مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المارد ـــ ابتسام شاكوش

لمحته يتقدم من شرفتي، يمشي رقصاً على ساق واحدة، ضحكت له، لوحت بيدي أستعجلته، ما زاد في سرعته ولا أنقص، خفق قلبي بعنف، أعصابي كهربها الفرح، هتف به: أأنت قادم من أجلي؟ ما أجاب، ظل يرقص بتؤدة، يدور حول نفسه متقدماً مني.

وقفت أتأمله بخشوع، أنظر إلى جذعه المغزلي، أخاطب رأسه المتماهي مع زرقة السماء خلته يبتسم لي من عليائه سعيداً بلقائي، قبل وصوله إلى حدود القرية تلاشى، اختفى عن عيني لا أعلم كيف اختفى، رحت أبحث عنه في كل الجهات بلا جدوى.

ركضت إلى أبي أستوضحه، أجابني: هذا تنين صحراوي، أغفلت كلام أبي وعدت إلى الشرفة أترقبه، أبي رجل بحري، لا علم له بالصحراء وما يهيم فيها من كائنات عاشقة عالم أبي محصور بين أمواج البحر وغابات الزيتون ورثها عن أبيه، جل وقته يمضيه بين أشجارها، يشذب هذه ويقلم تلك، ويدور بينها، كأمير يتفقد محظياته، يتأملها واحدة واحدة يعقشها واحدة واحدة، يغمرها بروحه بمثل ما يغمرها بالرذاذ الموجه من مضخته الكبيرة، المحمولة على جرار زراعي تجوب الغابة، لتحميها من الحشرات المتطفلة.

توجهت إلى مضيفنا، سألته عن كائن سحرني برشاقته، برقصته الوئيدة، بشفافيته وعرض منكبيه، بوجهه الذي ما تبينت ملامحه لبعد المسافة الفاصلة بيننا، أسرّ إلي: كل ما تريدين من معلومات عن الصحراء ستجدينها عندي، واضحة مبسطة مفصلة، لا تسألي أحدا غيري، سأغضب لو فعلت.

جلست قبالته، أصغي إلى ثرثرته، مركزة النظر في عينه أغرف منهما المعلومات، بشغف تلميذة صغيرة، تصغي إلى أستاذ عالم بكل شيء، أخبرني أن ما رأيته هو المارد، استخفني الفرح وطار بي، حملني على ذراعي ذلك المارد، رفعني إلى حيث أعانق السحاب وأقطف الشهب، أصنع منها تاجاً أتزين به، له، للمارد، عيناي تتراكضان بين عيني مضيفنا وشفتيه، أستحثه على الإدلاء بالمزيد، ثم تهربان إلى المدى الواسع، تبحثان عن المارد، وما حضر.

صرت مشدودة إلى أحاديثه، صار صوته الأجش ولثغته أشياء محببة إلى نفسي أفرح إذ يقلب حرف الراء غينا، أكرر خلفة الكلمة التي لثغ بها فيضحك مشاركاً إياي عبثي.

ـ أراك دائمة الجلوس على الشرفة

ـ أنتظر المارد

ـ إلى متى ؟

ـ حتى يأتي... أمنحه عمري انتظاراً

ـ أنت حمقاء، هذا الكائن قوامه الغبار، لن تحيي به مهما حاولت، لن تلمسه يداك

ـ بل سيأتي، وسيحملني إلى عليائه ونقاء روحه

ـ مجنونة أنت، تتكلمين عنه كأنه من بني البشر، هذا الغبار المسلوب الإرادة تركض به الريح وتمزقه العواصف، تحركه النسائم، تتحكم بخط سيره، وهو، يمشي مستسلماً لكل القوى، لا احساس له ولا شخصية مستقلة.

ـ لكني أعشقه

أمسك يدي بقبضتيه القويتين، هزني بعنف أخافني، انقلبت ملامحه اللطيفة في لحظة وراحت تقذف الشرر، كوحش أفلتت فريسته من براثنه، تراجعت باكية، خلصت يدي منه واستدرت هاربة.

ـ مالك بأحلامي؟ دعني لحماقتي وجنوني.

ـ أنت تعشقينني أنا، لكنك لا تدركين، أو أنك لا تريدين الاعتراف

ـ أنت ؟؟ أعشقك أنت؟؟ صفعتني وقاحته

ـ  أجل، لماذا إذا تتركين مجالس النساء لتنفردي بي على هذه الشرفة؟

ـ كي أعلم عن الصحراء، والمارد القادم منها، مالا أعلمه

ـ هراء، أنت تعشقينني، اعترفي

انسحبت عن الشرفة أغالب دموعي، التفت لأصرخ في وجهه: أنت مخيف، أنا أكرهك، قبل فتح فمي، رأيت المارد قادماً من البعيد، تخلى عن رقصته الوئيدة وجاء مهرولاً تحرقه الغيرة، هتفت أعماقي: تعال أيها المارد، الفح وجهي ويدي بلهيب غيرتك، اضرب من حولي حزاما آمنا يقيني أمثال عواد هذا، أشرقت روحي، دنوت من حافة الشفة

ـ عودتك إلي تؤكد حبك لي

نظرت إليه شذرا ولم أعقب، تركته على الشرفة يصارع المارد الراقص في الفضاء الأصفر البرتقالي، دلفت إلى مجلس أبي، كان يتحدث عن انفراج أزمته، موسم الزيت لاقى رواجا منقطع النظير هنا، داخل الوطن، ما عاد ينتظر السفن القادمة من البحر، فرحت لفرحة أبي ونسيت كل شيء.

قبيل اصفرار الشمس للأصيل، داهم مجلسنا ظلام شفيف، اضطرب له كل من في المنزل عدت إلى الشرفة أستطلع، الأفق أمام ناظري محتجب بضباب أصفر، هتف بي عواد: أسرعي بالدخول قبل وصول العجاج، تجاهلت تحذيره، استغنيت عن معلوماته.

ـ ما العجاج يا أبي؟ في بيئتنا الساحلية لم أسمع بشيء اسمه العجاج

ـ هو في الصحراء كالنوء في البحر، ذاك يثير الموج وهذا يثير الغبار

عدت إلى الشرفة، لأستقبل الكائن الغباري بملء حنجرتي ورئتي، كنت أخالني سأتوحد معه لنصنع المعجزات، أمواج الضباب تصل ببطء إلى حيث أقف، أنا أحب الضباب، حين يخرج من البحر ويغلف غابة الزيتون، أفتح له صدري ورئتي، أدخل في حالة من الخشوع، أشعر أني أقرب ما أكون إلى الله حين يلفني الضباب، كنت سأسأل أبي عن سر اللون البرتقالي في ضباب الصحراء، لكن عاصفة من العطاس أخرست أسئلتي، أنشغلت بنفسي، وانشغل كل من في البيت باتقاء العجاج، أضلاعي تحولت قفصا ضاق بمحتواه، أنفاسي تخرج حشرجة

ـ سأموت يا أبي

ـ لن تموتي، هذا تأثير الغبار، أما زلت تحبين الغبار؟

ما لهم بمشاعري؟ لماذا يقيمون أنفسهم أوصياء على قلبي، أجل، مازلت أعشق المارد، انتظر وصوله على جمر الحمى التي باتت تشوي جسدي، ربة البيت احتارت في أمري، أمضت الليل غادية رائحة، تأتيني بالمناديل المبللة بالماء، تغطي بها وجهي، لتبعد الغبار عن أنفاسي، ولتخفف من الحمى، أضيق بالمناديل ذرعا، أنزعها، أرى بقعاً من الوحل مكان أنفي وفمي، يعتريني الرعب

ـ أنا أموت يا أبي..

ـ لا يميت الغبار أحدا، لا تخافي

هطل المطر غزيزاً في تلك الليلة من شهر تموز، غسل كل شيء، سارعت نساء البيت إلى تنظيف آثاره، وبقي أبي ساهرا بجانب فراشي، يراقبني حزيناً وأنا أرتعش من الحمى، جاء عواد يحمل البشارة: هيا.. لقد انقشع الغبار

تحاملت على نفسي، حملت دثاري إلى الشرفة، كانت الأرض مشرقة بأنوار ربها زرقة الفجر النقي تبوح بما في الصحراء من أبراج معدنية تتواصل فيما بينها بأسلاك الكهرباء الأذرع المنصوبة فوق آبار البترول تواصل الركوع والسجود، ونجمة الصبح تومض بصفاء غريب، غسل المطر ما علق بها من كدر، لحق بي عواد، فرش عباءته على كتفي بحنان

ـ هذا هو الغبار الذي تبحثين عنه، انظري تحت قدميك

نظرت بخجل، أرض الشرفة مغطاة بطبقة سميكة من الطين، هتفت:

ـ الطين، إنه بداية الخلق، ومادة التكوين

ـ الطين بداية الخلق، هذا صحيح، لكن ما ترينه هو الوحل، ما كان الوحل بداية لشيء أبداً.

 نظرت إلى أعماقي، رأيت المارد يتقهقر منهزماً، وتبقى أشجار الزيتون، وفرحة أبي بشفائي، وبموسمه الخير، ويبقى عواد بغترته وعقاله، بلثغته المحببة، هي الحقائق الأصيلة الثابتة، تركني الجميع لخيالاتي، وتجمعوا أمام شاشة التلفاز، ليتابعوا ما استجد من أخبار، في تلك الليلة العاصفة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244