مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قفص أخضر ـــ إبراهيم سليمان نادر- العراق

تسربت خيوط الضوء الحليبية إلى جوف الزنزانة، وغمرت بعضاً من جدرانها الرطبة.

أي شيء غير الذكريات يمكن أن يطمئن عليه في عزلته. انساب في أذنيه وهو يجتر ذكرياته خيط من الأزيز والرغبة. تحت خيوط الضوء رأى عنكبوتاً تتقدم ببطء نحو  ذبابة كبيرة خضراء التصقت في شباكها.

اقتربت العنكبوت من فريستها، تحسستها بأرجلها، ثم أخذتها بين فكيها وراحت تغلفها بمخاطها الدبق ضاربة حول أجنحتها الطحلبية خيوطاً رمادية رفيعة.

اقترب بباصرته من عيني الذبابة فوجدهما تحاولان الاندلاق، ربما كانت تلك الخيوط المخاطية تضغط بقوة على بطنها الهشة.

استمرت الذبابة تئز وعبثاً حاولت بكل ما لديها من قوة الإفلات والنجاة من الفخ الذي لم يكن بالحسبان.

قال في نفسه: (أهكذا هي الحياة؟)

يومها تذكر صديقته وهو تجري بغنج على شاطئ (فارنا) وترشقه بكتل مبللة من الرمل الناعم، تقفز برشاقة لذيذة إلى الماء وتعبث به مثل دولفين صغير، تضحك بصوت عال وتستلقي لصقه مرددة من خلال لهاث طويل:

(أهكذا هي الحياة؟)، وتبدأ تسرد له حكايات بلغارية خرافية لا نهاية لها وتقول بعد أن تخدرها الشمس: (أهكذا هي الحياة؟).

لم يعد الآن ثمة منتجع أو شاطئ أو تراشق برمل مبلل غير رطوبة الجدران وخبث العناكب.

أخذت الذبابة تئز مرة أخرى. قرب باصرته منها فرآها تبذل المستحيل للخلاص من الليف الدبق. سحلت العنكبوت الذبابة برفق وقفزت بها على الجدار. تدلى رأس الذبابة وانتفخت عيناها الخضراوان.

يا لتلك الخضرة الجميلة.

أحس بامتعاض غير طبيعي، ودونما وعي منه أطلق صرخة احتجاج هزت عفونة الدهاليز المؤدية إلى زنزانته. سمع صدى لأحذية ثقيلة صوت أجش يصيح بلهجة آمرة:

-أخرجوووه....

تمدد على شرفة تطل على ساحة اسمنتية واسعة، فيها أشياء بدت له مجرد أشكال غسلتها شمس الصباح الباردة.

أحس بحدة الضوء تنغرس في عينيه مثل أبر محمية. شعر بهياج داخلي وراح يعب من الهواء دونما توقف. خيل إليه أول وهلة أنه أصبح بالونة متمردة تتوق إلى التسامق والتلاشي.

منذ متى وأيامه بلا ليل حقيقي، أو صباح حقيقي. لم يستطيع أن يفتح عينيه. كان الوقت صباحاً. أحس من برودة الشمس أن الموسم ربيع.

همد في مكانه وأخذ يصغي إلى صدى متموج. انفجر فجأة ألم حاد في رأسه، فوضع بلا شعور باطن يده على عينيه. استمر تموج الصدى والصمت.

أراد أن يستند إلى شيء، لكن الضوء خذله وتراقص جسمه مثل زهرة الشمس.

أيقن الحراس أن هذا الجسم قد أتلفته السياط والرطوبة.

أمسكه أحد الحراس من ذراعه وراح يضغط عليها بقوة، فوجد نفسه مستنداً إلى شيء لين متغضن بلا حياة.

تجسدت أمامه مرة أخرى عيني الذبابة الخضراء على نحو بشع، راحت تتوسل كي يصلي وينقذها من الجحيم الذي هوت فيه، وكلما زادت قبضة الحارس بالضغط، كان وجه الذبابة ينتفخ ويكبر حتى شاهد خرطومها ينقط سائلاً لزجاً باهت اللون.

هزه الحارس بعنف وأزاح باطن يده من على عينيه، كان فمه يبصق زبداً وفقاعات بلون الطباشير.

خجل من نفسه، حاول أن يتماسك ولكن، آه.. اللعنة على هذا الجسد، لم يعد يحتمل المزيد.

تنفست الساحة أمامه. فتح عينيه، فرأى ثلة من الرجال بلون الخاكي لصق عربة خاصة فيها قفص أخضر من الحديد.

جره الحارس بعنف إلى ركن الساحة.

صاح مدير السجن:

-الطبيب.. أين الطبيب؟

رد كبير الحراس على الفور:

-حاضر سيدي، سيأتي حالاً.

جاء الطبيب وهو يلهث:

-نعم سيدي.

هل فحصتهم جيداً؟

-نعم سيدي، وحالتهم جيدة.

-أين تقرير الفحص؟

-تفضل سيدي وهذا توقيعي عليه.

شده الحارس وأدخله القفص. ألقى نظرة طويلة من خلال القضبان. رأى وجوهاً عابسة وأبواباً خضراء وحراباً تلمع في حضن الشمس وأحذية عسكرية وكلمات سريعة تنبثق من أقصى البلعوم.

في هذه الأثناء، فتح باب القفص وولج فيه رجل قزم مدمى الوجه والرقبة، راح يسدد إليه نظرات طويلة.

بعد صمت قال له القزم:

-امسح وجهك يا بطل، لقد تلطخ بالدم.

قال في نفسه: (دم، أتراهم ضربوني؟، من المحتمل أنهم ضربوني آه، تذكرت، لقد فقدت الوعي). مرر بباطن يده على وجهه عدة مرات فلم ير دماً. قال لزميله:

-لا يوجد دم، لم يضربوني هذا اليوم.

-لكنهم أشبعوك ضرباً، وهاهو وجهك مصبوغ بالدم.

-كلا، أنت متوهم، لا يوجد دم على وجهي.

مد يده مرة أخرى ومسح برفق بقع الدم من عينيه وخديه وقال:

-هل هناك دم على وجهي؟.

ألقى القزم نظرات سريعة على وجهه وقال:

-حقاً، لقد توهمت، لا يوجد دم على وجهك.

عرف أن القزم يراه من خلال غشاوة الدم المنسدل على عينيه هو فسأله:

-هل كنت وحدك طوال المدة؟.

أطلق القزم زفرة طويلة وقال:

-كانت تجربة مرهقة ولذيذة في آن واحد.

-ترى أين هم الآن؟.

-اختبئوا كالوطاويط تحت سطوة الشمس.

بعد صمت مد بصره من خلال القضبان وقال للقزم:

-يبدو كل شيء قد رتب لنا.

-ماذا تعني؟.

-سيأخذوننا إلى حلبة الرقص.

-مرة أخرى، عليهم اللعنة، أوباش ... كلاب.

ابتسم بسخرية وقال:

-هل فكرت في ميتة شريفة؟.

زم القزم شفتيه وأطلق صرخة:

-أنذال، جبناء، سفلة.

قال له بعد أن لاذ بصمت طويل:

-هذا القفص، إلى أين سيأخذوننا به؟.

-إلى الحدائق أو الملاهي.

-لماذا؟

-حتى نرى (؟) أمهاتهم.

-في قفص أخضر؟

-لأننا..........

-أين القوا القبض عليك؟.

-خلف بستان الزيتون.

-يريدون أن يبثوا فينا الرعب، لكنهم خسئوا.

-لقد انزاح الهم عن صدري، ولم أعد أخاف مطلقاً.

ربت على كتفه وابتسم طويلاً:

-يا عزيزي سنموت هذا اليوم معاً، إنه لحلم جميل، بل جميل جداً وعاصف ومخيف أن أقول لنفسي: (هذا يومك الأخير).

التفت إليه القزم وقبله بكثير من الحنان:

-لا أظنك تخاف الموت، شرف كبير لي أن أموت معك.

لم يرد عليه، فمنذ زمن طويل استنفذ مفهوم الموت وتخلص من رعبه، بل كان كثيراً ما ينظر إليه مثل الماء والهواء.

جاءه صوت القزم:

-لم ترد علي.

احتضنه بقوة وقال:

-لا تحزن، فالإنسان كائن غير اجتماعي..!

-كيف؟

-لأنه يولد وحيداً.. ويتعذب وحيداً... ثم يموت وحيداً.

-صدقت.

-نحن الاثنان في محور واحد وهدف واحد. أتعرف أنهم منعوا الناس مشاهدتنا؟

-لماذا؟

-مجرد وجودنا في القفص، يعني الكثير بالنسبة لهم.

أطرق برأسه، تجسد له لا شعورياً منظر الذبابة، ندم بعض الشيء لعدم قدرته على مساعدتها من الإفلات من تلك الخيوط الدبقة.

راحت الذبابة تروح وتغدو بوضوح أمام عينيه وهي تحرك أرجلها الهلامية في محاولة يائسة للإفلات من حتمية النهاية.

تألم لمشهد عينيها الجاحظتين وهي تستنجد به وتتوسل إليه وهو لا يحرك ساكناً.

ندم لتلك الخضرة الصافية التي تغطي الجزء المحدب من عينيها. أطلق صرخة قوية عندما انغرس نصل حاد في فخذه الأيمن. سمع أصواتاً هادرة قوية تمطر من أبواب ونوافذ البيوت البعيدة ملوحة له وللقزم وهي تتساقط على الشوارع الخالية وترتطم بالجدران الصامتة وواجهات المحلات المقفلة:

صاح القزم:

-لا تصرخ وتدعهم يشتموا بنا.

رد بألم وكفه تضغط بقوة على الجرح:

-لقد كانت تستنجد بي وبوسعي إنقاذها.

-من؟.

-الذبابة.

-حاول أن تهدأ، ملابسك مدماة.

-يبدو أن هذا القذر قد طعنني غفلة.

-رأيته يمد حربته ببندقيته إليك من خلال القضبان.

قفز مثل فهد طعين وأمسك قضبان القفص، راح يهزها بعنف صارخاً بوجه الحارس الذي كان يسير لصق العربة وبصق في وجهه مردداً:

-كلب، حقير، سيأتي يومك يا بن العاهرة.

مد الحارس فوهة بندقيته حتى لامست عنقه، صاح فيه بحدة:

-اضرب يا بن الزانية، لن أخافكم يوماً أبداً.

مسح الحارس بصقته وأبعد عنه فوهة بندقيته.

همس القزم وهو يحاول عبثاً قطع نزيف الدم:

-اللحظات الأخيرة للموت ستكون أروع من هذا يا صديقي، الوداع، لقد وصلنا وحان دوري الآن.

بعد أيام من رحيلهما، دخل الزنزانة سجين آخر، قرأ على جدارها المقابل للنافذة: (أيها الأعزاء، ما كنا نساوي هذا الثمن، فالوطن أغلى من كل شيء).

تلفت السجين فرأى ذبابة وتبذل المستحيل لتخلص نفسها من الطوق الدبق.

تساءل مع نفسه: (ترى ما مبلغ حب هذه الحشرة للحياة؟).

تسمرت باصرته وهو يشاهد العنكبوت تقترب من طريدتها وتزيد من لف خيوطها الدبقة عليها.

كانت عينا الذبابة تستجديان بحرارة من يصلي لها بصدق. التفت السجين نحو الحائط، كتب تحت الكتابة الأولى:

(الآن أدركت غيظ الأعداء في نسف منزلنا، لقد كانت الخضرة في عيني أمي تطفح عرائش الكروم).

مد يده إلى الفخ، التصقت الخيوط الدبقة بأصابعه، وتهاوى بيت العنكبوت.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244