مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

من سيرة الدم والخراب ـــ خليل جاسم الحميدي

قال الرجل الملتحي: المرأة لي.

قال الرجل النحيل: بل هي امرأتي أنا.

وكانت المرأة تقف على مرتفع صغير في مواجهة الاثنين، هادئة، صامتة وتبتسم، وعيناها تسوحان في المدى، ترمقان الجهات، والسماء، والغيوم، وأسراب السنونو، والعصافير، ثم تحطان عند رؤوس الأشجار العالية وهي ترتجف بين يدي الريح، وكأن ما يحدث بين الرجلين لا يعنيها في شيء، وكلما تعالى صياحهما واشتد، كانت ابتسامتها تتسع وتكبر، وتبرق عيناها بوميض خاطف، بينما تبدأ الريح في النواح مثل امرأة ثكلى تبعثر أحزانها على الأرصفة والنوافذ، والطرقات.

اندفع الرجل الملتحي يريد الوصول إلى المرأة، لكن الرجل النحيل اعترضه، وسد عليه الطريق، والمرأة تقف في مكانها هادئة، مضيئة مثل شمس الصباح وتبتسم.

-قال الملتحي: ابتعد عن طريقي.

-قال النحيل: لن تصل إليها إلاّ على جثتي.

فازداد ارتجاف الأشجار واضطرابها، وفاحت من الاثنين رائحة حقد وعداوة كريهة، دامية، وشرسة، وانتشرت في المكان.

المرأة شمت الرائحة، ومع هذا ظلت هادئة، ساكنة، ترنو إلى الفضاء بعيون ذاهلة، حالمة وتبتسم.

-صرخ الملتحي: قلت المرأة لي. يعني أنها لي.

ما قاله وصل المرأة، ونفذ إلى روحها الذاهلة كالومضة الخاطفة، فحركها وأثارها، وأيقظ فيها الأنثى التي كانت تتململ في داخلها بخجل، فتمطت، وغمغمت، ثم أنَّت في غنج وتأوهت، ففاحت رائحة الأنثى منها، وانساحت في روح الرجل جمرة من نار متقدة، فسال لعابه واضطرب، ثم ابتسمت دون أن ترفع عينيها عن الرجل الملتحي، وحين ابتسم هو الآخر وعيناه تتأملانها باشتهاء داعر، وتزحفان بشراهة شرسة فوق جسدها، توهجت عيناها بقوة، وشعرت بشيء من خدر لذيذ، غامض ودافئ ينسفح في داخلها كالعطر، ثم يتوضع ما بين قلبها وروحها فضاء من الدهشة، والنشوة الغامضة.

فازداد التوهج في عينيها، وتحولت إلى قامة خضراء، باسقة ومضيئة، وراحت ترتعش مثل وردة ذابلة بللها المطر.

وحين التقت عيناها بعيني الرجل النحيل، اضطربت، وقد رأت في العينين ريبة، وعتاباً ومرارة، حاولت أن تتماسك، وتحافظ على توازنها، لكنها أخفقت، فالعينان تحاصرانها، وتنفذان إلى داخلها كالوجع المميت، تعريانها تماماً، فينكشف داخلها للرجل ويتعرى، ويصبح للعينين وقع الرصاص عليها، فتنكمش على نفسها مثل قطة مذنبة وخائفة، وهي تحس بانطفاء حاد يجتاحها، وبالتوهج يتلاشى من عينيها ويغيب، فالرجل كان أغنية المرأة، والمرأة كانت وردة عمر الرجل وروحه.

-يقول لها: أنت روحي.

-تقول له: وأنت قلبي.

وعادت المرأة طفلة في التاسعة من عمرها، تغافل أمها وتنسل من المنزل كالنسمة، بهدوء حذر وصمت تخرج، دون أن يحس بها أحد، لتلعب لعبة العريس والعروس مع ابن الجيران الذي ينتظرها بفارغ الصبر، وعندما يراها أمامه ينتابه فرح غامر، يتسرب إلى روحه وقلبه، ويتوهج في الوجه والعينين، ويروح يرفرف بيديه مثل عصفور صغير يود الطيران، وكل ما فيه يتوهج ويضحك.

وحين يرتفع صوت أمها تنادي عليها تزداد التصاقاً بالطفل وكأنها تريد أن تنفذ إلى داخله، وتختبئ فيه.

-يقول لها: إنها أمك تنادي عليك.  

-تقول له: ولكنني أريد أن أظل معك.

ينظر إليها.

في عينيها رجاء وتوسل ودموع.

يطوقها بيديه الصغيرتين بحنان، تزداد التصاقاً وتشبثاً به، يدفن رأسها في صدره، بينما هي ترتجف في حضنه مثل أرنب صغير وترتعش.

فازداد عذاب المرأة وتشظيها، وغادرها لونها الأخضر المضيء، فأطرقت برأسها إلى الأرض، ولم تعد تجرؤ على النظر في عيني الرجل، وهي تشعر أنَّ روحها تغرق بالعتمة والخراب، أمَّا الرجل فقد أذهله ما رأى من المرأة، وشعر أنه ذابل، ومكسور من العظم إلى العظم، ومهزوم، واجتاحه حزن مدمر وهو يتذكر حكاية هابيل وقابيل التي اندفعت إلى ذاكرته كالرصاصة فاستباحته رائحة الدم، والفزع، والموت.

ارتجف ثانية، وقد شعر بخوف غريب يجتاحه، وقبل أن يفعل شيئاً، أرعدت السماء وأبرقت، وهبت ريح عاصفة مجنونة، اندفعت في كل الجهات، وثار الغبار، فاعتكر الفضاء حتى تداخلت الأرض بالسماء، ودوّت طلقات نارية في الغابة، فامتلأ الفضاء برائحة البارود، وأسراب الطيور الهاربة من الموت.

-قالت الجهات: ثمة ما ينذر بالخوف.

-قالت الوردة: أنا خائفة.

وأجهشت بالبكاء.

فازداد عصف الريح وطغيانها، وانحنت كل الأشياء أمامها مرتجفة، إلا النخلة ظلت باسقة وشامخة، دوَّت الطلقات النارية من جديد، فتلون ماء النهر بدم الغزالة القتيلة، فبكى النهر مرعوباً وصاح:

-من يوقف هذا الموت عني.

انحنت النخلة بحنو وعانقت النهر، ضمته إلى صدرها، ونفخت فيه من روحها، لكنَّ الدم ظلَّ يلون الماء، بينما الريح تعبر من جوار الرجلين دون أن تتوقف، أو تثيرها رائحة العداوة، والخوف، والدم المنتشرة في المكان.

وحين مرت بالمرأة دارت حولها مرات ثلاثاً، والمرأة ساكنة، واجمة، ذاهلة، وكأنها تعيش خارج اللحظة تماماً، تنظر إلى الريح تارة، وإلى الرجلين تارة أخرى، وفي الرابعة ضمتها إلى صدرها، كان قلب المرأة خائفاً وروحها تبكي، شدتها إلى صدرها ثانية،   قبلتها من ثغرها، ثم زرعت في شعرها وردة سوداء.

ظلت المرأة على حالها، منهوبة من الداخل والخارج، ونحيب النهر ينفذ إلى روحها كالطعنة، شعرت الريح بعذاب المرأة وحيرتها، ومع هذا لم تتوقف. فقط:

لوحت بيديها الاثنتين وتابعت المسير، فقد لاح لها النعمان بن المنذر من بعيد، وحيداً يضرب في الصحراء تائهاً ومهموماً، يريد الوصول إلى المدائن والمثول بين يدي كسرى، وحيث التفت أو استدار طالعه وجه هند، ونفذت إلى روحه رائحة الحيرة. ورأت الريح غمامة حمراء، تلاحق النعمان مثل ظله، ولا تفارقه بالمرة.

-فهجست الريح في داخلها: الملك يسير إلى موته برجليه.

-وهجس النعمان في داخله: أموت ولا تكون هند لكسرى.

لكن النعمان لم يسمع ما قالته الريح، فبقدر ما كانت الريح قريبة منه، كان النعمان بعيداً ونائياً عنها، بينهما مسافة ألف عام ويزيد، الريح تعرف ذلك، وتعرف أن لا شيء يشغله إلا مصير ابنته هند، ومحنة الاثنين مع كسرى، هذه المحنة التي تسكنه مثل دمه، وتنأى به بعيداً عن كل ما حوله، فانقبض قلب الريح حزناً على النعمان، ثم استدارت إلى الخلف، وجدت الرجلين مازالا في مكانهما، وأصواتهما تزداد حدة وغضباً، شراسة واشتباكاً، والمرأة تقف في مكانها صامتة، حائرة، مضطربة، وفي داخلها يدور صراع شرس وعنيف، بينما رائحة الدم تزداد كثافة في المكان.

وحين ترامحت عيون الثلاثة في لحظة واحدة، عوى ذئب شرس وجائع في عيني الرجل الملتحي، وانطلق يركض باتجاه المرأة، بأم عينيها رأته المرأة يركض، فدق قلبها واختبط، وارتدت إلى الوراء مذعورة، وفرَّت الأنثى من داخلها وغابت، بينما إطلاق النار يزداد في الغابة، والطيور الهاربة من الموت راحت تحلق عالياً، عالياً، وهي تطلق أصواتاً فزعة، مرعوبة وخائفة، حتى تحولت إلى نقاط سوداء، داكنة، بعيدة، فبكت الغابة حزناً على فراقها واتشحت بالسواد.

-أموت ولا تكون لك.

-وهذا ما سيكون.

ذعرت البراري والسهوب.

وارتجفت أشجار الغرب، والقطا والأيائل والحمام، وضاقت الأرض بالرجلين على اتساعها، فتدافعا، ثم تماسكا بالأيدي، وكل منهما يصرخ في وجه الثاني:

المرأة لي، والمرأة واقفة في مكانها، تنظر إلى الرجلين بصمت، ولا تفعل شيئاً بالمرة.

وكلما ازداد اشتباك الرجلين والتحامهما، كانت تزداد اضطراباً وتوتراً، وحيرة، وتومض عيناها الذاهلتين بوميض غريب، سرعان ما ينطفئ ويتلاشى، وتغرق روحها الذاهلة في الظلمة.

بدا التعب والإرهاق على الرجلين، وتصبب العرق منهما غزيراً، حاول كل منهما رمي الآخر، لكنهما أخفقا، وازداد عويل الريح وحشية، فهيَّج العويل فيهما جذوة الحقد، والعداوة. وصوت الرصاص في الغابة البعيدة لا يتوقف، ودم الطرائد يزداد في ماء النهر، ترتجف الغابة، يرتجف النهر أيضاً، يدير وجهه في الجهات، فيطالعه الدم حيث استدار، دم مفزوع وخائف يلطخ الأبواب، والبيوت، والجهات، وأجنحة الحمام، ويزحف باتجاه الأشجار، وشواهد القبور، ودور العبادة، ووجوه الأطفال، والأحجار، والنخلة وحدها تقف باسقة وشامخة، مضيئة ومتوهجة، فاتنة وعذبة، ورائحة الموت تملأ المكان.

يتدافع الماء على الضفتين ثم يرتد، وقد علاه الحزن، وامتلأت روحه بالخراب، والخيبة، والمرارة.

انتضى كل منهما خنجره واشتبكا، تداخلا، ثم التحما، فالتحمت الأيدي، والأرجل، والخناجر، والعيون، وتداخلت في عراك شرس، مميت، فما يحدث بين الرجلين كان معركة حقيقية، يفترقان ثم يعاودان الاشتباك، سبعة أيام والخناجر تبرق وتلمع، تتصادم وتفترق في سرعة خاطفة، ضارية وشرسة، مثيرة ومجنونة، والريح تدور حول الاثنين وتولول بوحشية، والمرأة حاضرة وغائبة، هي في المكان وغائبة عنه، وبحركة سريعة، شرسة ومباغتة غاص خنجر الرجل الملتحي في الصدر العاري حتى المقبض، فشهق ذياب بن غانم وتأوه، ثم أمسك بيديه الاثنتين الرمح الذي اخترق ظهره ونفذ من الصدر، خضخضه، ثم شدَّه بقوة فتأوه ثانية، شدَّه مرة أخرى فتدفق الدم غزيراً وغطى الأرض، فأنَّ أنين من يموت وفي روحه غصة الغدر والفاجعة، جفل الحصان، رفع قوائمه الأمامية عالياً وراح يصهل واندفع يركض، فترنح ذياب ابن غانم، واختل توازنه، وهوى من فوق الحصان ليرتطم بالأرض، والدم، وشع وجه أبو زيد الهلالي سلامة، وتوهج الفرح في عينيه نهاراً أخضر، فارتفع نحيب الجازية مفجوعاً وملتاعاً، شقت ثوبها وصاحت:

-لقد قتل ذياب.

فاتسعت ابتسامة أبو زيد، وازداد توهج الفرح في عينيه.

تأوه الرجل النحيل وعيناه معلقتان بالمرأة، والمرأة واقفة في مكانها لا تفعل شيئاً، لم تصرخ أو تبكي، لم تشق ثيابها أو تستغيث، فقط ارتعش قلبها قليلاً، وامتلأت عيناها بالفزع والذهول، والدهشة، حاول أن يقول شيئاً، فامتلأ حلقه بالدم، حاول أن يظل واقفاً، لكنه هوى، وسال دمه على الأرض خائفاً ومذعوراً، ثم توقف عند قدمي المرأة ينوح، فركض قلب هند ابنة النعمان إلى مدائن كسرى يعانق دم الملك القتيل ويبكي عليه.

ارتجف الرجل قليلاً.

ثم اختلج مرتعشاً كطائر ذبيح.

ثم همد.

وضع الرجل الملتحي قدمه فوق صدر القتيل، ورفع رأسه إلى السماء وهو يدق صدره بيديه المخضبتين بالدم، وراح يعوي مثل ذئب أجهز على فريسته، فارتجفت الغابة، وتراجعت إلى الوراء مذعورة، هاج ماء النهر واختبط، وتدافع على الضفتين من جديد، لكن الضفاف خانته هذه المرة أيضاً، ازداد هياجه واختباطه، وراح يدور في مكانه في دوامات متقلبة، عنيفة، صاخبة، وغاضبة، تظل الضفاف على عنادها، يتجمع النهر على نفسه، يتكور، يدوس في القاع، ثم ينهض من سريره عارياً، وقد بانت سرته وسيعة ومضيئة مثل عين الديك، رفع رأسه عالياً فهاله ما رأى، كانت الجهات داكنة كالليل، والسماء قبة من لون أحمر، والنخلة تهاجمها العاصفة من كل اتجاه، وهي تهتز بشكل جنوني، تدور حول نفسها، وتكاد تنفلت من جذورها لتركض صوب النهر الناحب، فهتف النهر مرتاعاً.

-يا إلهي.

لقد وصل الدم إلى السماء

غطى وجهه بيديه الاثنتين وراح ينتحب بمرارة.

انحدرت المرأة من فوق التلة، ناحت فوق القتيل فطالعتها عيناه الشاخصتان إليها حيث تحركت، وقد امتلأتا بالمرارة، والذعر، والعويل.

والرجل يدور حول الجثة ويعوي.

وكان قلب المرأة في تلك اللحظة ورقة يابسة في مهب الريح، والعينان تطاردانها وتزرعان فيها الخوف، والذهول، والمرارة، والرجل يدور ويعوي، ويزداد هياجاً ووحشية، ودم القتيل ينوح عند قدميها.

شقت ثوبها نصفين، نصف دثرت به الجثة، ونصف سترت به عورتها، ثم دفعت نهدها في فم الرجل، فهدأ الرجل واستكان وتحول إلى طفل وديع بين يديها، وحين ارتفع صوتها بالغناء، راح يبكي على صدرها، أمسكت به من يده، وسارا باتجاه الغابة رجل وامرأة، بينما دم القتيل يركض وراءهما على شكل رجل نحيل يتشبث بالمرأة، ونحيبه يقطع القلب.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244