مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 394 شباط 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

إحسان عباس بين الرماد الأبيض وبقايا النار ـــ صادق عبد الرحيم

في أواسط عام1990 نشرت صحيفة " الأسبوع الأدبي" مقالاً لي بعنوان" الدكتور إحسان عباس بين اللبننة والعمارة الأولى" طويته ست سنوات، ولم يعدني إليه إلا صدور كتاب " غربة الراعي" الذي سرد فيه الدكتور إحسان عباس سيرته الذاتيه.‏

وحينما عدت إلى المقال وجدتني أتحدث فيه عما ورد في السيرة الذاتية للكاتب المصري عباس خضر "خطى مشيناها" من حديث عن الدكتور إحسان، بادئاً بالقول: إنه "مما لوحظ في ميادين الإبداع الأدبي خلال العقود التي تلت مطلع هذا القرن، إقبال الأدباء والكتاب والشعراء في وطننا العربي على نشر سيرهم الذاتية، كما لوحظ أيضاً أن جلّ من قاموا بهذا العمل كانوا أعلاماً، وكان تاريخ الأدب و الفكر لهم بالمرصاد ليسجل عليهم تقصيرهم لو لم يفعلوا ذلك"(1)، عاتباً من ثمّ على الكاتب عباس خضر "ذاك العتب الذي لا ينقضي، لا لأنه فعل ذلك، بل لأنه ـ كما أرى ـ قد استبق الوقت المناسب له".‏

لقد أوقفني الدكتور إحسان عباس عند عتبي هذا طويلاً حينما رأيته يقول في التقديم لسيرته: "إذا كان هناك من عيب في الاقدام على كتابة مثل هذه السيرة فذلك هو أنها تأخرت في الزمن، وكان من الحق أن أكتبها قبل حلول الشيخوخة وامتلاء النفس بألوان من المرارة والخيبة"(2)، إذ تحدث هو الآخر عن زمن كتابة السيرة الذاتية بالنسبة لعمر كاتبها، كشرط من شروط سلامتها. ولم ينته الدكتور إحسان من سرد سيرته قبل أن يؤكد لقارئها خطأه في إرجاء كتابة سيرته إلى عام 1996 قائلاً:"اكتشفت منذ سنة 1994 أنني أصبحت فريسة لأمراض الشيخوخة، وقد قال لي طبيب نفسي: إن مشكلتك هي الكآبة"(3).‏

لقد أجمع معارف الدكتور إحسان عباس وخلطاؤه على القول بأنه كان إنساناً متواضعاً. فهل بلغ به التواضع مبلغاً يتهم فيه نفسه امتلاءها بالخيبة والمرارة والكآبة فيما مضت فصول سيرته الذاتية بعيداًَ عما اتهم به نفسه؟‏

لقد قال الدكتور عبد الله العسكر أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الملك سعود "عندما قرأت سيرته الذاتية، التي سجلها في آخر حياته، لمست مدى العجز الذي يعتصر قبله وفؤاده وجسمه، فسيرته التي عنونها بـ "غربة الراعي" ليست كالسير المعتادة، إنها مقدمة لنقد الذات، لا لتمجيدها كما اعتدنا في السير، أو في نقد الآخر على حساب الرفع من الذات"(4).‏

وقال الدكتور رضوان السيد: " كشفت تلك السيرة عن جانب من جوانب شخصيته، ما كان يعرفه غير القريبين جداً منه، وبخاصة أخوه الأصغر بكر، المتوفى قبل ثلاث سنوات. مرارة عميقة، وكآبة هائلة، وإحساس رهيب بالفشل الشخصي..."(5).‏

وحسبنا في هذا الموقع من دراستنا أن نقرأ السطور الأولى من " غربة الراعي" حيث يقول الدكتور إحسان متحدثاً عن ذاته : "كان حينئذ يتوجه نحو ختام السنة الرابعة من عمره، وكانت تلك أول مغامرة يقوم بها خارج صحن الدار الواسع الصخري، وحين اطمأن إلى الدرب التي تشق الحارة الشمالية من القرية، جعل وجهته صوب الغرب وأخذ يتدحرج حافياً، ولما بلغ منعطف الدرب إلى اليسار تجافى عن السير فيه لأنه لا يعرف إلى أين يفضي، وظل مستمراً في تدحرجه مع انحراف إلى اليمين فإذا هو يقف فوق مزبلة كأنها رابية"(6).‏

ربما نكون على صواب لو قلنا أن الدكتور إحسان عباس قد أراد الرمز إلى شيء ما من خلال سرده لحادثة جرت له، ولكننا لن نكون واثقين من ذلك مثل ثقتنا به بعد قوله "لم يكن يفهم الرموز في ذلك العمر، ولو كان يفهمها لما فاته أن يرى أن درب الحياة التي يسلكها ويسلكها الناس تفضي بهم إلى مزبلة..."(7)‏

وما نخلص إليه أن الدكتور إحسان عباس لم يقل ما قال عن كآبته ومرارته تواضعاً بل وجد نفسه يقول تمشياً مع المنهج الذي اختاره لكتابة سيرته، حيث يقول في مقدمتها: "وجدتني أميل إلى كتابة سيرتي. ومنهجي فيها التزام الصدق فيما أسرده"(8)‏

وصِدْق إحسان عباس في هذه القضية لا يعفينا، وقد أوصانا هو ذاته، بألا نلجأ إلى التعميمات وألا نركن إلى المسلمات، من السؤال إن كان قد أصاب حينما قال بأن هذه الكآبة قد جاءته مع أمراض الشيخوخة التي حلت به بعد عام 1994،وأنه كان من الحق أن يكتب سيرته قبل حلول الشيخوخة وامتلاء النفس بألوان من المرارة والخيبة؟ وأن نتساءل أيضاً: هل كان بإمكان الدكتور إحسان لو أصدر سيرته قبل عام 1994 أن ينقّيها مما رمته به الشيخوخة؟‏

لقد عاتب الدكتور رضوان السيد صديقه الدكتور إحسان عباس قائلاً: " نحن نعرف أنك ذو طبع رومانسي، يظهر في شعر الصبا والشباب، لكنك لست فاشلاً بأي مقياس" فرد عليه صديقه إحسان متوفزاً مندفعاً في حيرة تشبه حيرة الفتى المراهق غير المتأكد من شيء: " عندي إحساس بالفجيعة ليست له علة خاصة، وكان يخبو ويظهر إلى أن غادرت الخرطوم عام 1962، فما غادرني بعدها، وإن تفاوتت حدّته بين زمن وآخر"(5).‏

والحقيقة أن إحساس عباس قد فاجأنا بما انطوى عليه رده، وكشف لنا فيه عن مفارقة لافتة إذ لم يكرر القول بأنه كان فريسة للاكتئاب منذ عام 1994 بل اعترف بأنه كان فريسة للاكتئاب منذ زمن أسبق من ذلك بعقود لم يحدد بدايتها، مكتفياً بذكر عام 1962 كمنعطف في تطور إحساسه بالفاجعة والاكتئاب.‏

وهكذا وبكل بساطة وثقة بالنفس يمكننا القول بأن الدكتور إحسان عباس لم يكن قادراً، لو كتب سيرته الذاتية قبل عام 1994، بل وقبل عام 1962، أن يجعلها نقية مما علق بها من كآبة نفسه.‏

ولكن هل يمكننا، بمثل هذه البساطة والثقة، القول بأن تلك الكآبة كانت طبعاً من طباعه، وأن علتها خاصة به؟‏

لقد نقل الكاتب عمر شبانة عن الدكتور إحسان قوله:"العالم كان حقل تجارب للكوارث في كل العصور، كوارث يصنعها الإنسان، وكوارث تصنعها الطبيعة، ولكن كوارث عصرنا تمتاز في درجة الحدة. وأنا قارئ مواظب للتاريخ، ولهذا أعرف أن عالمنا لم يكن يوماً غريباً عن الكوارث، وهذا يرفد لدي ميلي إلى التفاؤل. أعني أنني أدرك أن التفاؤل يعني تغلب الخير بين الحين والحين، وحدوث انفراجات في مسيرة الإنسانية"(9).‏

ومضى زميله السيد فوزي صلوخ، والذي عمل معه في مؤسسة فرنكلين إلى وصفه بالقول أنه : "صاحب طرف وفكاهة، وكثيراً ما كان يستثمر ذلك في حل المشاكل وتهوين الصعوبات..."(10).‏

وما نقله شبانة عن الدكتور إحسان، وما قاله صلوخ عن طرفته وفكاهته، لابد أن يجعلانا ميالين إلى القول بأن الكآبة لم تكن طبعاً من طباعه، وأن الدكتور إحسان لم يكن مراوغاً حينما أنكر أن يكون لإحساسه بالفجيعة علة "خاصة".‏

وما دام الدكتور إحسان قد أشار إلى عام 1962 كمنعطف في تطور ذلك الإحساس لديه، فإنه قد وضع بين أيدينا المفتاح الذي يساعدنا على البحث عن أسباب إحساسه ذاك فما الذي حدث لإحسان عباس قبل ذلك التاريخ وبعده؟‏

لقد أكد الدكتور في سيرته الذاتية ما يعرفه الكثيرون، من أن دراسته في جامعة فؤاد الأول في القاهرة، قد كانت على نفقة حكومة فلسطين، إذ قال:" وكانت حكومة فلسطين قد خصصت لي سنوياً مبلغ 255 جنيهاً" (11)، وأكد كذلك بأن العام الذي نال فيه شهادة الليسانس قد كان عام1949 ، أي العام التالي لتاريخ النكبة، والحقيقة أن رغبتنا في الوقوف على أحواله قبل عام 1962، تقتضي منا الوقوف على هذه الأحوال عشية النكبة أولاً. ويحدثنا هو عن ذلك قائلاً: " لم يكد يحل شهر ما يو (أيار) الشهر الخامس من سنة 1948 حتى هبّت على وطننا ( فلسطين) أعاصير عاتية بدّدت أهله في شتى النواحي، وهلك من أهله من هلك في المذابح، وكانت حكومة الانتداب هي التي تدفع المال للطلاب الفلسطينيين المرسلين في بعثات، فأوقفت دفع مستحقاتهم، وقضيت بقية عام 1948 وبعض العام التالي وأنا لا أملك قرشاً. فتوقفت عن دفع أجرة الشقة التي نسكنها، وجاءني صاحبها محمد حامد ـ وهو رجل شهم ـ وقال لي: أنا أعرف الضائقة التي تعانيها، فلا تبتئس، ستظل ساكناً في الشقة ولا أطالبك بشيء حتى تعود الأمور إلى طبيعتها، فشكرته كثيراً وأكبرت فيه شهامته وإحساسه بمشكلتي. ومن أجل الحصول على الطعام باعت زوجتي ما لديها من حلي. ومن دون أن يدري والدي بما نعاني بعث مع أحد معارفي عشرة جنيهات ـ لعلها هي كل ما كان يملكه . ونمي خبر هذه الضائقة إلى أستاذي وصديقي شوقي ضيف، فعرض عليّ أن يسلّفني مبلغاً من المال، فشكرته وأوضحت له أنني لا أدري هل أصبح في حالة أستطيع فيها أن أردّ إليه دينه: فقال لي ـ لما كرّرت الاعتذار عن قبول سلفة ـ :أذكر أنك حدثتني بأن لديك ترجمة كتاب الشعر. قلت هي موجودة قال: هاتها وأنا أقدمها إلى دار نشر وأحصل لك مقابل ذلك مبلغاً من المال، وكان الأمر كذلك، ولكني لا أدري هل كان المال الذي أعطانيه من دار النشر أو أنه اقتطعه من ماله الخاص.وجاء لصديقي محمود زايد رحمه الله ( وكان طالباً في قسم التاريخ) مبلغ من المال فقسمه بيني وبينه مناصفة. وقال لي صديقي محمود الغول وكان يدرّس في المدرسة الإنجليزية بالسويس: في آخر الشهر أتسلّم أول مرتب لي من المدرسة وهو لك، وكان مرتبه في الشهر يزيد على (42) جنيهاً، وجاءني في آخر الشهر يحمل المبلغ كله..."(12).‏

وبانقطاع أخبار ذوي إحسان عنه تكون الفاجعة قد بذرت بذرتها في نفس الفتى منذ ذلك العام، عام 1948. ولكن جهود أصدقائه من حوله ـ كما رأينا ـ ورسائل أخيه بكر عباس وابن عمه أحمد سلامة، التي بدأت تصله من بغداد بعد ذلك ـ كما يحدثنا ـ حاصرت البذرة، ولم تهيئ لها ظروف الانتاش، فظلت ضامرة. وفي اعتقادنا أن ذلك لم يكن ممكناً لو لم يكن إحسان مرحاً وصاحب طرفة وفكاهة، وهو الأمر الذي يدلنا عليه ما قام به حينما احتفظت له السفارة البريطانية في القاهرة بحقه من المال عن الأشهر السابقة إذ يقول: "فلما استطعت أن أتسلّم المال دفعت لصاحب الشقة الأجرة التي تراكمت عليّ، ودعوت أخي محمود السمرة وأخي محمود زايد إلى البيت، وعلوت منصة ونثرت المال على الأرض وقلت لهما بلهجة مسرحية، لقد جاءني مال كثير فمن شاء عددت له عداً ومن شاء كلت له كيلاً ( ورضي الله عن عمر بن الخطاب) وضحكنا كثيراً، وأكلنا المجدّرة ( الأرز والعدس) وهي أكلة فلسطينية تقارب "الكشري" في مصر."(13)‏

ولعل من الأسباب الأخرى التي أوهت بذرة الفاجعة في نفسه، أن الشباب لم يكن قد غادره بعد، ونحن نعلم أن مرحلة الشباب في حياة أي إنسان، هي المرحلة التي يكون فيها أكثر امتلاءً بالأمل، والتي يكون فيها الأمل في أشد قوته. فقد غادر إحسان وطنه فلسطين إلى القاهرة شاباً، يحدوه الأمل لنيل علم غزير يفيد به وطنه، ونيل شهادة عالية يفتح بها أبواب رزقه. وحينما نال من العلم ما نال وتسلم شهاداته، كان وطنه قد بات عاجزاً عن الاستفادة منه وإفادته، ولكنه كان ما يزال شاباً ممتلئاً بالآمال، فهل أقل من أن تفتح له شهاداته أبواب رزقه؟‍‏

يقول إحسان متحدثاً عن تلك الفترة:" نجحت ( عام1949) في نيل شهادة الليسانس ... وتسلمت الشهادة وعدت إلى البيت وأخذت قسطاً من الراحة ثم كتبت عدة رسائل، لكل البلاد العربية التي أقدّر أنها تقبلني معلماً في إحدى مدارسها، فما تلقيت جواباً"(14)‏

ترى هل أخطأ إحسان عباس في تقديره، وهل كان ثمة دولة عربية ممن لم يرسل لها رسائله تقبله معلماً في إحدى مدارسها؟‏

لقد نقل أحمد أمين، وكان يومئذ أميناً مساعداً للشؤون الثقافية في جامعة الدول العربية، إلى إحسان عباس خبراً مفاده أنه اقترح تعيينه في الجامعة فقيل له : " إن هذا الذي تقترح تعيينه فلسطيني، وفلسطين لا تشارك بحصة في مالية الجامعة العربية" ويقول إحسان: " وكان حين بلّغني هذا الخبر حزيناً لأنه كان يدرك بقلبه الكبير أنه قرار مبني على الظلم"(15)‏

ترى إذا كان أحمد أمين قد حزن لما قيل له، فكيف يكون حال إحسان؟ وهل سيندم ويعترف بأنه أخطأ التقدير حينما لم يرسل رسائله إلى كل الدول العربية دون استثناء؟ أم أن إحساس الفجيعة الذي بذرته النكبة سيتململ في صدره؟‏

لقد أنقذه تعيينه ـ وباقتراح من أحمد أمين ـ مدرساً للغة العربية في كلية غوردون التذكارية في الخرطوم من الإحساس بفشله الشخصي، ولم ينقذه من الإحساس بفشله الوطني، ما دامت فلسطين محتلة، ولكن هل أنقذه هذا التعيين من الإحساس بفشله القومي الذي كان لابد له أن يحس به إزاء تجاهل الدول العربية لرسائله التي أرسلها إليها، وإزاء رفض الجامعة لتعيينه فيها؟‏

هناك في الخرطوم، ومن الصف الأخير في غرفة دراسة طلاب السنة الثانية في كلية غوردون، ينبري له عبد الكريم، وهو واحد من الطلاب، قائلاً:"هذا الفلسطيني ما له وما لنا؟ لماذا يشغل نفسه بتدريسنا ابن الرومي، لو كان ذا قدرة لبقي في وطنه يدافع عنه(16).‏

هذه هي وقائع حياة إحسان عباس قبل عام 1962، بل بعضها، وهي وقائع عاجزة ـ في اعتقادنا ـ عن تقديم الدليل على أن اكتئاب إحسان كان فطرياً، أو انه كان بسبب الشيخوخة وحدها. وهي أكثر عجزاً عن تبرئة نفسها مما أصابه بعدها من اكتئاب، فقد كانت كل واقعة منها تقدم شرطاً من شروط انتاش بذرة الفاجعة التي بذرتها نكبة 1948 في نفسه، لكي تنمو وتتطاول وتطرح ثمارها المرّة.‏

ولا نود أن نغادر هذا الموقع من دراستنا، قبل أن نلاحظ، أن إحساس إحسان بالفاجعة في هذه المرحلة، يشير سواء بسواء، حينما يظهر أو يخبو، إلى مقاومة إحسان له، فقد كان إحسان يغلبه تارة فيخبو، ويضعف أمامه تارة أخرى فيظهر.‏

فإذا ما انتقلنا لمعاينة وقائع حياته بعد عام 1962،حق لنا أن نلاحظ أن هذا العام لا يمثل نقلة زمانية وحسب، بل يمثل نقلة مكانية أيضاً، لانتقال إحسان عباس خلاله من جامعة الخرطوم إلى الجامعة الأميركية في بيروت، كما يمثل نقلة شخصية لإحسان الذي أتم سن الرشد فيه، ونصَّف سني حياته التي لم يكن يعلم مداها. وندع الحديث عن هذه المرحلة لزميل إحسان عباس في مؤسسة فرنكلين، السفير اللبناني السابق السيد فوزي صلوخ حيث يقول: "استهوت سمعة الدكتور إحسان عباس الأدبية الدائرة العربية في الجامعة الأميركية في بيروت، وتعاقدت معه للتدريس فيها في العام 1961، وكان عليه أن يترك جامعة الخرطوم في السودان في أوائل الصيف من ذلك العام لتدبير أموره العائلية قبل الالتحاق بالجامعة، وكان حرص الدكتور نجم، الشديد على تسهيل وصول الدكتور عباس مع أعضاء أسرته أن طلب مني استقباله في مطار بيروت، مما دعاني إلى الاستحصال على إذن لدخول قاعة الاستقبال. وكانت المفاجأة أن طلب موظف الأمن العام من الدكتور إحسان الانتظار جانباً حتى انتهاء التدقيق بجوازات المسافرين، تقدمت عندئذ وسألت الموظف عن السبب، فأفادوني أنه يحمل وثيقة سفر خاصة باللاجئين الفلسطينيين، وأن دخول لبنان يستدعي الموافقة المسبقة. تأثرت وبدا الغضب على وجهي لكنه ابتسم وقال: " إنه جزء من المحنة" وقمت بصحبة الموظف المختص بالاتصالات اللازمة حتى سمح للدكتور وأسرته بدخول البلاد شرط أن يسوي وضعه لاحقاً بكفالة مني."‏

وبتابع السيد صلوخ حديثه عن تلك المرحلة قائلاً: "وفي العام 1962 طلب مني الدكتور إحسان مرافقته إلى دمشق لزيادة أصدقاء له وشراء كتب. وكان مشوار الذهاب هانئاً. وصلنا المدينة وتنقلنا في مكتباتها وتم شراء عدد من الكتب التي تفيده في أبحاثه ومراجعاته وأعماله الأدبية، وتناولنا وجبة الغداء بدعوة من ذلك الصديق الذي كان من كبار أساتذة جامعة دمشق. تركنا مكتب الأمن العام في الحدود السورية دون عائق، ولكن العائق برز في مكتب الأمن العام اللبناني لعدم الحصول على سمة الدخول المسبقة إلى لبنان، وليس بيد موظف الأمن العام حيلة أو وسيلة فهو مأمور، والضابط الآمر غادر المكتب بعد ظهيرة ذلك اليوم ـ الأحد ـ إنه في منزله في بلدة قب الياس من البقاع الغربي، والاتصال الهاتفي غير متوفر. ابتسم الدكتور ابتسامة عريضة وردد مقولته السابقة " هذا جزاؤنا؟ إنها النكبة تلاحقنا وتلحق بنا في كل مكان"(10)‏

ليست من الأوليات التي تستوقفنا، في ما يرويه السيد صلوخ، تلك الابتسامة العريضة التي كان إحسان يقابل بها أزماته في مكاتب الأمن العام، إلى درجة أوحت للسيد صلوخ بأن إحسان " لم يتأثر بذلك، ولم يبد عليه حزن، كما أنه لم يكفر بالوضع الذي هو فيه".‏

فما يستوقفنا أولاً هو غضب السيد صلوخ في تلك الأزمات، كما استوقفنا حزن أحمد أمين من قبل، وقلق الدكتور شوقي ضيف الأسبق. فهل تبلّد الرجل الرومانسي إحسان عباس، وفقد إحساسه، فبات يمر بما يغضب فوزي صلوخ، وما يحزن أحمد أمين، وما يقلق شوقي ضيف من أموره مروره بالأمور التي لا تعنيه؟!‏

بعد تسلم إحسان عباس لشهادة الليسانس وعودته إلى البيت يحدثنا قائلاً:" جاءني الرجل النبيل الدكتور شوقي ضيف وسألني: ماذا قررت أن تصنع؟ قلت له : كان القرار في يد الجيوش العربية التي دخلت فلسطين فسلمتها وعادت سالمة إلى قواعدها"(17).‏

ولو تأملنا قول إحسان عباس هذا الذي قاله، وهو لم يتم العقد الثالث من عمره بعد، لرأينا فيه ما هو أكثر من الغضب والحزن والقلق، ورأينا فيه الفاجعة والاحتراق حتى الترمد.‏

ولو تأملنا قول إحسان في مارد به على طالبه السوداني عبد الكريم، وهو لم يبلغ سن الرشد بعد" صدق عبد الكريم في كل ما قاله، ولم يكن به حاجة إلى الاعتذار"(18) لرأينا فيه مثل ما في رده على سؤال صديقه النبيل شوقي ضيف.‏

لقد وجد إحسان عباس نفسه عام 1962 وجهاً لوجه أمام ماكان يحذره ويخشاه عشية توجهه من مصر إلى السودان "هنا اعترضت مسالة جواز السفر، وكنت أحمل جواز سفر حكومة عموم فلسطين الذي يصدر في القاهرة، وتلفن المسؤول الإنجليزي إلى الخرطوم وسأل الموظف السوداني هل يقبل مني هذا الجواز؟ فأعلمه أنه مقبول على أن يسحب مني لدى وصولي وأعطى بدله وثيقة سفر".‏

وإذا كان أي دارس أو محلل بريء في قول إحسان " وخيل إليّ أن السودانيين صنف مختلف عن سائر العرب الذين قست قلوبهم حتى عادت أشد قسوة من الحجارة"(19) إذا كان يرى في قوله هذا إشارة إلى تجاهل الدول العربية تعيينه فيها، فنحن نرى أنه يشير إضافة إلى ذلك إلى معاناة الفلسطينيين، ولاسيما ابن عمه أحمد سلامة، في مكاتب الأمن العام العربية.‏

لقد تحدث الدكتور عن رسائل أحمد سلامة التي كان يرسلها إليه من بغداد قائلاً: " ووصف أحمد سلامة كيف وصل مدينة حلب ماشياً على قدميه، ثم انضم إلى زوجته وأولاده في بغداد"(20) وبمقدور النحاة أن يلاحظوا أن إحسان قد عطف جملة " انضم إلى زوجته وأولاده في بغداد" على جملة " وصل مدينة حلب ماشياً على قدميه" بواسطة حرف العطف " ثم" والذي يفيد الترتيب، ولكنهم لا ينكرون أن هذا الحرف يفيد التراخي أيضاً. فما الذي حدث لأحمد سلامة بين وصوله إلى حلب وانضمامه إلى أسرته في بغداد؟‏

لقد آثر إحسان عباس ألا يتحدث عن ذلك، ولكن أبناء قريته " عين غزال" الذين طوّحت بهم الغربة إلى حلب والمناطق التابعة لها، وإلى بغداد، يعلمون أن أحمد سلامة الذي وصل حلب، وطاف بالمناطق التابعة لها، ماشياً على قدميه، باحثاً عن زوجته وأولاده، قد تابع رحلة بحثه ماشياً إلى بغداد، بعد ما أُخبر بوجود أسرته هناك. ولكن سلطات بغداد قبضت عليه، وأودعته السجن إلى أن تم ترحيله إلى الحدود السورية، ليعيد الكرة مرة أخرى قبل أن تقبل انضمامه إلى أسرته.‏

لقد كانت هذه الحادثة في اعتقادنا مدعاة لحذر إحسان حين انتقاله من مصر إلى السودان، فما عساه يقول، وهو الحذر، في مكاتب الأمن العام، بعد أربعة عشر عاماً من النكبة، أو يفعل بعد أن بلغ سن الرشد، لاسيما إذا كانت بصحبته زوجة وفتيان هم أبناؤه إلا أن يستذكر أحمد سلامة، وأن يصل عام 1962 بعام 1948، راسماً على شفتيه ابتسامة الغضب والحزن والقلق العريضة التي تذكرنا بالمثل الياباني القائل " تحت الرماد الأبيض تلمع دائماً بقايا الحجر"؟ ‍!‏

إننا لنعتقد أن أي إنسان مالك لشروطه الإنسانية، لاقى أو يلاقي مثل ما لاقى إحسان عباس في غربته، لن يبتسم إيماناً بالوضع الذي هو فيه، فإذا ما ابتسم، كانت ابتسامته رماداً أبيض يلمع دون الجمر.‏

ولعله من المفيد هنا أن نستعيد قول إحسان عباس بأن إحساسه بالفجيعة كان يخبو ويظهر إلى أن غادر الخرطوم عام 1962، فما غادروه بعدها، لندرك تمام الإدراك ماهية إحساسه بالأزمات التي كان يواجهها في مكاتب الأمن في لبنان ومدى تأثيرها على إحساسه بالفاجعة. ولن ندرك ذلك ونوقن به إلا بعد أ ن نراه وقد أشاد ببيروت إشادة من القلب وقال إنه أمضى فيها 26 عاماً من حياته، هي الأعوام الأهم والأغنى روحياً وثقافياً بالسبة إليه (21). فمشكلته لم تكن في المؤسسات الثقافية، لا في لبنان ولا في غيره، بل كانت مشكلته في مكاتب الأمن العام، وكان من الممكن ألا تكون له مشاكل في هذه المكاتب لولا فلسطينيته ونكبته، وكان من الممكن ألا تكون فلسطينيته ونكبته سبباً للمشاكل التي اعترضته لو أن السلطات قدّرت حجم النكبة، وأحسّت بما تركته في نفوس الفلسطينيين، وإحسان واحد منهم، من إحساس بالفاجعة.‏

لقد قرأ النقاد والدارسون سيرة إحسان عباس الذاتية " غربة الراعي" فلسموا فيها مدى العجز الذي يعتصر قلب كاتبها وفؤاده وجسمه، ورأوا فيها مرارة عميقة وكآبة هائلة وإحساساً رهيباً بالفشل الشخصي، ولم يتحدثوا عن جمر يتوهج تحت رماد ابتسامته، فهل كانت ابتسامته التي يقابل بها الناس ويستقبل بها زواره، ويبرزها في مكاتب الأمن العام، هل كانت رماداً من خلفه رماد؟ وبتعبير آخر، هل كانت تلك الابتسامة برقعاً يستر به كآبته الفطرية حيث لا جمر ولا بقايا نار؟‏

يحيلنا الكاتب جهاد فاضل إلى ما كان قد كتبه بكر رشيد عباس، شقيق الدكتور إحسان، في الكتاب التذكاري الذي أصدرته الجامعة الأميركية في بيروت، قبل أكثر من عشرين عاماً من اليوم حيث يقول " إن أول كتاب لإحسان عباس كان عن " العرب في صقلية" وهو رسالة للماجستير.. وكان لاختيار هذا الموضوع بالذات دلالة واضحة .. فصقلية كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة الفتوحات الإسلامية، ومن صقلية بدأ العقد ينفرط. وقد كان طبيعياً لفلسطيني مشرد عن بلده يريد أن ينفث مواجعه "علمياً" عام 1950، أو قريباً من ذلك، أن يكتب عن تاريخ العرب في صقلية، وأن يتخذ من الموضوعية تكأة يستند إليها، لأن الحقيقة أبلغ من كل اندفاع عاطفي"(22)‏

أما الدكتور إحسان عباس فلا يحدثنا عن إصراره على الكتابة في هذا الموضوع وحسب، بل يحدثنا عن الجهد الذاتي الذي بذله في كتابته قائلاً: " سجلت موضوعاً للماجستير هو " الأدب العربي في صقلية الإسلامية" بإشراف الدكتور شوقي ضيف، ولم أكن أعرف شيئاً عن مصادر الموضوع ـ وهذا خطأ مني لأني أنا الذي أصررت على الكتابة في هذا الموضوع، وهكذا جعلت كل وقتي في الأيام التي لا أدرّس فيها ـ وهي ستة أيام من الأسبوع ـ أن أذهب إلى دار الكتب وأجمع المادة اللازمة لي، وأعانني صديقي أمين المخطوطات في الدار الأستاذ فؤاد سيد رحمه الله إذ يسّر لي الاطلاع على كل ما يمكن أن يتصل بصقلية من المخطوطات، فقيض لي أن أجمع مادة لم تتيسر لأحد من قبلي ـ أعني في الدراسات الأدبية، وكان ميكيل أماري قد استوفى دراسة النواحي التاريخية في كتابة الضخم المؤلف من ستة مجلدات :‏

Storia dei Musulmani di Sicelia .‏

وكان صديقي الأب ريميرو الأسباني الجنسية يجيء لزيارتي، وهو يعرف اللغة الإيطالية كأحد أبنائها، فطلبت منه أن يعلمني اللغة الإيطالية، فقضى في ذلك ستة شهور، استطعت بعدها أن أقرأ ما يتصل بموضوعي من مادة، وبخاصة كتاب أماري المذكور سابقاً، وكتاباً يضم مجموعة بحوث قدمت بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد ميكيل أماري. وجاءني شاب ألماني ( وهو الذي أصبح من بعد المستشرق الكبير فلفرد مادلونغ) وحدثني انه يريد أن يتعلم العربية لكي يحصل على التوجيهية ليدخل الجامعة المصرية ويدرس اللغة العربية والأدب العربي، فدرّسته منهج التوجيهية مقابل أن يترجم لي عن الألمانية ما كتبه البارون فون باخ عن الشعر والفن في صقلية فقام بترجمة هذا الفصل إلى الإنجليزية، وتقدّم إلى امتحان التوجيهية، ونجح فيه، ودخل الجامعة المصرية وحقق ما أراد من الاستعراب"(23)‏

ترى ألم يكن إصرار إحسان عباس على أن يكون موضوع رسالة الماجستير التي يعدها عن ( الأدب العربي في صقلية) حيث بدأ عقد العرب والمسلمين في الانفراط، ومضيه بعد ذلك في دراساته الأندلسية، ألم يكن هذا وذاك تعبيراً عن الجمر المتقد في صدره لضياع فلسطين ؟‍ وهل كان الجهد الذي بذله في إعداد رسالته، والذي كان يكفيه من القليل لو اختار موضوعاً آخر لتلك الرسالة إلا الجمر الذي من ورائه الجمر؟‍!‏

ومن جهةٍ أخرى، يشير جهاد الفاضل، وبالرجوع إلى ما كتبه بكر عباس، إلى ما أولاه إحسان من اهتمام للشاعر الصقلي عبد الجبار بن حمديس، حيث أفرد له فصلاً إضافياً في رسالته، ثم نشر ديوانه بعد سنتين ويقول: "لقد كان ابن حمديس صقلياً تائهاً كالفلسطيني التائه، يفتش عن لقمة العيش ويتلمظ مرارة الغربة" وكان حرياً به أن يقول: " لقد كان إحسان عباس فلسطينياً تائهاً كالصقلي التائه، يفتش عن لقمة العيش ويتلمظ مرارة الغربة" وعزاؤنا أن إحسان عباس قد قال ذلك حينما أطلق على سيرته الذاتيه ذلك العنوان " غربة الراعي"!‏

ويتابع الكاتب ملاحظاته على ما كتب إحسان فيقول: " وكما انعقدت صلة بين إحسان عباس وابن حمديس الصقلي أساسها الإحساس بالغربة والاقتلاع من الوطن، انعقدت صلة لاحقة بين إحسان عباس وأبي حيان التوحيدي..."‏

وقد عاتب جهاد فاضل الدكتور إحسان وعتب عليه، فقال مخاطباً إياه: هل تذكر لقاءنا مرة في مدينة الشارقة عندما طالبتك من أجل أن تكمل مسيرتك الأدبية العظيمة، بكتاب عن المتنبي؟ كان ذلك قبل عشر سنوات من اليوم... ولم تكتب لاحقاً هذا الكتاب؟" فأجابه الدكتور إحسان الإجابة التي لا تحتاج إلى تحليل أو تأويل وقال: " لا أدري بماذا أجبتك يومها ... أنا دائماً أجيب عندما أسأل هذا السؤال بأنني لا أكتب إلا عن "الغلابى" مثلي.. لا أكتب عن العمالقة"(21).‏

لقد قيل إن إحسان عباس كان شاعراً وأديباً وناقداً ومؤرخاً ومترجماً ومحققاً وموسوعياً. ونحن نعتقد أنه لم يكن –وقد استهوته الكتابة- طامعاً بكل ما قيل عنه، إلا أن يكون شاعراً، فقد كتب في مفكرة قديمة له (1958): "لتمنيت أنني ما أزال أنظم الشعر، فقد كان ينقذني من نفسي، ومن لحظات الموت التي تتسلل إلى نشاطي، ويبعث في صدري شعوراً جميلاً بالحياة"(24).‏

وحينما نعود إلى ما أطلق على إحسان من نعوت وأوصاف، فربما يخيل إلينا أنه قد نال أكثر مما تمنى. والحقيقة هي أنه يعترف في سيرته قائلاً: "غير أني حين كانت تتلبسني حالة شعرية تجبرني على أن أجلس وأنظم قصيدة، أصبحت أنفر من تلك اللحظات وأبددها بالمشي والهيام في الشوارع. كنت أنظر إلى هول الكارثة التي حلت بوطني فأجدها أعظم من أن يصورها الشعر، ومع ذلك أرى أن لا قيمة لشعر غارق في الذاتية والأحزان الخاصة إذا أنا لم أحاول توجيه الشعر نحو تلك المشكلة العامة، و قد عانيت كثيراً من أجل تحويل الشعر فلم أفلح. وأنا واع أنني حين وضعت ملكتي الشعرية بين شقي هذا الصراع كنت أتعمد قتل تلك الملكة"(25).‏

وإذا كان إحسان عباس يميط لنا اللثام –باعترافه هذا- عن الأسباب التي دعته إلى أن يقلع عن كتابة الشعر، فإنه يميط لنا اللثام في الوقت ذاته عن الأسباب التي قادته إلى فنون الكتابة الأخرى التي يراها البعض متعددة ومتباعدة، فيما يراها هو متكاملة ومتقاربة، فقد هجر الشعر وتوجه إلى الفنون الأخرى لأنها الأقدر حسب اعتقاده على تصوير الفاجعة والإحاطة بهولها. ولكن ما الذي كان إحسان يقصد إليه من وراء تصويره للفاجعة وإحاطته بهولها؟‏

هل هي الرغبة في إبراز قدراته التعبيرية عن أحاسيسه الذاتية؟ إن كان الأمر كذلك فالشعر، وقد اشتق اسمه من الشعور، هو الأقرب لما أراد، لا سيما أن شعره قد كان –كما قال- غارقاً في الذاتية!‏

إننا نعتقد أن ما يقصد إليه إحسان من وراء تصويره للفاجعة وإحاطته بهولها بعيداً عن الشعر، هو استصراخ أمته للوقوف في وجه ما يسميه "الطموح اليهودي، فاليهود –كما يرى- لا يطمحون للسيطرة على فلسطين وحدها، بل على العالم العربي "سياسياً واقتصادياً وثقافياً حتى"(21). ولأن إحسان لم يكن رجل سياسة أو اقتصاد بل كان رجل ثقافة وفكر وأدب، فقد كان تحوله عن الشعر إلى فنون الكتابة الأخرى التي برع بها، لا إلى فن واحد منها، ينم عن امتلاكه لمشروع ثقافي وفكري وأدبي ضخم قادر به على مقارعة المشروع الصهيوني الذي كان وما يزال يحاول السيطرة على العالم العربي ثقافياً.‏

وفي اعتقادنا أن إحسان لم يكن سعيداً في أن يعمل في هذا المشروع بمفرده، وربما كان عمله فيه منفرداً وإدراكه لسن الشيخوخة قبل أن ينجزه سبباً من أسباب كآبته فالمشروع أكبر من قدرات فرد مهما أوتي من الدأب والموهبة. وربما أشار إلى هذا في ما نقله عنه الدكتور عبد الله العسكر حيث قال: "لامنا الدكتور إحسان، عن كوننا لا نتجشم المصاعب العلمية، ونرضى بالسهل من دون الصعب، وقد قال أن أسفار التراث العربي ذات الصلة بالجزيرة العربية تعد تراثاً ضخماً، وهو تراث في معظمه غير محقق، وليس أولى من السعوديين بتناوله"(4).‏

ومما ينقل عنه أنه كان قد اشتكى في أخريات أيامه إلى الدكتور عبد العزيز المانع قائلاً: "أنا الآن –كما تعلم- شيخ تجاوزت الثمانين أحمل أعباء عمر قضيته في عناء وكثير من التعاسة ولكن الناس لا يكفون عن اعتباري شاباً أستطيع أن أقوم بما يشبه المعجزات"(26).‏

وما دام إحسان يملك مثل هذه النظرة في ما يخص فاجعة شعبه وأمته ووطنه، ويملك هذا المشروع الضخم الذي يناوئها به، فإنه لا بد أن يتألم للأزمات والنظرات القاصرة، سواء داخل مكاتب الأمن العام أو خارجها، ومن حقه أن يفعل ذلك ما دام ذلك من شروطه الإنسانية، ولكنه لن يمضي إلى تعليق كآبته وتشاؤمه على مشجب تلك الأزمات، ما دام يدرك بنظرته الشاملة وحسه القومي العميق ما لا يدركه الآخرون أو يحسون به من أن أول ورقة في كتاب كآبته، وأول سطر فيها، بل أول كلمة "كانت غربة عن الوطن، ثم صارت غربة ولا وطن ولا أمل"(5)‏

إن ما يؤسف حقاً أن يتحدث المتحدثون عن كآبته وتشاؤمه، واصلين ما بينه وبين ابن الرومي أو غيره على تباعد الزمان والمكان والأسباب، قاطعين ما بينه وبين أبناء جيله ممن شاركوه أحداث النكبة.‏

بلى، إننا وقد قال إحسان عباس في الأعوام الأخيرة من عمره: "في هذه السن لا أستطيع أن أكون متفائلاً.. بل إن تشاؤمي يزداد" (21) لا نستطيع أن ننكر تشاؤمه، ولكن من كتبوا عن تشاؤمه قد غاب عن بالهم أن إحسان لم يكن هو المتشائم الوحيد بين أبناء جيله من الفلسطينيين الذين شاركوه النكبة. ولم يفطنوا إلى أنه قد كان هو المتشائم الوحيد الذي استطاع أن يصل بنبرة صوته إلى مسامع الآخرين. ولذلك فهم لم يدركوا أنه حينما كان يتحدث عن تشاؤمه إنما كان يتحدث بلسان جيل كامل، لا سيما في قوله:‏

"إن مبعث التشاؤم الحقيقي قد يكون قصر حياة الإنسان، بحيث يريد أن تتحقق في حياته أشياء، فيحس باليأس من تحققها كلما تطاول الزمن واقترب الأجل"(9).‏

ولو أن المتحدثين عن تشاؤم إحسان عباس تأملوا قوله هذا، لأدركوا ذلك التفاؤل الفطري الكبير الذي كان يملكه، والذي انطوى عليه قوله، حيث يشير فيه إلى إمكانية تحقق الأشياء التي يتمناها المرء في زمن آخر قد لا يدركه بعمره القصير. ويؤكد هذا التفاؤل مرة أخرى، كما يؤكد تحدثه بلسان جيله حينما يتحدث عن وجوب حمل الأجيال القادمة على التفاؤل، إن لم يكن التفاؤل من طبعها فيقول وكأنه يوصي بوصية الوداع:‏

"إنني أجد أن الإحساس بالتشاؤم يجب أن يكبح رحمة بالأجيال، ولهذا فبعض التفاؤل طبع، وبعضه حمل على النفس من أجل "الاستمرارية".. استمرارية النضال والسعي الدائب والجد"(19).‏

رحم الله أبا إياس فقد قال، وكأني به يشير إلى مشروعه الثقافي المناوئ للمشروع الثقافي الصهيوني: "بدأت من الصفر وعدت إلى الصفر"، ولكن أصدقاءه وتلاميذه ومعارفه يقولون: "لقد غاب عنا كبير في العلم والفكر والأدب والثقافة، ليحضر في تاريخنا القادم مضيئاً كمصباح ضيعته قوافل العميان في بهمة الليل العربي الطويل"(27) كما يقولون أيضاً: "عاش كبيراً ورحل في زمن الصغار. ليس في الأمر مفارقة أبداً، بل معادلة تقوم على رياضيات تافهة: الكبار ينقرضون والصغار يتناسلون كالضفادع، والنقيق ينتشر كالطاعون من المحيط إلى الخليج. إنه عصر الموت اللذيذ"(28).‏

فما الذي يقوله العارفون عما كان يقصده أبو إياس بأصفاره؟‏

هوامش:‏

(1)الدكتور إحسان عباس بين اللبننة والعمادة الأولى، صادق عبد الرحيم، الأسبوع الأدبي، العدد (215)، الخميس 31 أيار 1990.‏

(2)غربة الراعي، إحسان عباس، دار الشروق، عمان، ص7.‏

(3)غربة الراعي ص262.‏

(4)إحسان عباس ذكريات أولى ورحلة لاحقة في أسفاره، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (9027)، السبت 16 آب 2003.‏

(5)إحسان عباس والثقافة العربية الحديثة، رضوان السيد، صحيفة المستقبل، العدد (1361)، الخميس 31 تموز 2003.‏

(6)غربة الراعي، ص9‏

(7)غربة الراعي، ص10‏

(8)غربة الراعي، ص5‏

(9)الكاتب المتشائم في العمق المتفائل بالتطبع، عمر شبانة، صحيفة الحياة، العدد (14738) الخميس 31 تموز 2003.‏

(10)ذكريات مع إحسان عباس في انتظار تأشيرة الدخول، فوزي صلوّخ، صحيفة السفير، العدد (9565)، الأربعاء 6 آب 2003.‏

(11)غربة الراعي، ص176‏

(12) غربة الراعي، ص181، 182‏

(13) غربة الراعي، ص182‏

(14) غربة الراعي، ص184‏

(15) غربة الراعي، ص191‏

(16) غربة الراعي، ص201‏

(17) غربة الراعي، ص185‏

(18) غربة الراعي، ص202‏

(19) غربة الراعي، ص192‏

(20) غربة الراعي، ص187‏

(21)حوار مع الدكتور إحسان عباس، مجلة الحوادث، العدد (2284)، الجمعة 11/8/2000.‏

(22)إحسان عباس الفقيد الكبير، جهاد فاضل، صحيفة الرياض، العدد (12829)، السبت 9 آب 2003.‏

(23) غربة الراعي، ص185، 186‏

(24) غربة الراعي، ص190، 191.‏

(25) غربة الراعي، ص190.‏

(26)إحسان عباس قام بنشر ما يشبه المعجزات، د. عبد العزيز المانع، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (9020)، السبت 9 آب 2003.‏

(27)إحسان عباس بدأ من الصفر وعاد إلى الصفر، راضي صدّوق، المجلة الثقافية (ملحق صحيفة الجزيرة) العدد (26)، الاثنين 25 آب 2003.‏

(28) إحسان عباس طاعن في الحياة، جهاد الترك، صحيفة المستقبل العدد (1366)، الأربعاء 6 آب 2003.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244