|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
العين من النظرة إلى الدمعة في الشعر العربي ـــ عادل مشلح تقديم: العين عضو عجيب، ومركز لأهمّ حاسّة من حواسّ الإنسان الخمس؛ بها تدرك المرئيّات بأحجامها وأشكالها وألوانها. والعين هي الباصرة، وتطلق على الحدقة، أو على مجموع الجفن، كما تطلق أيضاً على حاسّة البصر، نقول: "هو قويّ العين" أي حاسّة بصره قويّة، وتسمّى العين أو ما دار بها محجر بفتح الميم أو كسرها، وقد تطلق عليها كلمة مقلة، وهي شحمة العين أو السواد والبياض منها، فتتكون للعين ذاتها. وإنسان العين ما يُرى في سوادها أو سوادِها نفسه، واللَّحْظ باطن العين، أو النظر بمؤخرّتها، ويتبع المحجرَ الجفن، وهو غطاء من أعلى إلى أسفل، ويُسمّى رَمْشاً، أمّا الرَّمش فهو تَفتّل في أصول شعر الجفن، وهو غير مُستحبّ، والهُدْب أو الهُدُب فهو شعر أشفار العين، ويكون جماله في وَطفه: أي طول أشفاره وتمامها، والحاجب: العظم فوق العين بلحمه وشعره، وقد ذمّ فيه كثافة الشعر واتصال الحاجبين، وهناك معانٍ كثيرةٌ على المجاز وليس على أصل الوضع، ولا حاجة لتتبعها هنا. العين فيها أو منها أو ممّا يتبعها آياتٌ من السحر والجمال تصوغها أجزاؤها أو ألوانها أو صفاؤها وبريقها أو سعتها أو نظراتها أو دموعها أو بسمتها. إنّها أكثر الأعضاء تأثراً وتأثيراً، فهي تتأثّر بما تقرؤه في الآخرين، وتؤثّر فيهم حين تقرؤها عيونهم، تتأثر فتخلف في ذات صاحبها الحزن أو السرور، وتؤثر، فتهيج ما كان دفيناً في الآخرين، بل لها قدرةٌ قويّة على اختراقهم لتصل إلى مكنونات نفوسهم؛ إضافة إلى أنّها هي نفسُها تكشف عمّا في نفس صاحبها من المعاني والدّلالات الكثيرة، إنّها تملِك قدرة عجيبة على التعبير عن المشاعر والمعاني المتضادّة: الحبِّ والبغض، الحنان والقسوة، الألفة والجفوة، الحزن والفرح، الغضب والرضا، القبول والرفض، السعادة والتعاسة، الحسد والقناعة، الصدق والرياء. إنها تبتسم: "عيناك حين تبسمان... تورق الكروم"([1]) وتضحكان:
وهي تحزن، فتستنزفها الدمعة حتى الدنف والعمى، قال تعالى: )وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن وهو كظيم(([3]). وهي قادرة على بعث الأمل والحياة، وقادرة على بَذر الموت والردى، وهي المخلوق الضعيف، وقد خصّوها بلغة هي لغة العيون، إنّها لغة ليست ككلّ اللّغات، لغة يقرأ بريق سطورها العشّاق والمحبّون وأصحاب القلوب المتيّمة، ومن أوتي حظاً من رهافة الحسّ، فتميت أو تحيي، لكنّ لغتها أحياناً تكون فاضحة إذا ما وقعت عليها عيون الكاشحين، حتّى عيون هؤلاء لها لغتها المؤذية، فتصيب الإنسان بالعين، فإذا أمِنَ شرّها بات قرير العين، فكنّوا بقرّة العين عن الفرح والحبور، قال تعالى: )...هل أدلّكم على من يكفله فرَجَعْناك إلى أمِّكَ كي تَقَرَّ عينها(([4]). أي تفرح وتسرّ بلقائك، وقد يكنّى بها عن الرياء، فيقال: "هو عبد عين أو صديق عين". يخدمك أو يصادقك رياء، أنشد الجاحظ([5]):
وقد يكنّى بها عن التجسّس، فيقال: "فلان عين على فلان". أي ناظر عليه. والعين من أكثر الأعضاء تعرّضاً للهجوم، فيدعى عليها بالقلع والعمى والفقء، وقد يكون الفقء معنويّاً، فيقال: "فقأ عينه، أي صكّه وأغلظ له، ويكنّى بها عن الغالي المحبّب إلى النفس، فيقال: "أنت عيني"، كما يكنّى بها عن الطاعة والموافقة، فيقال: "على عيني" وهي موطن الرعاية والصون، قال تعالى: )...وَلِتُصْنعَ على عيني(([6]). أي لتربّى بمراقبتي أو بمرأى منّي وحفظي، وعند امرئ القيس في فرسه: "وبات بعيني قائماً غير مرسل". وهي موطن الرؤية اليقينيّة، قال تعالى: )ثُمَّ لترونَّها عين اليقين(([7]). أي مشاهدة العين، كما هي موطن التبصّر والهداية، قال تعالى: )ألم نجعل له عينين(([8]). أي عينان يتبصّر بهما طريقي الخير والشرّ، وقد تكون سبيلاً إلى المحرّمات، فتختَلس النظر إليها، قال تعالى: )ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم...(([9]). كما يكنّى بها عن السخرية: "العين تطرقك ما أفهمك". نلاحظ
من هذا التقديم كثرةَ الدلالات المجازيّة في استخدام العين، فماذا يعني المجاز،
وماذا تعني كثرة الدلالات؟ إنّ كثرة الدلالات تكشف عن اهتمام واضح بالعين، وعن
مكانة رفيعة لها عند الناس، وعن إعجاب كبير بها، فإذا كان هذا شأنها بعامة، فما هو
شأنها عند الشعراء؟ وهم الأقدر على استجلائها وكشفها ورصد معانيها، وما تبوح به،
وما يأتلق فيها من سحر، أوجعهم، أو أسعدهم: أوجعهم فأحرق مهجهم، فإذا هم صرعى
فتنته، أسعدهم ففرش الأمل في درب حياتهم، فإذا هم ينعمون بالسعادة تغمر قلوبهم. لذلك وصفوا جمال العين، وسحر نظرتها، وفتور طرفها، وما تهمي به من دموع تفعل فعلها في النفس، فتكوي القلوب، أو تذيبها لهفة وشوقاً، وسأقف على ذلك مُصعّداً مع المعنى والصورة. 1ً ـ وصف العين: 1 ـ الاتساع والبريق والصفاء: راح الشعراء يتلمّسون معاني الجمال الآسرة في العين متتبّعين مظاهرها، فأعجبوا بالعين الواسعة الصافية التي يشعّ بريقها، الواسعة في غير جحوظ، والصافية وقد نفت عنها أيّ قذىً يسيء إلى صفائها، أو يعكّره، وقد تلألأ ضياؤها، قال طرفة في وصف عيني ناقته([10]):
إنّ عينيها كمرآتين في الصفاء، وهما في غؤور يعلوهما حاجبان صلبان، وقد شبّه صفاءهما بصفاء ماءٍ في نَقرةٍ، وقد نفتا عنهما القذى في شدّة اتّساع، إنّهما كعيني بقرةٍ وحشيّةٍ لها ولد، وقد أفزعها صائد، وبهذا لم يَخْفَ على الشاعر ما ترجمته عيناها من ردّ فعلٍ غريزيٍّ ـ إن صحّ التعبير ـ فيما تنازعهما من الخوف والحنوّ لينعكس ذلك سعة في عينيها مع شدّة بريق، وفي مثل هذه الحال تكون العين أكمل ما تكون عليه من اتّساع وبريقٍ يضفيان عليها سحراً وجمالاً، وقد نفت عنها أيّ قذىً، فسلمت من الحُزن والرَّمدَ، قال جرير في حديثه عن أ طلال الحبيبة([13]):
عينٌ صفت، فلا احمرار حزن فيها، ولا رمد يذهب بريقها. هذه العين كلّما اتّسعت زادها الاتساع جمالاً لذلك نفروا من العين الحوصاء والخوصاء: الضيّقة في غؤور. هذه العين الواسعة أعجب بها الشّعراء، فسمَّوها عيناً نجلاء، وقد اتّسعت في حسن وقلّما سلموا من طعناتها، تلك الطعنات التي أصمّت قلوبهم، قال أبو دريد([14]):
وكيف للمرء أن يسلم، وهي العين النّجلاء أشدّ فتكاً من أفعى حَرَّةٍ، إنّها تقتل حين ترمي، قال عمر ابن أبي ربيعة([16]):
2 ـ اللون: إذا كان اتساع العين وصفاؤها وبريقها، وقد سلمت من أيّ قذىً أو مرض، هي من معاني الجمال التي استهوت الشعراء، فإنّ في لون العين آياتٍ من السحر تتجاوز كلّ وصف، وقد تباينت أذواقهم في ذلك. ـ العين الدعجاء: الدَّعَج والدُّعْجَة السواد، وقد عرّف الثعالبيّ في فقه اللغة العينَ الدعجاء بأنّها شديدة السواد مع سعة، وقد أورد قولَ ذو الرُّمَّة([17]):
فالبلج لبياض الصبح، والدعج لسواد الليل، وهذا لا يتّفق مع ما أورده الزمخشريّ في أساسه حين عرّف العين الدعجاء بأنّها شديدة السواد شديدة البياض. إنّه الدّعج سيف ينازل العشّاق، قال السلطان النبهانيّ([18]):
لكنْ على الرغم من أنّه سيف يتمنّى الشعراء نظرة إليه، يقول أيضاً:
هذه العين هام الشّعراء بفتنتها، فعند صاحبتها يكون الفرج إن هي أذعنت، أو الموت إن هي دلت وغَنجت، قال الشّاعر:
ـ العين الكحلاء: لم يكن السّواد الفاحم في سواد العين قد سحر الشعراء فحسب، بل ما كان منه أيضاً في جفنها، فسّموها عيناً كحلاء، كحلاء خلقة من غير كحلٍ، قال التّلّعفريّ([21]):
لقد حمتْ حمرة خدّها بعينها الكحلاء، والقدّ منها مثقف يطعن الطّعنة النجلاء تسحر بجفنها الأكحل الأوطف حيث طول شعر أشفار العين وتمامها، قال بدويّ الجبل([22]):
ـ العين الحوراء: ذكر الثعالبيّ في فقه اللّغة أنّ الحَوَر اتساع السّواد في العين كما في عين الظباء:
أمّا الزمخشري: فقال: الحور شدّة السّواد وشدّة البياض في العين، وما أورده الثعالبيّ يتّفق مع عيون الظباء التي يتسع فيها السّواد حتى لا يبقى للبياض في العين إلا القسمُ اليسير، وأضاف الثعالبيّ أنّ البرح في العين هو شدّة السّواد وشدّة البياض([24])، ومهما يكن فالأمر لا يخرج عن سواد العين الذي فتن به الشّعراء، إذ غدوا صرعى بسحره وما يبعثون، قال جرير([25]):
_ العين الشهلاء: قال الثّعالبيّ في فقه اللّغة: العين الشَّهلاء هي التي خالط سوادَها حمرة، أمّا الزمخشريّ في أساسه، فقال: هي العين التي خالط سوادَها زرقة، وعلى أيٍّ منهما، فنحن نقول، شَهل اللونان يشهَلان شَهَلاً اختلط أحدهما بالآخر، أمّا لسان العرب فقد أورد المعنيين: الشُّهلة في العين أن يشوب سوادَها زرقة، أنشد الفرّاء بطريق الذّمّ الذي يراد به المدح([26]):
إنه÷ يمدح فيها شُهْلة عينها، ويشبّهها بشهلة عيون عتاق الطّير التي خالط سوادَها الزّرق. وقال أيضاً: والشُّهلة في العين أن يكون سوادها بين الحمرة والسّواد، وقيل هي أن تُشرب الحدقة حمرة ليست كالشُّهلة في بياض العين، ولكنّها قلة سواد الحدقة حتّى كأنّ سوادها يضرب إلى الحمرة، قال ذو الرُّمَّة:
ـ العين الزّرقاء: إذا كان التّغنّي بالعين السّوداء كثر في شعرنا القديم فإنّه ـ مع خروج العرب من صحرائهم ـ وهنا اللّون الأسود مرتبطٌ بالبيئة، وباحتكاكهم بالأعاجم وبالمناطق المعتدلة وبالحضارة والساحل، بدأت الألوان الفاتحة في العين تحتلُّ شعرهم حيث أعجبوا بتلك الألوان، فلم تعد العين السّوداء وحدها ـ وإن بقيت فتنة النّاظرين ـ تتربّع عرش قلوب الشّعراء، بل راحت تستهويهم العيون الزّرق، فأخذت بمجامع قلوبهم، قال عمر بن أبي ربيعة([27]):
فإذا كانت سحراً عند عمر فهي سماواتٌ لا حدود لفضاء زرقتها عند البدويّ([28]):
ـ العين الخضراء: إنّها الربيع الأخضر، تغري، فيتعلّق الناس بفتنتها، ويروح الشعراء يتأمّلونها، يفتّقون هذا اللّون، فمرّة عيونٌ خضر، يقول نزار([29]): قالت: ألا تكتب في مِحْجَري انهض لأقلامك.. لا تعتذر مَنْ يعص قلب امرأة.. يكفر يَلذُّ لي.. يلذّ لي.. أن أرى خضرة عينيَّ.. على دفتري ................ يا عينُ.. يا خضراء.. يا واحة خضراءَ ترتاح على المرمر أفدي اندفاق السّيل في مقلةٍ خيّرةٍ كالموسم الخيّر. ومرّة زيتيّة، أو فستقيّة، وكلّها شِعاب ترتدّ إلى أصلها الأخضر، يقول نزار: زيتيّة العينين.. لا تغلقي يسلم هذا الشّفق الفستقي رحلتنا في نصف فيروزة أغرقت الدنيا ولم تغرق ومرةً عسليّة، والعَسَلُ اضطراب في لون العين، يقول نزار: كنت أسافر يوماً في الأحداق الخضر وفي الأحداق العسليّة هذه العين على اختلاف ألوانها، وما حباها الله من سعة وصفاء وبريق لا يكون تمام جمالها إلا بحاجبٍ خطٍّ يكلّلها، يحنو عليها في رفق وخِفَّةٍ، لقد أعجب الشُّعراء بزَجَج الحاجب وبَلجه([30]) وذمّوا القَرَن الزَّبَب فيه، قال السّلطان النّبهانيّ([31]):
وقال عمر في تغزُّله بذات العيون الزّرق:
إنه منتوف خلقة، خطٌّ كحدِّ السَّيف. 2ً ـ النّظرة بين الجمال والبوح: بعيداً عن الشَّزَر والشَّنْف([32]) فإن أنواع النّظرة من رَمْقٍ ولحْظٍ ولمحٍ وحَدْجٍ ورشق ورنوٍّ([33]) ترتدُّ إلى نظرتين أساسيّتين هما: النّظرة القويّة والنّظرة الضّعيفة ولكلتا النّظرتين سحرُهما وجمالهما، ولكلتيهما بوحٌ يقرؤه المحبّون العاشقون، ولكلتيهما فعل في النفس أيّ فعلٍ. 1 ـ النّظرة القويّة: رأى فيها الشعراء سهاماً تنفُذُ في القلب، تجرح، وتدمي، وتفتك، فإذا رامت قلباً طعنته الطّعنة النّجلاء الّتي تُردي وتميت. هكذا رآها ابن الصّائغ([34]):
2 ـ النظرة الضعيفة: كذلك أعجبوا بالنظرة الضّعيفة، قال خالد الكاتب([35]):
وأيُّ فعلٍ تفعله هذه العين، وسأقف عليها حين حديثي عن فتور الطّرف. ـ جمال النّظرة: رأى الشّعراء في نظرة عين الظبي جمالاً أخّاذاً، فشبّهوا نظرة الحبيبة بها، قال النّابغة([36]):
إنّها نظرة جميلة تشبه نظرة عين ظبي أحوى الشّفتين، أسود المقاتين، مُقلِّد الجيْد. ليست نظرةَ ظبي فحسب بل نظرة ظبي غرير خائف مفرد بين شجر السِّدر الملتفّ، وهذا أدعى لجمال نظرته، قال قيس بن الخطيم:
كما شبهوها بنظرة ولد بقرة وحشية يرنو إلى أمِّه في أمْن، قال عمر بن أبي ربيعة([38]):
ولا يخفى ما في هذه النظرة من جمال؛ إنّها تشبه نظرة ولد ظبي وهو يرنو إلى أمّه؛ وما توحيه هذه النَظرة من معاني الطمأنينة والأمن، وقد سكنت وقرّت في هدوء. لقد ذهب الشُّعراء أبعد من ذلك في رسم النّظرة الجميلة، فامرئ القيس رآها في نظرة بقرة وحشيّة إلى ولدها([40]):
إنّها حسنة النظرة تبعثها عينان جميلتان تشبهان عيون الظباء، وقد جعل الظباء مطفلة لأنّ نظرتها إلى أولادها يخالطها الحبّ والعطف، وفي مثل هذا يكون النظر على خير ما يكون عليه. إنّ حبيبة الشاعر تعرض فيبدو خدُّها الأسيل، وتتّقي بعين تفيض حباً كما تفيض نظرة ظبية إلى ولدها. ـ بوح النظرة: أعود إلى لغة العيون، فللعيون لغتها التي ـ كما قلت ـ يجيد قراءتها العاشقون، إنّها تقول، فيفهمون ما تقول، قال عمر بن أبي ربيعة([41]):
وحين تقول تبوح، فيقرأ العاشقون ما تبوح به. * إنها تبوح بالحبّ، تسفر عنه في جلاء، يقول الشاب الظريف([42]):
* إنها لا تبوح بالحبّ فقط، بل بالهوى المضطرم في النفس، فهي لا تضيق بمعانيه، يقول البدويّ في عينَي حبيبته([43]):
* العين لا تضيق بمعاني الهوى فحسب، بل تزيح الستار عن الشوق الذي يضجّ في النفس، فتجلو أقصى ما فيها من معانيه، يقول عمر([44]):
* إنّ النظرة تبوح بما هو أبعد من ذلك، إذ تكشف عن حاجة في النفس لا يستطيع اللسان أن يبوح بها، أو قد يتعثّر دون بلوغ ما ترومه النفس، يقول النابغة:
* في كلّ هذا ينعم الشعراء على الرغم ممّا يفعله بوح النظرة فيهم، وما يخلّفه من مواجع تطرب لها نفوسهم، لكنْ أن تكون العيون في نظراتها حيارى، فالشعراء حتماً بخمرها سكارى، قال محمّد حمدان([45]):
* إلا أنّهم ضاقوا ذرعاً حين تبوح العين بالحسد، فيحنون على الحبيب، يحوطونه بحبّهم وحذرهم عليه من تلك العيون التي طالما سخطوا عليها، يقول الشاب الظريف([46]):
3 ـ فتور الطرف: أيُّ نظرة أعمق في النفس، وأنفذ في القلب، واقدر على بعث المشاعر من رقادها من تلك النظرة؟ إنّ الأصل في معنى فتَر سكن عن حدّته، ولان بعد شدّته، فالفتور ينطوي على الضعف والتراخي والانكسار. قال تعالى: )يُسبِّحون الليل والنهار لا يَفْتُرون(([47]). أي لا يسكنون عن نشاطهم في التسبيح والعبادة، وقال أيضاً: "لا يُفَتَّر عنهم وهم فيه مُبْلِسون"([48]). أي لا يُخفّف عنهم وهم متحسِّرون واجمون يائسون من كلّ خير. وعلى المجاز امرأة فتارة الطرف، وفتّرت من بصرها، قال ذو الرُّمَّة([49]):
فالفتور انكسارٌ في حدّة العين، وضعف في حركتها، وهو على ما فيه من ضعف، شأنه شأن العين، قويٌّ يصرع بأشدّ ما يكون عليه الصرع. إذا كانت سهام العيون ـ حيث الحبيبة تسدّد السهم وترمي ـ تقتل، وتصرع، فإنّ النظرة الفاترة تحفِر في الفؤاد جراحاتٍ عميقة لأنّها من السهام، تستبيح ذات المحبِّ، فتملك عليه سلطان قلبه لينقاد وقد هوى أسيرها ذلك لما تبديه من شوق ولهفة وتضرُّع وتوسُّل، ولما تكشف عن هوىً جامحٍ في النفس يبوح بحاجاتٍ لا يستطيع اللسان حيالها بوحاً، بل ربّما يقف عاجزاً دون ذلك، ولعلّ أحسن ما يكون عليه فتور الطّرف حين يكون خلقة، فإنّه ـ في هذه الحال، وحين تقع عليه العين ـ تنخلع له القلوب، ولهذا فتن الشعراء به، وأداروا أشعارهم على معانيه، فشبّهوه بنظرة المريض يستجلي وجوه عوّده وما تنطوي عليه هذه النظرة من معاني التعلّق والتوسّل اللذين يكشفان عن حاجة لم تقضها النّفس، حاجةٍ لا يبوح بها اللسان، فتنهض تلك النظرة لتعبّر عنها في جلاء، يقرؤها الشاعر فيستجيب دون تردّد، قال النّابغة:
إنّ النابغة ـ بهذا التشبيه ـ استطاع أن يرسم لنا شكل وهيئة تلك النظرة، فنحن معه نتخيّلها، ونقرؤها ضعيفة كليلة تفيض بمعان تفعل في النّفس، فتغمرها بمشاعر من السحر زكية. لكنّ أبا نواس يحدّد لنا المساحة الزمنيّة لتلك النظرة التي تبدأ، فتطيل في كرّ الطرف، وما أدراك ما في هذا الكرّ؟! والنظر ينسحب رويداً رويداً بطيئاً ضعيفاً، فيخلّف في القلب أسراراً لا يستطيع اللسان ترجمتها، يقول([50]):
إنّها ليست نظرة سقيم، بل من أفاق قريباً من السقم، وهو يعيش فترة نقاهة، لكنّها عند عليّ بن دريد نظرة سقيم في سورة الإغفاء. إنّها النظرة السكرى أو التي يترنّح فيها السكر، نظرة واهية واهنة، لكنّها تملك على القلب أشرعته، يقول([51]):
إنّها نظرة فاترة لا عن نعاس، ومثل تلك النظرة أسرع نفاذاً لتجرح في الصميم، إنّها كالسيف كلّما لأن متنه كان أسرع قطعاً، وأنفذ جرحاً، يقول ابن المعتز([52]):
فتور الطرف يجرح، وهو أنفذ من السيف القاطع، لكنّه عند البحتريّ مسكر يفعل فعل الخمرة في الرؤوس، يقول في وصفه الخمرة([53]): في القهوة أشكال من الساقي وألوان وسكرٌ مثل ما أسكر طرف منه وسنان هي تجرح وتدمي وتسكر، لكنّها تقتل أيضاً، فهل سمعتم بمقتول أحب قاتله؟! قال ابن السّاعاتي([54]):
هذا هو فعل النظرة الفاترة، فكيف حين تكون غمزاً! إنّها لا شكّ تفسد على المرء عبادته، وتثنيه عن طوافه كما عند عمر ابن أبي ربيعة([56]):
هل أدركنا المدى الذي راح معه الشعراء يجنُّون بفتور الطّرف؟! لقد نوّعوا في تشبيهاتهم فكانت نظرة مريض أو من أفاق قريباً من المرض، أو من كان في سورة الإغفاء. لقد رأوا فيه سيوفاً وسهاماً تجرح الأحشاء، أو خمرة تبعث على السكر، أو نَبْلاً على السكر، أو نَبْلاً يقتل، فيُلزم المقتول حُبَّ قاتله. أنّها لغة الطرف يجيد قراءتها أهل العشق والهوى. 4ً ـ بكاء العين: إنّ بكاء العين ـ لا شكّ ـ حاجة نفسيّة، حيث دمعها طريقها إلى التفريج عن النفس ممّا يضطرم فيها من مشاعر ومواجع، لكنّه أحياناً يكون سلاحاً يُروَّض به الحبيب، أو يُذلّل، أو يُستمال، وأحياناً يكون فاضحاً أمر صاحبه شأنه شأن النظرة، يفضح ما تكتمه النفس من الهوى. إنّ الدموع التي فاضت بها عيون الشعراء وقفوا عند دوافعها وأسبابها، كذلك وصفوها في فيض من الصور التي كشفت لنا عمّا تنطوي عليه من حرقة؛ فقدّموها لنا حين أجهشوا، وحين اغرورقت، وترقرقت عيونهم بها، وحين همعت([57])، وما رافق ذلك من نحيب ونشيج وإعوال، وصفوها في غزارتها وتتاليها، وقد انفطرت لها قلوبهم. 1 ـ أسباب البكاء: ذكر الشعراء المواقف التي تبعث على البكاء، فقد رأوا في الذكرى سبباً له، حيث طلل الحبيب، وما يثيره في النفس إذ تبعث الحياة من جديد فيه لتعيده حياً عامراً، كلّ ذلك من خلال حدقة الخيال، حيث الماضي وقد عادت أيّامه الخوالي، يذكّرهم بذلك نؤيٌ ما زالت آثاره تلوح، وأثفيّة، وما بين النؤي والأثفيّة كانت الحبيبة تخطر بقدّها الممشوق، وعين الشاعر ترقبها، وكم حاول الوصول إليها، لكنّ عيون القوم تحاصره، وحين يأمنها، يختلس الخطو إليها، وقد طابت نفسه بقربه منها، لكنّ الواقع يهزّه، فيصحو ليرى المكان مقفراً، ولم يبق إلا رسم دارس مستعجم، يقول امرؤ القيس([58]):
لعلّ في البكاء شفاءَ النّفس، لكنْ لا رجاء عند رسم دارس من معوّل، يقول أيضاً:([60])
إنّ الذكرى التي أثارتها أطلال الحبيبة بعثت فيه حزناً سفح له الشاعر دموعه حنيناً إلى الحبيب يعتصره الأسى، والحبيبة تلملم متاعها مع القوم، وقد أزف الرّحيل، وهو يدرك ماذا يعني ذلك، إنّها تتجهّز لتضرب مع قومها في مجاهل الصحراء طلباً للماء والكلأ، إنّها اللحظة التي ستخلّف الشّاعر وحيداً، وقد أقفر المكان من أنسها ليقطع عليه ذلك كلّ رجاء فيها، فهذا المجنون يرقب الظعائن، والقوم قد تحّملوا، يمزّقه الألم والحزن لتفيض دموع العين، يقول([62]):
إنّه يبكي والدموع تتحدّر لآلئ تسيل على نحره ساعة ظعن الحيّ، وعيون القوم تحول بينه وبينها. فماذا إذا كان أحدهما يبغي الرحيل، وقد تشابكت الأيدي؟ لابدّ أنّ كليهما سيذرفان الدموع لحظة الوداع، فهذا ابن زريق البغدادي يلفّق الأعذار، يبرّر رحيله، والحبيبة تتشبّث به تحاول أن تثنيه عن عزمه يقول([64]):
وآخر يمضي مرتحلاً، وقلبه معلّق بديار الحبيبة، يلتفت، وعينه ترنو إلى الديار حتّى إذا ما غابت تحرّكت بنات الشوق، فتستجيب لها العين دموعاً ما تكفّ، يقول الصمّة القشيري([65]):
لا سبيل إلى كفّ العين عن الدموع، فلا الزجر ينفع، فلتدمع كلتاهما لأنّ الفراق ليس يسيراً. كلّ هذا حين تذكّر حبيب أو ارتحال، فما شأن العين وقد غيّب الموت حبيباً؟! لا شك أنّه لا عذر لها، تقول الخنساء([66]):
كلّ هذا ودمعة الحزن تنهمر، لكنّ هذه الدمعة قد تكون دمعة فرح، فتفيض معبّرة عن الغبطة والسرور، فإذا كانت الدموع جماناً من همّ وحزن عند المجنون فهي درّ فرح عند شفيق جبري، وهي تعبّر عن الفرحة بجلاء المستعمر عن أرض سوريّة، يقول([67]):
إنّها أكثر من ذلك، هي سوار ذهبيّ تتحلّى به دمشق المناضلة، وقد صنعت مجد تشرين، يقول نزار قبّاني([68]):
لكنّ الدموع أحياناً تكون سلاحاً تُشهره الحبيبة في وجه الحبيب ليكون أكثر تعلّقاً بها، أو لتزيد في معاناته ومكابدته، يقول امرؤ القيس([69]):
2 ـ وصف الدموع وفعلها: إنّ الشعراء لم يقفوا عند أسباب البكاء وما تخلّفه من دموع، بل وصفوا تلك الدّموع، وقدّموا ذلك من خلال صور استطاعت أن تكشف ما في النفس من مواجع. إنّ أوّل ما وصفوه من الدموع كان غزارتها التي تعبّر عن شدّة المعاناة، فهذا المجنون يأتي بلاد الشام، ويسأل: أين أرض بني عامر؟ ثمّ ينصرف حتّى يأتيها، فيجهش للبكاء أمام جبل التَّوباذ، يقول([71]):
إلى أن يقول:
كلّ هذا وما تكفّ عينه عن ذرف الدموع، وتنهملانّ. وقد وصفوا شكل الدموع إلى جانب غزارتها، فهي جمانٌ يسيل على جيب القميص، ودرّ على الخدّين كما مرّ معنا. إنّهم ذهبوا أبعد من ذلك، فرصدوا ما يصدر عنها من صوت بسبب غزارتها، حيث نسمع لها خريراً كخرير الماء، قال المالقيّ في جارية تُدعى أزهر، وقد وقعت عينه عليها([72]):
خرير دموعك؟! لماذا هذا التكلّف يا مالقيّ؟ وأين فيض المشاعر، وأنت تقول: خرير دموعي، من الذي فاض به قول المجنون؟!. لم يفتِ الشعراء في وصفهم الدموع ما كان أيضاً من تتاليها وتجدّدها في غزارة يَظنُّ معها الشاعر أنّه ينظر في ماء، أنشد أبو عبد الله نفطويه، قال([73]):
الدّمع يتتالى، وكلّما أفرغت العين ديمة منه تجدّدت أوائل أخرى، وهكذا حتّى يغدو كمن ينظر من خلال الماء، كلّ ذلك بعين مشوق أقض الشّوق مضجعه، فبات ساهراً. إنّ وفرة الدموع التي جعلت الشاعر ينظر من خلال الماء قد جعلت غيره ينظر من خلال الزجاج حيث المرئيات تضطرب، لذلك فهو مرّة يعشى حين تنهملان، ومرّة يبصر حين تحسران، قرأ صاحب الأمالي على أبي بكر بن دريد([74]):
ما أقسى خطبَكم أيّها الشعراء، كلُّ هذا ولا ينطفئ ما في النفس من لهيب؟! تجفّ العين منكم، فتسعون إلى من يعيركم عينه تبكون بها، قال غلام من بني حنيفة([75]):
أليس البكاء إذاً حاجة نفسيّة يخفّف ما يعتصر النفس؟ فكان أن لجأ إليه الشاعر يفرّج به عن نفسه. لكنّه قد يكون فاضحاً شأنه شأن النظرة، إلا أنه رغم ذلك يظلّ يعبّر عن المعاناة، وإن يك قد هتك ستر الكِتمان، يقول أبو نواس([76]):
صحيحٌ أنّه فضح أمر الشّاعر، فكشف ما انكتم حين انهمر، لكنّه ما يدري أنّه الفاضح، لقد ضاقت النفس بما فيها، فما كان لها من سبيلٍ إلا البكاء والدموع. وأخيراً أستطيع أن أقول: لقد حبا الله العين منزلة سامية، وطواها على معانٍ كثيرةٍ، وستبقى فتنة النّاظرين، وبوح الحالمين، ودنيا العاشقين، وسيبقى الشّعراء يتقرَّون محاسنها، إنّها فيض معانٍ لا نهاية له في شكلها وصفائها وبريقها وسعتها، وفي لونها، في فرحها، وبسمتها، وفي بكائها ودموعها، في نظراتها وما تخلّفه في القلوب. ([11]) - الماويّة: المرآة، استكنّتا: هدأتا، الكهف: الغار، الحجَاج: العظيم المشرف، القلت: النقرة، المورد: الماء هنا. ([12]) - الطحر والطرح واحد: الإبعاد، المكحولتان: العينان أنزل العين، محلّ الكحل على الإطلاق، الفرقد: ولد البقرة الوحشيّة. ([30]) - الزّجج: رقة الحاجب في طول ـ البلج: تباعد ما بين الحاجبين ـ القرن: اتصال الحاجبين ـ الزّبب: كثرة الشّعر وطوله. |