مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الناب.. الفولاذ ـــ أيمن الحسن

خلال الطريق، إلى بيتها في البنايات العالية، حدست بها بين أحضاني المتحفزة:

"لطالما اشتهيت جسد لبيبة بحرقة".

طالعتني بثياب النوم. ثم رحبت بي في حرارة.

فأدركت أنها تشبه يمامةَ إلى حد بعيد: "كأنهما توءم".

لحظةَ سمعت باسم يمامة أول مرة شعرت أن السماء امتلأت بالهديل: "كأنما في الناس المسرة وعلى الأرض سلام الخالدين".

***

كنت أنام خارج غرفتي دون أن أحرق –كالعادة –تلك الأوراق التي ظلت مبعثرةً فوق الطاولة كيفما اتفق: "لقد مضى رفاقي بسرعة، بعد أنباء تستوجب التحرك الفوري. ومشيت معهم غير متوقع أن يقتحموا البيت بعد منتصف الليل".

تحدثني يمامة في إيجاز حاذق:

-نزلوا من خلال الأسطحة، ليوقفونا خارج الغرف. فقررت أن أتسمر أمام غرفتك، لا أتزحزح مهما حصل.

-ولماذا فعلتِ ذلك يا عزيزتي؟

-حتى لا يكسروا الباب عندما يرونه مغلقاً بالقفل.

غمزتها: "لكنك تعرفين أنني أضع المفتاح تحت شباك الغرفة المكسور".

فهدلت يمامة بعينيها المتورمتين جراءَ السهر المديد:

-أما كنتم مجتمعين داخلها قبل لحظات؟

*

بدت الشمس غاربة على الدوام، كأنها بحاجة إلى تصريح ممهور بالختم الأحمر، كي تشرق من جديد. وكنا نعتقد أن في حوزتنا ختم التصريح المنشود.

لكم تساءل بغصة: "من يوقف هذا الذي يحدث؟ ومتى يذهب الذاهبون إلى ما وراء القضبان، لكن بعد أن يتركوا قصاصة ورق تحدد موعد رجوعهم المنتظر؟"

وفي صوت مجروح: "ترى لِمَ يذهبون؟ بل لماذا لا يبقون وسطنا يعبرون في وضوح الشمس عما يحلمون به؟"

وعلى الجانب المقابل كان بوسع الموت أن يشرب كأسه الدامية في أروقة الجامعة، بحثاً عن العقول النيرة فيجتثها بوحشية، كما تشلع وردة فواحة من حضن الأرض. أو كثيراً ما تربص –مستقلاً دراجته النارية –بخفير ليلي مسكين، لا ذنب له سوى أنه موظف عند الحكومة.

لقد لعبت أيدٍ ملوثةٌ لعبتها القذرةَ حينذاك. لا سيما بعد أن قام السادات بزيارته المشؤومة إلى القدس.

*

طيور الشوك في قلبي حنين جارف للمطر القادم غداً. ويمامة تدرك لهفتي عن قرب:

-إياكَ والقفز ما بين الأنياب الرعناء.

-إذن من يسرج الوقتَ الجليل يا حبيبتي؟

أضاءت يمامة بحضورها عيون القلب. فجددنا الغناء موقنَين أن اقتراف العنف لا يولد إشراقة الصباح بحال من الأحوال:

"وطن لا أحفظ لون عينيه آناء الليل البهيم. غير أنني أعرف جيداً أنه وطني".

على مرأى من عيون الوقت رمتني يمامة بكمشة ياسمين أبيضَ... أجمع الزهر الناعم سلالاً.. تتلون السماء بالغيوم.. قبلة أخرى من ثغر المطر.. قمر مرتَقب يهدل في رجاء: أسرد قصتنا كي لا أموت.

هاهي تجلس في إعياء واضح، تسند رأسها إلى كتفي الضامر.

فنجان القهوة مقلوب والخوف بعينيها:

-ماذا ترى في فنجاني؟

-حثالة قهوة ليس غير.

بين صدر يمامة العامر بالوداعة، وفمي الموجع حنيناً، وقف الناب الفولاذي لابن عمها، الذي فر هارباً إلى كندا. بعدما تلطخ بالعار إلى الأبد..

قصص من الزمن الأغبر.. ناب جارح كسر الهديل الأليف.. وحمام أبيضُ يلوح لي أن أغني، لولا أن الليل كان يهب من كل الجهات.

أيامها بدأت يمامة تذبل أمام عيني كباقة ياسمين اجتث من دفء الحياة. دون أن أستطيع فعل شيء. فاقترحت عليها أخيراً:

-ما رأيكِ لو أقتله؟

تساءلتْ: وهل تنتهي بقتله حالات الاغتصاب؟

فصرت كلما شاهدت شخصاً يحمل ناب الفولاذ –تحت حزامه المسمى نطاقاً –أتوجس حالة اغتصاب مرتقب:

"ترى لو لم يكن ابن عم يمامة مسلحاً بهذا المسدس القاتل، هل تجرأ على فعلته النكراء؟"

عندما ودعتني باتجاه الغياب أمسى العمر هلوسة.. لولا تفاصيل ينثرها القاص هنا وهناك... انتفاخ مزمن عند الخصر.. دَرَج مأفون.. وبقايا للوجد.. ياسمين أحمر منثور على شرفتها المضاءة للأبد... نافذةً للانتظار الأكيد.. أغنية مجروحة وسع المدى.. غرفة تتوجع، باب مخلوع.. قفل مكسور.... وعلى شفة الألم اسمَينا.

"أواه يمامة وأحضانك وطني".

*

حين التقيت بلبيبة مصادفةً في المنتدى السينمائي، لم يكن ثمة ما يلفت انتباهي، اللهم إلا هذا الشبه الكبير مع يمامة. مما فسر سبب تعلقي السريع بها: "ترى هل صحيح أن المرء يحب مرة واحدة، وما عداها مجرد اجترار لحبه الأول؟"

كنا بعد عرض الفيلم نستمع إلى نبذة عن المخرج. ثم يبدأ حوار طويل لا ينتهي. وكانت لبيبة تحضر على الوقت تماماً، دون أن تفوت جلسة واحدة، وتختار المقعد الأوسط من الصف الثاني إلى جواري بالضبط.

في إحدى المرات سمعنا صخباً يأتي من جهة غرفة الإدارة المجاورة لصالة العرض. ثم صُفِق الباب بقوة أفزعتنا جميعاً.

ويومذاك انتظرنا أن يحضر مدير المنتدى كي يقدم مخرج الفيلم الذي شاهدناه. لكن دون جدوى، فانسحب الحاضرون الواحد تلو الآخر. إلى أن عم الهدوء المطبق صالة العرض، التي كانت متوثبة بالحياة قبل لحظات. عندها نظرت لبيبة إلي:

-لم يبق أحد سوانا.

ألتفت صوبها. فأردفتْ: تعالَ نتمشَ قليلاً.

تعارفنا على أكمل وجه –كأنها تعرفني منذ سنوات –أثناء الحوار:

-أنا أتابع مقالاتك في جريدة الصباح.

-هل تعجبكِ؟

-إنها تعطي انطباعاً أنك أكبر سناً مما تظهر عليه.

تابعت لبيبة في نهم واضح للكلام: خصوصاً وأنت تتحدث عن الجوع المزمن إلى الحوار مع الآخر:

"لطالما خشيت أن ينتهي هذا العنف إلى حالة من اللاحوار، كأن يتحدث فرد ويصغي الجميع كما لو أنهم صم بكم فهم لا ينطقون".

كانت لهفتها تتصاعد مع الزمن. لذلك رحت أحدثها بما هو مسموح لي وأكثر. لا سيما وأنا أخبرها عن تلك الحادثة المشؤومة يوم وجدت يمامة بلا حراك قبالة الدرج الخلفي. هناك حيث اغتصبها ابن عمها تحت التهديد بالمسدس. فيما كان السادات يطرح مصر أرضاً تحت ذكورة إسرائيل.

وهممت بتوديع لبيبة عند مدخل حي البنايات العالية:

-بعد إذنك يا عزيزتي.

-ما زال الوقت باكراً.

ثم أردفت بعد برهة من الصمت: ما رأيك أن توصلني إلي البيت؟

ولم أكن لأمانع غير أنني خشيت دخول حارتي الشعبية ليلاً:

"أنا عادة أُنهي عملي في الجريدة قبيل طلوع الفجر. لكن السيارة الحكومية التي توصلني إلى غرفتي تؤمن لي التغطية اللازمة ضد الاشتباه بأي كان".

لاحظت لبيبة ترددي فحسمت أمرها بشكل قاطع:

-لا تهتم. يمكنك النوم عندي إذا أحببت.

دعتني لبيبة إلى بيتها. وكل ما أعرفه عن أسرتها أنها مكونة من ثلاث فتيات هي أكبرهن مع أخ وحيد. فتمعنت في عينيها برهة من الوقت العصيب، وأنا أحدس في داخلي: "يمامة بلا أخوة على الإطلاق، وربما بلا أجنحة تهرب بها من وجه الناب الفولاذ".

واعدت لبيبة أن ألحق بها فدهمني ليل بهيم على الآخر.. ناب أسود.. حمام مقتول.. وعاشق متيم يهدل جرحه: "يا حبيبة فكي عن عينيك هذا الغفو كي أمضي إلى الأحلام يسبقني دمي".

ثم أغص بالحنين: يا يمامةُ ثمة من سرق النهار من بين أيدينا.

فأين اختفت شمس الصباح؟ وأنتِ تودعينني:

-مضطرة للموت قليلاً. حتى يهجع وجع الوقت يا حبيبي.

أشعر الآن، وأنا أعبر البوابة نحو بيت لبيبةَ في الطابق الأخير، بغريزة وحشية لامتلاكها بعد طول صبر وأناة.

تراودني نفسي، وقد بدأت قطرات الشبق تنثال فوق خديها المحمرين: "سوف أشبع نهمي وجوع السنين منها".

أحس بأنني أبو زيد الهلالي فحولةً... قيس بن الملوح، روميو جولييت، أو مجنون المجانين عشقاً. لا سيما وهي توشوشني في غنج على حافة سريرها المثير:

-إذا احتجتَ إلى شيء من مدير جريدتك فأخبرني.

نظرت إليها غير مصدق ما أسمع: "تقصدين معالي المدير شخصياً"؟

قالت وهي تفك إزار تفريعتها:

-تعرفني. أنا لا أمزح في مثل هذه المسائل.

وصمتُّ مذهولاً فيما راحت كلماتها تتدفق من فمها كالبارود:

-ألا تعلم أن أخي ضابط في الأمن؟

عندئذ تلامح ناب الفولاذ أمام عيني من جديد...

غرفة بعيدة في آخر الليل.. حي شعبي... منع تجول مفروض... جسد مشتهى بحرقة ولكن.. تطالعني يمامة تحت ذلك الدرج الخلفي مشنوقةً بحزام ابن عمها المسمى نطاقاً.

لذلك تنشب عقارب الوقت سنابلها الجارحة في روحي.

فتتسلقني العتمة حتى ذوى الجسد أخيراً بلا مشاعر أو أحاسيس وربما بلا دم أيضاً.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244