مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الشِّعرُ السَّاخِرُ (( الحَلَمَنْتِيشي )) ـــ جبرائيل جورجي عبدوكه

لقد تميّز "صدقي إسماعيل" بمقدرةٍ فذّةٍ على النَّقد السَّاخر اللاَّذع، الَّذي يتفوَّقُ على الجُّدِ في أكثرِ الأحيانِ، لا بلْ إنَّه الجِّدُ كلُّه، عندما يصبحُ الواقعُ مهزلةً تُبكي، ولا تُضحِكْ، ولستُ على ثقةٍ من أنَّ أحداً يعرفُ متى بَدأ "صاحبُ الكلبِ" ينظُمُ هذا النَّوعِ مِنَ الشِّعرِ السَّاخر، ذلك أنَّ نزوعه إلى الشِّعرِ تَجلَّى منذُ حداثتِهِ، ومَنْ يقرأُ "جَريدَةَ الكلبِ"، لا يُفلحُ في النَّجاةِ من أنيابها، لأنّ العلاقةَ بين هذه الجَّريدةِ الفريدةِ، وبينَ قُرَّائِها، هي أيضاً علاقةٌ فريدةٌ، وطريفَةٌ في آنٍ معَاً، فهي الجَّريدةُ الوحيدةُ –على ما أَعرفُ وما استقصيَت- الَّتي ظَهرَ على صَفحاتها أسماءُ قُرَّائِها أجمعينَ آنذاكَ، ولا نستثني مِنْهم أحداً.وقرَّاءُ "جريدةِ الكلبِ" في الواقعِ، ليسوا من الكَثرةِ حتَّى تضيقَ صفحاتُها عن ذِكرِهم، بل إنَّ كثيراً من مقالاتِ "الكلبِ" ما كانتْ لتصدرَ لولاهم، ذلكَ أنَّ رئيسَ التَّحريرِ كانَ يجدُ في قُرَّائِهِ المصدرَ الأغزرَ للتَّعليقاتِ، ويصلُ عن طريقِ التَّعرُّضِ لهم إلى ما وراءِ الأحداثِ الَّتي يكونونَ على صلةٍ بها، لا بل أنَّه كثيراً ما شَرح الأحداثَ الّتي كانت تَجري عبرَ الإتيَانِ على ذكر هذا الصَّديقِ، أو ذلكَ الرَّفيقِ، مِمَّنْ كانت تربطُهم بـ"الكلبِ" أوثقُ الصِّلاتِ، أو أوهاها أحياناً.

وتَصدرُ "جريدة الكلبِ" عَلناً بعدَ رحيلِ "صدقي إسماعيل" رئيسُ تحريرها بنيّف وعشرِ سنواتٍ، في "حُلّةٍ قَشَيبةٍ" في ستمئةٍ وأربعِ صَفحاتٍ، عَنْ مطابعِ الإدارةِ السِّياسيَّةِ في سُوريَّة، بعدَ أن جمعَها، وحقَّقها أصدقاءُ المؤلِّفِ، بإشرافِ الأستاذ "سُليمان العيسى"، الَّذي كتبَ في المقدِّمةِ: "الآن تَصدرُ الكلبُ مطبوعةً في هَذِهِ الحُلّة القَشبيَّةِ، ولم يَخطر لها حينَ كانتْ تُخَطُّ في زاويةِ المقهى أنَّها تُكتَبُ لكي تُطبَع ذاتَ يومٍ. وتصبحُ واحدةً من أندرِ الهباتِ الأدبيَّةِ، والفنيَّةِ في أدبِنا قديمِهِ، وحديثهِ. ولا أدري ما عسى يُمكنُ أن يكونَ رأيُ "صدقي إسماعيل"، رفيقُ الطُّفولَةِ والعُمرِ، في صدورِ جريدتِهِ هذه، لتكونُ مُلكاً للأجيالِ العربيَّةِ لو كَانَ بينَنا الآن؟([1]).

إنَّ رأيَّاً "لصدقي إسماعيل" لم تَحظَ فيه لأنَّه رَحلَ، لكنَّ جواباً عن سؤالٍ نطرحه: ما الموضوعاتُ الَّتي عَالجَها "صدقي إسماعيل" في "جريدةِ الكلبِ"؟ فنقرأُه في تحقيقِ كَتَبَه الأستاذُ "زهيرُ مارديني"، ونشرَهُ في مجلَّة "الأُسبوع العَربيِّ البيروتيَّة" عام 1963، عنْ لسانِ صاحبِ "جريدةِ الكلبِ": "المقالُ الافتتاحيُّ، المانشيتُ، المقالُ الرَّئيسيُّ، وهو خاصٌّ بالجَّوِ السيِّاسيِّ، الطَقس، كلمةُ العددِ، مقالٌ في السِّياسَةِ الدُّوليَّة، يوميَّاتُ رئيسُ التَّحريرِ، والإخوانيات، وهذا البابُ خاصٌّ بالكشفِ عن أسرارِ رجالِ السِّياسَةِ، ريبورتاج، صورةُ العددِ، والإِعلانات.. إلخ"([2]).

فهل سارَ "صدقي إسماعيل" على هَدْي ما أجَابَ؟ وهلْ التزمَ ما كُتِبَ؟ نَعمْ، لقد التزمَ "صدقي إسماعيل" ما كَتبَ، فعكفتُ عليه جَمعاً وتَبويباً، وتخيَّرتُ ما هو يُعرِّف ويفيدُ. فماذا عن "جَريدةِ الكلبِ"؟ وماذا عن اتِّجاهاتِها؟ وماذا أعطتْ، وأفادَتْ؟

أوَّلاً-"الكلبُ": إِصدارَها، واتِّجاهاتُها العَامَّةُ:

"الكَلبُ" جريدةٌ يكتبها "صدقي إسماعيل" بخطِّ يدِهِ، ويرسمُ عنوانُها، وينظُمُ كلَّ ما فيها شعراً سَاخِراً عَميقاً لاذِعاً، يستعرضُ فيه كلَّ ما يَخطُر على بالِهِ، فكان في حياتِهِ تجربةً فنيَّةً من أطرفِ التَّجارُبِ وأذكاها، تلك الَّتي عَرَفَها تُراثُنا الأدبيِّ الضَّاحِك منذُ أَقدمِ العُصورِ إلى الآنَ، هذا الجَّانبُ الآخرُ من آثاره –الجَّانبُ الأدبيُّ السَّاخِرُ- الَّذي تَجلَّى في جريدتِهِ الجَّميلةِ "الكلبِ"، لم يتوقَّفْ "صدقي إسماعيل" عن التَّطرُّقِ إليه منذُ أن بَدَأَ يكتُب، إلى آخرِ يومٍ في حياتِهِ، فهل يكونُ بالمستطَاعِ تَصنيفُ هذا "الجِّنسُ" في بَابِ الشِّعرِ؟، وهل "للكلبِ" –وهو التَّسميةُ الَّتي اختارَها "صدقي إسماعيل" –عنواناً نهائيَّاً لصحيفتهِ، أيَّةُ أهميَّةٍ؟ وهل تشكِّل مؤشراً له مغزى ما؟ وما الموضوعات الَّتي عالجتها؟

جَرِيدَةٌ نكْتُبُها بالشِّعْرِ

تَصْدُرُ في الأُسبُوعِ أَوْ فِي الشَّهْرِ

تُعَالجُ الأُمُورَ باتِّزَانِ

وتَخْتُمُ الجَميِعَ بالمَجَّانِ

نَخُطُّها([3]) في البَيْتِ أَوْ فِي المَقْهى([4])

في نُسْخَةٍ وَحِيدةٍ فاقْرَأْهَا

واحْرِصْ عَلَى أَعَدادِها المَخْطُوطَهْ

فَالشَّامِ لا تَسْوَى([5]) بِدُونِ الغُوطَهْ

لمَّا كانَ الجَّوُّ الاجتماعيُّ –منذُ فجرِ الاستقلالِ- أسيرَ الجُّمودِ الَّذي سَادَ فَترة الانتدابِ، وكانَ التَّعبيرُ يدورُ ضِمنَ إطارِ الأشكَالِ التَّقليديَّةِ، اتَّخذَ "صدقي إسماعيل" من الأدبِ وسيلةً للنِّضالِ منْ أجلِ ما يَعتقدُ أنَّه الحقُّ، فكتبَ الأجناسَ الأدبيَّةَ بأنواعِها([6])، إلاَّ أنَّها كلَّها لم تُرضِ نزوعه العجيبَ إلى الرَّسمِ (الكَاريكَاتوريُّ) بالكلماتِ، وبالشِّعر المَوزُونِ، المُقفَّى على وَجهِ التَّحديدِ، ضمنَ هذه الأُطُر، فجَّر "صدقي إسماعيل" ثورةً في التَّعبيرِ عندما أنشأ جريدتهُ غيرَ المعروفةِ –"الكلَبِ"- والَّتي بدأتْ بالصُّدورِ منذُ أوائلِ الخمسيناتِ في فتراتٍ غيرِ منتظمةٍ، ولم يكنْ لصدورها أيُّ موعدٍ محدَّدٍ، فعندما يلتَقطُ رئيسُ تحريرِها "صدقي إسماعيل" حادثةً يعملُ فيها قَلمه البارعُ، ويبدأُ بكتابةِ العدد شِعراً وبخطِّ يدهِ، يُعِدُّ منها نَسخةٌ، أو نَسخَتين، لينقلَها بعدَ ذلكَ منهُ مَنْ يُحبُّ، يتناولُ فيها الأحداثَ، والأوضاعَ العامَّةَ بسُخريَّتهِ الفريدةِ، وتعليقاتِهِ المَعروفَةِ، ترفُده في ذلكَ كُلِّه، ثقافةٌ عميقةٌ واسِعةٌ، في شتَّى أنواعِ المعرفَةِ، فيتوزَّعُ (القرَّاء) من الأصدقاءِ الأقربينَ النَّسخَة المخطوطةَ في دمشقَ، وحلبَ، واللاذقيَّةَ، وغيرَها من المُدنِ السُّوريَّةِ، وربَّمَا انتقلتْ النَّسخةُ إلى الأقطارِ العربيَّةِ الشَّقيقةِ، وتداولَها الأصدقاءُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ولا يَدري أحدٌ أينَ كانتْ تَستقرُّ مُعظمَ هَذه الأعدادِ المَخطوطَة، والَّتي قلَّما ضُربتْ على الآلةِ الكاتبةِ، وكثيراً ما كانَ العددُ يختفي لَدى أَحدِهم الَّذي يَضنُّ به، ولا يَعترِفُ بوجودِهِ لديه، ولذلكَ ما يزالُ الكثيرُ منها مَفقوداً معَ الأسف، فضاعَت قصائدُ ثمينةٌ.

الجَّريدةُ لها شخصيَّةٌ متميَّزةٌ، فكُلُّ موادِّها مكتُوبَةٌ بالشِّعرِ الفَصيحِ([7]) وطَابَعُها الأساسيُّ هو أنْ تعالجَ الموضوعَاتِ، والمَشاكلَ الاجتماعيَّةَ، والسِّياسيَّةَ، بأسلوبٍ ساخرٍ لطيفٍ([8])، وسرعانَ ما أصبحَ "الكلبُ" ظاهرةً فريدةً في الأدبِ السِّياسيِّ، والاجتماعيِّ، ذلكَ أن الرُّؤيا الواضحَةَ الَّتي كانَ يتحلَّى بها رئيسُ التَّحريرِ، جَعَلَتْ من جَريدتهِ مَرصدَاً فريداً للأحدَاثِ الأدبيَّةِ، والسِّيَاسيَّةِ، والاجتماعيَّةِ ليس في سوريَّةَ وحدَها، وفي الوطن العربيِّ، بل إنَّه تجاوزَ حدودَ الوطنِ الكبيرِ، ليسجّلَ أهمَ الأحداثِ الَّتي شَهدَها العالمُ بينَ بدايةِ الخَمسيناتِ، وبدايةِ السَّبعيناتِ، فكانتْ لها زاويتُها الخاصَّة الفريدةُ في نوعِها، واستمرتْ شَاهداً على هَذا العَصرِ([9]).

فحينَ كَتَبَ "صدقي إسماعيل" الشِّعر بنوعَيْه: الجَّادّ والسَّاخر، فإنَّ جريدةَ "الكلب" اختصَّت بالشِّعرِ السَّاخرِ، ولم يكن هذا الاختصاص في الواقعِ، إلاَّ امتداداً للقصائد "الحلمنتيشيّة"([10]) الَّتي كانَ يكتُبها الشّاعر مع مجموعةٍ من رفاقهِ بغزارةٍ منذُ كانوا طلاَّباً في الثَّانويَّةِ، ويتَّخذونَها أسلوباً من أساليبِ التَّعبيرِ عنِ التَّمرُّدِ، والثَّورةِ على التَّجزئةِ، والتَّخلُّفِ، والفَسادِ، ودعوةٌ إلى رفضِ الواقعِ وتغييرهِ على امتدادِ وطننا العربيِّ الكبير، كما نجدُ أسماءَ كثيرٍ من أصدقاءِ الشَّاعرِ في قصائدهِ "الحَلمنتيشيَّةِ" يمرُّ بهم، ويُداعبهم، ويستعرضُ أخطاءهم، وعيوبَهم، أحياناً بأسلوبهِ الذَّكي الرَّشيقِ، من دونِ أن يَجرَحَ أحداً بكلمة. كانَ الحُبُّ وحدَه هو الَّذِي يُحرّك كلَّ كلمةٍ يكتُبها "صدقي إسماعيل"، وهذا سِرُّ أسلوبِ صاحبِ "الكلبِ" الَّذي انفرد بهِ من بينِ السَّاخرينَ في أدبِنا العربيِّ. فهلْ يكون بالمستطاعِ تصنيفُ هذا "الجِّنسِ" في بابِ الشِّعرِ؟

لقد أعطتْ هذهِ "الجَّريدةُ" –الَّتي كانتْ تُصاغُ بأسلوبٍ موزُونٍ –الشِّعر نكهةً الصَّحافَةِ، ونَزعتْ عنهُ ملامحَ الوَقارِ المُضجر، بعد أنْ سَخِرَتْ من أغراضِه، وانتقدَتْها، مَوظِّفةُ شكلهُ التَّقليديِّ لسردِ وقائعِ الحياةِ اليوميَّةِ، والتّعليقِ عليها من مَوقعِ النَّقدِ أو السُّخريَّةِ، ومُتَّخذةْ من أغراضِهِ التَّقليديَّةِ من مَديحٍ، ورثاءٍ بشكلٍ خاصٍّ، دريئةً تُصيبها كلَّ يومٍ، وابتكرَتْ للصَّحافَةِ أسلوباً مُمتَنِعاً يقف حاجِزاً يَحميها مِنْ أرَجالِ المعتدينَ عليها، ومن هذا المَزيجِ –المتفجِّر أحياناً- من مقدارينِ من الشِّعرِ، وثلاثةَ منَ الصَّحافةِ([11])، أبدعَ "صدقي إسماعيل" صحَائِفَه المتعدِّدة الأسماءِ:

1-في أوائلِ الأربعيناتِ –وفي حيّ السَّبكيِّ الدِّمشقيِّ- أصدرَ جريدةَ "فلتاتِ المِنْشَارِ"([12])، أولى الصُّحفِ السَّاخِرةِ، بالأسلوبِ نَفسهِ، وبخَطّ اليدِ أيضاً، شَارَكَ في تحريرِها جَمهرةٌ دُوّنَتْ أسماؤُهم على صحيفةٍ خاصَّةٍ تحتَ هذهِ العبارةِ: "قَصَّهُ، وجلَّده، وحرَّره، ورتَّبه، ونظَّمه، وجمعه، وصحَّحه، وعلَّق عليه، وساهم في نظمه، الأخوانُ: سُليمان العيسى، مسعود الغانمِ، وصدقي إسماعيل، ويوسف شقرا، وجميلُ سيف الدِّين، دوّنت المجموعة في دفترين مدرسيين"([13]).

2-"الجِسرُ" وهو اسمٌ مؤقَّتٌ، اعتمدَه الشَّاعر "صدقي إسماعيل" عِندما أقامَ في "حيِّ الجِّسرِ الأبيضِ" الدِّمشقيِّ المعروفِ، وخطرَ له أن يُسمّي "الكلبَ" باسم حارَتِه في بعضِ الأعدادِ، وأظهر ذلك في أبياته التَّاليةِ:

وَفَاءً لحَارتِنا قَدْ دَعَوْنا

 

 

جَريدَتَنا بِاسْمِها فاعْلَموا

وَكَانَ اسمُها "الكَلْبُ" مِنْ قَبلِ ذاكَ

 

 

ولَكِنَّ مَغْزَاهُ لا يُفْهَمُ

أَلَيسَ الصَّحَافَةُ رَمْزٌ النُّبَاحِ

 

 

وإنَّ الكِلابَ به([14]) أَقْدمُ

وللكَلْبِ مَأُثُرَةٌ... إِنَّهُ

 

 

بَسِيطٌ وَبِالْمَالِ لا يُلْجَمُ

3-وبقيَ "الكلبُ" تَسميته الأخيرةُ عنواناً فَريداً، مميَّزاً بينَ إبداعَاتِه المتنوِّعةِ:

* فَمَنْ يصدِّقْ أنَّ هذه الجريدة، وُلِدت صبيحةَ قيامِ حُسني الزَّعيمِ بانقِلابِه؟ كانت تَصدُرَ مُتجاهِلَةٌ جميعَ الأنظمةِ والقوانينِ؟

* مَنْ يصدِّقْ أنَّ الجَّريدةَ الَّتِي تناولَتْ بالنَّقدِ والتَّجريحِ جميعَ الحُكَّامِ الَّذِين تَعاقبوا على الحُكمِ منذُ عام 1949، لم ينلْ صاحبها أيَّ سوءٍ؟

* مَنْ يصدِّقْ أنَّ هذه الجَّريدةَ تصدرُ مِنْ دُونِ تَرخيصٍ، من دُونِ اعترافٍ بوجُودِ الدَّولةِ الَّتي تُعطِّل عادةً الصُّحفَ الَّتي تتحدَّاها؟

* مَنْ يصدِّقْ أنَّ "جريدةَ الكلبِ" الَّتي فضَحتِ الحُكَّامَ، وانتقَدت أنظمةَ الحُكمِ بسخريّةٍ لاذعَةٍ، قد لعبتْ دوراً مُهمَّاً في حياةِ سوريَّةَ السِّياسَّةَ يعرفُه جيِّداً حكامُ دمشقَ؟

* من يُصدِّقْ أنَّ "صدقي إسماعيل"، -وبعدَ طول تفكيرٍ-، قد اختارَ أن يُقاتلَ على جبهةٍ واحدةٍ هي جبهةُ "الكلب"؟ واختارَ لذلكَ ميدانَ النُّكتَةِ الفَنِّيَّةِ ساحةً لمعركتهِ؟

فبعد أنْ فَسَّرَ رأيَه على "الكلبِ"، قالَ في إجابةٍ عنْ سؤالٍ لمراسلِ مجلَّةٍ أسبوعيَّةٍ: "لماذا أطلقتَ عليها اسم "الكلبِ"؟ أجابَ –تفسيراً لهذا الاختيار-: "لأنَّ "الكلبَ" هو الكائنُ الَّذي يحقُّ لَه أنْ ينبحَ، من دونِ أن يُلزمهَ أحدٌ بشيءٍ"([15]). وهكذا صدرَ العددُ الأوَّلُ في دمشقَ../ 1370هـ وكانَ شِعاره([16]):

جَرِيدَةٌ مُختَصَّةٌ بِالشِّعْرِ

تَصْدُرُ مَرَّتَيْن كُلَّ شَهْرِ

إِنَّ خَيْرَ القُرَّاءِ مَنْ لا "يضُوُجُ"

ذَنَبُ الكَلْبِ دَائِماً مَعْوُوجُ

ثانياً-شعار "الكلب"، ويوميَّات رئيس تحريرها

إنَّها جريدةٌ تصدرُ بالشِّعرِ، ولكنَّ صدورَها مرَّتَين في الشَّهرِ، وحينَ صدرَ العدَدُ الأوَّل في دمشقَ([17])، كان شعارُ المجلَّةِ، أو الجَّريدةِ، بيتٌ منَ الشِّعرِ:

إِنَّ خَيْرَ القُرَّاءِ مَنْ لا يَضُوجُ

ذَنَبُ الكَلْبِ دَائِمَاً مَعْوُوجُ([18])

لكنَّ صاحبَها –وفي بعضِ أعدادِ هذه المجلَّةِ –وفي العددِ (63)- الصَّادرِ في دمشقَ 30/5/1965 يؤكِّدُ على أنَّ هذه الجَّريدةَ، أو المجلَّةَ، "شعريَّةُ الأغراضِ"، "وليسَ فيها أي سَطرٍ فاضٍ"، لأنَّها لا تتركُ أمراً سياسيَّاً، أو فنيَّاً، أو اجتماعياً، إلاَّ وتعالجُه شِعراً، وبطريقةٍ سَاخرةٍ لطيفةٍ، ومن دُون ذلكَ، فإنَّها سوفَ تضيعُ الطَّاسَة، إذ يقول:

جَريدَةٌ شِعْريَّةُ الأَغْرَاضِ

وَلَيْسَ فِيهَا أيُّ سَطْرٍ فَاضِي

شِعَارُها مَتَانَةُ القَوافِي

وَحِفْظُكُمْ مِنْ وَصْمَةِ الإِسْفَافِ

فِي الشِّعْرِ وَالفَنِّ وَفِي السِّياسَهْ

من دُونِها سوفَ تَضيعُ الطَّاسَهْ([19])

وفي العددِ نفسِه رتَّب "صاحبُ الكَلبِ" "صورةَ الكلبِ"، ووضعَها بعد شعارِ المجلَّةِ، وذيَّلَها بأبياتٍ شعريَّةٍ، فيها من الظَّرْفِ، والدَّعابةِ ما يجعل الكَلبَ إنساناً رشيقاً يحبُّ "السوَّاحا"، وعندما سألَه هلْ نسي النُباحَ؟ أجابه: بلْ "تعلَّمَ المُزاحا":

كُلْبٌ رَشِيقٌ يُشبِهُ السَّوَاحا([20])

نَظْرَتُهُ تَمْلَؤُكَ ارتِيَاحا

بالأَمْسِ أَرْخَى ذَيْلَهُ وَصَاحَا

فيّ جُمَلٍ تَحْسَبُها صِحَاحَا

سأَلْتُهُ: هَلْ نَسِيَ النُّبَاحَا؟

فَقَالَ: بَلْ تَعَلَّمَ المُزَاحا

أمَّا في العدد (69)-دمشق.../2/1967، فيؤكِّد من خلالِ ما ذكرَه في المقدَّمةِ –ولا سيَّما وقتَ صدورِها-، أنَّ هذه الجريدةَ صالحةٌ للصُّدورِ، وخاصَّةً بالشِّعْرِ، في أيِّ وقتٍ من أوقاتِ الشُّهورِ، شَعارُها الوفاءُ للكلبِ، للشِّعرِ لا سيَّما بقافيتهِ العَريضةِ، على الرُّغمِ من انقراضِ هذه الطَّريقةِ، وأحياناً إنَّ الشِّعرَ المكتوبَ فيها قد يكونُ بلا وزنٍ، أو قافيةٍ، وربَّما جاءَ شِعراً حرَّاً، فيصبحُ "كمن يسيرُ عارياً أو حافي":

جَريدةٌ تَصْلُحُ لِلصُّدُورِ

بِالشِّعْرِ فِي مُخْتَلِفِ الشُّهُورِ

شِعَارُهَا السَّامِي وَفَاءُ الكَلْبِ

لا لِلْعِظَامِ، إِنَّمَا لِلصَّخْبِ

لِلشِّعْرِ... بِالقَافِيةِ العرِيقَهْ

رَغْمَ انْقِرَاضِ هَذِه الطَّرِيقَهْ

شِعْرٌ بِلا وَزْنٍ ولاَ قَوافِي

كَمَنْ يَسيرُ عَارِياً أو حافي([21])

ودأبَ "صاحبُ الكلبِ" حينَ يصدرُ عدداً على أن يُشيرَ صراحةً إلى أنَّها "جريدة بخطِّ اليدِ تُكتبُ"، وشعارُها في كلِّ مرَّةٍ: "متانةُ القَوافي، وفاءُ الكَلْب، إلخ"، أمَّا في العدد (94) الصَّادر في دمشقَ../11/1968، فقد اختارَ شِعاراً سامياً هو "الأسمى في العروبةِ"، "لكنَّه في أصلِه اشتراكيٌّ؛ ثم لم ينسَ أن يقولَ إنّ مكانَ صدورِ هذه الجَّريدةِ في دمشقَ، وزمانِها في كلِّ شهر، وحدَّد بيعَها "دونَ سعرٍ" إذ يقول:

جَريدَةٌ بِخَطِّهِ مَكْتُوبَهْ

شِعَارُها الأَسْمَى هُوَ العُروُبَهْ

لَكنَّهُ فِي أصْلِهِ اشْتِرَاكي

لِذَاك فَهُوَ دَائِمُ العِرَاكِ

تَصْدُرُ في دِمَشْقَ كُلَّ شَهْرِ

لكنَّها تُبَاعُ دُونَ سِعْرِ([22])

ونحنُ نُلاحظُ في أعدادِ المجلَّةِ الأخيرةِ –العدد (103)- الصَّادر في دمشقَ../7/1969م-وهي الأعدادُ المطبوعةُ، فقد كانَ صاحبُها يكتُبُ شِعَارَ المجلَّةِ، ويضعُ اسمَها إلاَّ أنَّه أضافَ إلى ذلكَ صورةَ الكلبِ، ووضعَ تَحته هذين
البيتين:

تَخَيَّلُوا صُورَتَه هَا هُنَا

يَعْضُّ أو يَحْلُمُ أو يَنْبَحُ

فَإِنَّهُ مِثْلُ جَمِيعِ الوَرَى

إِنْ نُشِرَتْ صُورَتُهُ يَفْرَحُ([23])

ثُمَّ يكتبُ "صدقي إسماعيل" عن "جَرِيدةِ الكلبِ" نفسِها قصيدةً بعنوانِ "الكَلْبِ" في الصَّفحةِ الأُولى من العدد نفسه (103) من المجلَّة، مؤكِّداً: "ظهورَها في دِمشقَ"، شعارُها "رفعُ لواءِ الحقِّ"، قافيتُها "مدعومةً كالجِّبالِ الرَّاسيةِ"، إلاَّ أنَّه يُداعِبُ الشِّعر الحُرَّ، ويسخرُ مِنْهُ بطريقةٍ لطيفةٍ فيقول:

جَرِيدَةٌ تَظْهَرُ في دِمَشْقَ

 

 

شِعَارُهَا رَفْعُ لِوَاءِ الحَقِّ

نُصْدِرُها مِنْ عِنْدِنَا تِبَاعَاً

 

 

وَحْرْمَةُ الشِّعْرِ بِهَا تُرَاعى

وكُلُّ ما فِيها عَلَى العَمُودِ

 

 

مُنْضَبِطٌ كمِشْيَةِ الجُنُودِ

قَافيةٌ مَدعُومَةٌ بِقَافِية

 

 

مِثْلَ البِحَارِ وَالجِّبَالِ الرَّاسِيَهْ

 

وَلَيْسَ كَالشِّعْرِ بِلا أَوْزَانِ

 

 

كأنَّهُ تَبْعِيرَةُ القُطْعَانِ

بِاسْمِ الجَديدِ قِيلَ: شِعْرٌ حُرُّ

 

 

يَا مَنْ رَأَى الخِرْفَانَ إِذْ تَجْتَرُّ([24])

ويطلَعُ علينا "صاحبُ جريدةِ الكلبِ"، بصُورةٍ "للكَلبِ" بمعطفٍ وبوطٍ، ويظهرُ لنا هَيْئَتَهُ وكأنَّه بورجوازيٌّ صغيرٌ، فإذا كانَ سابقاً يكتفي بعظْمٍ كي يَسْكُت، أمَّا الآنَ فإِنَّ مستواهُ قَدْ أَصبحَ عالياً، وَلَمْ يَعُدْ يكتفي به زَاداً، وراحَ بفراءٍ يسترُ جَسدَه، ولكنَّه ليسَ ككلِّ الفِراءِ، فهو يختارُه من النَّوعِ الثَّمينِ والغَالي، فإذا خَافَ من أحدٍ، فإنَّه يختَفي في داخِله، في ذَلك يقولُ:

صورة العَدَدِ

هُنَا صُورَةُ الكَلْبِ بالمِعْطَفِ

بِالبُوطِ... إِذ طَالَمَا قَدْ حَفِي

له هَيْئَةُ البُورجُوازيِّ الصَّغيرِ

وبالعَظْمِ أَصْبَحَ لا يَكْتفي

ويَحْلمُ أَيْضَاً بِأَغْلَى الفِرَاءِ

إِذا خَافَ... دَاخِلَه يَخْتَفي([25])

إِنَّها جريدةٌ شعريَّةٌ انتِقَادِيَّةٌ، المُزاحُ غايتُها، والقولُ الصُّراحُ هدفُها، فَدعاهَا "بالكَلْبِ" الَّذي اختارَه اسماً مُصطلَحاً لها، فهو يَدعُو كُلَّ قَارئٍ لها أنْ يقدّم اخترَاعَه إليه شِعْرَاً، فماذَا قَالَ "صدقي إسماعيلُ" بنصِّه الحرفي؟

هَذهِ النَشْرَةُ لا تصُدرُ إلاَّ للمُزَاحِ

وَهِيَ تُغنيكَ عَنِ الأَنْبَاءِ بِالقَوْلِ الصُّرَاحِ

دُعِيَتْ بالكَلْبِ والاسْمُ لَهَا مَحْضُ اصطِلاحِ

فَإِذَا كَانَ لَدَى قُرَّائِها، أيُّ اقْتِرَاحِ

فَليَكُنْ شِعْرَاً.. أَصَاحِ أَنْتَ أَمْ لَسْتَ بصاحِ([26])

*يَوميَّات رئيسُ التَّحرير:

"وحين رَأيتُ أوّلَ ديكتاتوريَّةٍ تُقامُ عَلَى رؤوسنا، لَقد شَعِرتُ باشمئزَازٍ منَ التَّصرُّفاتِ المجنونةِ، والمزيجُ العجيبُ من القَسْوةِ المتنَاهِية، كَان لا بدَّ من عملِ شيءٍ ما لكشفِ هذهِ المتناقِضاتِ، وردِّ الشَّباب إلى حَقيقَتهم، فكانَتْ "جريدةُ الكلبِ" هَذِهِ الَّتي كُنتَ تستعيرَها ولا تُعيدَها"([27]). بهذِهِ الكَلِماتِ والعباراتِ الدَّقيقةِ، أجابَ عَنْ سُؤَالٍ واحدٍ، بعدَ أنْ وعدَ أن يبقَى الحديثُ سرَّاً، حيثُ كانَ في أوقاتِ القيلولةِ، ومعَ نَفَسِ الأرجيلةِ يقومُ بتحريرِ جريدتهِ المُحبَّبةُ إِلَى نفسِهِ، وكانَ "في آخرِ اللَّيلِ حينَ يعودُ إلى المنزلِ مُخدَّر اليدينِ واللِّسانِ"([28])، فكلَّما صدرَ عددٌ، "شعرْتُ بأنَّني فَعلْتُ شيئاً دونَ أنْ أََلتزمَ بِشيءٍ، لأنَّ المجلَّةِ كانتْ وسيلةَ الاتِّصالِ بأمثالِي من الشَّبابِ الَّذِينَ يُحسُّون، ويتألَّمون، ولا يَعلمونَ كيفَ ينقلُونَ هذا الحِّس والألم إلى الواقع. إنَّنا بحاجةٍ مَاسَّةٍ إلى إِطلاقِ الحُريَّةِ الكاملَة للأفكارِ الصَّادِقَةِ كَي تَتَصارعَ، لقد كَانَ الحُكَّام في السَّابقِ يُجبرُون النَّاسَ على أن يفكِّروا مِثلَهم، ومن هنا نَشَأَتِ العُقَد، فَفي بلادِ العَالَم مَجالٌ كبيرٌ لصراعِ الأفكَار، وهذا الصِّراع يفسُح في المَجالِ للتَّسامُحِ. ومن هُنا كانَ لا بدَّ للسُّخْريَةِ من أن تأخذُ طريقَها للفِرَارِ من الجُدِّ ولو مُؤقتاً"([29]). فكيفَ كانَ ينقلُ "صدقي إسماعيل" حِسَّه بالألمِ إلى الواقعِ؟ وكيفَ سَاهمَ في إِطلاقِ حريَّةِ أفكارِه كاملةً وبصدقٍ، لكي تَتَصَارعَ حتَّى فَرَّ بسُخريَّتِهِ من الجِّدِّ ولو مؤقَّتاً؟

لقد كان "صدقي إسماعيل" يُسجّلُ ما يعلَقْ في ذهنهِ من مشاهداتٍ، وما يتخيّرهُ من الواقعِ المؤلمِ من أفكارٍ، وما يشعرُ به في أوانه من أحاسيس، فها هو جالسٌ في المقهى يُفكّر، وحوله وقربه من كان يلهو متأنِّقاً بالنَّظرِ إلى الفتياتِ، و"الحديثِ عن القضايا الرَّائجات"([30])، يسجّل ويكتب:

بَيْنَ الضَّجيجِ جَلَسْتُ في المَقْهى أُفَكِّرُ بالحياةِ

وَبِقُرْبِيَ المُتَأنِّقون النَّاظِرُونَ إِلى البَنَاتِ

لا يَفْعَلُون سِوَى الحَديثِ عَنِ القَضَايَا الرَّائِجَاتِ

إِنِّي لأُشْفِقُ أَنْ أَرَى الإِنْسَانَ أَعْقَمَ مِنْ حَصَاةِ

وفي مَعرِضِ يوميَّاتِه في الحَديثِ عن "شؤونِنِا الدَّاخليَّةِ"، جَاءَ "حديثُ المِصْفَاةِ"، فأَرادَ مِصفَاتَيْن، إِحداهُمَا للنَّفْط، والثَّانيةِ "لأجلِ البشرِ"، لأنَّنا تَعبْنا، وحكامُنا أساسُ الكَدْرِ، أمَّا وإِنَّه تخيَّلَ أنَّه "يصفّي"([31]) مجلِسَ النُّوابِ، و"ينخلِّهم"، ليصبحَ عددهُمْ "15"، فدَوَّن ذلكَ بأسلوبهِ السَّاخرِ الّذي أرادَ أنْ يفرَّ بهِ من الجِّدِّ، ولو مُؤقَّتاً فيقول:

نُريدُ مِصْفَاتَيْن إِحدَاهُمَا

 



للنَّفْطِ والأُخْرَى لأَجْلِ البَشَرْ

فَقَدْ تَعِبْنَا أن نَرَى دَوْلةً

 

 

حُكَّامُنا فِيها أَسَاسُ الكَدَرْ

ومَجْلِسُ النُّوابِ لو مَرَّ فِي

 

 

مِصْفَاتِنا أَصْبَحَ خَمْسَةَ عَشَرْ([32])

*ومن "الصَّالحيَّةِ" أهمُّ أحياءِ دمشقَ وأعرقِها، رَصَدَ "صدقي إسماعيل" كَيفَ كانَتْ الآنساتُ تتمشَّى، والثُّوبُ مرتفعٌ فوقَ الرُّكبَتَيْن، والتَّلاميذُ الصِّغارُ صَاروا شباباً عاشقين، فمنْهُم من رَبَّى الشَّواربَ، وبعضُهم لبسُوا السَّوارَ، وعاشِقٌ تسمَّرَ منْتَظِراً، وتبسَّمَ آخرُ، تجمَّعَ "كالقِطاطِ يراقبون مرورَ فارٍ"([33])، فَيَتَسَمَّرُ واحدٌ من هؤلاءِ على رصيفِ الانتظارِ، وعيْنَاهُ تتحلَّقانِ يَميناً ويساراً، فإنْ ضَاحكَتْه حسناؤه عَبَسَتْ مِراراً لأنَّه له قَرار، فلنستَمعِ إلى سُخرِيَتِهِ، ولكِنْ مَاذا أرادَ مِنْ ذلك؟

في الصَّالحيَّةِ حَيْثُ تَمْشي الآنِسَاتُ بِلا وَقَارْ

بالأَمْسِ وَاحِدُهُم تَسَمَّرَ في رَصِيفِ الانْتِظَارْ

عَيْناهُ لا تَتَوَقَّفَانِ على اليَمِينِ أو اليَسَارْ

وسألْتُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي المْسْكِينُ لَيْسَ لَهُ قَرارْ

شَهْرَانِ مَرَّا وَالغَرَامُ بصَدْرِه ثَلْجٌ وَنَارْ

إِن ضَاحَكَتْهُ مَرَّةً حَسْنَاؤُهُ عَبَستْ مِرَارْ

 

بَدَأتْ تُغَازِلُ غَيْرَه

 

 

وَلكُلِّ "ماكِنَةٍ" غِيارْ([34])

لقد أرادَ أن يبيِّنَ لنا: إذا كانَ الشَّابُّ صاحبَ قرارٍ، ثابتِ الموقفِ، ضاحَكَتْه حَسناؤه وتعلَّقتْ بهِ، وإِذَا لم يَكنْ كَذَلِك عَبَستْ بوجهِهِ، وبَدَأْت تُغازِلُ غيرَه، وأخذَتْ تَعملُ بالمَثَلِ القَائِل: "أعطِ لكلِّ ذقنٍ مشطَها".

*إلى "المَدينةِ وحوادِثها" فالبنْكُ الصِّناعيُّ يُسرَقُ، وخَزنَتُه تُحْمَل من قبلِ لِصَيْن لهما سَوابقُ، إِلاَّ أَنَّ المفَاجأةَ أَنَّها كانَتْ فارغةً، وما مِنْ داعٍ لأنْ يُخبِرَ الشَّرطةِ عَنِ الحادِثةِ فكتَبَ قائِلاً:

لِصَّانِ مِنْ أَهْلِ السَّوَابِقِ هاجَمَا البَنْكَ الصِّنَاعيّ

حَمَلا الخِزَانَةَ وهي فارِغَةٌ وليسَ لذَاكَ داعي([35])

 

*إلى "حَادِثِ سَيَّارَةٍ" طَحَشَتْ مَخْزَناً مُعَدَّاً لبيع، النِّساءِ، وكانَ سائقُ السَّيَّارةِ آنسةً مِنْ بناتِ الذَّواتِ، فحينَ سُئلتْ عنْ كيفيَّةٍ وقوعِ الحادثِ، أجابتْ، "هِوايَتي الواجِهاتِ".

وسَيَّارَةٌ طَحَشَتْ مَخْزَناً يَبيعْ الكَنَادِرَ للسَّيِّداتْ

وما كَانَ سَائِقُها غيرَ بنْتٍ مُهَذَّبَةٍ من بَنَاتِ الذَّوَاتْ

وقد سُئِلَتْ: كيفَ كَانَ الصِّدامُ فَقَالتْ: هِوَايتي الواجِهاتْ([36])

*أمَّا "الاعتداء الَّذي حَصَلَ لشيخٍ ريفيٍّ فقيرٍ أمامَ قَصرِ العدلِ، فقدْ سجّلهُ، وكأنّه صورةٌ حيّةٌ ماثلةٌ أمامَ أعيننا، حينَ هاجمَ شرطيَّاً بشكلٍ فجائيٍّ، واقتيدَ إلى مَخْفرٍ ليُستَجْوَبْ فكانَ جوابه: إنَّ قَصدي من مُهاجَمةِ ذلك الشّرطيِّ أن أروي على أهلِ ضَيعتي ما يجري، وأحكي لهم أنَّني "دخلتُ في يومٍ إلى قصرٍ". فماذا قال:

شًيْخٌ مِنَ الرِّيفِ لَهُ هَيْئَةٌ

 

 

تَدْلُّ عَفْويَّاً عَلَى الفَقْرِ

أمام قَصْرِ العَدْلِ شاهَدْتُهُ

 

 

مُشَرْشَحِاً كالعدَدِ الكَسْرِي

هاجَم شُرْطياً على غِرَّةٍ

 

 

فاقْتِيدَ للسَّجْنِ عَلَى الفَوْرِ

واستجوَبُوه، فَقَال قَصدْي بأنْ

 

 

أرْوي على الضَّيْعَةِ مَا يَجْرِي

أَحْكي لَهُم أنَّي على رَغْمِهم

 

 

دَخَلْتُ في يومٍ إلى قَصْرِ([37])

*لكنَّ حادثة "السُّقوطِ" فهي مُدوَّنةٌ في صفحةِ اليوميَّاتِ الخاصَّةِ، يَروي قصَّتها: كَيفَ وقعَ "صاحبُ الكلبِ" في "جُورَةِ" أحدِ المخازنِ الَّذي فتح غطاءَ مدخَلِ "القبو" الَّذي يزوِّدُه بالمشروباتِ الرُّوحيَّة، وحدَثَ ما حَدَثْ؛ فكانَ الضَّحيَّةَ مُنذُ شَهرين إلى الآنَ –وقتذاك-، وهو ما زال ملقَى فوقَ ديوانٍ، وبلا حِرَاكٍ، فلنستَمِع إليه في تفصيل تلك الحادثة الَّتي كبتها –وكانَ يومها في باريس- قائلاً:

ما زِلْتُ في البَيْتِ مُلْقَىً فوق "ديوانِ"

 

 

بِلا حَرَاكٍ وَهَا قَدْ مَرَّ شَهْرانِ

وَقَفْتُ قَبْلَهُما فِي الكَهْفِ تَرْجَمَهُ

 

 

بالـ(كَافِ)([38]) أهْلُ فِرَنْسا مُنْذُ أَزْمَانِ

والكَهْفُ مُسْتَوْدَعٌ للخَمْرِ يَدْفُنُه

 

 

فيه أُولُو الذَّوْقِ لكِنْ دُونَ أكْفَانِ

وشَكْلُهُ "جُورةٌ"([39]) في الأَرْضِ قد حُفِرَتْ

 

 

وَهُدْسَتْ في شَبَابِيكٍ وَجُدْرَانِ

وَقَعْتُ فيها لِجَهْلي أن مَنْفَذَهَا

 

 

مِن تَحْتِ رِجْلِي بِلاَطٌ فيه بَابَانِ

تَخلَّعا فُجأةً عِنْدَ الصَّباحِ وَقَدْ

 

 

كُنْتُ الضَّحِيَّةَ من شَهْرينِ للآنِ([40])

وَعَلَى لسانِ أحدِ الأَطبَّاءِ الَّذينَ أشرفوا على "صاحبِ الكَلبِ"، حَرَّم عليهِ شربَ الخَمرِ، فيكتبُ ذلكَ في يوم الخميسِ، "يوميَّاتُ رئيس التَّحريرِ" قائلاً:



([1])-إسماعيل، صدقي: "جريدةُ الكلبِ" مقدِّمةٌ بعنوان: "معلوماتٌ قد تفيد" بقلم الشَّاعر سليمان العيسى، ص 10.

([2])-إسماعيل، صدقي: "جريدةُ الكلب"، ص 384، تحقيقُ كَتَبَهُ الأستاذُ "زهير مارديني".

([3])-إسماعيل، صدقي: "جريدةُ الكلبِ"، جمعها وحقَّقها أصدقاء المؤلِّفِ، طبعة أولى 1983، مطابعُ الإدارةِ السِّياسيّة، ص5. وفي رواية: نُصدِرُها.. وكلاهما صحيحٌ.

([4])-المصدَرُ السَّابقُ، ص5: مِنْ مقاهي دمشقَ الَّتي كانتْ تُحرَّرُ "الكلَبُ" فيها: مقهى الهَافانا، مَقْهى الرَّوضَةِ، مقهى الكَمالِ، مقهى الجِّسرِ الأبيضِ، إلى آخرِ مَقاهي الشَّام الشَّعبيةِ.

([5])-لا تسوى: لا تُساوي شيئاً. وهُنا تساهُلٌ وهو من مَبادئِ "الكلبِ".

([6])-كتب "صدقي إسماعيل": القصَّةَ القَصيرةَ، المسرحيَّةَ، الرِّوايةَ، المقالةَ الأدبيَّةَ، النَّقدَ، الدِّراساتِ، الشِّعرِ بنوعيه الجَّادُّ والسَّاخرْ، وليسَ هنا مجالٌ الحديثِ عن كلِّ ذلكَ. راجِعْ مؤلَّفاتِه الكاملَةِ الّتي صَدَرتْ في ستَّة مجلَّداتِ، الفصلُ الأوَّلُ من هذه الرِّسالة تحت عنوان: ثانياً –آثار صدقي إسماعيل".

([7])-مجلَّةُ الهلالِ المصريَّة –مجلَّةٌ شهريَّةٌ- يونية 1977، و: أبو عقل، غازي "تأمُّلاتٌ في الظَّاهرةِ الكّلبية"، الموقفُ الأدبيُّ السُّوريَّة –العدد 350- السِّنة الثَّلاثون- حزيران
2000.

([8])-مجلَّةُ الهلالِ المصريَّة-مجلَّةٌ شهريَّةٌ- يونية 1977.

([9])-أبو عقل، غازي: "من تراثِنا الحديثِ" –الثَّقافةُ الأسبوعيَّةُ –مجلَّة فكريَّةٌ جامعةٌ، تصدرُ في دمشقَ-العددُ 13-الرّقم المتسلسلُ 486-السّبت 6نيسان 1974، ص 12.

([10])-أُخذتُ كلمةُ "حلمنتيشيَّة" أو "شِعرٌ حلمنتيشي" من مجلّة أسبوعيّةٍ مصريّةٍ كانت تصدر في الأربعيناتِ، والأرجحُ أنَّها "مجلَّة الاثنينِ" أو (البعكُركة)، ثم درجتِ العادةُ على استِخدام هذه التَّسميةِ في القَصائدِ السَّاخرةِ الَّتي كانَ يتبادلُها الشَّاعرُ وأصدقاؤه منذ أوائلِ الأربعينات حتَّى آخر صدورِ "الكلبِ". وهذا الشِّعر السَّاخر الَّذي استخدمهُ صاحب "الكلب"، يُشبه إلى حدٍّ بعيدٍ فنَّ "الكاريكاتور" المعروفِ في الرَّسمِ، ولهذا الفنِّ أعلامه، ومواهبهُ المُبدعة، ومن أصدقاءِ الشَّاعر الَّذين يتبادلونَ معه "الحلمنتِيشياتِ"، ويجيدونَ نظُمَها بروحٍ قريبةٍ من روحِ المؤلِّف: سُليمان العيسى، د.وهيبُ الغانمِ، اللِّواءُ غازي أبو عقل، أحمد إبراهيم العبد الله، يَحيى الشَّهابي، المُحامي نجاة قصَّاب حسن، حسيب الكيالي.

([11])-مجلَّةُ الهِلالِ المصريَّةِ –شهريَّةٌ –يونية 1977، أبو عقل، غازي: "تأمُّلاتٌ في الظَّاهرةِ الكلبيَّةِ" –الموقف الأدبيُّ العدد 350-السَّنة الثَّلاثون –حزيران 2000.

([12])-المرجع السَّابق.

([13])-أبو عقل، غازي: من تراثنا الحديث –الثَّقافة الأسبوعيَّة- مجلَّةٌ فكريَّةٌ جامعةٌ، تصدرُ في دمشق –العدد 13 الرقم المُتسلسل 486-السبت 6 نيسان 1974، ص 12.

([14])-إسماعيل، صدقي: "جَريدة الكلبِ"، ص 37، وحارتنا: هي "الجِّسرُ الأبيضُ" بدمشقَ. حيثُ كانَ يسكنُ رئيس التَّحريرِ، وقد خَطَرَ على باله أن يسمّي "الكلب" باسم حارَتهِ في بعضِ الأعدادِ.

([15])-تحقيقٌ كتبه الأستاذُ زُهير مارديني، ونَشَرَهُ في مجلَّةِ "الأسبوعِ العَربيّ" البيروتيَّة عام 1963.

([16])-إمساعيل، صدقي: "جريدةُ الكلبِ"، ص 13-14. لا يضوجُ: لا يضجرُ.

([17])-راجع الصفحة 149 من هذا الفصل.

([18])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب"، ص 14. لا يضوج: لا يضجر.

([19])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب، ص 168.

([20])-المصدَرُ نفسه، ص 169. ويعرف الكلب، أنَّ الكلمةَ الفصيحةَ هي: "السُيَّاح" ولكنَّه لا يحبُّ أن يتعالى على قُرَّائه الكرام بفصاحته.

([21])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب"، ص 210، والأفصحُ أن تكونَ: حافياً، ويعتذرُ "الكلبُ" عن هذا التَّجاوزِ الفنيِّ.

([22])-المصدَرُ السَّابق، ص 250.

([23])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب"، ص 272.

([24])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب": ص 273.

([25])-إسماعيل، صدقي: "جريدةُ الكلبِ"، ص 312، وكذلك الصّفحةُ 11 من "جَريدةِ الكلبِ"، بخطِّ صدقي إسماعيل.

([26])-أبو عقل، غازي: "من تُراثنا الحديث" –الثَّقافة الأسبوعيَّة- مجلَّة فكريَّةٌ جامعةٌ، تصدرُ في دمشقَ- العدد  14، الرقمُ المُتسلسل 487، السبت 13 نيسان 1974، ص 2.

([27])-تحقيقٌ مع الأستاذِ "صدقي إسماعيل"، كتبَه الأستاذُ زهيرُ مارديني، ونشرَهُ في مجلَّة "الأُسبوع العربيّ" البيروتيَّة، عام 1963، والمنشورُ في "جريدةِ الكلبِ"، ص 373-415.

([28])-تَحقيقٌ مع الأستاذِ "صدقي إسماعيل"، كتبه الأستاذُ زهيرُ مارديني، ونشرَهُ في مجلَّة "الأُسبوعِ العربيّ" البيروتيَّة، عام 1963، والمنشورُ في "جريدةِ الكلبِ"، ص 383.

([29])-المصدر نفسه: ص 383 و384.

([30])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب، ص 44.

([31])-يصَفِّي: بمعنى يتقِّي.

([32])-إسماعيل، صدقي: "جريدة الكلب"، ص 47.

([33])-المصدر السَّابق، ص 125.

([34])-إسماعيل، صدقي: "جَريدة الكلب: ص 125، وكلمة "ماكنة غيار" تعني: قِطَعْ تبديل.

([35])-المصدَرُ السَّابق: ص 181.

([36])-إسماعيل، صدقي: "جرِيدة الكلب"، ص 181.

([37])-المصدَرُ السَّابق، ص 182

([38])-بالـ(كافِ): تعني بالفرنسيَّةِ Caffé "القهوة أو المقهى".

([39])-جورة: حفرة (باللُّغة الشَّعبيَّةِ) والشَّاعر يصف سقوطه فيها.

([40])-إسماعيل، صدقي: "جرِيدةُ الكلبِ"، ص 240 و241.

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة ا