|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الوحيد الذي لم ينقرض ـــ عبد المجيد فرج الله- العراق أحسستُ بهما حادتين تتوغلان إلى أقصى وجع أعصابي المبتورة، لكنهما لمّا تزالا دافئتين رقيقتين حنونين متوسلتين.. كنتُ أمور باللهب السَقري، وهما حمامتان صامتتان تنذبحان لوعة واستغاثة وندماً. أجيال من المآسي المتوالدة باستمرار كانت تتساقط بترادف مشوَّش أمام مرائي ذاكرتي الداكنة الدخناء. لستُ أنسى ضراعتي التي أنجبت ضراعته، ولا عصف قسوة عمّي وهمّي التي تتناسل الآن بين يديّ، ولست أنسى أيضاً ودائماً وقبلاً وبعداً تشتّتي وهروبي من قرية إلى مدينة، وأصابع الطاعون تلاحقني وتشير إليّ متّهمة وشانقة أنّى اتجهت.. مرةً قال لي: "أنا أحبك أكثر من البحر والمطر والسماء" وحين لم أردّ عليه إلا بابتسامة رمادية كالحة استحيى وأطرق بذُلّ دون أن يقوى –ربما- على ابتلاع ريقه المرّ المخذول.. ومرّة قبّلني بحنان وعبودية، ثمّ قرّب خدّه الناعم رويداً رويداً من فمي الجاف، كان يستجدي قبلاتي ويتهمني بصمت أنني مُدان بعدم تقبيله، وأنّ كلّ محاكم الدنيا والآخرة لن تغفر لي هذا الجرم المشهود.. كاد خدّه هو الذي يقبّل شفتيّ، فأحسَّ بأنني أشيح بشفاهي مع عيوني وصفحة وجهي اليمنى عنه، أكاد أجزم الآن أنه عرف أنَّ قبلتي ميتة مفروضة ومرفوضة قبل ولادتها. هل كنت أبدو له حبيباً؟ أم غريباً؟ أم مريباً؟ أم.. ها هما حادّتان تتلمسان في كهوف روحي الليلاء شيئاً من بُقيا الإنسان، فينقلب بصرهما خاسئاً وهو حسير. يداي ترتعشان، وحتى انطباع أصابعي الأحمر الجاني على وجهه الغضّ مرتعش هو الآخر، ها هي نهايات اللون الأحمر المزرقّ متماوجة بتردد غير رتيب.. وأنفاسي القريبة من وجهه لفحُها عطن كريه، وعيناي شعلتان من الجمر المرهب كأنه الصواريخ النمساوية التي كانت تتساقط قربنا بصوت يصك سمع النخيل والحنّاء.. كم لذتُ بأحضان عمّي الخاوية، وليس ثمة حب ولا حنان ولا أمان، لكنني ارتميت، قدّرتُ أنّ في حضنه بشاعة أقل من صواريخ الحرب الظالمة التي تحرق الأخضر واليابس، وترينا البون الشاسع بين الشعارات الحانية التي تفحّ بها كلتا الفوّهتين الدجّالتين المتاجرتين بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وكل ترويعنا ودمائنا.. ساعتها كان الوميض البعيد والقريب يخيفني إلى حدّ الموت، وأصوات الانفجارات والإطلاق تسحق بضراوة وجيبي المشتعل الرعديد. ولست أنسى في ساعة أخرى كيف أقسمتُ وبكل مقدسات الصبا أن لا أفكّر في شيء سوى الله وطاعته –شريطة أن ينجينا الليلة- حينما حاصرتنا إحداثيات القصف، ونحن كنا أغبياء جداً إلى حدّ احتمائنا ببرقة واسعة من القصب الأخضر واليابس.. لم يفكر عمّي الفظ الذي يعتبر نفسه عبقري الكون بأجمعه ولم يلتفت أيٌّ من أفراد أسرتنا التي لا يربطها سلك يلمّ شتاتها؛ أنّ طلقة واحدة كافية لإحراقنا والقصب، فلو أفلتنا من قدر الطلقات الطائشة والمستهدِفة فلن نفلت من النار التي ستشتعل في هذه الدائرة القصبية العطشى للشرر. انهياري متواصل، وصمته المتوسل لا يعرف كيف يُفصح عن نفسه، وضرباتي وركلاتي الجبانة ليس لها شكل معيّن أو زاوية محددة أو مساقط معروفة، وصوتي انشرخ كشظايا قذيفة حادّة النتوءات والشُعيرات، وتناثر في كلّ اتجاه رطِباً نتنِاً برذاذ اللعاب والبلغم الحنظلي المتطافر مع الكلمات المرتعشة التي تخرج أكواماً؛ نصفها أغلاط ونصفها الآخر ذو نبرة مذعورة شديدة الشهيق كأنه رشقُ راجمة موحلة... ضحكات الشيطان سمعتها ترجّ كلّ الكرة الأرضية.. بات إبليس أطهر مني وأرأف وأهدى وأعقل، بينما انزوى همس الملائكة في زوايا بعيدة جداً حتى استحال لعنات ما لها انقطاع. حينما حملته بين ذراعيّ لأول مرّة كان ينثّ السكن في أعماقي والطمأنينة.. وعرف كيف يرمّم خرائب أغواري، /حاشى لله، بعض خرائب أغواري/ شيئاً فشيئاً قبل أن أنهار انهياري الأول، وأتذكّر أنه صبغ زاوية نائية في القلب بلون ورديّ لم يكن منكسراً كسائر ألواني الموغلة في الاسوداد.. وكان يبكي بدون صوت، لن أنسى أنه كان يبكي بحرقة دون صوت، منذ أن سمع تلك النبرة الهجينة في صوتي الذي يُفترض أن يكون بشرياً، دموعه الوليدة كانت تنزل بريئة دافئة صافية، لكنني أكّدتُ حينها على أنها كانت تتهمني وتزيّف حنوّي ورقتي، وحين قبّلته حسبتُ أن خدّه قد ساح والتصق على شفاهي اليابسة العميقة الخطوط والشقوق، العريضة الخلقة والقشور.. غزاني ببراءته ولطافته، لكن صدق حدسه؛ إذ خاب ظنّه فيّ فبكى، بكى طويلاً.. هل كان بكاؤه نبوءة أو كشفاً عبّر عنه بكلام الطفولة الذي لم يكن غير البكاء؟ ظلّ طوال ليالي طفولته يتفزز باكياً، حتى إذا رأى وجهي يطلّ عليه انتابه روع مهول يُخفي صوته تماماً وحتى حشرجاته ونشيجه، لكنه لا يستطيع أن يكبت دمعه، فيذريه بصمت وغزارة وحرارة. ارتعاشي ينغرز خدراً مؤلماً في باطن كفي، ثم يتطافح اختناقاً خنجرياً في لهاتي ورئتيّ، ويفعل في قلبي المجنون النبض شيئاً غامضاً لا أعرفه ولا أصفه.. ربما أحسَّ بأنني ما كنت متماسكاً بقدر ما أنا متبدد، ولستُ ساطياً بقدر ما أنا مسحوق، لكن إحساسه هذا ضرب من المستحيل أو ضرب من الممكن جداً! لست أدري. وأنّى له أن يعرف وهو في هذا العمر أنني الناجي الوحيد من تلك الآلاف المؤلفة من مواليد 66 التي سيقت على مراكز التدريب السريع ليُزجّ بها في أتون الحرب –والحرب ابنة جهنم- التي كلّما قيل لها هل امتلأت قالت هل من مزيد. قضى كلّ رفاقي صنوفاً صنوفاً؛ فالذي لم يُقتَل هرب وضاعت حتى جثّته، والذي لم يؤسَر وهو ربع حيّ حصدته فرق الإعدام، أنا محظوظهم الوحيد الفريد؛ انقضت على خير وألف خير، لم أقتُل ولم أقتَل، وهذه فلتة من فلتات الدهر تلك الأيام، وهربت من العسكرية ولم أعدم وهذه نعمة ما مثلها نعمة، وسجنتُ ولم أعترف على أحد، وهذه معجزة من أعظم المعجزات. على أنني خرجت من السجن تبكي المجانين على حالي، لكنني لم أمت جسدياً، واستطعت أن أتزوج.. ياه، معقول؟ أيمكن هذا؟ كلّ جيلي المنقرض مات وفي حلقه شجى هذا التمني المستحيل.. وولد لي ولد ليس مشوَّهاً كما توقعت من جرّاء الضربة الكيماوية في ديار أهلي التي خدمتُ فيها أقذر أيام خدمتي.. أنا واثق، بل شاكّ، بل لستُ أدري.. لا، بل متيقن تماماً أنه لن يُدرك أبداً، أقسم على هذا، لن يدرك سرّ التراب المرّ الذي يبّس أفواهنا حين انهمرت عقوبات ذلك الصعلوك اللعين فأفطرنا نحن الصائمين على حفنات التراب؛ ندسّها بصمت وذلّة واستسلام في حلوقنا الظامئة.. ولن يعرف أبداً كم كان أبوه جباناً ولئيماً وتافهاً ومنحطاً حين نفذتُ بقية الأوامر بأن أصفع زميلي، لا أحد يعرف غيري -إن كنتُ أحداً- كم ضحكتُ على ذلك الزميل الطيّب الذي صُفِع شرّ صفعة لأنه لم يُطبّق الأمر بصفعي كما أراد ذلك اللعين، كانت صفعته لي ضعيفة واهنة كأنها رموش عروس، فنالها هو أضعافاً مضاعفة أكثر من مرّة؛ الأولى من ذلك الوحش الكاسر، والثانية –وأخواتها الصدى- كانت من يدي الخائنة الخائفة الأثيمة. بصقتُ على ظلّي لأني لم أنل وجهي بالرذاذ الحقير، وتركت تلك الذكرى ثقباً أسود في داخلي يبتلع كلّ نجومي ومساقط الضوء في أعماقي.. قال لي زميلي المسكين قبل أن يلفظ آخر أنفاسه بين يديّ وجسمه منخل من كثرة الإصابات: "إنّ جراحي هذه أهون بكثير من صفعتك يا صديقي في تلك الظهيرة المشؤومة".. قلت له: "لقد ذقتُ تراباً مختلف الألوان والتركيب، لكن أشدّ ما يميّز حفنة عن حفنة هو نسبة الرمل والزجاج ما بين تربة وأخرى"، ابتسم بفم دامٍ وهو يقول: "لكنك يا صديقي مبتور عن كلّ ذلك الرمل، أصبحتَ ذرّاتِ زجاج لا يجمعها سوى شهوة الجَرح والإيذاء.." ثم شهق وقال قبل أن يموت: "هل أدمنتَ شيئاً اسمه الهوان؟" ومات، مات حزيناً ولم يسمع جوابي الذي رجّ المكان: "لا، إنني قد استحلتُ حتى صرتُه، تجسّم فيّ وتجسّمتُه".. ثم هرعت في دنياي وأنا هو، ليس لي مني غير أطلال هيئة تتغير بسرعة واستمرار ويبيضّ شعرها بشكل غريب خارج نطاق العمر والمؤثرات.. لن تدرك عيناه البريئتان أن مشاعري كلّها شاخت وهرمت وأخرقت ثم ماتت بالسكتة، وتعفّنت حتى ضاق الناس من حولها ذرعاً وقرفاً، والمشكلة الكبرى أن لا سبيل إلى دفن تفسخها، وأنا يا ولدي –لو سمحتَ لي بأن أناديك بها ظالماً ومظلوماً- أن أجهل كلّ تفاصيل الدفن وترتيباته، حاولتُ كثيراً، إلى درجة أنني دفنت كلّ جسمي سوى أنفي في رمل الشاطئ، لكن البحر هاج وماج، فهرب الناس من إعصاره، هربوا كلّهم ولم ينقذني –أنا المدفون طائعاً- أيُّ أحد.. كلّهم كانوا يهربون ويسحقون قبري الرملي، ويمرّغون أنفي بأرجلهم المبتلة بدبق الخطايا، تلك الأرجل التي تحاول تدنيس البحر وإغراقه بالعهر الفاجر.. كانت يا حبيبي مشاعري المتعفّنة تجبَه وجه الموج الطاغي على طول الشاطئ، والغريب أن الموج حين يصلني يتكسر ويتلاشى! ثم من حيث لا يشعر يزيح عني الرمل قليلاً قليلاً، لأخرج بكلّ بشاعتي وعَطني إلى الضوء المنهمر على الحقول القريبة. حينما ناداني بالكلمة الأزلية الخالدة المقدسة التي تربط كلّ ولد بوالده لم يجبْه حتى الصدى، كان فؤادي فارغاً، ولم تكن بينه وبين فؤاد أمّ موسى أية وشيجة من تلك الوشائج الموغلة بعراقة الحنو. ناداني مرة، مرتين، وأسكته الصفع والركل، لكنني أحسسته لا يناديني من أجله؛ من أجل ألمه وأساه وانسحاقه، بل من أجلي أنا؛ من أجل صحتي وما تبقى من قواي العقلية أو ضعفي العقلي، كان يستغيث بي لأرحم نفسي، وحين أدمت فمه ضربة من كفي التي تبّت الآن بعد فوات الأوان –قيل أنها ضربة حققت في قسوتها النقيض التام لما عليه شفاهه الياقوتية- سكت، سكتَ تماماً.. لكنّ عينيه كانتا ترسلان أصواتاً مدويّة جداً ترجّ كلّ العالم من حولي.. أحسسته يحبّني أكثر من أي بحر مضى ومطر مضى وسماء مضت مما زاد في حنقي وجنوني.. ليته احتقرني، ليته انتصر لنفسه فصفعني وأدماني، لماذا لم يكرهني؟ أنا أكره نفسي، أمقتها، لن أغفر له حبّه لي أبداً، أبداً.. مرّ بي عاصف مريع الهزيم بعثر بقايا الزجاج المنكسر منذ أعوام عديدة؛ فكانت وجوه محروقة مشوهة الملامح، وشفاه مقطوعة على حلم قبلة أو رشفة أو وداع، وحرائق وسياط، وعيون تُسمل، وأصابع تُقطع، وشهوات مجنونة لم تُشبع جنونها في القتل والتعذيب والخراب، وآمال تضيع، كلٌّ يساعد على تضييعها وخنقها حتى أصحابها... مازال العالم يرتجّ من حولي، وعيناه تقول لي: "لا يا بابا.. بابا.. لا تضربني، لخاطرك وحدك.. لا.. يا حبيبي يا بابا، لا.. لا..". ثم ألفاني أهرع على وجهي –وعلى جبهتي تحديداً- بصبّ الغضب المجنون، لم يتكلَّم، لم تنفرج شفتاه، والغريب أنه أوقف حتى أصوات عينيه المدوية جداً، لقد أغمضهما.. و.. وعانقني باكياً.. عانقني، عانق كلّ غبائي وخيبتي وجنوني. كنتُ أتهشّم، وأتهشّم.. وبقيتُ طيلة عمري القصير من بعد هذه الحادثة أتهشّم... والأغرب أنني الآن أتهشّم أيضاً وأنا في قبري، لأنه وقف باكياً يقرأ عليّ الفاتحة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |