|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الصورة الفنية في مجموعة (أحد عشر كوكباً) لمحمود درويش
ـــ د.فاطمة عيسى جاسم- العراق إن
علاقة الشاعر بالواقع هي علاقة تفاعل بين الواقع والفنان تبدأ من الواقع، ثم تنتقل
إلى الفنان، ثم تنتقل من الفنان إلى الواقع من خلال علاقة تأثر(1) وتلك العلاقة
الجدلية التي تسلط من خلالها أضواء فكره مستمداً ما يدور حولـه من أشياء ثم إعادة
تشكيلها، إذن الصورة في أساس تكوينها شعور وجداني غامض بغير شكل بغير ملامح،
تناوله الخيال المؤلف أو الخيال المركب فحدده وأعطاه شكله، أي حولـه إلى صورة
تجسده"(2)، وإذا كان الخيال هو المرحلة الأولى التي يتم تشكيل الصورة داخل
الذهن (الصورة الذهنية) فإن هذا الخيال قادر على إعادة تشكيل العناصر الخارجية حتى
وإن كان لا ربط بينهما في الواقع الظاهر، فإنه يشكلها ويعيد بناءها لأن
"خاصية الخيال الفني أن يكسر الحواجز
الذي يبدو عصياً بين العقل و المادة فيجعل الخارجي داخلياً والداخلي
خارجياً. يجعل من الطبيعة فكراً أو يحيل الفكر إلى الطبيعة، وهذا موطن السر في الفن" (3). إن
عمل المخيلة الشعرية يشير إلى استيعاب التجربة الشعرية التي تشكل محفزاً لها،
فتتولد الصور عن طريق اللغة مادة الشاعر، محملة بالأفكار والمشاعر" فالفكرة
هي الصورة العقلية للتجربة في حين أن الصورة الشعرية هي المعادل الفني للفكرة،
فالشاعر يحول المعادلات الفكرية إلى تجارب شعورية، يطرح الموضوعات الذهنية بشكل لا
تسقط هذه الموضوعات في أذن سامع من دون صورة وإيقاع وإيحاء"(4) وإذ
تقوم الصور على العديد من الاستعمالات البلاغية للغة من تشبيه واستعارة ومجاز
وكناية، من المجرد إلى المحسوس أو بالعكس فإن مواد الصورة "هي نفسها أنها
كلمات وأفكار ومشاعر وعواطف ممزوجة معاً، وإذا ما نفصل بينها لضرورة الدراسة فلا
يعني أننا نؤمن بوجودها متفرقة"(5) وإذا توحد الصورة بين أشياء عديدة قد تكون
غير منسجمة إلا في خيال المبدع. فإن التجربة الداخلية هي التي توجد هذا التآلف
بينها وليست النظرة الشكلية الخارجية(6). ويتضح
مما سبق أن الصورة الشعرية هي "تركيب لغوي لتصوير عقلي وعاطفي متخيل لعلاقة
بين شيئين يمكن تصويرها بأساليب عدة، أما عن طريق التشبيه أو التجسيد أو التشخيص
أو التراسل"(7) وهي "صورة ذاتية
للعالم الموضعي"(8). إن الصورة في الشعر الحديث تستمد مصادرها من منابع مختلفة
دينية أو تراثية أو من المورث الأدبي والثقافة الحديثة، فتحول تلك المصادر إلى
مصدر فاعل في تكوين الصورة الشعرية ومن يتخذ الشاعر من الرموز والإيحاءات وسيلة في
إثراء الصورة وإعطائها أبعاداً فكرية وإنسانية كبيرة، تعد الصورة الفنية في
القصيدة الحديثة مركزها، فمن خلالها نفهم النص الشعري ونتمكن من الدخول إلى
عالمه(9). من
هنا لم تعد الصورة الفنية أداة تزيين أو جزءاً يمكن الاستغناء عنه في العمل
الإبداعي كما كان ينظر إليه سابقاً بل تحولت إلى "أداة تطور المعاني وتكشف
الموضوع وتبلور الحالات والمواقف وهذا النوع من الصورة الشعرية هو الأكثر اكتمالاً
وأهمية، وبه تتحول الصور إلى نسيج شعري لا تقوم القصيدة بدونه... وعدت الموضوع
الكلي والأثر الذي يريده الشاعر أن يوصله لقارئه"(10). ولما
كانت مادة الشاعر هي اللغة فإنها تمتلك قدرة على التغيير والتحول حتى تصبح بيد
الفنان أداة التشكيل، إذ أن اللغة وإن "كانت زمانية في طبيعتها تحمل في الوقت
نفسه دلالات مكانية حتى أننا نستطيع أن نعد تشكيل الأصوات الزمنية تشكيلاً في
الوقت نفسه لحيز مكاني"(11). إن تشكيل الصورة داخل النص الشعري يتطلب قدرات كبيرة بالإحساس بالزمان
والمكان في الوقت ذاته. هذا الجانب التشكيلي من الصورة هو ما يخصنا هنا، إذ أننا
سوف نتناول الصورة من حيث السكون/الحركة، إذ الصورة كتشكيل قادرة على إزاحة اللغة
العادية وإعادة إنتاجها بطبيعة جديدة إذ يبرز التشكيل هنا بوصفه وسيلة أو أداة في
الشعر لتحقيق الصورة، إذ أن الشعر لا يدمر اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها على
مستوى أعلى. فعقب فك البنية الذي يقوم به الشكل البلاغي تحدث عملية إعادة بنية
أخرى في نظام جديد"(12) إن
الحركة التي تتشكل منها الصورة تتمتع بقدرة على توظيف نفسها ورسم أبعاد الصورة عند
جدلها مع السكون خالقة توتراً داخل النص إذ أن الصورة هنا" وسيلة لإزالة
التوتر الشديد في الحياة بحيث يمكن أن يعطي هذا التوتر ضوءاً ينير الدرب للإنسان
ودفئاً لقلبه"(13) . ولابد
من الإشارة إلى جهود عبد القاهر الجرجاني في كتابه (أسرار البلاغة) حيث أخذ بمفهوم
الحركة والسكون وذلك عبر بنية التشبيه وبنية الاستعارة ووظيفة الحركة أو السكون في
إعطاء بعد للصورة الشعرية، إذ يقول: "اعلم أن مما يزداد به التشبيه دقة
وسحراً أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات"(14). ويضيف "كما
نعتبر هيئة الحركة في التشبيه فكذلك بعد السكون على الجملة وبحسب اختلافه نحو هيئة
المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك"(15)
وقد أعطى شواهد لذلك. وإذا
كانت تلك الحركات تتجسد في النص بهيئة الزمان للتأكيد على حركات الأفعال كان
المسار الذي اهتدينا إليه في مبحث الصورة، "فالفعل يسم الصورة بحضور صياغته،
بل يمارس حضوره هناك في عمق أعماقها، يسحب عليها تأثيره ويجعلها تتجاوز جميع أشكال
التنميط. فتتجلى في قالب حشد من الصور تستمد حركيتها من الفعل ذاته، ومن ثم تتنوع
بتنوعه، وتقدم نفسها في أشكال مختلفة وتكف عن كونها صورة بالمعنى المتعارف لتصبح
لوحة أو مشهداً"(16). إن ثنائية الساكن/المتحرك توظف في تشكيل الصورة الفنية؛ إذ
يتم بوساطتها الكشف عن إمكانيات الشاعر في إضاءة صورة بحركيتها التي تنطلق من بنية
الصورة الساكنة مسببة عتمة الصورة في الوقت الذي تدفع حركات الأفعال ومدلولاتها
الجديدة بالصورة إلى مناطق الإضاءة فتتألق الصور بعد أن تشكلت بصورة جديدة وشكلت
نظامها الخاص الذي تتحرك من خلالها البنية
الجديدة كاشفة عن قدرات الشاعر في خلق صورة تتضافر فيها قوى السكون/الحركة
"فقد لا تكون الصورة متناغمة وقد لا تكون مطردة في سياق عاطفي واحد. وقد
تتضاد فيها حركة المد وحركة الجزر... ولكن ذلك كله لا يطفئ من وهج حضورها الفاعل
في بناء العمل الشعري، مادام الشاعر قادراً باستمرار على تعميق رؤيته من خلال
الشيء ونقيضه، أي مادام قادراً على الإمساك بنا في حالة حضور شعري يعمل فينا من
خلال هذه المتضادات"(17). ولدى رجوعنا إلى ثنائية السكون/الحركة التي تجسد
الصورة الفنية عند محمود درويش نجده في تشكيله لصوره يعتمد أسلوب تنامي الصور لذلك
سوف نحاول أن نتتبع حركات وسكنات تلك الصورة لإتاحة رؤية أكبر في معرفة تكوين تلك
الصورة، إذ "إن الصورة ليست مجموعة من الكلمات اللغوية موزعة هنا وهناك كيفما
اتفق وإنما هي من إيحاء تلك الكلمات لعلاقاتها وتفاعلها فيما بينها"(18)، إذ
يفقد الإنسان إحساسه بالزمان إذ يحسب ذلك الإحساس على المكان فيصبح المكان أمام
سكون الزمن إذ يقول: في
المساء الأخير لا
نودع شيئاً، ولا نجد الوقت كي ننتهي... كل
شيء يظل على حاله، فالمكان يبدل أحلامنا ويبدل
زواره. فجاءة لم نعد قادرين على السخرية فالمكان
معد لكي يستضيف الهباء... هنا في المساء الأخير(19) أول
ما يمكن ملاحظته في الصورة أعلاه هو الأفعال المضارعة الدالة على الاستمرارية
(نودع، نجد، ننتهي، يظل، يبدل، يبدل، نعد، يستضيف) ثمانية أفعال وظفت في تشكيل
صورة لفقدان المكان إلا أنها تبدو ساكنة، فالوداع لا يحصل والوقت لا يكفي له حيث
يعم السكون، إلا أن تشخيص المكان الساكن بعد سكون الزمان يسهم في محاولة الحركة
(يبدل أحلامنا) وعملية التبديل تمثل حركة، لأن التبديل تغير، ثم يأتي الفعل نفسه
مكرراً في الجملة الآتية لكي يصعد من تلك الحركة، هذا فضلاً عن الأحلام وما تجسده
من حركة لاسيما أنها جاءت بصيغة الجمع. إن حركة المكان بعد أن توقف الزمان تشكل
مفارقة، لأنها جاءت كحركة معاكسة ضد الزمان الذي من المفترض أن يؤثر في المكان،
لذلك نجد أن الشاعر يسخر من ذلك، ويعود السكون ليسهم في إيقاف التشكيل الحركي وذلك
يتمثل بعدم المقدرة حتى على أبسط الأشياء. كما
تحقق الحركة في استمرارها ليدخل المكان في سكون إذ تسيطر قوى السكون على مجريات
الحركة فلا يعود هناك شيء غير اللا شيء، إذ يقف النفي عن طريق حرف النفي (لا) في
مساهمته إيقاف الحركة فقد سبق أغلب تلك الأفعال(لا نودع، لا نجد)، ثم يأتي السكون
في الفعل (يظل)، وفي محاولة الحركة للفعل (يبدل) يأتي الفعل (لم نعد) لكي يلغي
مجال الحركة. أما الفعل (يستضيف) فقد أسند إلى سكون (الهباء)، وكل ذلك كان يجري في
الزمان ولابد من الإشارة إلى أنه كان في المساء هو آخر النهار حيث تنحصر الصورة
كذلك بين قوى السكون، إذ تتضافر قوى السكون في إيقاف حركة الصورة وتحبط محاولة
استمرارها، تنطلق مرة أخرى ـ في النص نفسه ـ حركة جديدة إذ نقرأ: شاينا
أخضر ساخن فاشربوه، وفستقنا طازج فكلوه والأسرة
خضراء من خشب الأرز، فاستلموا للنعاس بعد
هذا الحصار الطويل، وناموا على ريش أحلامنا(20) إن
وجود أكثر من مفردة دالة على الحركة تعطي للصورة حركيتها، فلو لاحظنا حركة الأفعال
(اشربوه، كلوه، استلموا، ناموا) فإن الشرب والأكل يمثل حركة مستمرة يومية والذي
يجعل من تلك الحركة ذات طابع جمالي خاص هو التشكيل لعناصر عديدة (فالشاي الساخن)،
و(الفستق الطازج)، و(الأسرة الخضراء)، إذ تمتزج هذه الألوان وحركيتها داخل المفردة
في دفع الصورة نحو تشكيل لوحة فنية، فالشاي ساخن يمثل حركة، ومفردة الطازج تدل على
اكتمال الحركة لتستقر في مفردة (الأسرة) التي توحي بالثبات والسكون إلا أن حركية
اللون الأخضر وهو لون أساسي يتماشى مع الحركة الأساسية للأكل والشرب. إلا أن الفعل
(استلموا) الذي أسند إلى سكون يوقف فعالية تلك الحركة بل الجملة الاسمية والتي تدل
على الثبات (هذا الحصار الطويل) تدل على السكون أيضاً، أما الفعل الأخير (ناموا)
فإن دلالته اللغوية تشير إلى الاستقرار والسكون غير أن مجيء الاستعارة يحفزه نحو
فعل الحركة (ريش أحلامنا) إضافة حركية أزاحت تلك السكون، "لأننا مع الاستعارة
نعايش تلاقياً بين سياقين ودلالتين فالكلمة المستعارة من محيط بعيد عما يجري في
السياق الأساسي لا تنفصل دلالتها وتتحول، بل هي تحمل ظلال السياق القديم وتكسب
القديم وتكسب من هذا الإطار الدلالي الجديد فتغدو كلمة جديدة، إذ لا تبقى على
حالتها السالفة، وهي ليست جزءاً مألوفاً في الحالة الجديدة... لأنها موجة دافئة
تدفقت أمواجاً ساكنة أو هي كالساكنة"(21). فإذا
ما عدنا إلى الاستعارة فإن الريش هو الكلمة المستعارة ولها دلالات كثيرة لكن أهمها
هي الخفة إذ بمجرد أن يتعرض لتيار هواء يطير وكذلك الأحلام تسمح للإنسان بالحركة
سواء أكانت بعيدة أو قريبة أن ينفك من قيود الواقع فضلاً عن أنها جاءت بصيغة الجمع
لتؤكد حريتها إذ اكتسبت مفردة (الريش) قوى حركية ودلالة جديدة فالتحمت مع الأحلام
عن طريق المجاز. ومن هنا يكون ذلك السكون (النوم) متحركاً، إذ كيف يمكن أن يتم
الاستقرار على متحرك. إنها الإضاءة المستمدة من قوى الحركة جعل الصور في تشكيل
جديد لتتوهج أمام المتلقي لتغدو أكثر جمالية مما كانت عليه وتصبح بؤرة إشعاع في
تلك الصورة إن إزاحة السكون لا تتم إلا بوساطة الحركة تلك الإزاحة التي من خلالها
يتم التشكيل الصوري، ليس على مستوى التشبيه أو الاستعارة، أو الكناية فحسب، بل على
مستوى بعث الإيحاءات والدلالات التي تسهم في تكوين معاني جديدة "فليست
الاستعارة مجرد تغيير في المعنى بل مسخ هذا المعنى. إن الكلمة الشعرية هي في نفس
الآن موت وانبعاث اللغة(22) وتتحول تلك الأغراض البلاغية بيد الشاعر المبدع إلى
طاقة هائلة ينفجر بها النص من خلال حركة اللغة وانزياحها عن سكونها، خالقة حركيتها
الإبداعية لتعطي ثباتاً جديداً للغة المنبعثة من جدل السكون/ الحركة ولعل الصورة
في (كيف أكتب فوق السحاب) تطرح هذا البعد كيف
أكتب فوق السحاب وصية أهلي؟ وأهلي يتركون
الزمان كما يتركون معاطفهم في البيوت. وأهلي كلما
شيدوا قلعة هدموها لكي يرفعوا فوقها خيمة
للحنين إلى أول النخل، أهلي يخونون أهلي في
حروب الدفاع عن الملح. لكن غرناطة من الذهب(23) إننا
أمام صور شعرية مكثفة ناتجة عن توظيف أكثر من أسلوب بلاغي، إذ نجد التشبيه ونجد
الاستعارة، والكناية أيضاً. وترد العديد من الكلمات والأفعال التي توحي أكثر مما
تشير سوف نحاول أن نجزئ هذه الصور لكي نستطيع أن نتابع جدل السكون/ الحركة في كل
منها ثم الربط بينها، وقبل البدء بعرض هذه الصور. يلفت النظر مجيء كل الأفعال
مضارعة لجماعة المخاطبين باستثناء الفعل (اكتب) لذلك نعد هذا الفعل نقطة بداية
الحركة الفعل المضارع (اكتب) جاء بصيغة المتكلم وفعل الكتابة يتطلب حركة منظمة
فضلاً عن أن الكتابة تتم على إثبات لكن مجرد مفردة (السحاب) الدالة على الحركة
أيضاً تجعل الكتابة مستحيلة، فلنتصور الكتابة و الحال هكذا حركة لكن هذا لا يتم
والسبب هو ضمير الجماعة. فالحركة الفردية التي حاول الشاعر أن يوقفها لتستقر وتتم
كتابة الوصية تتعرض لحركات عديدة بفعل ضمير الجماعة. وعلينا أن نذكر هنا أن الحركة
كانت علوية. وهذه القصيدة ستنسحب على بقية الصور. تلك
كانت الحركة الفردية في محاولة إبعاد السكون لنتتبع حركات الجماعة وتفاعلها مع
السكون: الحركة
الأولى/ (أهلي يتركون الزمان كما يتركون معاطفهم في البيوت): فنحن
أمام تشبيه وقد اكتملت أركانه، الذي نريد أن نقولـه: هو علاقة المشبه بالمشبه به
(أهلي)/معاطفهم، على مستوى التركيب النحوي نجد أن الضمير (هم) يعود على أهلي، كما
أن الفعل المضارع (يتركون) هو نفسه في جملة المشبه به وهنا يكمن سر الإبداع، لأن
جملة (يتركون معاطفهم في البيوت) تحليلنا إلى المكان، في حين أن (يتركون الزمان)
تستحضر الزمان، إذ تصبح حركة الأهل باتجاه ترك المكان بعد أن تركوا الزمان. ثم أن
(البيوت) حركة باتجاه الأرض (أرضية) في حين الفعل الفردي (أكتب) كان باتجاه علوي،
إذ تتشظى حركة الصورة بين (الفردي/الجماعي)، (الأرضي/العلوي). الحركة
الثانية/(أهلي كما شيدوا قلعة هدموها لكي يرفعوا فوقها خيمة للحنين إلى أول
النخل): تبدو
الصورة مكثفة، إذ نلاحظ فعلين ماضيين وفعلاً مضارعاً (شيدوا، هدموا، يرفعوا)، كما
أننا نشاهد استمرارية الحركة في الماضي عن طريق أداة الشرط (لو) التي تفيد
التكرار. إن فعل التشديد يتطلب حصول حركة تنطلق من السكون نحو الحركة، فمفردة
(القلعة) الدالة على العلو يحتاج بناؤها إلى حركة تنطلق من الأسفل نحو الأعلى، من
السكون إلى الحركة، من الأرض إلى السماء. لكننا نفاجأ بانكسار الحركة لدخول فعل
الهدم الذي يتجه عكسياً (حركة عكسية) نحو السكون. لكن الشاعر لا يبقى الصورة في
سكونها، إذ ينطلق من ركام سكونه (الهدم) مباشرة لكي ينقذ تلك الحركة من سكونها
ويعود إلى تشكيل صوري ناتج عن إزاحة السكون لتلك الحركة إذ يأتي بفعل مضارع يدل
على قوة الحركة (يرفعوا) وبصيغة الجماعة، إذ ترفع (خيمة الحنين) بعد أن كانت
(القلعة) الدالة على الثبات والاستقرار أصبحت خيمة لكنها أضيفت لتكتسب دلالة جديدة
أي شحنات جديدة مستعيراً لها صفة الحنين وهنا نبع الإشعاع، موطن القوة. الخيمة
تذكرها بمكان قبل كل شيء، ثم إنها كانت البيت العربي في زمن قديم بعد أن أدى
السكون (الهدم) إلى إلغاء القلعة جاءت الحركة لتبعث من جديد الحياة في (القلعة)،
ولكن بالعودة إلى الوراء حركة باتجاه معاكس حركة تسلط أضواءها على الماضي، وليس من
دليل قاطع سوى أن تكون هذه الخيمة (للحنين) شعور مجرد معنوي اقترن بشيء حسي مادي
هو (الخيمة) (إلى أول النخل) إشارة إلى الأصل المكان العربي المعروف بالنخيل. وإذا
كانت الخيمة توحي بالسكون فإن الحنين اضطراب وحركة هنا يظهر الشاعر جمالية
الاستعارة، أو كما يقول د.عبد الفتاح صالح: "إن جمال الاستعارة في خفائها
ودقتها، ومدى ما تقدمه من خدمة ضمن السياق الذي ترد فيه، ومقدار ما تبعثه في النفس
من لذة وقوة تخيل وتصور"(24)، إذ يحاول الشاعر أن يجمع الزمان والمكان في
حركة لاستعادة حاضره إلى أهله ليكشف جدل السكون/الحركة عن قوة تشكيل الصورة وعن
بعد الاستعارة وخفائها ويضيء الصورة بتلك الاستعارة، وحركة الاضطراب للحنين وسكون
الخيمة ليقذف بها في تيار الحركة والاضطراب. الحركة الثالثة/(أهلي يخونون أهلي في
حروب الدفاع عن الملح لكن غرناطة من ذهب): هنا
تهبط الحركة من العلو إلى الانخفاض والسري في الوقت نفسه، إذ أن فعل الخيانة
(يخونون) مضارع الجماعة المخاطبين، فالحركة جماعية لكنها أرضية، وباتجاه معاكس، إذ
أنها خيانة الأهل للأهل، غير أنها (الحروب) توحي بقمة الحركة والاضطراب بخاصة
وأنها جاءت بصيغة الجمع وهذه الحروب هي حروب للدفاع عن الملح، يبدو من النص أن
المقصود بالملح هو معدن الخير وأساس كل شيء، لأن الملح مادة أساسية. لقد جاء درويش
بهذه الكناية لتشكيل حركة نحو الماضي، فالمقصود هو الدفاع عن الماضي الذي هو أساس
الحاضر والمستقبل. والحروب حركة على حين أن الملح /سكون فقد اتجهت الحركة نحو السكون غير أن التشكيل الصوري يحوي
بالحركة التي تأتي عن طريق التوقف (لكن) ثم الانطلاق نحو حركة أخرى تستوحي التاريخ
المفقود والذهبي فغرناطة رمز الملح. يبدو
ارتباط هذه الصور في تشكيلها بجدل السكون/ الحركة الذي يضيء الصورة كلما تخبو
إضاءتها في توهج ونور لتشكل لوحة فنية متفردة في انسجامها. ويمكننا
أن نستعين بالخطاطة الآتية لسبر أغوار جدل السكون/ الحركة في تلك الصورة وارتباطها
مع بعضها في تشكيل واحد:
..... إن
صورة الإنسان في رحيله عن وطنه تشكل حركة انفصال عن الزمان والمكان ومن ثم يصبح كل
ما يحيط بذلك الإنسان يدب فيه السكون. كأنما الانفصال عن الوطن هو انفصال عن
الحياة ووصول مرحلة التوحد الصوفي أي مرحلة الاتصال مع العالم الآخر. وحين تشكل
الصورة الشعرية لمثل هذا الإنسان/الفلسطيني يستحضر كل الأوقات الجميلة والبريئة
لتشكل رؤية تتداعى فيها الصور متلاحقة الواحدة تلو الأخرى لتضيء ذاكرة النص.
ويزداد الحب بقدر ذلك الرحيل ويكبر حتى يتسع فضاؤه لتسبح به الذكريات وتتجه نحو
تصوير الداخل المليء بالرؤى والمشاهد. وهذه الحالة النفسية التي يمر بها الإنسان
يضعها درويش في مخيلته الشعرية لتتحول بفعل خياله المبدع إلى صور، إذ يقول من مقطع
(في الرحيل الكبير أحبك أكثر): أفرغ
الروح من آخر الكلمات: أحبك أكثر في
الرحيل تقود الفراشات أرواحنا، في الرحيل نتذكر
زر القميص الذي ضاع منا، وننسى تاج
أيامنا، نتذكر رائحة العرق المشمشي، وننسى رقصة
الخيل في ليل أعراسنا، في الرحيل نتساوى
مع الطير نرحم أيامنا، نكتفي بالقليل اكتفى منك بالخنجر الذهبي يرقص قلبي القتيل فاقتليني.
على مهل كي أقول: أحبك أكثر مما قلت
قبل الرحيل الكبير: أحبك لا شيء يوجعني لا
الهواء ولا الماء.. لا حبق في صباحك، لا زنبق
في مسائك يوجعني بعد هذا الرحيل(25) لقد
أوردنا هذه الصور جميعاً دون أن نفصلها، لأنها تمثل مشهد تشكيل يتكامل فيه جدل
السكون/الحركة. فتلك الأسماء والأفعال العديدة لا يمكن أن تجمعها إلا صورة يشكلها
خيال مبدع اكتملت لديه التجربة الشعورية والفنية. ينطلق الفعل المضارع (افرغ) في
تشكيل الحركة الأولى وهو عميق الدلالة في هذه الصورة، إذ أن فعل التفريغ يبدأ
بحركة ثم لابد أن ينتهي لفراغ وسكون عندما لا يبقى شيء في الذاكرة. وهذا هو بالضبط
ما قامت به حركة التفريغ المنطلقة من الذات إلى الجماعة إذ تتشكل الصور عن طريق
التداعي ونحاول أن نتتبع تلك الصورة: الصورة
الأولى/ تقود الفراشات أرواحنا بشكل
الفضاء العلوي الحركة هنا، إذ يشخص الشاعر فراشات وينيط إليها مسؤولية القيادة في
الأعلى فإذا كان الفعل المضارع (أفرغ) يشكل حركة في حين(آخر الكلمات) سكون فلابد
هنا من حركة فعالة تعيد للصورة حركتها فجاءت الحركة علوية متمثلة بحركات الفراشات
التي تقود الأرواح على الرغم من أنها تلفظ آخر كلماتها. فالتشكيل الصوري تم
عن طريق إزاحة السكون بحركات الفراشات.
الفراشات لم تكن مفردة مما يعني تعددية الحركة حتى تملأ الفضاء، إنها صورة متكاملة
بلغة مكثفة حرك بها الساكن ليرسم أبعاد، تلك اللوحة، إذ حركة الفراشات عشوائية
ومضطربة فضلاً عن ألوانها المختلفة والزاهية. الصورة
الثانية/ في الرحيل نتذكر زر القميص الذي ضاع منا، وننسى تاج
أيامنا، نتذكر رائحة العرق المشمشي، وننسى رقصة الخيل في ليل أعراسنا يبدو جدل
السكون/ الحركة إذاً فعالية ظاهرة في كشف معالم هذه الصورة التي تتجه إلى أعماق
النفس الإنسانية لتلتقط منها أنقى الصور براءة، (صورة الطفولة) إذ يبرز الفعلان
(نتذكر، ننسى) الأول متحرك والثاني ساكن كعنصرين فاعلين في تجاوب قطبي السكون/
الحركة، فعملية التذكر تتحرك نحو صورة الطفولة، فالقميص ثابت لكن ضياع الزر يعني
وجود إرادة البحث التي حركت ا لذاكرة يقابلها نسيان (ساكن)، (تاج أيامنا)
فالاستعارة المتمثلة بالاسم المستعار (تاج) تحمل دلالة العلو وذورة الأيام، لكن
مجيء فعل النسيان يدفع تلك الحركة لتحتل أيام الطفولة الحركة المؤثرة التي بقيت في
آخر الروح. والحال نفسه في تذكر رائحة العرق الطفولي الناتج من فعل الحركة ونسيان
(أيام الشباب) بل (ليلة العرس)، إذ يشير رمز (الخيل) إلى الجنس في شعر درويش،
فضلاً عن أن (رقصة الخيل) تمثل قمة الحركة لكن النسيان (السكون) أسهم في إيقافها
من أجل أن تتحرك القوى الأخرى إلى أيام الطفولة. ومما يجب الإشارة إليه هنا إلى أن
(التذكر/الحركة) كان محصوراً ليس بالطفولة فحسب، وإنما بالمكان في حين كان
النسيان(سكوناً للزمان). زر
القميص الذي ضاع منا/ مكان تاج
أيامنا/زمان رائحة
العرق المشمشي/مكان رقصة
الخيل في ليل أعراسنا/زمان لكن
الفعل المضارع (نتذكر) يحيل إلى الزمان ولكنه الزمان النفسي الطفولي. إن الإضاءة
كانت مسلطة على الطفولة بفعل الحركة الذي أسهم عن طريق السكون في توهج الصورة
وإضاءتها. الصورة
الثالثة/ في الرحيل نتساوى مع الطير نرحم أيامنا، نكتفي بالقليل اكتفى
منك بالخنجر الذهبي يرقص قلبي القتيل إذ
تبلغ الحركة قمتها في التشكيل الصوري هنا، فإذا كانت الفراشات هي التي تقود
الأرواح فإن الحركة تحمل القوى والنظام، بل التغيير الناتج عن التساوي كل مع الطير، إذ أثبت هنا ارتباط أ جزاء الصور مع
بعضها في حركاتها وسكونها. فبعد أن أفرغ الروح من كل الذكريات أصبحت تلك الروح
جاهزة للانطلاق في أعالي الفضاء، ثم إن جملة (نرحم أيامنا) تأتي لتأكيد إلغاء أيام
الحياة وعليها تصبح متطلبات البقاء قليلة. في الوقت نفسه إذ يتراخى الزمن، تندفع
الحركة من وسط ركام السكون وعن طريق استخدام المجاز "الشعر من غير مجاز يصبح
كتلة جامدة، وذلك لأن الصور المجازية جزء ضروري من الطاقة التي تمد الشعر
بالحياة"(26) فجملة (يرفض قلبي
القتيل)، فـ(القتيل) مفردة توحي بالسكون(الموت)، وعند إضافة (قلبي) إليها يصبح
القلب ساكناً. القلب الذي يرمز إلى الحياة، لكن الفعل المضارع (يرقص) يدفع بالسكون ليشكل حركة إيقاعية أ ما جملة (اكتفي
منك بالخنجر الذهبي) السابقة لها فقد كانت المحرك الأساس لهذا السكون، فالخنجر
الأداة القاتلة لم يكن عادياً بل وصف (بالذهبي). فقد أصبح الموت هنا سبب الرقص
للقلب، وهي إشارة واضحة إلى التضحية التي جعلت
من الموت الساكن حركة إضاءة الصورة بعد أن كاد السكون يلف جوانبها. ثم
إن حركية الصورة اعتمدت في تشكيلها العديد من الأفعال المضاد (تتساوى، ترحم،
نلتقي، التقي، يرقص). وفي خضم التشكيل الصوري لتلك الأفعال تبرز القافية بدورها في
هذه الصورة، إذ أنها ساكنة (قليل، قتيل) كأنما توحي لنا أن انكسار الحركة سوف يتم
بعد تصاعد فعاليتها" والحقيقة أن القافية ليست أداة أو وسيلة تابعة لشيء آخر
بل هي عامل مستقل تضاف إلى غيرها، وهي كغيرها من الصور لا تظهر وظيفتها الحقيقية
إلا في علاقتها بالمعنى"(27) إذ تقرأ
بعد هذه الصور مباشرة: فاقتليني،
على مهل، كي أقول أحبك أكثر مما قلت
قبل الرحيل. أحبك. لا شيء يوجعني لا
الهواء ولا الماء... لا حبق صباحك ولا زئبق
في مسائك يوجعني بعد هذا الرحيل منذ
البدء في تشكيل هذه الصور كان شاعراً محاصراً بهاجس السكون وكما ذكرنا في الفعل
(افرغ). ليعود بعد تلك الحركات التي كونت بجد لها مع السكون صوراً مفعمة بقوى
الحركة. إن الموت يبدو بطيئاً، السكون يعم كل شيء ببطء ومحاولة الشاعر بث الحياة
في كلماته الأخيرة بالفعل (أحبك)، لاسيما وقد تكرر مرتين لم يأت تأثيره إلا في
المرة الثانية فقط وضع بين نقطتين لتختزل الكلام، إذ يخيم السكون شيئاً فشيئاً
وبأسلوب رائع ممتلئ بالمجازات "فالمجاز هو معيار الإبداع، والشعر لغة المجاز،
إنه الكشف عن حقيقة مستترة والتعبير عنها بصورة حسنة"(28)، إذا لم يعد يشعر
بالمكان ولم يعد يشعر بالزمان، وإن لم يذكر ذلك ولكن ذلك يبدو جلياً في المفردات: (لا
الهواء/ لا الماء) مكان (الصباح/المساء)
زمان الهواء
عنصر سماوي/ والماء عنصر أرضي. كذلك الصباح، ضوء النهار والليل هو الظلام، إنه الظلام
الناتج عن سكون الصورة بفقدانها لعنصري الزمان/المكان حتى وإن تكرر فعل (أحبك)
مرتين في مقابل يوجعني مرتين لكن وجود(لا) التي أوقفت الحركة حيث تكررت خمس مرات
سابقة كل حركة (الهواء) (الماء) وحتى الصباح والمساء. إن
اكتناز النص بالأفعال والأسماء وتجميعها داخل نص للحصول من خلالها على صورة تتجاوز
قيمتها الفنية مطروح على مستوى الإبداع الأدبي لا يعني بالضرورة حصول كل هذا، لأن
التعامل مع اللغة يجب أن يصل إلى مرحلة عالية من الحساسية من أجل إبداع فني منفرد
يسمو بالعملية الشعرية نحو آفاق واسعة فإن المسألة متوقفة على مدى توظيف الشاعر
لأدواته الفنية في عمل إبداعي خلاق. ومن هنا عمل المخيلة الشعرية في الوقت الذي
تبدأ فيه الذات المبدعة بتشكيل لغتها المجازية. وفي
الصورة التي نتناولها بالدراسة لا يتعامل محمود درويش مع اللغة فحسب إنما يتفاعل
معها حتى يصل مرحلة السيطرة عليها بما يتطلب توصيله من أحاسيس ومشاعر، إذ يبلغ في
هذا الخطاب كما هو شأنه مستوى تتداخل فيه الرؤى في قصيدة (حجر كنعاني على البحر
الميت) نقرأ: وأنا
أنا، ولو انكسرت.. رأيت أيامي أمامي ذهبنا
عل أشجاري الأولى، رأيت ربيع أمي، يا أبي ورأيت
ريشتها تطرز طائرين: لشالها، ولشال أختي وفراشة
لم تحترق بفراشة من أجلنا، ورأيت لاسمي جسداً:
أ نا ذكر الحمام يئن في أنثى الحمام ورأيت منزلنا المؤثث بالنبات، رأيت باباً
للدخول ورأيت
باباً للخروج، رأيت باباً للخروج وللدخول هل
مر نوح من هناك إلى هناك لكي يقول ما
قال في الدنيا: لها بابان مختلفان، لكن الحصان يطير بي ويطير
بي أعلى واسقط موجة جرحت سفوحاً، يا أبي(29) إن
تداعيات الصور في هذا النص/ اللوحة تتوهج بفعل حركيتها التي تتسامى في فضاء
الشعرية ملحقة بأبعادها الرمزية تتولد جميع الصور من الفعل (لو انكسرت). أما في
هذه الصورة الناتجة عن جواب الشرط فنجد بلوغ الحلم، بل تجاوزه نحو آفاق كونية
واسعة تتسع بنا إذ تضيق العبارات عن هذه الرؤية لكننا سوف نحاول الدخول فيها
محاولين فك أسرارها. الحدث
الأول هو انكسار الشاعر غير المتوقع على الرغم من تأكيده على حضوره وتتكرر (أنا)
يتكثف في كل تلك الصور الفعل الماضي (رأيت) الذي يحيل إلى الرؤية، إذ تتخذ الرؤية
أشكالاً وصوراً. هذه الظاهرة تعني التحرك في الحاضر حركة تتسم بالديمومة، إذ يصبح
الماضي والمستقبل في خدمة الحاضر(30) لذلك
سوف نتابع حركة الرؤية (رأيت
أيامي أمامي ذهباً على أشجاري الأولى). تتجه
الحركة إلى أمام في حين أن أصلها يتجه نحو الخلف، (الأشجار الأولى) رمز للأصول
التي تنبع منها الأيام، و(رأيت ربيع أمي)، إذ أن الأم هي رمز الوطن عند درويش أي
أنها الأم هي الأرض لكنها في حالة حركة بل حركة ولون وذلك بفعل رؤية الربيع، ثم
ريش الأم في حركتها المنتظمة فعل (التطريز) الذي يزيد من التشكيل الصوري براعة.
والفراشة التي لم تتحرك بل بقيت ساكنة لذلك تتجه الحركة إلى الذات (رأيت لاسمي
جسداً أنا ذكر الحمام يئن في أنثى الحمام) إن حركة الرؤية تحيل ماهو جامد ما يحمل
التقسيم والتنظيم لذلك كان هو (الذكر) وحركة الأم (الأنثى)، وعلى الرغم من أن
الصورة رمزية قد يكون (الحمام) رمز السلام أن الأنين يعني الشكوى ثم أن الفعل يدل
على الاستمرارية في تلك العملية المتكونة من ذكر/أنثى ولكن من جنس واحد لذلك تتوحد
المواجع والألم إنها الرؤية التي تفتح في سماء الشعرية ثقوباً تطل على العالم الآخر،
ثم (ورأيت منزلنا المؤثث بالنبات)، إذا كانت الرؤى السابقة تحلق في الفضاء العلوي
عن طريق حركتها (الحمام، الطير، الفراش) تتجه الحركة نحو المنزل حركة سفلية لكن
النبات الذي أصبح بعفوية من الشاعر هو رمز السلام. وما دامت الحركة سفلية فإن
دائرة الحركة تزداد بفعل رؤية الباب الذي هو سر تلك الصورة. إذ يعمد درويش إلى
تقنية التناص هنا. لقصة نوح عليه السلام ولكن من الكتاب المقدس (العهد القديم) أن
يأخذ جزءاً من مقولة نوح عندما سئل عن الدنيا فقال إن لها بابان إذ تصبح المقولة
بعد أن ذوبتها وامتصتها الذاكرة الدرويشية إنتاجاً جديداً. حتى أن أحد الدارسين
يقول عن هكذا تناصات في شعر درويش وعن إدخاله لتلك النصوص "يدخله في لغته في
سياق جديد تماماً بحيث يندمج هذا الجزء من الصورة الشعرية الدرويشية ويصبح جزءاً
منها، وفي الوقت نفسه كان الجزء المتداخل يقوم بوظيفة فتح الدلالة على النص
الغائب، واستحضار فضائه الوجداني والتحليلي ليصبح جزءاً من تأثير الصورة
الدرويشية"(31) رأيت
باباً للدخول، رأيت باباً للخروج، وللدخول هل
مر نوح من هناك إلى هناك لكي يقول ماقال
في الدنيا: لها بابان مختلفان. إن
الحركة/الرؤية المنبعثة من رؤية الباب (الساكن) تجعل الصورة خاضعة لمنطق الحلم
ويفتح الصورة على عالم صوفي تتوحد فيه الذات المبدعة مع رؤية شاملة للعالم تحرك ما
قاله (نوح)، رمز الحركة في العالم الذي لم يبق به متحرك إلا (نوح)، ولعل ذلك يجعل
درويش ينظر إلى رؤية منفردة تنزع إلى توحد العالم كله في باب وذلك ناتج عن تعددية
الرؤية ثم توحدها فجأة الخارج/ الداخل. إن الرؤية تتجاوز الحلم وتنطلق في فضائها
الصوفي نتيجة طاقتها الحركية. وفي قمة هذا التصعيد الحركي الذي يلغي السكون في تلك
اللحظة. تتجه الصورة نحو سكونها وتتوقف ليوقف ذلك التداعي الذي أعطاه درويش صفة
الحصان المحلق في الأعالي، إذ تشارك ثلاث أفعال (يطير بي ـ يطير بي ـ أعلى) حركة
مندفعة نحو الفضاء/ الرؤية إذ يبرز فجأة الفعل (أسقط) إن لحظة العلو تتعرض للسقوط
حركة منكسرة بقوة تنحدر على السطوح مما يسبب ما تحمله من حركة في شحن السكون
(السفوح) يقوي حركية هي (طرحت). هذا التوظيف للرمز (نوح) وما يحمله من دلالات
تاريخية وفكرية شحن الصورة بتوتر أثر في قوى الحركة وزاد من طاقتها الحركية، بل
أعطى لها بعداً جديداً يبدو أن الشاعر وهو يوظف الجانب الشكلي من الكتاب المقدس،
يهدف إلى استمداد القوى من ذلك البناء الإلهي لينفث فيه معانيه وأبعاده
المعاصرة"(32) . ينطلق
جدل (السكون/الحركة) في رسم صورة لحركات وأفعال الأشخاص، إذ نجد في قصيدة (شتاء
ريتا) ذات النزعة الدرامية الشعرية هذا الحس، "لأن الصورة تسهم، إلى حد بعيد،
في بلورة النبرة الدرامية، وذلك أنها مرتبطة بالفعل متداخلة معه"(33) إذ
نقرأ: ريتا
ترتب ليل غرفتنا : قليل هذا
النبيذ، وهذه
الأزهار أكبر من سريري فافتح
لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل ضع،
ههنا، قمراً على الكرسي، ضع فوق
البحيرة حول منديلي ليرتفع النخيل أعلى
وأعلى هل
لبست سواي؟ هل سكنتك امرأة لتجهش
كلما التفت على جذعي فروعك حك
لي قدمي، وحك دمي لنعرف ما تخلفه
العواصف والسيول مني
ومنك..(34) إن
الحركة المتشكلة من الفعل المضارع (ترتب) تتجه نحو الزمان والمكان. ذلك ما تحيلنا
إليه مفردات العبارة حيث (الليل/الزمان)، و(الغرفة/المكان)، يبدو أن المكان مشترك
بين الاثنين في (غرفتنا). فعملية الترتيب تتجه نحو ما تحتويه الغرفة (النبيذ،
الأزهار)، النبيذ القليل والنبيذ عادة يجعل الإنسان في حالة غيبوبة لذلك اتجهت
الحركة إليه أولاً لإرادة (ريتا/الرمز) أن يكون أكثر من الأزهار إشارة إلى الحب.
وكل هذا من أجل أن تبقى هي المتحركة داخل المشهد بل في زمانه ومكانه والآخر في
سكون. إلا
أن الحركة تتجه هذه المرة نحو الآخر وعن طريق فعل الأمر لتكون الحركة (حركة الآخر)
مقيدة بمشيئة (ريتا) فنجد الأفعال (افتح، ضع، ضع) والحركة الأولى هنا باتجاه
المكان (الشباك) أي السكون من أجل أن يتعطر الزمان. ثم الحركة الثانية في وضع
القمر (الزمان) على الكرسي (المكان)، الثابت. القمر(المتحرك)، والعالي على الأراضي
الثابتة، بينما الحركة الثالثة لأفعال الأمر في هذه الصورة تحاول أن تجمع مكانين
كل له اتجاهه الذي لا يتغير (البحيرة، النخيل) أي الشمال/ الجنوب. ثم يعود القمر
(الزمان) ليكون فوق البحيرة أي الحركة للبحيرة ثم لها، لأن (حول منديلي) تشكل حركة
دائرية مغلقة كل ذلك من أجل أن يسيطر الشمال على الجنوب. إنه جدل السكون/الحركة،
إذ تحاول الحركة أن تزيح المكان لكي يصبح لها حتى تصل ذروتها في ارتفاع النخيل. بعد
أن أصبح الزمان والمكان لها فلم يبق سوى أن يصبح أهل المكان والزمان لها أيضاً،
لذا تتجه الحركة هنا نحو الذات، باتجاهين، الأول إلى الخارج، والثاني إلى الداخل،
فالخارج (لبست)، والداخل (سكنت)، الخارج (القدم)، والداخل (الدم)، فحركة (الحك)
تأتي أيضاً بصيغة الأمر (حك). وعملية الحك هي من أجل الحركة وهي مقصودة لأنها
تندفع نحو الداخل. أن
يمتزج الداخل بالخارج تبلغ الحركة ذروتها في حركة العواصف والسيول قوى
الحركة" إذن فمجال الصورة لا يتمخض عن عناصرها المرئية فحسب، بل إن أجمل مافي
الصورة هو ما يترشح من وجهها الخفي"(35). الهوامش: (1)
ـ الصورة الفنية في الدراسات المعاصرة، د.فؤاد المرعي وعبد الله عساف، مجلة بحوث
جامعة حلب، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، ع13، 1988: 73. (2)
ـ الصورة الفنية ونماذجها في إبداع أبي نواس: 25. (3)
ـ الصورة الأدبية. مصطفى ناصف: 27. (4)
ـ الصورة الفنية ونماذجها في إبداع أبي نواس:12. (5)
ـ الصورة الفنية في شعر أبي تمام. د.عبد القادر الرباعي: 29. (6)
ـ الصورة الفنية في شعر أبي تمام: 157. (7)
ـ نقلاً عن الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة: 31. (8)
ـ جماليات الصورة الفنية ـ ميخائيل اوفيانيكوف وميخائيل خرابشنكو، ترجمة: رضا
الظاهر: 15. (9)
ـ الصورة الفنية في الدراسات المعاصرة. د.فؤاد المرعي وعبد الله عساف، مجلة بحوث
جامعة حلب، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية،ع13، 1988، م:33. (10)
ـ دير الملاك، دراسات نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر.د.محسن
اطيمش: 268. (11)
ـ الشعر العربي المعاصر ـ قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية: 48. (12)
ـ بلاغة الخطاب وعلم النص. د.صلاح فضل: 58. (13)
ـ الصورة الشعرية . سي دي لويس، ترجمة: أحمد نصيف الجنابي: 29. (14)
ـ أسرار البلاغة: 157. (15)
ـ م.ن:162. *
للاطلاع على تلك المسألة ينظر الصفحات: 157 ـ 158 ـ 159 ـ 165000. (16)
ـ في بنية الشعر العربي المعاصر ـ محمد لطفي اليوسفي: 123. (17)
ـ طبيعة الشعر. نحو تخطيط نظرية في الشعر العربي: 90. (18)
ـ الصورة الفنية في الدراسات المعاصرة، د.فؤاد المرعي وعبد الله عساف، مجلة بحوث
جامعة حلب، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، ع13، 1988: م:39. (19)
ـ الديوان، مج2: 475. (20)
ـ الديوان، مج2: 476. (21)
ـ جمالية الصورة، الصورة الفنية في الأدب العربي: 120. (22)
ـ بنية اللغة الشعرية، جان كوهن، ترجمة: محمد الوالي، محمد العمري: 214. (23)
ـ الديوان، مج2: 477. (24)
ـ الصورة الشعرية في شعر بشار بن برد. د.عبدا لفتاح صالح نافع: 61. (25)
ـ الديوان، مج2: 492. (26)
ـ الشعر كيف نفهمه ونتذوقه. اليزابيث درو، ترجمة: محمد إبراهيم الشوش: 95. (27)
ـ بنية اللغة الشعرية: 74. (28)
ـ الصورة الفنية ونماذجها في إبداع أبي نواس: 69. (29)
ـ الديوان، مج2: 523. (30)
ـ في بنية الشعر العربي المعاصر: 114. (31)
ـ زيتونة المنفى، دراسات في شعر محمود درويش، المكون التناصي في الصورة الشعرية
عند درويش. إبراهيم محمد أبو هشهش: 167. (32)
ـ البنيات الدالة في شعر أمل دنقل. عبد السلام المساوي: 149. (33)
ـ في بنية الشعر العربي المعاصر: 91. (34)
ـ الديوان، مج2: 539. (35)
ـ المتخيل الشعري، أساليب التشكيل ودلالات الرؤيا في الشعر العراقي الحديث. د.محمد
صابر عبيد: 141. |