مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

... المثقف والموقف القومي ـــ د.وليد مشوِّح

انصب همُّ المثقف في البداية على مشكلات المجتمع، ودأب على الارتقاء به بعد تشخيص علله، ثم توزع ذاك الهمُّ على تقويم السياسة ورسم الطريق الصحيحة لمسارها، وما إن برزت المحاولات المحمومة لاغتيال المشروع القومي في ظل الهزائم والانكسارات والنكوص والتشظي حتى تحوّل المثقف العربي إلى مقاوم لعوامل السقوط في وهدات اليأس، وغيابات الضياع.‏

ولمّا كبرت التحديات تحوّل المثقف إلى حادٍ، ومنوِّر، وراصد، ومقاوم، ومصلح، أي أنه ورث الأدوار كلها، فثقلت أعباؤه الفكرية، وتراكمت همومه الجمعية، مع شيء من الإرهاق في الهم الفردي، فهو في حال معيشية غير جيدة، بل هو يعاني قلق الجوع، وافتقاد الطمأنينة، وعدم الاستقرار. لكنه بقي في وسط الحدث الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ملتفتاً نحو جميع الجهات، متمسكاً بأزمنة الفعل، الماضي، الحاضر، المستقبل، ساعياً لامتلاك الفعل الآمر، كبديل عن سياسي انحرف، وسياسي هرب، وسياسي سقط، وسياسي تخلى عن كرامة أمته وشرفها، وآثر الانضواء تحت هيمنة الأقوى المفترض‏

والمفروض.‏

وقد راهن بعضهم من اليائسين واللا أدريين على موقف المثقف العروبي، فأرادت فئة منهم تجزئته، وتصنيفه؛ فمنهم من نجّم، فخمّن، أن يتحجر المثقف في خريف الماضي، ومنهم من رأى هروبه إلى فيء الدعة والسلامة في صيف الحاضر، ومنهم من توقع انطفاء نجمه في هبوب سموم العولمة الجائحة، وآخرون رأوا أنه سينسحب إلى فسحة قطرية ضيقة غير مبال بالمسائل القومية.. وهكذا تمّ الرهان على تضيّق حيّز المثقف، وبالتالي تلاشيه، بينما ستنتصر السياسة الراهنة، المرتهنة، ويقرر الرأسمال ثقافة السوق الاستهلاكية.‏

ولكن ـ حالما ـ اجتمع المثقفون على مشارف ثقافة التغيير التي باتت أكثر حاجة إلى تجديد الخطاب الثقافي، وتغيير الغاية الثقافية؛ متى كذب المنجمون ـ المقامرون ـ الشكّاكون ـ الغمّازون ـ اللمّازون.‏

ففي المؤتمر الثاني والعشرين للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي التأم في الجزائر في الفترة الواقعة ما بين 20 و25/12/2003، كان المثقف موقفاً قومياً، بل هو الباني للموقف القومي، وقد دللت المناقشات والمحاورات، والأطروحات التي دارت في القاعات التي شهدت فعاليات المؤتمرين؛ أن المثقف ملتزم بقضية أمته، مراقبٌ واع لحراك السياسة القطرية، وغائيات القوة الجائحة.‏

ومما برهن على وعي المثقف العربي وفاعليته، وإرادته في التغيير ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، الذي تلي على جمهور حاشد من المثقفين، واستقبل بحماس منقطع النظير:‏

شعار المؤتمر والذي اجتمع المثقفون في ظله كان في غاية الأهمية والحساسية؛ "ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة"، حيث اختير الموضوع في ظروف تمر بها أمتنا العربية ليشير إلى وعي الكتاب والأدباء العرب بضرورة التهيؤ والاستعداد لمواجهة التحديات التي يفرضها التحول المتسارع في عالم اليوم، بما تتطلبه هذه التحديات من حضور فاعل، وتأثير إيجابي لبلورة المشروع الثقافي العربي القادر على المجابهة والدفاع عن هوية الأمة العربية الماجدة وقضاياها وحقوقها المشروعة في الحرية والسيادة والحوار المتكافئ مع مختلف مكونات الثقافة الإنسانية والمجتمع الدولي.‏

أدان المثقفون العرب ازدواجية الخطاب الدولي ومتناقضاته في طرح ثقافة السلم والحرية والحوار من جهة، وفرض الأنماط السياسية والفكرية من جهة ثانية. كذلك أعاد المثقفون التعريف الدقيق للإرهاب، وفرّقوا بين الإرهابي، والمقاوم، كما أدانوا حالة التمزق التي تعيشها المجتمعات العربية نتيجة لضعف وهشاشة النظام العربي، وطالبوا بالنهضة والوثبة لتبديد هذا الوضع اللامقبول واللامعقول والذي يشكل قلقاً لأبناء الأمة مشرقاً ومغرباً.‏

وأكدوا على إنسانية الثقافة العربية من خلال الدعوة إلى قيام جبهة ثقافية عالمية تعمل من أجل السلام والأمن والحوار وحق الاختلاف لتعميق قيم الحرية.‏

كما اتفق المثقفون على ضرورة تفعيل المجتمع المدني في الأقطار العربية، ومد الجسور بين المجتمع المدني العربي والمجتمعات المدنية العالمية على أساس تجذير تغيير الثقافة المؤمنة بقيم التسامح والتعددية ونبذ العنف وإرساء دولة القانون والمؤسسات في مجتمعاتنا.‏

وتمحور التفكير بإجماعه حول ضرورة تحقيق الديمقراطية الحقيقية في الوطن العربي واحترام المواطنة وقيمها ومبادئها وأصولها وشرائعها ونواميسها.‏

وأجمعوا على ضرورة استمرار النضال ضد الإمبريالية والصهيونية، وأدانوا بشدة ممارسات الصهاينة في فلسطين العربية وانتصروا للمقاومة والانتفاضة والنضال الشعبي في فلسطين والعراق، وطالبوا باستقلال العراق وحريته ورحيل الغزاة المحتلين على أرضه، واحترام خيارات شعبه العربي الأبي. ولقد صرخ الأدباء والكتاب العرب صرخة مدوية تستنكر قوانين الاستكبار والاستبداد الناصّة على محاسبة سورية، وعدّوا هذه البدعة وليدة النيل من الموقف العربي الأصيل الذي تنتهجه سورية في التصدي للعدوان والوقوف مع النضال العربي.‏

"إننا نؤكد على ضرورة أن يلتزم الكيان الصهيوني بكل القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية بما في ذلك حق العودة غير القابل للتصرف أو التقادم، وحق التعويض للاجئين الفلسطينيين... نرفض رفضاً قاطعاً احتلال الأجنبي لأرض العراق وندين الذرائع الواهية للحرب والاحتلال.. وندعم بكل قوة الحق في مقاومة الاحتلال".‏

وطالب المؤتمرون بإطلاق سجناء الرأي، وتسهيل عودة المنفيين إلى أوطانهم، كما طالبوا بإلغاء "تأشيرات الدخول" بين أقطار الوطن العربي، وترحموا على الشهداء الذين سقطوا في سبيل إيماناتهم ومذاهبهم وفكرهم الحر.‏

لقد أكد المثقف العربي من خلال هذا التجمع الثقافي على التزامه بالموقف القومي الشامل، ومقدرته على التغيير، وإيمانه بقدرات أمته على النهوض والإسهام الفاعل والفعّال في بناء الحضارة من أجل سعادة الإنسان أولاً وأخيراً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244