مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

نبوءة عاشق ـــ سعاد محمد القادري

عندما استولدتك من بنات أفكاري ذات فجر، لم أكن أعتقد يوماً بأنك ستنتهين هذه النهاية وسترسمين أحلامي وأحلامك بريشةٍ سوداء وألوان قاتمة، نادتك أحلامي بأكثر من زيَّ ظهرتِ..

وحين لمحتُ في عينيك ابتسامة اعتقدت..

لم يكن كذباً ما باحت به عيناك ذات ربيع حين كشفت سرها لشقائق النعمان، وبكت، لا لم يكن ادعاء حين نادتني قمرها الجميل، لا ولن يكن حلماً سفرك الدَّائم إلى جزر قلبي المنفية البعيدة..

عندما كنت تجيئين، كنتُ ملحداً بوجودك حقيقة، لا شيء يثبت ذلك، ولا شيء يبرهن قدومك من عالم البشر سوى طرقات حذائك على الممر الرّخامي المؤدي إلى غرفتي، وتلك النظرة الحادَّة التي كانت تعرّيني وترميني بعيداً.

تغارين من زميلي في العمل ومن أشياء أُخرى.

مع صديقةٍ لكِ قمتِ بزيارتي، ليس ذنباً اقترفتُه حين ادّعت صديقتك بأنّها تحبني وأنا أُحبُّها، اكتفيتِ بالعبور بين الفنية والأُخرى.

عيناك تنطق كلاماً آخر لا تبوح به شفتاك، أشعر بحقدٍ تجاهك، أحبّكِ...،تحدثينني عن شابٍ يحبك وينتظرك، حدَّ الجنون مخلصُ لك في حضورك وغيابك، مللت حديثكِ عنه، مللت رؤيتكِ له ملاكاً لا يحملُ سوى الحبَّ.

كنتُ أُراقب عينيك...، ترى هل رأُته؟!

أحاول الغوص لأعماقكِ، لأعرف إن كان قد دار حديثُ هاتفي بينك وبينه.

كنتِ ترتدين مدينةً أخرى تتوقين لزيارتها، مدينة قاحلة، لا تقويم يربط أيامها... ومع ذلك كنتِ تحبينها...

تجاهلتِ وجودي وتماديتِ في مدحه وإظهار التعلّق به، ينفق دون حساب، كلّ يوم تضيفين إلى محاسنِه صفةً جديدة.

ضبطتني أكثر من مرَّة أُفتش أوراقك، لأقرأَ ما تكتبين عنه، أُفتش عن كلِّ حرفٍ تكتبينه لأعرف إن كان بطلاً لأحلامكِ.

بماذا تخاطبينه..؟

ما النداء الّذي تنادينه به؟

وهل تذكرين اسمه صراحةً أم ترمزين له بشيء من صفاته..؟

أتمنى لو أقرأ أفكارك لأكتشف تصوركِ له، وعندما أبحث عنك دائماً أجده هو، أَصفع أَحلامي بقسوةٍ، أستمدها من جبروتكِ وأمضي..

ثم قنعتِ بأنني أُحبّكِ أنت لكنك حائرة، مترددة، ترسمين لمغامرةٍ غير عادية، ومع هذا ترفضينها، نخرج معاً نتحدى عشاق العالم، ربما هو عطشُ الأعوام المتراكِمة خلف ظهري هو ما شدَّني إليكِ، وربما جرأتك وثقتك بنفسكِ أكثر مما يجب هي التّي  جعلت لحظات العشق تقترب بيننا وتتلاصق حارقةً كلَّ المراحل وبدأت من النهاية..

فهل تسمينه مثلي عشقاً أم جنوناً..؟‍!

قلتِ لي ذات حزن:

إنني وأنا منقادةُ خلف جنونك أو عشقكَ أَعرف أنني إلى أيَّ كهفٍ أَسير... كهفٍ سارت إليه مئاتُ النساء وربما ولا واحدة..

أغمض عيني .. أغمض عقلي..

صنعتُ منكِ أُنثى تحبُّ وتحلم..

رفضتني بعد زمنٍ طويل بحجة أَنَّ حبَّنا شاع بين الناس ويجب معالجته بزواجٍ آخر..

هل هو هروب من ا لماضي أم خيانة لمبادئ قديمة كنتِِ تضعينها تاجاً على رأسك..؟

أم هل كان حاضراً في أيامك دون أَن أشعر بوجوده حين التيقتكِ؟

أَكنتِ تحلمين بأطفال منه حين كنتِ تتحدثين بحنانٍ غريبٍ ولهفةٍ لاحتضان أبناءك حين تصبحين أُمَّاً لأطفالي.

الهم في منتصف عمره الآن والقمر الّذي كان مهتماً بإظهار أَدق التفاصيل في الكون من حولنا ذات فرح بات شاحباً، والكتب الّتي جمعتنا يوماً ـ حولي هي الآن وبين يدي ـ لم تعد تعطيني ذاك الشُّعور، إنها الآن تشعرني بالملل وتتوقف الأوراق عند ورقةٍ واحدة ليطلّ وجهكِ، قامتكِ، بكل َّ جبروت.. تنهين كلَّ أفكاري إلاّ فكرةً تدور حولك وبك ومنك فلماذا لماذا أحببتكِ؟ تفلسفين الأمور كما تريدين، وترددين أقوال الحكماء بأنَّ الحبَّ يجب ألاَّ ينتهي بالزواج، وأنَّ الزواج مقبرة ا لحب.

كأنَّك خائفة أن ننسى كلام الحبَّ وأشعاره في دوامةِ الرَّكض خلف رغيف الخبز، وإحضار الحليب والعلاج للصغير، وشراء ثلاَّجة أو سجادة أو لوازم الأولاد المدرسية..

ولم أستسلم بسهولةٍ، جادلتكِ كثيراً.

حاولت إقناعك بأشياء جميلة في زواجنا، بأنني لن أنظر إليكِ كامرأة مهمتها فقط أن تغسل الثياب وتنظف المنزل، وتطهو الطعام وتنظف الأطباق وتقدم الطعام..

بل سنحلم ونحلم ولن يغدو الحبُّ بيننا شيئاً ثانوياً أبداً..

أحببتني بعمق، لكنك كنتِ متعجلة لطمس لحظاتِ عشقنا الصُّوفية بسرعةٍ كأنكِ كنتِ تخجلين من ارتعاش يدكِ حين لامستها يدي مصادفة أو ...

كنتِ في شغفٍ للقائه، حرتُ بماذا أُودعكِ، لم يبق لي قدرة على الكلام، انطلقت إليه بلهفةٍ قتَلَتني، كثيراً ما طلبتُ منكِ أن تتريثي في اتخاذ القرار كأنَّك لم تسمعيني..

كنت تحبينني وتعلنين ذلك، كنتِ متعجلة للقائه وكنتُ أتمنى أن يتوقف الزَّمن طويلاً، لكنك بوجهك الحالم فيه، وجهكِ الّذي لم يحمل حزن وداع حبيب  أضعتِ قدرتي على الكلام.

صرتُ مثلك أحاول إنهاء وقوفي أمامكِ دون تلويح منديلٍ أو يدين، تضرعتُ إلى اللّه أَن أنساكِ لتهنئي بحلمكِ البراق، دفنتُ حلمي بأن أبني لكِ قصراً من نورِ ودفء على قمةِ جبلٍ نزع حدائقه حباً ووفاءً، فكيف استطعت وبطعنةِ سكين تمزيق لوحة القصر بعد أن أكملنا تفاصيله الدقيقة، كيف أنهيتِ حكايتنا بهذه القسوة، أكان قرارك إرادياً حين أعلنتِ نهاية قصتنا، واخترتِ مدينةً بعيدة، بوجوه جديدة، ترسمين بها أحلاماً أُخرى وتنسين كلَّ شيء.

قبل أربعةِ أعوامٍ كان عليَّ أن أتزوج.

أما أنت فقد زرتِ كلَّ دور الأزياء العالمية وقلَّبت مجلات الموضة والمكياج، فشلتِ في أن تمنحيه طفلاً، ولم ينجح في أن يصنع منك امرأة كانت ستغدو شيئاً عظيماً.

تمر بك الأيام لا تعني لكِ شيئاً، كأنها لم تضف شيئاً لعمركِ وهي تتكدس خلف ظهركِ، أكواماً متلاحقة سريعة، تقفين في مكانكِ، ترتحلين إلى الصمَّت مكتوفة اليدين، تتلاشى أحلامكِ، تنهزم أعيادكِ دون ابتسامةٍ، لا شي إلاَّ الهمُّ و الفراغ  والوحدة تسكنكِ.

كسائحةٍ عشتِ معه خمسةَ أعوامٍ، عدت في نهاية الرِّحلةِ بكثير من التذكاراتِ الثمينة والملابس والذكريات المرَّة عن امرأة وقفت حائرة بين رجلين أحدهما أحبها وحلم بأشياء جميلة، والآخر تزوجها لتمنحه الأبوّة فتكتمل سعادته.

لكنها لم تتخلص من حبها القديم رغم كل شيء فعاشا سائحين غريبين لا يربطهما شيءُ سوى (فِيَز) وبطاقات عبور مدن جميلة بعيدة لم تستطع أن تعطيهما أملاً بطفل، فقال لها ارحلي..

عودي من حيث أتيتِ..!!

شيءُ ما كان يرقبني أن أمرَّ بهذا الدرب دون سواه ومن هذا الاتجاه دون سواه.

عند بائع ساعاتٍ رخيصة الثَّمن توقفت لقد رجاني أكثر من مرّة وكنت أتجاهل ساعة يدي الّتي أُصيب الزَّمن فيها باحتشاء مفاجئ، ناولته السّاعة فكان أن مررتِ أمامي، تجاهلتُ وجودكِ، شددتُ يد ابني الّذي كان يقف بجانبي، فصرخ متألماً، رحتُ أنظر إلى غطاء السّاعة وأراقب عملَ الرجَّل، وأَطلب منه أن يسير الزَّمن بدقةٍ وأُحمَّله مسؤولية أيّ توقف مفاجئ.

أعرف أنك حين تناغين طفلتي وتبتسمين، تبكين بحرقةٍ وبداخلك شهوةُ لبكاءٍ قديم لا تتحقق.

طفلتي الّتي بالمصادفة تحمل اسمكِ وقد غدوت جارةً لنا في بيت أهلكِ، لا تدرك أنكِ إذ تناغيها تقولين لها الكثير، وإذ تطيرينها في الهواء لتضحك...

تبكين في أعماقكِ كما بكيتُ ذات جنون.

هل كان بكائي ذات يوم دليل مراهقةٍ إذ بكيتك أم أنّ مشاعري تبلدت الآن.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244