاً بهذه المناسبة شرب الفارس عدداً من الكؤوس...وداخ، ولم يصح إلاّ ظهر اليوم التالي يشكو الصداع والخيبة" وهنا تبرز مشكلة عجز الذكورة، وانهزامها أمام الجسد الأنثوي، والكاتب في تعرّضه لهذه النقطة الساحقة في حياة الرجل التي وصل بها إلى مرحلة بالغة الحساسية في حياة الرجولة، إنما يضع القارئ أمام لحظة فلسفية لا يمكن تجاهلها؛ لحظة انهزام الذكورة أمام رغبة الأنوثة، والتي توقف عندها الفلاسفة، حين فكروا في اختراع أكسير الشباب، ولكن هيهات!.‏

لم تقصد القصة إثارة هذه اللمسة الإنسانية لتجعل منها غرضاً قيمياً من أغراض القصة، وإنما سعت إليها في السياق العام بغية إعطاء صورة واقعية عن حياة الرجل والمرأة في مرحلة متقدّمة من العمر، ومع ذلك فقد أثارت هذه النقطة جوهر العلاقة الأزلية، في مجتمع أبوي له تقاليده الراسخة، فالزوج حين يريد لقاء الزوجة في السرير ويجدها تبدي عدم رغبتها، لا يقرّ له قرار، فيستعيض عنها بالخلود إلى أنثى الرواية يستمدّ منها ما افتقده مع زوجته، ولكن عندما انقلبت الحال، ورغبت المرأة، صدمت بخيبة الرجل في السرير وهي في أوج الرغبة، ولم تجد ما تعوّض به عن خيبة هذه اللحظة، التي قال عنها أحد الكتاب إنها تشبه خيبة قائد عسكري في موقعه مصيرية!.‏

لقد جسّدت القصة النهاية الإنسانية التي تنتهي بنا إلى اللاشيء، فلا تنفعنا الأحلام ولا الروايات، وإنما هي الحقيقة الناصعة التي تجابهنا في نهاية المطاف، وما رحلة العمر في هذه الحياة إلاّ كرحلة هذين الزوجين إلى البحر في هذه الحكاية... يحلمان ويأملان ثم يحزمان أمتعتهما في النهاية، ويعودان... وكأن الحياة حصاد هشيم وقبض ريح. وقد كان الكاتب واعياً لفنية القص، مما جعل القصة ترفل بتماسك وترابط، تسلمنا فيها البداية إلى النهاية بنمط عفوي بعيد عن المباشرة، منح القصة جاذبيةً مميزة، تنمّ عن خبرة وتمرس في كتابة هذا الفن‏

ثانياً: قصة (الأقنعة) لـ(نزار عابدين)‏

تعزف قصة "الأقنعة" على الوتر نفسه الذي عزفت عليه القصة السابقة، بصورةٍ من الصور، فتعود إلى العلاقة الأزلية بين الذكورة والأنوثة، ولكن بمنظار آخر من مناظيرها المتعددة، فيقف الكاتب على أنماط من الثقافة التي سيطرت على عقول الشخصيات، جسّدها في لقطات حية، أو مجموعة أقاصيص قصيرة جداً، ففي اللقطة الأولى "الدمية" التي تشبه المشهد المسرحي، يبرز الخلاف الفكري بين شاب‏

يهوى الكلاسيكيات في الأغاني واللوحات التشكيلية، وبين الفتاة المنفتحة على عالم الحداثة، أو العولمة، التي لا تنفق مع رؤية الشاب، ولا تنسجم معه، وهما في مشروع خطبة وشراكة، فتعلن أنها تحب الغناء الحديث. عندئذ يتضح عمق الهوة التي تفصل بين الثقافتين، فيقرر الشاب الافتراق.‏

وفي المقطع الذي يحمل عنوان (السيدة حنان) يحاول الكاتب أن يظهر عمق هذه الهوة من خلال اعتناق السيدة أفكاراً ورثتها من التقاليد الاجتماعية، وسكنت في وعيها بغير محاكمة، إذ تعتقد أن صوت المرأة عورة، إلاّ أنها لا تعدّ انفتاح صدرها وما يضم، وانكشاف فخذها وما حوله عورةً، وهنا تبرز المفارقة الحادّة بين الاعتقاد والسلوك، أو النظرية والتطبيق، حيث تبدو ضحالة ثقافة المرأة، لأن ما وعته من الموروث لم ينفعها في فهم معنى العورة: "انحنت إلى الأمام لتأخذ فنجان الشاي، فظهر النصف الأعلى من نهديها، وتمنى ـ الرجل ـ أن تنحني أكثر ليرى إلى أين يصل النظر في الانخفاض بينهما، ثم اعتدلت، وردّت شعرها الناعم الطويل المصبوغ بلون الذهب بعد أن نزل على عينيها، ولفّت ساقاً على ساق، فلمح بياض فخذها، واستشعر أن ذراعها ليست في مثل بياض الفخذ لكنه ردّ ذلك إلى أن الشمس لوّحت ما تحت الكتف، فقد كان ثوبها دون كمُّين".‏

إن المفارقة جلية بين الوعي واللاوعي، بين الثقافة التي ترى صوت المرأة عورة، ولا ترى غضاضةً في عري باقي الجسد المكشوف، وكله عورات!.‏

ويحاول الكاتب تكملة صورة ما يمكن أن يطلق عليه (امرأة التسعينيات) في الرواية والقصة العربية، ففي المقطع الذي يحمل عنوان "الخطان المتوازيان" تغدو العلاقة بين الزوجين علاقةَ عادةٍ اقتضتها طبيعة الحياة الاجتماعية، علاقة لا تقوم على أساس متبادل من الحب والتفاهم والشراكة، وإنما كانت علاقة واهية، قوامها البحث عن اللذات خارج مخدع الزوجية، فتتحول العلاقة إلى الندية السلبية المطلقة، والتعامل بالمثل، فإذا ما خان الرجل زوجته، قابلت الزوجة الخيانة بالخيانة، وغدا الزوجان غريبان على السرير.‏

وفي المقطع الرابع "غرباء" يقف على صورة أخرى للخيانة الزوجية، فالزوجة الفاتنة الجميلة رغم أنها تحب زوجها إلاّ أن هذا الحب لا يقف حائلاً بينها وبين لقاء صديق، تأتي إليه، وتنام معه عارية، وعندما يسألها الصديق عن الزوج تنبري للدفاع عن شهامته، عندئذ تنتاب الصديق مشاعر النفور والغربة فيطرد المرأة بأدب.‏

في المقطع الخامس "شجيرات الرمل" تتداخل شبكة الخيانات، فتخون الزوجة زوجها مع صديقه، والزوج يخون صديقه مع زوجته، وهكذا تتبادل الشخصيات الخيانات، وكأن المجتمع الذي نعيش فيه فقدَ أدنى سمات خصوصياته...‏

في المقطع السادس "صورة أخرى" من صور الخيانة، حيث تجد الزوجة في كلام العشيق الشاعري عالماً آخر يرفعها إلى مصاف المتعة الخالدة، لم تسمع مثله من زوجها النجار، وهنا بدا لها الفرق شاسعاً بين عاشقٍ يجيد تفجير رغبات الجسد الأنثوي بألفاظ الغزل الساحرة، وزوجٍ لا يجد فيه إلاّ فجوة للامتلاء، ونتيجة للمقارنة بين الرجلين تقرر طلب الطلاق لتتفرّغ للحبيب، بعد أن منحته جسدها ومالها، وما إن تشبع رغبتها حتى تكشف لها الأيام أن العشيق قد تحول إلى نجار آخر، وبات لزاماً عليها أن تشتري حريتها منه بمال النجار الأول.‏

إن الصورة الأنثوية التي جسّدتها القصة تعبّر عن مدى الانحلال الخلقي الذي وصلت إليه العلاقات الزوجية في المجتمع العربي، الذي يعيد للأذهان مجتمع الجواري في "ألف ليلة وليلة" وقد أحسن الكاتب حين شذّ بعض الشيء عما عزفت عليه الرواية العربية التي جعلت جلّ همّها الأول إظهارَ علاقةِ الرجل بالمرأة على أنها علاقةَ قوامةٍ ووصاية في مجتمع أبوي، صُوّرت المرأة فيه ضحية للعادات والتقاليد، وأنها الضلع القاصر الذي يجب تقويمه. لكن التفاتة القصة إلى الجانب الآخر من العلاقة أعاد إلى هذه الحقيقة شيئاًَ من التوازن في الطرح، فالمجتمع الذي طالبت فيه الروايات بتحرير المرأة، وتحرير جسدها من العادات التي تسربلت بها، قد أنتج هذا النوع من النساء اللواتي لم يكنّ دمىً ولا ألعاباً في يد الرجل بقدر ما كنّ متحررات بأجسادهن، وتزخر عقولهن بثقافة مجتمع الحداثة التي عبر عنها "خيري الذهبي" في رواية "ليال عربية" على لسان بطلة روايته: "أنتم أيها الشرقيون أكبر مدّعين في التاريخ. حشوتم أذهاننا بحرية المرأة، وعدالة قضيتها، ووجوب تحريرها، فلما فعلت ذلك، أخذتم تسعون وراء تعهيرها، وتشييئها...وراء تحويلها إلى واسطةِ متعةٍ، تلقونها بمجرّد أن تنتهوا منها" ص(155).‏

ثالثاً: قصة (الهاوية) لـ(إبراهيم خريط)‏

تعود القصة بالقارئ إلى الواقع السياسي في دول العالم الثالث، حيث تتضخّم كتلة الأنا التي تتسنّم قمة الجموع حولها، بينما يتضاءل ما عداها حتى يغدو لا شيء... وتغدو العلاقة بين الرأس/ الرجل الكبير والسيد الآمر الناهي، وبين المجموع علاقة سيد بعبيد، مما دفع بعضهم للتقرّب من الزعيم والتزلّف إليه، ومن ثم التنكيل بالمعارف والأقارب والأصدقاء، لينتشر الخوف ويعشّش الفزع الأكبر في القلوب، وينتهي الحال بكثيرين منهم إلى الأقبية، أما مَن والى السيد الآمر الناهي، فكان ولاؤه كاذباً ووفاؤه زائفاً، تنطلق الألسنة بما لا يعبّر عن المشاعر، والذين عبّروا عن رأيهم الحقيقي صنّفوا في صفوف المعارضة "فقيّد أيديهم وأرجلهم، ونادى على أزلامه، وأوحى إليهم أن يصدروا حكماً بحقهم، فردّدوا دون تفكير، وبصوت واحد مسجل بآلة تعمل بالضغط على أزرارها، وتكرر العبارات ذاتها:‏

جزاؤهم الموت، والموت لكل من تسوّل له نفسه أن تخالفك أو يخرج عن طاعتك.."‏

إن القصة ترمز إلى الزعامات الفردية في حياة الشعوب، حيث ينقاد فيها المجموع قطيعاً وراء هذه الزعامات الهشة، حتى إذا ما سقط الرأس تشتت الجمع، ووقع في حيص بيص، فلم يعد أحد يبصر طريقه، أو يعرف شيئاً عن مستقبله المجهول، وهذا ما حدث حين قضى زعيم القصة نحبه، فعلى الرغم من أن الجميع ارتاحوا لرحيله إلاّ أنهم حين انفضّوا عنه، برزت لهم عيون وحوش برية، واخترقت سكون الليل أصوات الثعالب والضباع والخنازير وبنات آوى..‏

القصة واضحة الرمز وهي من صميم الواقع العربي الراهن.‏

رابعاً: قصة (تلك البيضاء الكحيلة) لـ( يحيى خضور).‏

تجابه القصة قارئها بمدخل غير تقليدي، إذ تضع هذا القارئ مباشرة في جو الحدث؛ من غير تمهيدٍ أو مقدمة، فالشاب الذي أُعجب بجمال الفتاة في السيارة، يعترف منذ الوهلة الأولى بأنه لم يماطل، فقد ملكت الفتاة وعيه، واكتسحته بلا هوادة.‏

يندفع السارد وراء الجاذبية الأنثوية، فتسحره رفّة جفنها، لذلك يحلّق معها في عالم آخر، وهو يرقب حركاتها وهمسها وحديثها مع رفيقتها "تحدثت مع رفيقتها مما أتاح لي التمرئي بصفحة خدها وعنقها‏

والتمرجح أيضاً برموشها الكحيلة السابحة كمجرة".‏

يعود الكاتب إلى العلاقة الأزلية بين الذكورة والأنوثة، فيقيم عليها بنية القصة الأساسية، إذ يتمّ التجاوب بانجذاب القطبين، فيصبح للعالم معنى آخر... يلتقيان على الأرض، ويتحدثان وهما يسيران معاً... عندما كان يراقبها في السيارة تمنّى ألاّ تتوقفّ الحافلة، وتظل سائرةً إلى ما لا نهاية، وعندما سار معها تمنّى إلاّ ينتهي الطريق، وحين التقاها في الخلوة لم تنتهِ الحياة، وإنما تحوّلت إلى ذكرٍ وأنثى، وماء وحياة...‏

إن القصة تعيد إلى الأذهان فطرية الحياة، حيث كان الرجل وكانت الأنثى، وكان كل شيء جميلاً... الحياة حلم يثمر لقاءً شاعرياً لذّياً ممتعاً، ولا شيء سوى ذلك... وهذا ما جعل الكاتب يُغرق قصته في شاعرية السرد بما يناسب سنّ الصبا للشخصين، فأجاد في توصيف حالتهما العاطفية، لكن هذه الشاعرية في السرد كانت على حساب الحدث الذي لم يأخذ بعده الواقعي، فالحياة لا تبدأ بـ"نظرة فابتسامة" وتنتهي بـ"موعد فلقاء" وإنما هناك جوانب واقعية أخرى أحرق فيها كتّاب القصة والرواية المراجل، وهم يصوّرون عواقب هذه العلاقات العابرة السريعة، فلم يكتفوا بتسليط الأضواء على النواحي الإيجابية العاطفية، وإنما تابعوا ذلك إلى ما ينجم عن هذه الجوانب وهذا ما لم تحسب له الفتاة في القصة أيّ حساب، مما انزاح بالعلاقة عن أرضية الواقع العربي ذي الخصوصية الاجتماعية المرهفة، إلى مجتمع تسود فيه قيم ما بعد الحداثة، التي بسطت بصماتها على بعضٍ من العلاقات في حياتنا، والتي يعيش معتنقوها في مجتمع هو أقرب للغرب منه إلى الشرق... يحب الفتى وتحب الفتاة ويلتقيان، ويرتوي الجسدان بلا قيد أو شرط!.. كالذي قرأناه في قصة "الأقنعة" قبل قليل، والذي عرّى فيها "نزار عابدين" هذا اللون من اللقاءات.‏

إن القصة تدين بعوامل نجاحها إلى أسلوبها، لولا أن الكاتب تمادى في معرفة كل شيء يخص الشخصية المحورية وكشفه، فالسارد الذي وقع في حب الفتاة من النظرة الأولى في السيارة، كان طبيعياً أن يدع نظره "يتمرأى بصفحة خدها وعنقها ويتمرجح برموشها الكحيلة" لكن الذي بدا نافراً وغير طبيعي أن يسمع حديث الفتاتين في المقعد المجاور، ويصل إلى سمعه رغم انطلاق السيارة وتوقفها لترجل الفتاة، فلا يضيع منه حرف واحد، رغم أن الحديث بين فتاتين في مكان عام لا يكون عادة إلاّ همساً، ومع ذلك فإن أذن العاشق وعت جميع ما باحت به الفتاتان، وكأنهما كانتا تتحدثان عبر "ميكرفون" و"مضخم صوت.!" :"إذاً يا وعد نلتقي غداً الساعة /9/ في بيت خالتي، لا تنسي دفاتر الفيزياء، المنقولة من فم الأستاذ مباشرةً، فالامتحان على الأبواب، إلى اللقاء".‏

إن كتّاب القصة والرواية على اختلاف مشاربهم راعوا رهافة العلاقة بين الشاب والفتاة في المجتمع العربي، ووقفوا عند أمور كثيرة مسكوتٍ عنها في العلاقة وقضايا الجسد الأنثوي تحديداً، فـ"هاني الراهب" على الرغم من نزعة الشخصية التقدمية "أسمى" في رواية "ألف ليلة وليلتان" التي اقتحمت غرفة جارها الأرمل /الطبيب "شيش بيش" وقدّمت له جسدها، كان الكاتب واعياً لخصوصية هذا المجتمع، فجعلها تحسب حساب العاقبة رغم اندفاعها المجنون لممارسة الجنس، وتقول له: "انتبه. أريد أن أبقى عذراء مع أن نساء رواية "المهزومون" كن أقلّ من ذلك وعياً، وأكثر جرأة من "أسمى" وهن على الرغم من أنهن ريفيات إلاّ أنهن بانتقالهن إلى المدينة تجاوزان الحدود، فتحللن، وأبحن أجسادهن للأصدقاء، وكانت شخصية "وعد؛ تلك البيضاء الكحيلة "أقرب إليهن منطلقاً. مع أن "الراهب" علل أسباب اندفاعهن نحو متعة‏

الجسد، بينما ظلت البيضاء الكحيلة من دون تعليل، وربما كان للكاتب قصد آخر لم أقف عليه، مع أنني قرأت القصة أكثر من مرة.‏

خامساً: ربما...لـ(ثامر معيوف)- العراق:‏

في معاناة الإنسان بسبب قيود الحصار الساحقة، وهو يرى الموت بأم عينه كل ساعة، يحاول التشبّث بالحياة، فلا يجد ثمة أفضل من لقاء الذكر والأنثى في زحمة هذا الصخب القاتل، لتأكيد إحساس المرء بأنه لا يزال حياً؟!.‏

إن الفتاة التي تودّع من تعرفهم كل لحظة لأنها تخاف ألاّ تراهم ثانية، تندفع نحو الذكر لعلها تشعر في كنفه بالأمان، فيكون الجنس بديلاً للخوف، وتكون نهاية المتعة سكينة وانتظام أنفاس." وقف متلعثماً بأول أسئلة الرغبة، ثم نطق، هو الذي يقولون إنه لا يفعل أي شيء وهمس بوجع فيه صوت: أليس جميلاً أن نخرج من هنا؟"‏

تبدو الأنثى في زمان الانتهاك هي الوطن المنتهك، فكما يحتل الغرباء الوطن، ويجرّون آلياتهم على أرضه من دون أن تدري عدد العابرين فوقها، كذلك الأنثى المنتهكة لا تدري عدد العابرين على جسدها، فهناك آخرون أيضاً "تركوا آثارهم على مساماتها، فعلوا ذلك ورحلوا حتى إنهم أصبحوا بلا عدد... همهموا. شخروا. مثل ثيران في الهياج. لم أسمعهن إلاّ وهم ينتفضون أحياء على شفا البرودة.. كانوا يستعدون لتعديل هندامهم... يجمحون مثل أحصنة تائهة.."‏

إن الماضي يبسط سلطانه على شخصيتي القصة الرجل والمرأة، فتنعكس عليهما أوجاع المرحلة، ويتجلى ذلك في عجز الرجل/ الزوج في الفراش، فما إن تحاول الذكورة الوصول إلى جسد الأنثى حتى ترتدّ خاسئةً وهي حسيرة، مما يُضطر كل واحد منهما لاستحضار البديل، هو يستحضر امرأة في خياله بداري بها خيبته، وهي تستحضر فحلاً في خيالها تنأى به عن رجلها المهزوم "ثم ننظر من بعيد إلى جسدينا... ننظر إلى فعل اتحادنا المبتور، ونتسابق في الحلم، يكثر الآخرون والأخريات بيننا" إن العجز الذي يلفّ الزوج تنتقل عدواه إلى الزوجة وإلى العالم من حولهما، فيلفّ العجز جميع الموجودات، ويغدو الجسد الأنثوي المنتهك رمزاً حياً لجميع انتهاكات الوطن، فـ(الأرض) في الرؤية العربية كـ(العرض) كلاهما يعني الحياة، وفَقْد أحدهما يعني الموت.‏

سادساً: سمفونية الزمن، لـ(محمد أحمد السوسو)‏

تضعنا القصة وجهاً لوجه أمام فتاة موهوبة حرصت على تثقيف نفسها ثقافةً فنية، فأجادت "لينا" العزف على البيانو بعد أن اجتازت المراحل التعليمية التي كانت تحسبها شاقة، حتى حصلت على شهادة المعهد الموسيقي بتفوقٍ، أهّلها لدخول (الكرنسيرفتورا) للحصول على الشهادة العالية، مما جعلنا كقرّاء نتعاطف معها بوصفها أنموذجاً أنثوياً يعمل على تثقيف نفسه.‏

ترسم القصة ملامح هذه الشخصية المتطورة فتقف على مشاعرها الداخلية، وتسير معها في تدرجها عبر مراتب الرقي الفني، حتى إذا بلغت شأواً في عزفها، داخلها شيء من الغرور المعرفي جعلها تجنح إلى اللهو قليلاً، حتى إذا ما التفت "فؤاداً" الشاب الأجنبي الشرق أوسطي، نشأت بينهما علاقة حب عذري، ما لبث أن تمخّض عن زواج مبكر، انعكّس في البداية على دراستها الموسيقية وفنها، لكنها استطاعت في النهاية أن تتجاوز ذلك وتحصل على الشهادة العالية، وسط مباهج الأهل، باستثناء الزوج الذي بدا له الأمر عادياً.‏

تغرق القصة في متاهة الزمن الذي تسير فيه الفتاة في دروب العمر كما تسير كفنانة موسيقية، جملةً فجملةً في ارتقاءها الفني، فتنتقل إلى بلد الزوج، وتنجب ويكبر الأولاد، ثم يتفرقون في دروب الحياة... ثم يبرد الحب ويخبو وهجه بين الزوجين، إذ تكشّفت نوايا فؤاد الخبيئة، فتسوء العلاقة، وتضعف السمفونية. وتتداخل أنغامها حين يتزوج فؤاد امرأةً أخرى، ويطلّق لينا.. ثم يعود أولادها الشباب، فتسعد بهم "الأول يتأبط ذراع زوجته، والثاني حاملاً شهادته الجامعية والفرح يملأ وجهه، أما ابنتها البكر فدخلت مع زوجها وطفلها الصغير" حينئذٍ تعود إليها الابتسامة، وتجد فيهم تعويضاً عما افتقدته في الزوج، وتعود إلى سمفونيتها متناسيةً ما فعله الزمن بها..‏

القصة من الناحية الفنية تجاوزت بعض شروطها، إذ تمدّد الزمن، وتعددت النقلات والأحداث، فبدت أشبه بملخص رواية، نظراً لترهل الزمن الذي حاول الكاتب أن يُحمّل العنوان خصوصيته، بوصف العنوان قمةً لهرم النص، ومحفلاً يسوّغ الدواعي التي جعلت النص يدور في فلكه ويعللها، على الرغم من حرص الكاتب على أن تسير حياة الأنثى مترافقةً مع تطورها الفني، ومع ذلك، فإن ما يثيره المضمون حول علاقة الذكورة بالأنوثة، يعود ليؤكد ضعف الأنوثة في المجتمع أمام عَنَت الرجولة، وأن العلاقة لم تقم بين الزوجين على الندية والمساواة، واعتراف كل واحد منهما بحق الآخر، وإنما كانت علاقة ضعف وقوة، استغل فيها الرجل ضعف المرأة وغربتها ومالها، وحقَّ العصمة... وبدت علاقةً خاضعةً لميول الرغبة من طرف الزوجة، والمنفعة من طرف الزوج، الذي جرّد الأنثى من جميع قيمها المعنوية، وتجاهل هوايتها الفنية، وذوقها المرهف، ونظر إليها على أنها جسدٌ مثير يرتوي منه إلى حين، وسلّمٌ يطأ عليه للصعود، ومغنم يحقق له الثروة، فأُجحف حقّها، وأُغفل حضورها الفكري والثقافي، وتنكّر لمعنى إنسانيتها الجوهري، فطلّقها ورماها وحيدةًَ مجرّدة من كل شيء، حتى يخيّل للمتلقّي أن الرجل على الرغم من أنه مثقف، يخرج من جنسه الإنساني، ليدخل في طور (التاجر النفعي) ويعود بالعلاقة الإنسانية من مواقعها الحضارية المتقدّمة مع امرأة فنانة مرهفة المشاعر والأحاسيس، إلى عصور من التخلف، يمكن أن نجد مثيلاً لها في أوساط العامة.‏

سابعاً: من مذكرات رجل لم يولد، لـ(محمد رؤوف بشير):‏

تتلبّس شخصية هذه القصة حالة الإنسان (الميت الحي) الذي يسمع نعيه من المئذنة، ويعاين بنفسه طقوس تغسيله وتكفينه وحمولة نعشه والصلاة عليه في المسجد، حتى يشهد مراسم الدفن...‏

يبدو واضحاً أن هذه الحالة التي تلبّست الشخصية المحورية قد عمد إليها الكاتب عن قصد ليمرّر من خلالها عدداً من العادات التي تصاحب هذه الحالة، وما يلاقيه المواطن العادي في محيطه، فيعمل على التعرية، والكشف عن بعض الأبعاد السلبية، كهجرة أبناء الجيل، وتفاقم الفساد الإداري الذي ينعكس سلباً على المواطن، فالميت الحي الذي يريد أن يتأكّد من حقيقة حياته أو موته، يذهب إلى دائرة الأحوال المدنية، فلا يلبي الموظف طلبه إلاّ بعد أن يدسّ في يده قطعةً نقدية، يتلقّفها الموظف بخفةٍ ورشاقة.. ثم يواصل الكاتب نقده للعادات والتقاليد، التي تنظم الطقوس التي ليس لها أصل. إن أهمّ ما ترمز إليه القصة، هو حرصها على هذه الحالة (حالة اللا حياة واللا موت) التي يمرّ بها الإنسان، وهو يعيش في وطنه مهملاً، وكأنه ميت ولكنه يعاني ما يحيق بالأحياء المسحوقين، فلا يملك إلا أن يقرأ الفاتحة على روحه، في إشارة إلى الفوارق الاجتماعية التي تفرّق بين مواطن ومواطن في بلد واحد، ويُكال فيه بمكيالين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244