مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لا خَمْرَ بَعْدَ اليَوْمِ يا كَلْبي

 

 

فَانْبَحْ كَمَا تَهْوَى عَلَى الصَّحْبِ

 

وإذا شَمَمْتَ لبَعْضِهم نَفَسَاً

 

 

فِيهِ الكُحُولُ فَخُذْه مِنْ جَنْبي

بَلْ عَضَّهُ، وَحَذَارِ "رفْسَتَهُ"([1])

 

 

كإضَافَةٍ مِنْهُ إلى السَّبِّ

عَضَّ الجَّمِيعَ فَطالَما احْتَقَرُوا

 

 

جِنْسَ الكِلابِ بدوُنَما ذَنْبِ

إلاَّ النُّبَاحَ وَنَابُ صَاحِبهِ

 

 

عَنْ نَزْعَةِ العُدْوَانِ لا يُنْبِي

بَلْ كُنْتَ حَارِسَ كُلِّ مُخْتَبِئٍ

 

 

في بَيْتِهِ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ([2])

بعضٌ من نماذجَ ساقَها لنا "صاحبُ جريدةِ الكلبِ" في يوميَّاتِه، فإذا ما أَطلقَ أفكارَهُ الَّتي يؤمنُ بها بحريَّةٍ صادقةٍ كي تتصارَعَ، ويستفيدَ منها الآخرُونَ-ولو كانت المادَّةُ المنشورةُ طريفةً- فإنَّ هذا الصِّراعَ الَّذي قصدَهُ "صدقي إسماعيل" يُفْسحُ في المجالِ للتَّسامحِ. فهل أَخذَتِ السُّخريَّةُ طريقَها للفرارِ من الجَّدِّ ولو مؤقَّتاً؟ وهل تَسامحَ "صدقي إسماعيل" مع نفسه، وتسامحَ الآخرون مع أنفُسِهم ومعهُ على نحوِ ما أراده؟ أسئلةٌ تطرحْ ونحنُ بانتظارِ الجَّوابِ؟. فهلْ "للكلبِ" التَّسميَةُ الَّتي اختارَها "صدقي إسماعيل" عنواناً لصحيفتهِ أيَّةُ أهميَّةٍ؟ هلْ تشكِّلُ مؤشِّراً له مغزى ما؟ هلْ مؤسِّسُ "الكلبِ" هو "كَلْبيٌّ" فلسفيَّاً، أمْ "كَلبويٌّ"([3]).

يقولُ "صدقي إسماعيل": "... وكانَ اسمُها "الكلبُ" من قبلِ ذلكَ، ولكنَّ مغزاهُ لا يُفهم"([4]). ما المَغزى من هَذَا القَوْلِ؟ ما المغزى إنْ لمْ يكنْ إشارةً إلى المدرسةِ الفلسفيَّةِ الإغريقيَّةِ القديمةِ، مدرسةُ انتستانس وديوجانيس وأتباعهما، الَّذين عُرفوا باسم الكَلبيينَ؟

لغويَّاً وفلسفيَّاً: "الكلبيُّ": هُو الرَّجلُ الَّذي ينتَقدُ التَّقاليدَ، والأوضاعَ، وقواعدَ الأخلاقِ بتهكُّمٍ، ويُخالفها بغير حياء"([5]).

وفي تعريفٍ آخرَ "للمثَّقفِ الكلبيِّ": هو شخصٌ غريبُ الأطوارِ، أصيلٌ متوحِّدٌ منزَوٍ، أخلاقيٌّ استفزازيٌّ، وعنيدٌ مصمِّم"([6]). و"صدقي إسماعيل" ذلكَ الرَّجلُ النَّاقِدُ، السَّاخر، اللاَّذعُ، والكتلةُ من أعصابٍ متحرِّكةٍ، والكتلةُ من حماسٍ ملتهبةٍ، السَّاخرُ بكلِّ شيءٍ، الهازئُ من كلِّ شيءٍ، لم يستطعْ خلالَ حياتِهِ أنْ يطردَ "إِنسانَهَ الجُّنيّ" السَّاكنُ في أعماقهِ، ولم يتحرَّرْ مِنه، فقدْ ظَلَّ هذا الإنسانُ أسيراً في عروقه، يكبِّلُ آدميَّته، فهل استَمرَّ الحالُ على المنوالِ نفسِه؟

في العودةِ إلى "الكلبِ"، واستناداً إلى ما سَبَقْ، يمكنُنا استخراجَ نماذجَ كثيرةٍ، وأسئلةٍ منْ "جريدةِ الكلبِ"، بعضُها "كلبيٌّ، وبعضُها "كلبويٌّ"، ولكنَّها لا تشكِّل دليلاً على موقفِ صاحبِ الجَّريدةِ السَّاخرِ. ففي "الزَّاويةِ الفلسفيَّةِ([7]) نتوقَّفُ عندَ "فلسفةِ الماءِ عندَ بديعِ الكَسْمِ" في تعريفٍ للماءِ، وأنَّ أسماءَ كثيرةً مِنْها "الثَّلجُ":

للمَاءِ في التّعريفِ أسْمَاءُ

 

 

فالثَّلجُ جَوْهَرهُ هُوَ المَاءُ

وهْوَ البُخَارُ تَظُنُّهُ نَفَسَاً

 

 

فَإِذا بِهِ قَطْرٌ وَأَندَاءُ

ومنها "الكُحولُ":

 

وَهُوَ الكُحُولُ إذا مَزَجَتْ بهِ

 

 

عَرَقَاً وصِحْتَ: الكَأْسُ بَيْضَاءُ

ومنها "الفَراغُ"، أي "السَّرابُ" و"الحَيَاءُ":

نَعْني السَّرابَ وَقَدْ غَدَا مَثَلاً

 

 

للفَاشلِيِنَ وَلَوْ هُمُ استَاءُوا

وهو الحَيَاءُ إذا أردْتُ بِهِ

 

 

مَاءَ الوُجُوهِ.. وفيه آراءُ

أمَّا في كيفيَّةِ فقدانِ ماء الوَجهِ، فالنِّساءُ لهنَّ طريقةٌ في فَقدهِ هي: "زَعرنَاتُ الحبّ":

في زعرنَاتِ الحُبِّ تَفْقِدُهُ

 

 

الحَسْنَاءُ حتَّى وَهْي عَذْراءُ

والمناضلُون يفقدونه في "لَغْوٍ وضَوضاءٍ":

ومعَ النِّضَالِ يَجِفُّ رَونَقُهُ

 

 

فِيمَنْ لَهُمْ لَغْوٌ وضَوضَاءُ

أَمَّا الفيلسوفُ فإنَّه يفقدُ ماء وجههِ: "إذاً تَكون له نفسٌ أمامَ الحكم خضراءُ"([8])، وهذا يلتقي مع ما كتبه سلوترديك([9]) أنَّ "الكلبي Kunicua قد تحوَّل إلى كلبويٍّ Cynique، وهذا النَّوعُ يفضَّلُ المساكِنَ المريحةَ، على برميلِ ديوجانيس([10])، وهو يشكّل الحالةَ الحديَّةَ للكآبةِ المُبهمَةِ، وحينَ يهاجمُ العالَم الخارجيَّ؛ فإنَّه يحاولُ بذلكَ إنهاءَ صراعهِ وتصريفهِ: إنَّه يضرِبُ الآخرينَ ولكنَّه يستهدِفُ نفسَه"([11]).

وكان سلوترديك كَتَبَ عن "الكَلبويِّ" المعاصِرِ، بعد انقضَاء نحو عشرينَ عامَاً على ثوراتِ الطُّلابِ في أُوربا، وسَخِرَ من زملائِه ثوّار 1968 الَّذينَ استخلَصُوا من فَشلِ تلكَ الحَركاتِ فقدانَ الأملِ بكلِّ تغيير، فراحُوا يبرهنونَ عن واقعيَّتهم، وانتهازيَّتهم، وانصياعِهم، بأن أصبحوا اليوم يديرون المنظُومَةَ الَّتي كانت تُثيرُ "غثيانِهم"، هؤلاءُ همُ "الكلبويُّونَ الكاملونَ": إنَّهم الجِّراء الَّتي تحتجُّ، وتكشِّر عن أسنانها (لا عن أنِيابها)، لكنّها لم تَعْد تعرفُ لا النُّباحَ، ولا العَضَّ: "وما يميّزُ الكلبويُّ دائِماً هو تحالُفُه مع الَّذي يدمِّرهُ، ويجعلُهُ تافِهاً، بينَما الكلبيُّ فهو الأصيلُ الَّذي يلتَهِمُك بلقمةٍ واحدةٍ إذا دِستَ على ذيلهِ"([12]).

وأَمَّا في "فلسفةِ النَّباتِ"([13]) فقد انتهى "صاحبُ الكلبِ" إلى رأي مفادُه أنَّ "الزّرعَ أعقلُ ما رأيتُ"([14])، وأنَّه ينمو طليقاً في فضاءٍ رحبٍ، لكنّه متشبِّثٌ بالأرضِ، فهوَ لا يَخشى الفَنَاءَ كالدَّهرِ، فإِنْ سقيتُه نِصفَ سِقايةٍ يقول: "أشكُركَ ارتويت"([15]):

لَوْ كَانَ إِنْسَانَاً لَقَالَ

 

 

عَرَفْتُ أَصْلِي فاهتَديْتُ

وَوَضْعتُ فَلسَفَةً وَفِي

 

 

تَفْسِيرِها دَوْماً حَكَيْتُ

بالعَقْلِ واللاَّعَقْلِ لَوْ غَيري

 

 

اسْتَحَى كُنْتُ اسْتَحيْتُ

لَعَنَ الإِبَاءُ أَبَا الَّذِينَ

 

 

أَبَوْا لِذَلكَ مَا أَبَيْتُ

 جريدة الكلب هي أطرف مجلةٍ فكاهيةٍ عربيةٍ كانت عجيبة لأن رئيس تحريرها أستاذ فلسفة.

 
إِنَّ "جريدةَ الكلبِ" هي أطرفُ مجلَّةٍ فكاهيَّةٍ عربيَّةٍ، ظهرت في رُبعِ القَرْنِ المَاضي، كانتْ مجلَّةً عجيبةً، يملُكُها ويحرُّرها شخصٌ واحدٌ وهو "صدقي إسماعيل"، فهو من أَغزَرِ الأدباءِ العربِ المُعاصرِينَ إنتاجاً، ومن أكثرهم ثقافةً، ومن أرقاهم خُلقاً، وَسُلوكاً، وهذه الجَّريدةُ الفريدةُ خَصَّتِ الفلسفةَ بمكانةٍ ملحوظةٍ، فلا غرابةَ في ذلك، فرئيسُ تحريرها أستاذُ فلسفةٍ، ويضيقُ المجالُ بنا عن كتابةِ وعرضِ كُلُّ ما جاءَ عنها على قَلمهِ في "الكلبِ"، ولكنَّ عدداً واحداً يحمل الرقم (46)، في آذار 1964-السَّنةِ الرَّابعة-، يحتوي على مطوَّلةٍ "تنافس جِدَّتها معلَّقَةُ عمروُ بن كلثوم.. يتحدَّثُ فيها "صاحبُ الكلبِ" عن رحلةٍ قامَ بها إلى باريسَ، ويسجَّلُ خواطره خلالَ الرِّحلة، وهي تُؤلِّف عَدَداً مستقلاًّ عن "الجَّريدةِ"([16])، يتضمَّنُ تحقيقاً فَريدَاً بعنوانِ "الرِّحلةِ"، فالطَّائرةُ تحلّقُ فوقَ بلادِ اليونانِ، وإيطاليا، وصُولاً إلى فرنسا، و"صُدقي" يسترجعُ من عليائهِ ذكرى الفلاسفةِ القُدامى، ويقدّمُ نبذةً عن رُؤاهم الفلسفيَّة. ولمَّا كانتِ الطَّائرةُ تُحلّقُ فوق أثينا، كان "صدقي إسماعيل" رئيس تحريرِ "جريدةِ الكلبِ" يكتبُ:

وحَاصِلُهُ... رَكِبْنا الجَّوَّ حتَّى

 

 

وَصَلْنا فِي المَسَاءِ إلى: "أثينا"

ولَمْ نَهْبِطْ، ولكِنَّا ذَكَرْنَا

 

 

فَلاَسِفَةَ العُصُورِ الأَقْدَمِينا([17])

وراحَ يذكُرُ بعدها أسماءَ الفلاسفةِ ويعدّدهم: "أفلاطون، أرسطو، ابن رشد، ابن سينا، وأبيقور" فيقول:

ذَكَرْنَا يَومَ أفلاطُونَ أَفْتَى

 

 

بِتَركِ الحُكْمِ للمُتَفَلسفِينا([18])

ويَطيرُ الخيالُ به إلى "أرسطو" ويذكرُ "ابنَ رشدٍ"، و"ابنَ سينا" فيقول:

وَطَارَ بنا الخَيالُ إلى أَرِسْطو

 

 

مُعلِّمْنا وشَيْخ مُعَلِّمينا

ذَكرْنا كَيفَ أثَّرَ في ابنِ رُشدٍ

 

 

فلخَّصَه وجُنَّ بهِ ابنُ سينا([19])

و"أبيقورُ" الحكيمُ الواسعُ الاطِّلاعِ، والفِكرِ العميقِ، والدَّاهيةِ الَّذي قالَ عن "وَهمِ الموتِ": "إنَّ الإنسانَ خالدٌ في الطَّبيعةِ" فقد كتبَ عنه "صدقي إسماعيل" قائلاً:

وَأَعْمَقُ مِنْهُ في رَأْييِ وَأَدْهَى

 

 

أبيقورُ الّذي قَدْ تَجْلُونَا

حَكِيمٌ قَالَ إِنَّ المَوتَ وَهمٌ

 

 

وَإِنَّا فِي الطَّبيعَةِ خَالِدُونَا([20])

وبعد "أفلاطونَ"، و"أرسطُو"، ووقارُهما الرَّصينُ، والحكيمُ "أبيقورَ"، ينتقِلُ صاحبُ "المعلّقةِ الفلسفيَّةَ" إلى واحدةٍ من مدارسِ الفلسفةِ الإغريقيَّةِ القديمةِ، مدرسةُ مُحبِّي المُتَعِ، والرَّفاهيَّةِ، والحياةِ الَّلذيذةِ المتميّزةِ بنوعٍ من رهافةِ الذَّوقِ في اختيارِ تلكَ المتعِ، مدرسةُ "أبيقورُ وشيشرونَ"، فيقولُ عنهما:

لنا مِتَعُ الحَيَاةِ إذا وَرَدْنا

 

 

يَنابيعَ الحَيَاةِ مُهذَّبِينا

وهذا رَأيُ تِلْميذٍ عَظِيمٍ

 

 

لأبيقُورَ يُدْعَى شَيشْروُنا([21])

ولعلَّ التَّعريفَ "المدرسيَّ" للأبيقوريَّةَ يلفتُ النَّظرَ إلى ضَرورةِ "رَهافَةِ الذَّوقِ" في البحثِ عن المُتعةِ، والابتعادِ عن "الغرائزيَّةِ البهيميَّةِ"، و"صدقي إسماعيل"، تَنبَّه إلى هذه النقطة الحسَّاسة ولم تفته فجاءت: "إذا وردنا ينابيع الحياة مهذَّبينا".

إِنَّ صاحبَ "الرِّحلَة" أغفلَ ذِكرَ روَّاد المدرَسةِ الكلبيَّةِ من: فلاسفةِ الإغريقِ القُدمَاء، ممَّا أجبرَ واحداً من مُحرِّري "جريدةِ الكَلبِ" على لفتِ نظرِ رئيسِ التَّحريرِ –ولكِنْ بعدَ فواتِ الآوانِ-، ورحيلِ "صدقي إسماعيل" باكِراً، وقد أبدى استغرَابه لهذا التَّناسي، وسَجَّلَ ذَلِكَ في البيتين التَّاليين:

ذَكّرَتَ جَميعَ مَنْ كَانُوا قَدِيماً

 

 

يَعُدُّهم الوَرَى مُتَفَلْسِفينا

مِنَ الإغريقِ والطُّليَانِ أَيْضَاً

 

 

فَكيفَ نَسيْتَ جَدَّكَ "ديوجينا"؟([22])

ولعلَّ السُّؤالَ الَّذي طَرَحَهُ أحدُ مُحرري "جريدة الكلبِ" وهو: "كيفَ نَسيْتَ جَدَّك "ديوجينا"؟ أظنُّ من غَيرِ المتوقَّعِ أنْ يتلقَّى جواباً عليه، "فصاحبُ المُعلَّقةِ" قد تُوفي، والدَّارِسون لأدبِ "صدقي إسماعيل" قلةٌ، ويبقى السُّؤال بانتظار الجَّوابِ؟

ولا تنسَ الجَّوَ السِّياسيَّ الرَّاهنَ أيامَ "الرِّحلةِ": "فالصُّلحُ" مؤتمرٌ كبيرٌ جلسَ فيه الحَاكمونَ العَربُ يتناقشُون، وأدلى كلٌّ منهمِ بِرأيهِ، وأعلْنُوا بقلوبٍ صافيةٍ غسلَتْها القُبلُ والعَواطِفُ، وأزالَتِ الحِقدَ، والبُغضَ الدَّفينَ، وتوَصَّلوا إلى أنَّ الوحدةَ الكُبرى ستجمَعُهم، ولو بَعدَ عدَّةِ قُرونٍ فيقول:

وأنَّ الوَحْدةَ الكُبْرى سَتَأْتي

 

 

بلا شَكٍّ وَلَوْ ضَاعَتْ قُرُونا

وَأَنَّ لنا إذا مَا الحَرْبُ دَارَتْ

 

 

قَنَابلَ وزْنُها خَمْسُونَ طُونَا

 

وَطيَّاراتُنا في الجَّوِّ جَازَتْ

 

 

جِدارَ الصَّوْتِ "حَاشَا السَّامِعِينا"([23])

وأمَّا "تَحويلُ الأُردنَ"، وقد بَدَأَتْ مؤامرةُ تحويلِ مياههِ إلى إسرائيل منذُ عام 1956، فتصدَّى لها "صاحبُ الكلبِ"، وأعلنَ جهارةً أنَّه إذا ما حُوِّلَتْ مياهُ ومَجرى نهرِ الأردنِّ، فإنَّا –نحنُ العربَ- سنحفرُ لَهُ روَافدَ، ونَقطعُ حتَّى السَّواقي، ونَحبسُ عنهمُ أمطارَ السَّماءِ إذا استطعْنا –ونحنُ نستطيعُ- لاعنِينَ جَدَّ "بن غوريون":

إذا مَا حُوِّلَ الأُرْدُنُّ يَوْمَاً

 

 

سَنَحْفِرُ لِلرَّوَافدِ أرضَ سِينَا

وَتَقطَعُ عَنْهُمُ حتَّى السَّواقِي

 

 

وأمطَارَ السَّماءِ إذا حَيينا

ونَلْعَنُ جَدَّ "بنْ غوريون" لَعْناً

 

 

إذا زادَ السُّبَابُ على أبينا([24])

وشِعارُ "بترولُ العربِ للعَربِ"، كما طَرحَهُ القادةُ العربُ، بعدَ حربِ 1967، سِلاحاً ضدَّ الإسرائيليينَ، كان قد لَفَتَ إليهِ صَاحبُ "جريدةِ الكلبِ" حينَ أعلنَ أنَّ: "بِترولَ العِراقِ تَحرسُه سُلالةُ عَارفينا"، وبترول السُّعودية "حَلالٌ كما قال الشُّيوخُ المُؤمنُونا"، وفي الكُويتِ "بُحورٌ من البترولِ فيها تَسبحُونا"؛، فلِمَ لا تجعلُوا من البِترولِ سلاحاً؟ ولِمَ لا تُحارِبونَ، وتقطعُون هذا البِترولُ أيُّها الأمراءُ العربُ، وتجرِّبوا حَظَّكم؟ فإذاعةُ مِصرُ صَرَّحتْ طويلاً، ووعَّتكُم مِنذُ سِنينَ، فلِمَ لم تستجيبوا؟:

لَنَا نِفْطُ العِراقِ يُدرُّ تبْراً

 

 

وتحرُسُهُ سُلالةُ عَارِفينا

وبترولُ الحِجَازِ لَنا حَلالٌ

 

 

كَمَا قَالَ الشُّيُوخُ المُؤمِنُونَا

وَفِي أرضِ الكُوَيتِ لَنَا بحُورٌ

 

 

مِنَ البِتْرُولِ فِيها تَسْبَحونا

بِذَلكَ –وَهْوَ مَعْروفٌ لديكُمْ-

 

 

إِذاعةُ مِصْرَ وَعَّتكُمْ سِنِينا([25])

و"في مطار روما" حيثُ سينزلُ فيه بعضُ المُسافرينَ، وهي ذاتُ تاريخٍ عريقٍ، تاهت بها عُقولُ البَاحثينَ، وفيها يحكمُ "بابا روما"، ويطبِّقُ أحكامَهُ الَّتي نَصَّ عليها ما كُتِبَ في الإنجيلِ، ورتَّبه الآباءُ القدِّيسونَ فيقولُ:

ذَكَرْناهُ بِرُوما إِذْ هَبَطْنا

 

 

لِينْزِلَ فِيه بَعْضُ مُسَافِرينا

وروما ذَاتُ تَاريخٍ بَعيدٍ

 

 

بِهِ تَاهَتْ عُقُولُ البَاحِثِينا

فَفِيها يحْكُم البَابَا ويُملي

 

 

شَرَائِعَهُ على المُسْتَضْعَفِينا

وفيها طبَّقَ الحُكَّامُ أيضَاً

 

 

مَبَادئَ "ماكيافيلي" مُخْلِصِينا([26])

 

إِلاَّ أنَّ "صاحبَ جريدةِ الكَلبِ" يحاولُ إنصافَ هذا الشَّخصِ بإيرادهِ حقيقةَ رأيهِ في الَّذينَ يَحكمونَ: وماذا تصنعُ السِّياسةُ؟ فيرى فيها كَمَنْ يُطلبُ "التِّجارة من دونِ مالٍ، ويخوضَ الحَربَ من دونِ مُحاربينا":

وَإِنْصَافَاً لِهَذَا الشَّخْصِ نَرْوي

 

 

حَقِيقةَ رَأْيهِ فِي الحَاكِمِينا

رَأى أنَّ السَّياسَةَ ـ مُنْذُ كَانتْ

 

 

مَبادئُ تصنّع الحُكْمَ المَتِينا

وِإنْ  هِيَ أصبْحتْ مَحْضَ ارتِجَالٍ

 

 

فُقلْ: صارَتْ غَباًء بَلْ جُنونا

كَمَنْ طَلَبَ التَّجَارةَ دُونَ مَالٍ

 

 

وخَاضَ الحَرْبَ دُونَ مُحاربينا([27])

ولكنَّه يُعرّجُ على قضيّةِ استخدامِ الأخلاقِ حِيناً، وحيناً على أنَّه قد يقضي عليها، فينتهي إلى غايةِ " البابا" أنّه ليسَ له شعاراتُ كبارُ، ولا أقوالَ شَرْحُها يدوِّخُ العقل الفطينا. فهو يقول:

وخَيْرُ دَعَامةٍ للحُكمِ فِعْلُ

 

 

ِبهِ أصحَابُه لا يَسْتَحُونا

ضربْتَ، قتًَلْتَ، إنّ الحُكْم راضِ

 

 

بِمِنْطِقِةِ ولا مَنْ يحزْنُونا([28])

 وكما استرْجع من علياءِ طائرتهِ ذكرى الفَلاسفةِ القُدامى، لم يغَبْ عن بَالهِ الحدثُ عن "الثّورِة الفَرنسيَّةِ"، وثوَّارِها الَّذين جاؤوا حُفاةُ مدجَّجينَ بالسِّلاح، صعَاليكَ جائعينَ، وكيفَ أعدموا المَلكَ لويسَ السَّادس عشر"، في ما الشَّعبُ الّذي يجوعُ قَرناً بعد قَرْنٍ صَابراً مستكيناً.

وفجأة تَأْتيه روحُ كرُوحِ الله لا تَلينُ، فيقول:

هُنا الثُّوار جاؤوا ذَاتَ يَومٍ

 

 

حُفَاةً بِالسِّلاحِ مُدجَّجِينا

وقد أخَذُوا "لويس" وأعدَمُوه

 

 

لأنَّهم رأَوْا مَلِكاً سَمِينا

يَجُوعُ الشَّعبُ قَرْنَاً بَعْدَ قَرنٍ

 

 

ويَصْبُرُ مُوشِكاً أنْ يَستْكَينا

ولَكِنْ فَجأةً تَأْتيهِ روحُ

 

 

كَرُوحِ اللِه ترفُضُ أن تَلِينا([29])

عادَ إلى " الجَوّ مِنْ جَديدٍ"([30])حيثُ كان يفكَّر، وهو يَطيرُ مُتَمايلاً، والريَّاح تَهبَُ عليه مَعْ مَنْ معَه في الطّائرةِ، يَصِلُ إلى "مَطارِ باريسَ"([31])، وفي" الحيَّ الَّلاتيني"([32])، أشهرُ أحياءِ فرنسا يَنزلُ ويَصفُ ما شَاهدُه،، من فتياتٍ حَسانِ، وتماثيلَ من أحجار تُمثّلُ "أوغسْت كونت، برغسون"، بعد أنْ عرَّج على السُّوربون شَوقاً إلى فِكرٍ، وَشاهَد ما شاهد إذ يقول:

نَزَلْنا أشْهرَ الأَحْيَاءِ فيها

 

 

بِه الَّلاتينُ كَانُوا يَفْخَرونا

وعرَّجْنَا عَلى السُّوربونِ شَوقَاً

 

 

إلى الفِكْر المُهذَّب بَلْ حَنِينا

فشاهدْنا أمَاَم البَابِ شخْصاً

 

 

مِنَ الأحجارِ، تِمثاَلاً ثمينا([33])

 

هنا (أوغْستُ كونْت) وقد رَأيْنا

 

 

على سَيْمائِهِ الفكرَ الرَّصينا

وقد لَحشتْ فرنسا فَيْلًسُوفاً

 

 

يُخَلَّفهُ فجابَتْ بِرغسُونا([34])

إلاَّ أنَهُ يعودُ فيُعدَّد الفَلاسفةَ المُلحدينَ، والوُجودييّنَ، وكيفَ أنَّ " ديكارتَ" لو كانَ موجُوداً لـ"بهدل" "جانْ بولَ سارتر"، أمامَ الآخرينَ دونَما تأخُّرٍ، وقالَ له:"إنّ الجِّسم شيءُ جمادُ كانَ قبلَ اليومِ طينا"([35]):

وأعْجَبُ منه أن يَأتي ورَيثُ

 

 

يَقُولُ: أنَا زَعيمُ المُلحِدِينا

ولو أنَّ (ديكارتَ) كَانَ اليَومَ حيّاً

 

 

لَبهْدَلَهُ أمَامَ الآخَرينا([36])

أمَّا أنتَ فكنتَ تقولَ لَهُ:

وأنْتَ تَقُولُ يَا بْنَ الكَلْبِ([37]): أنَّا

 

 

بِغَيرِ الجّسم غَيْرُ مُخيَّرينا

إذا عُضوُ تعطّلَ ذاتَ يومٍ

 

 

ألا يَبقَى ضياءُ الفِكرِ فينا ؟

وفي " حيِّ البيغال" كان يُشاهدُ المَراقِصَ، وأنصافَ العَرايا منَ النَّسوانِ، "وللطّاحونة الحَمراءِ فنونّ تنبذُ المُستهترينا"، أمَّا في "كنيسةِ نوتردامَ" مقصَدُنا، وفيها رَأينا للتُّقى حِصنْاً حصينا"([38])، يَصفُ بناءَها الشَّامخَ، وبرجَها الّذي يناطحُ الغُيومَ، و"القلبُ المُقدَّسُ"، ففيه صُروحُ كنيسة تُطلُّ على حَدائقَ شاسعات، ينزُلُون إليها بالتّدرَّج، وفي الطّرفِ المُعاكس "للقلب المُقدّس" قامَ " حي مونمارتر"، حيثُ ترى فيه النَّوابغَ يرسُمونَ على عِرضِ الشَّارع، وسَربٌ من بَنات الفنَّ يرتدينَ " البَانطَلونا"، ويتابعُ قائلاً:

رَأيْتُ هُناكَ فنّاناً كَبِيراً

 

 

يُوَقِّعُ لَوحَةً للمُعْجبَينا

تُمثِّلُ حَائِطاً في كَسْمِ شَخَص

 

 

وشَخْصاً كَسمه([39])مِثْلَ " الماكينا"

هو الفَنُّ الحَديثُ، وإنْ فِيه

 

 

جَمَالاً... رغْمَ كُلِّ السَّاخطينا

أمّا في "فرساي"، و"عودةُ إلى فِرسَاي"، فقصرُ من حجرٍ معتَّقٍ، تُحيطُ بهِ أساطيرُ القُدامَى تسُّر النّاظرُ إليها، و(كيوبيد) طفلُ الحبَّ، يَليه "بان ربُّ الرِّيح، و"أفروديت العاريةَ تماماً، كُلُّ ذلك ذكرنا التّاريخُ دُروساً تُعطى للعاقلينا:

هُنا (كيوبيدُ) الحُبِّ ترْعَى