|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
خطابُ الاختلاف والكتابةُ المُغايَرة قراءةُ في كتاب: ((منسق إلى الذّات)) قراءات في الفكر الغربي المعاصر لـِ عمر مهيبل ـــ عبد الغني بارة(1)- الجزائر فاتحة القراءة: "ما أصعب الكلام على الكلام"، عبارة قالها " أبو حيّان التوحيدي"، أسّس من خلالها لنظرية نقدية، حاز بها فضل السّبق، أسماها النقّاد الحداثيون في النقد الغربي نظرية نقد النّقد"، حيث يتحوّل العمل النّقدي من سلطة لإصدار الأحكام المعيارية الماقبلية، التي تصادر صوت الإبداع فتقتله في مهده، إلى نقد إبداعي فيه من الأديبة ما يجعله يضاهي لغة الإبداع، فيشكّل، والأمر كذلك، خطاباً نقدياً إبداعياً فيه من المتعة والجمالية ما يجعله ـ بدوره ـ في حاجة إلى خطاب نقدي يبحث فيه عن ملامح الإبداع، أو كما قال" بارت، يقوم" خطاب على خطاب". هذه هي الصعوبة التي يريدها خطاب التوحيدي، صعوبة يمكن تسميتها" مكابدة"، تجعل من الباحث يتصارع مع النصوص القابعة في النصّ المتحاور معه، المشكّلة لكيانه، أو ما يسميه أنصار النقد الحداثي" الأنساق التي أسهمت في تشكيل بناء النصّ، لأنّ النصّ عند هؤلاء مجموعة نصوص متداخلة ( تناص)، على القارئ/الناقد استحضارها. هذه المكابدة أسماها النّاقد العربي" الصابي" قديماً"مماطلة"، إذ يقول:"أفخر الشّعر ما لم يعطِك معناه إلاّ بعد مماطلة منه".(1) هذا المنحى من النقّد الذي يبحث، في البدء، عن المعرفة الكامنة في الخطاب النّقدي، موضوع المساءلة، هو الأمر الذي قام به الباحث "مهيبل"، إذ المتأمّل في هذه الدراسة، والتي أرادها" قراءات في الفكر الغربي المعاصر، يتبّين صحّة الافتراض، وهو إذ يرتضي ذلك أساساً مفهومياً لمقاربته، حتّى لا يقع ـ منذ البدء ـ في فخّ الأحكام القيمية التي تصادر الأفكار، ولا الشكلية المحضة التي تقوم على مبدأ النّسق، الذي يقتل جوهر الأشياء وروحها بإرجاعها إلى سلطة البنية المغلقة التي تتسلّط بما تعتقده، فلا صوت يعلو إلاّ صوتها، ولا إحالة إلاّ على معجمها الداخلي. أمّا القراءة، فهي لا تعدو أن تكون مجرّد رؤية للنصوص، قد تكون صحيحة إلى حين، دون أن تدّعي امتلاك الحقيقة القارّة، فهي معاينة ومكاشفة وحوار مع النصّ المضمر/ المسكوت عنه/ الغياب من خلال الخطاب/ الحضور. هي قراءة لا تعلن ولاءها لأي اتجاه فكري، بل حسبها أن تعيد تشكيل الأسئلة التي تفتح الباب على مصراعيه أمام الأسئلة/ الإشكالات، والتي بها تحاول هذه القراءة تجسيد حضورها وكينونتها ككتابة داخل فضاء المعرفة. فالقراءة، والقول لدريدا، جاءت لتعطي"النص حياةً جديدة مع كلّ قراءة تحدث له، أي أنّ كلّ قراءة عملية تشريح للنص" (2). إذاَ، هذه القراءة للأستاذ "مهيبل"، فضاء معرفي يروم من خلاله الوقوف عند أبرز علامات الطريق في الفكر الغربي المعاصر، وذلك برصد معالمه في إطار المنظومة المفاهيمية التي يتكئ عليها هذا الفكر. ولا نجافي الصواب إذا قلنا، إنّ الباحث بطرقه هذا الموضوع، يريد تحديد موقع الأنا، الذّات داخل هذه المنظومة الفكرية. تُرى هل الذات بانفتاحها على ثقافة الآخر/ الغرب تكون حبيسة مركزيته وثقافته، فتفقد، حينها هويتها وتصبح مجرّد ثقافة تابعة، أو قل هامشاً و أطرافاً؟ أم إنّها تتغلق على نفسها، وتصدّ الرياح الوافدة إليها من الغرب، بدعوى أنّ الانفتاح يلغي الأصل/ التراث كمصدر هوية للذات؟ القضية أعقد من أن تتبنّى الذات موقفاً، إنْ مُشايِعة أو مُعادية، بل قصارى ما تملكه، والأمر كذلك، هو تتبّع ما يُصطلح عليه" ثقافة الاختلاف"، أو " النقد الحواري" أي أن تنفصل الذات عن الآخر/ الغرب إجرائياً، حتّى يتحقّق مبدأ الاختلاف، وتستقل كذات لها خصوصيتها المتميّزة، المتفردّة بصفاتها، المشبّعة بإرثها الحضاري. وبهذا تتحاشى الوقوع في فخ المطابقة التي يسعى الآخر/ الغرب إلى تحقيقها من خلال مشاريعه الفكرية، كما يتوجّب عليها ـ في الوقت ذاته ـ الانفصال رمزياً عن التراث/ الأصل ـ لا معاداته والانفصال عنه نهائياً، واتهامه بالقصور ـ حتى تتفادى الوقوع في عقدة تضخّم الأنا،أو النرجسية المرضية، التي طالما صبحت فكرنا العربي في بداية النهضة الحديثة. بهذا الصنيع، يتسنى للفكر العربي المعاصر أن ينهل من مستودع التراث ـ نقليّاً كان أم عقليّاًـ ما يتّفق ومتطلبات النهضة الحديثة، ويستعير من الآخر/ الغرب ما يتفق وطبيعة الذات،فيكون، بذلك، منفتحاً لا منبطحاً، ومختلفاً لا مطابقاً، وفاعلاًً لا منفعلاً. وهذا الرأي الذي بدا جلياً في كلام الباحث، وهو يتحدّث عن مسألة الهوية في مقدّمة الكتاب، إذ يقول:"وبغية بلوغ هذا الهدف المزدوج: رسم بعض المعالم الأولية لخطاب فلسفي يكون تعبيراً صادقاً عن درجة الوعي النّقدي والوجودي الذي بلغه الإنسان الجزائري المثقف، حتّى لا أقول المفكّر، ومحاورة الآخر دونما إحساس بالذنب"(3). وهذه القراءة، كما يقول صاحبها، مجموعة من المقالات، كتبت في فترات زمنية متباعدة، وهو ما يوحي بغياب الانسجام والتكامل بين أجزائها، اللّهمّ إلا الهمّ المعرفي الذي يصل بينها، فهي وإن كانت مجموعة مقالات تطرق قضايا فلسفية معاصرة في الفكر الغربي، إلاّ أنّ الجامع بينها، هو الهدف الذي تصبو إليه، وهو، والقول لمهيبل، تحديد موقف ورؤية المثقّف الجزائري حيال القضايا الفكرية، وإبداء رأيه بمناقشتها ومدارستها بطريقة موضوعية. وهو ما يجعلنا نقول، إنّ الباحث يحاول ترسيخ"ثقافة الاختلاف" كإجراء نقدي للتحاور مع الآخر/ الغرب، وكذا محاربة الفكر التقليدي الذي يدعو إلى الانغلاق، وحتّى الفكر الدوغمائي الشوفيني الذي يتسلّط بما يعتقده. والباحث، إذ يدعو إلى " ثقافة الاختلاف"، إنّما يحدّد آليات المقاربة، أو المنهج الذي يتوسّل به، إنّها " القراءة التفكيكية"، التي تبحث عن الهامش/ المصغر/ المسكوت عنه في الثقافة/ المركز، قراءة تهتمّ بالفكر المناوئ لكل رأي وثوقي يدّعي اليقينية، فهي حين تطرح الأسئلة لا تنتظر الإجابات، بل حسبها أن تخلخل الفكر المركزي المنغلق، فتشكّل، والحال هذه، أسئلة جديدة تنتظر بدورها أسئلة، هي ـ إذاً ـ رحلة نحو الممكن، وسفر في المجهول، يقول مهيبل: "إنّ هذه القراءات ليست أنساقاً معرفية منغلقة على ذاتها وليست قناعات دوغمائية ثابتة ولا نسعى إلى أن تكون كذلك، فهدفها الأوّلي هو طرح الأسئلة المقلقة المتعلّقة بالفكر المعاصر، وخلخلة بعض البديهيات الفكرية التي أدخلت ساحتنا الثقافية في فترة" بيات شتوي" طويلة ومظلمة" (4). والملفت للانتباه أنّ المفكرين والفلاسفة عنيت بهم هذه القراءة يعدّون أقطاب الفكر الحداثي الأوربي، ومهما اختلفت رؤاهم فإنّهم يلتقون في نقدهم للمركزية الغربية/ العقلانية/ الميتافيزيقا، بل إنّهم وجهوا سهام نقدهم للحداثة باعتبارها قامت على "العقل الأداتي"، الذي قتل الإنسان عندما حبسه في سجن النّسق. ولعلّ هذا ما جعل الباحث يعنون دراسته:" من النّسق إلى الذات"، إشارة إلى أنّ الفكر الغربي سار من فلسفة النّسق/ العقل الأداتي/ البنيوية، ليعود مع فلاسفة ما بعد الحداثة/ ما بعد البنيوية إلى فلسفة الذّات التي دعت إلى تحطيم العقل/ المركز/ النّسق الذي حبس الذات في سجنه. قراءة الباحث تسعى، على غرار المقاربات التفكيكية، إلى محاورة الدراسات التفكيكية، التي دعت إلى خلخلة المركزية الغربية"التي انبنت على التسليم بثوابت ثقافية وعرفية وسياسية غير قابل للتحويل أو التغيير، ومركزية العولمة الجديدة التي تحيل الكرة الأرضية كلّها إلى فضاء مفتوح لهيمنة الشركات المتعددة الجنسية"، هو نوع من الخطاب النقضي، مVأربها" تعرية مخايلاتها الإيديولوجية والعمل على إشاعة وعي مضاد لوعي التبعية والاتباع بواسطة نوعين أساسين من الخطاب: أولهما التابع الذي تمرّد على أوضاع تبعيته واتباعه في العالم الثالث، وأخذ في تأصيل فعل إبداعه الذاتي الذي يجاوز به مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، ويستبدل بواقع التخلّف أفق التقدم وثانيهما: خطاب الطليعة الجذرية من أبناء العالم الأوّل التي وضعت، ولا تزال تضع، مسلمات الهيمنة ومعتقدات التميز السائدة في ثقافاتها موضع المساءلة النقضية"(5). كما أنّ مبتغاها من عرض هذه النماذج بعينها (دريدا، فوكو، مدرسة فرانكفورت، غادامير، ريكور، دولوز، باطي، هيدغر...)،هو كسر المركزية الغربية التي همّشت الخطابات الفكرية التي ينتمي أصحابها إلى العالم المتخلّف، والباحث إذ يقوم بهذا الصنيع، إنّما يدعو إلى فتح دوائر المشاركة الفكرية في مراكز الثقافة بالعالم كلّه يتسنى للمفكرين من العالم المتخلّف إنتاج الثقافة بدل تلقيها واستهلاكها، ليصبح المشهد الثقافي، والأمر كذلك، مشهداً عالمياً، يتجاوز الإقليمية والعرقية والقطبية، ويعمل على تجسيد" حوار الحضارات"، ويتخلّص نهائياً من عقد الاتباع، وبدل أن يبقى الغرب ذاتاً عارفة متعالية تشعّ بالمعرفة على الشرق، يتحوّل إلى معرفة قابلة للبحث والدراسة، أو على حدّ تعبير المفكر" حسن حنفي"، إنشاء علم الاستغراب"(6)، في مقابل ما قام به الغرب من خلال الدراسات الاستشراقية، التي تحاملت على الفكر الشرقي ( الشرق/ السحر/ المُتخيَّل). كما حاول في نهاية قراءاته تقديم ترجمة لمقالين؛ الأوّل للفيلسوف الألماني " مارتن هيدغر"، والثاني لرائد مدرسة فرانكفورت" يورغن هابرماز"، وهو إذ يُقْدم على هذا العمل، إنّما يؤكّد على ما ارتضاه منهجاً لقراءاته، وهو وجوب الانفتاح على الآخر بترجمة أفكاره، لا لتمثّلها والانبهار بإغراءاتها، بل التحاور معها ونقدها كمعرفة إنسانية. هذا النمط من التفّكير من خلال فعل المساءلة/ المحاورة دليل على تخلّص العقل العربي من عقدة الآخر /الغرب/ المعالي، بل هو علامة نضج ومظهر تقدّم، " فالفكر لا تكتمل له قدرة الإبداع إلاّ حين يعني نفسه، ويلتف على حضوره بما يجعل منه فاعلاً للمساءلة وموضوعاً لها. والعقل لا يتحوّل إلى حضور فاعل في التاريخ إلاّ بفعل المساءلة التي يراجع بها موقفه من التاريخ..." (7). خطاب على خطاب: مقاربةُ حوارية: والباحث في عرضه للفكر الغربي المعاصر، بدأ بالحديث عمّا أسماه " الكتابة المتدفّقة"، حتّى يضع قارئه المتخيّل أمام إشكالية الكتابة، ويميط اللثام عن الفكرة القائلة بأنّ هدف الكتابة هو الوصول إلى تحديد المعنى، أو القبض على الدلالة، لأنّ الكتابة التي يريدها مهيبل، تأثراً بفكرة "جاك دريدا"، كتابة لا تؤمن بالجاهز، متمردّة على كلّ سلطة وثوقية يقينية، كتابة تثير الإشكالات ولا تبحث عن الحلول. هي الكتابة/ الجسد التي تغري كلّ ناظر إليها ليسائلها، كتابة أسبق في الوجود على الكلام، وليست تسجيلاً أو رسماً له، كما يعتقد الكثير. وتتمّة لمشروع الباحث الذي بدأه في دراسته الأكاديمية" البنيوية في الفكر الفلسفي المعاصر"(*)، يحاول التقرّب من المشروع البنيوي، قصد مدارسته، وقد كان تركيزه في هذه المقاربة على فكرة " موت الإنسان" التي أشاعتها البنيوية على لسان " ميشال فوكو"، و"رولان بارت" بدعوته إلى موت المؤلّف". والبنيوية إذ تزيح "الإنسان"، فإنها تنصّب "النسق" بديلاً عنه، وهو ما لا يعتبره الباحث فتحاً، لأنّ قتل الإنسان يعني نهاية الفلسفة، كونه الدعامة الرئيسية التي يستقيم بها صرح الفلسفة، بل المعرفة الإنسانية. ومهما يكن حال البُنى أو الانساق الثابتة التي حلّت بدلاً عن الإنسان، فإنّ غياب الإنسان يعني إفلاس الفكر، ووقوعه في الشكلية المحضة، فالمتأمّل إلى ما آل إليه الفكر الفلسفي في القرن العشرين، يجد أنّ الأمر لا يعدو أن يكون تطوراً طبيعياً للعقل الغربي، القائم على مبدأ الصراع بين ثنائية الداخل/ الخارج، العقلية (المثالية)/التجريبية، اليقين/ الشكّ والعدمية. والبنيوية ـ في الحقيقة ـ حين تدعو إلى " موت الإنسان"، فهي لا تقصد الإنسان دماً ولحماً، وإنّما هو موت رمزي، لأن المقصود هو الإنسان / العقل/ الذات المفكرة العارفة (الكوجيطو)/ الذات المتعالية، الذي كان محور الفلسفة ومركزها، وهو ما يؤكّده "فوكو" في حوار معه، إذ يقول :"إنّ من العبث أن ننكر وجود الكاتب أو المبدع"، فهو يحرص على التمييز بين المؤلف بوصفه "الشخص الذي ينطق نصاً ويكتبه، وبين المؤلف "كمبدأ لتجميع الخطابات وكأصل ووحدة لدلالاتها وبؤرة لتماسكها"(8). وهي، أي البنيوية، إذ تفعل ما تفعله، تروم بسط الموضوعية والعلمية بدل الأحكام المعيارية التي أرساها الأورغانون الأرسطي ومن شايعه من الفلاسفة فيما بعد. وقد ساعد البنيوية، فيما تصبو إليه، ظهور لسانيات "دوسوسير"، الذي يعدّه أهل الدراية في مجال اللّغة أوّل من قال بمفهوم " النسق"، إذ أضحت اللّغة عالماً قائماً بذاته، بيد أنه يعبّر عن حضوره من خلال علاقات بنياته أو أنساقه بعضها ببعض، دون أن يحتاج إلى مركز إحالي خارجي، بل إنّ الإنسان كائن لغوي، ونطفة لغوية مخلّقة وغير مخلّقة اللّغة في البنيوية لا تسمّي الأشياء، وإنّما تقدم رؤيتها للأشياء، بل الأشياء تخرج من رحم اللّغة وكأنّها ولدت لتوّها. والباحث من خلال محاورته للبنيوية يتحاور مع الفكر الوجودي في نسخته السارترية، حيث مجّد هذا الفكر الإنسان، وكان من المعادين للفكر البنيوي باعتباره دعا إلى موت الإنسان، والإنسان، حسب " مهيبل"، لم ينوجد بعدُ كمفهوم، فلمَ هذه الدعاوى من سارتر، بأنّ " حرية الإنسان" أسبق من جوده مفهومياً، وسارتر، إذ يدعو إلى ذلك يتكئ على البعد التاريخي الذي أسّسه "ماركس"، حتّى ينقذه من سجن العدمية(9). لا ريب أنّ البنيوية وريثة العلم التجريبي الذي توسّل به الإنسان في القرن السادس عشر لمحاربة ترّهات وأباطيل الفكر الكنسي ( اللاّهوتي)، ليحققّ لنفسه السعادة، بيدَ أنّ الذي وقع هو تحوّل الحلم إلى كابوس، فالعلم والتجربة ولدا التقنية ومنها ظهرت الآلة، التي كان مصرع الإنسان ـ في القرن العشرين ـ على يديها في الحربين الكونيتين.والبنيوية ـ فيما أحسب ـ حين دعت إلى "موت الإنسان"، تكون قد أعلنت ميلاد إنسان آخر، إنسان "دريدا" ذلك القارئ الذي ينصّب نفسه وصياً على النصّ، يدخله من أي زاوية شاء، القارئ الذي ينسلخ من ماضيه ويدعو إلى حرق المكتبات وإشاعة الشك في كلّ شيء، هو "مجنون" فوكو، "القارئ السوبرمان"، أو " إرادة القوة" بالمفهوم النيتشوي. إنّه إنسان القرن العشرين الذي لم يعد يثق في الموضوعية والعلمية بعدما كانت سبباً في تعاسته، إنسان لا يؤمن إلاّ بلغة المتعة واستنفاد كلّ طاقاته ليصل إلى أقصى ممكناته، على حد تعبير "جورج باطاي". إذاً، هو التناقض سمة للفكر الغربي المعاصر، البنيوية تقتل إنساناً لتحيي آخر، قتلت إنسان/ الوهم/ العقل/ الميتافيزيقا/ الذات العارفة/ المتعالية، وتعلن ميلاد الإنسان/ السوبرمان/ المتمرّد/ المجنون. هذا الإنسان الجديد من صنع البنيوية، وإن كان ظهوره في ما يعرف بعصر " ما بعد البنيوية"، لأنّ إحساسه بأنّه مجرّد معادلة أو رقم، جعله يسرف في طلب المتع، ويعلن تمرّده على الموضوعية، لكنّه، باختياره هذا، يكون قد وقع في سجن أدهى وأمر من سجن النّسق، إنّه سجن العدمية، الذي يتيه فيه كلّ يقين، يتحوّل فيه المقدّس إلى مدنّس، والنظام إلى فوضى، والحقيقة إلى شكّ، والمعنى إلى اللاّمعنى، والحضور إلى غياب. وقد كان ممكناً على هذا الإنسان أن يتجنّب هذه الأزمة التي جرّته إلى التيه والضياع، وذلك عن طريق نقد العقل من الداخل، بدل قتله وإحلال سلطة اللاّعقل، وهو ما قدّمه "هابرماز" في مشروعه عن " العقل التواصلي" في مقابل " العقل الأداتي"، حيث يحاور العقل نفسه ويجدّد آلياته، وذلك بإعادة الاعتبار لمفهوم التواصل الذي أشاعته الفلسفة الماركسية (10). كما وقف الباحث عند أبرز أقطاب الفكر البنيوي " ميشال فوكو" محاوراً أفكاره، عارضاً دعائم خطابه، الذي يقوم، على دعامة الحفر والنّبش بحثاً عن المسكوت عنه، أو تنقيباً في خبايا الأرشيف المشكّل للبنية المعرفية، التاريخية، الاجتماعية للمجتمع الغربي، بهدف بلوغ العلمية. لغة الحفر (المنهج الأركيولوجي) هي، إذاً، أساس الخطاب الفوكوي، إذ سعى من خلالها، أيضاً، إلى تحطيم مفهوم "الأنا"، أو " الذات" كما انحدر إلى القرن العشرين من ثنايا الوجودية، حيث يعتبر أنّ موت الإنسان هو موت رمزي، موت للإنسان الوهم الذي ابتدعته الفلسفات القديمة، وبعدها الفلسفة الوجودية في القرن العشرين. وفي إطار مشروعه لتفكيك المركزية الغربية، يبيّن "فوكو" بأنّ الأنظمة الغربية تُبدي غير ما تُضمر، فالمقول: عقلانية، إنسا نية، تنوير، أمّا المسكوت عنه: قهر، اضطهاد، جنون، مرض، سجن. فالعقل يقف وراء صنع فكرة السجون والمستشفيات النّفسية، وهذا يعني أنّ المجنون ظاهرة مرضية أوجدها العقل وعرضها على الطب النّفسي. فالعقل، من هذه الشرفة، خطاب حداثي، أمّا " الجنون" فهو خطاب ما بعد الحداثة، هو الهامش/ المعزول/ المتمرّد/ المرفوض/ المتمرّد(11). و"فوكو" بتعريته لما تضمره الحضارة الغربية من فضائح في حقّ الإنسانية، يعلن تمرّده على هذا العقل الذي يقف وراء كلّ أزمات الإنسان، ولم يتردّد الباحث "مهيبل"، من خلال عرضه إبداء إعجابه في ما ذهب إليه فوكو، مع ما في ذلك من انطباعية قد توقعه في فخ الأحكام الانطباعية، إذ وصف خطابه بالمشوّق والبارع والبليغ. وفي المسار نفسه، مسار الفكر التفكيكي، يحاور الباحث رائد التفكيك " جاك دريدا"، إذ يرى بأنّ خطابه غير واضح الملامح، فهو " لم يقدّم أنموذجاً فلسفياً واضحاً... كما أنّه لم يقدّم لنا نموذجاً لغوياً"(12)، فهو ليس فيلسوفاً ولا لغوياً، بل هو،على حدّ تعبير المفكّر" عبد اللّه إبراهيم"،"...قارئ ولكنّه قارئ مسلح برؤية جديدة، وتتميّز كتاباته بخصوصيتها بين جيله مثل ريكور وكريستيفا وسولير وهارتمان وديمان وغيرهم، ويستحيل موضوعياً تصنيف نصوصه على وفق الأسس التي تعتمد على نظرية الأجناس الأدبية. فهي في الوقت الذي ستظل في فيء الفلسفة، لا تبرح تلقي أسئلة عميقة عن اللغة والإبداع والمعنى والهوية، و تتناص مع خطابات قديمة، تمتد من أفلاطون إلى هوسرل وهيدغر.."(13). هذا التفلّت من كلّ نعت يلصق بدريدا صفة المذهبية، يجعل من الصعوبة بمكان القبض على دلالة اسمها "دريدا" فهو كنصّ الحداثة متعددّ المداخل والمخارج، لجّي، بحر بلا شواطئ، عمق بلا قرار، بحر من فوقه بحر، هو ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعدُ، أو تلك الرحلة التي أضاءت طريقها وبقيت هائمة في كلّ اتجاه، هو الحاضر/ الغائب، المتمنّع/ الفلوت/ الكتوم/ الحرون، الذي يرفض الانصياع والخضوع لسلطة الحقيقة/ المعنى، فهو أبداً، مهاجر كالطيور في رحلتها، ما أن تكاد تحطّ بمكان حتّى تغيّره مغيّرة وجهتها. ولعلّ هذا ما جعل الباحث يصف فلسفته بأنّها قلقة وثائرة ومتمرّدة، تعمل على إنقاذ الفلسفة الغربية من وهم الإيديولوجيا والمتيافيزيقا الثاوية على ظهرها، والتي تمنعها طرح الأسئلة وتجديد آليات التفكير. بيدَ أن فلسفة دريدا بتوسلها بالقراءة التفكيكية منهجاً نقدياً، حسب " مهيبل" تتحوّل بوساطة مصطلحاتها إلى طلاسم أشبه بلوحات سلفادور السوريالية. كما كرّس منهجه هذا، من خلال آلية" الاختلاف" في الدعوى إلى إعادة تأويل الكتاب المقدّس (التلمود) تأويلاً جديداً، وإخراج نصوصه وتفكيكها وإخضاعها لمنطق التعرية ونزع الغلاف اللاّهوتي عنها(14). التلمود ـ كما هو معروف ـ ليس كتاباً مقدّساً وإنّما هو مجموعة التفاسير التي قام بها الحاخامات على "التوراة"، الكتاب مقدّس، لكن الذي حدث، هو أنّ الحاخامات اليهود أزاحوا بتفاسيرهم النصّ الأصلي وألغوا حضوره، والغريب في ذلك أنّ هذه التفاسير مرتبطة، بعضها ببعض، لا يتسنّى لك قراءتها مبتورة، بل هي كلّ موحد، كلّ تفسير يحيلك إلى التفسير الآخر إلى ما لا نهاية، دون أن تصل إلى تفسير نهائي يصلك بالكتاب المقدّس(التوراة)، وفي ظلّ هذا التعدّد ساد التفسير الحاخامي ( النصوص الثواني)، وأصبح يعرف بالكتاب المقدّس، وغاب الأصل (النصّ الأوّل). ودريدا، فيما تشير إليه الباحثة "جياتري سبفاك" في ترجمتها لكتابه"في علم الكتابة" يهودي سفاردي، وبأنّ بعض مقالاته مذيّلة بتوقيع حَبر يهودي اسمه رابي rabbi (15). وكلّ "سفاردي" يتبنّى في التفكير أسلوباً يسمّى الأسلوب " الماراني"، الذي انتشر في أوروبا ابتداءً من القرن الثامن عشر، واليهود الذي تبنّوا هذه الطريقة في التفكير عرفوا باسم " المارانو"، وهم يهود يقطنون شبه جزيرة أيبريا، الذي أخفوا اليهودية وأظهروا الكاثوليكية، وهذا هو جوهر التفكير الماراني؛ أن تقول شيئاً وأنت تقصد غيره (16)، لذا لم يتردّد في اتباع تراث أجداده، والسير على نهجهم، بل إنّ تعدّد منابع ثقافته، وعدم القدرة على تحديد طريقته في الكتابة، ودعوته إلى التفكيكية كقراءة ترفض النعوت وتنقلّت من كل دلالة وتحديد، أبين دليل على الأصول اليهودية للخطاب الدريدي، وما دعوته إلى إعادة التأويل، ليس للنص الأصل، بل للنص الثاني، إلاّ وفاء لما بدأه الحاخامات، وهو إزاحة الأصل(التوراة). إنّ خطورة ما يدعو إليه دريدا ومن شايعه من النقاد ذوي الاصول اليهودية "كريستيفا، ياكبسون، جابيس"، هو إحلال الفوضى، وإشاعة اللاّيقين في كلّ شيء، وما "نظرية التناص" أو تعدّد النصوص" إلا ّ حيلة يتوسلون بها في سبيل إبعاد النصّ الأوّل، فكلّ تفسير حاخامي يحيل على الآخر، دون أن يكون هناك تفسير قارّ، فُيحجب النص/ الأصل، ويضيع في ظلّ هذه التفاسير، فتتعدّد الدلالة ويصبح النص نصوصاً، والمقدّس مدنساً، والمطلق نسبياً، والحضور غياباً، والقراءة إساءة قراءة، هو اليهودي "الغريب المقيم أو المقيم الغريب، أو الحاضر الغائب، وهو كذلك المتجوّل الدّائم الذي يحلم دائماً بأرض الميعاد، وعلى وشك العودة دائماً، ولكنّه لا يعود... فهو الدال المنفصل عن المدلول أو الدال الذي له مدلولات متعدّدة بشكل مفرط "(17). ولو حاولت أن تجد تعريفاً لليهودي لوجدت عدّة تعريفات، فهناك اليهودي المحافظ، والإصلاحي، والمجدّد، والملحد، واليهودي غير اليهودي، واليهودي المتهوّد، واليهودي بالاختيار، أو هو " من يصفه النّاس بأنّه كذلك... أو من يشعر في قرارات نفسه أنّه كذلك "(18). لهذا رفض دريدا النصوص الشفاهية ودعا إلى ما أسماه "علم الكتابة"، لأنّه يعتقد بأنّ الخطاب الشفهي يشكّل مركزية الحضور؛ حضور صوت المؤلف، الأمر الذي يؤثر على عملية التأويل ويحجب ما تخفيه الكتابة، وهو في هذا ينقد محاورات أفلاطون على لسان سقراط، حيث أثبت أنّ أفلاطون سيطر بصوته على الحوار، فقرأت الناس "سقراط الأفلاطوني"، لا سقراط الحقيقي الذي حجبه أفلاطون باللّغة الشفاهية، ولو ترك الكتابة تعبّر عن نفسها لما كان سقراط الذي تعرفه اليوم النّاس. وهو بذلك يتّهم الفلسفة العقلية بإلغاء الكتابة، وإعطاء المركزية للخطاب الشفهي. والفلسفة العقلية، إذ تفعل ذلك، ترى في الكتابة قتلاً للحقيقة وتشويهاً لها، فهي تُبقي على الحقيقة لا تدوّنها. ويكفي تمثيلاً على المرجعية اليهودية للخطاب الدريدي بعض المصطلحات التي شاعت في كتاباته، منها: التشتت كرمز لتشتت اليهود في العالم وغياب أرض تأويهم، الانتشار رمز الهجرة الأبدية للفرد اليهودي،الذي خرج من وطنه إلى غير رجعة، الاختلاف كرمز لتعدّد مفاهيم الفرد اليهودي، الذي يعني كلّ شيء ولا يعني أي شيء، الهوّة كرمز لتحوّل الدلالة في كل قراءة وعدم ثبات المعنى، لأنّ اللغّة لا تعترف إلاّ بمنطقها الهروبي، لأنّها ذلك الشيء الذي لا شيء له، والنوع الذي لا نوع له، أي اليهودي الذي لا تعريف له، والتفسير الحاخامي الذي لا أصل له. هذا ما أطلق عليه الباحث مهيبل "الفينومنولوجيا الغرائبية"، لأنّ مأرب دريدا تغريب الأشياء، كما تمّ رصده، فكلّ نصّ يكتب هو نصّ غرائبي بالضرورة. وفي إطار عرض المشروع التفكيكي، يقدّم الباحث على هامش قراءة الفكر الغربي المعاصر، قراءة في فكر الباحث الجزائري المتوفى " بختي بن عودة"، باعتباره أحد أبرز الباحثين في الفكر الغربي، لاسيما الفكر الدريدي. واهتمام " بن عودة" بقراءة مشروع دريدا التفكيكي، يأتي لكونه يعطي أهمية للخطاب الهامشي. حاول "مهيبل"، بدايةً، الإشارة إلى ما تعانيه الذات الجزائرية من صراع مع نفسها ومع الآخر، وهو صراع جعل الذات/ الأنا هائمة لا تقوى على تحديد هويتها، فهل هويتها لا تتجسّد إلاّ في مرآة الآخر/ الغرب الذي تعتبره نموذجاً يحتذى به، أم العيب فيها ويجب أن تعالج أمراضها وتصلح حالها حتّى تستطيع تأسيس كينونتها؟ و"بن عودة" حين يطرح هذه المسألة يريد تحديد موقع الذات من خلال مساءلة الآخر، وهو الأمر الذي جعله، حسب مهيبل، يمارس نوعاً من الكتابة تشبه إلى حدّ كبير مشروع الكتابة عند دريدا، هي بحث وتفكيك للأصول لإعادة تشكيكها بمساءلتها وخلخلة المفاهيم القارّة التي أرساها الخطاب الأحادي المتقنّع بالإيديولوجيا. والباحث "مهيبل"،إذ يعرض مشروع بن عودة التفكيكي، إنّما يبحث عن أصوله في الخطاب الدريدي، هو نوع من التأصيل أراد من خلاله تحديد مرجعية "بن عودة"، فالتفكيك قد سكنه، وهو، والقول لمهيبل، أي التفكيك عند بن عودة " ليس منهجاً وليس معرفة، إنّه دليل على علامة دالة هي الاختلاف والاختلاف مدخل إلى الحداثة، والحداثة بمعنى من المعاني ثورة على الجاهز والنمطي"(19). كما تعدّ مدرسة " فرانكفورت" من أبرز تجليات الفكر الغربي المعاصر، وإحدى أبرز العناوين في نقد مشروع الحداثة الغربية، أو قل هي الماركسية تجدّد نفسها وتستعيد عافيتها، ولعلّ الأصول اليهودية لمعظم رواد هذه المدرسة يضعنا أمام الملاحظات التي استجليناها من قبل، وهي أنّ المرجعية اليهودية ألصق في الفكر الغربي المعاصر، وأنّ دعاوى هؤلاء أو غيرهم ممّن يضمر يهوديته تسعى إلى إشاعة الفكر اليهودي باعتباره فكراً مهمّشاً، وإزاحة الفكر المركزي الذي قامت عليه الثقافة الغربية. حاولت هذه المدرسة بعث الماركسية لكن بعيداً عن قوالبها الإيديولوجية النضالية الجاهزة، وهي مدرسة تقوم على المنحى النّقدي، مأربها زرع الأفكار الثورية، الإنسانية في المجتمع، وهي، إذ تنقد الفلسفات السابقة لها، ليس لمقاطعتها، بل لمساءلتها ومحاورتها، متوسّلة بمنهج " الاختلاف" و "التمايز"، فلسفة ترتكز على ما أسماه هابرماز " العقل التواصلي" في مقابل " العقل الأداتي"، فلسفة تسعى إلى إنقاذ الإنسان الأوروبي من العقلانية التي جعلت منه معادلة، فقتلت فيه الجانب الشعوري، كما ناهضت، في الآن نفسه، الاتجاه اللاّعقلاني الذي نقض الحداثة العقلانية ودعا إلى إشاعة الفوضى والعدمية، ولا يكون ذلك إلاّ بعقل تواصلي لا يهدم العقل بل يحاوره من الداخل و يعيد تشكيله. هذا المشروع، وإن كان لمدرسة فرانكفورت، إلاّ أنّ الذي خصّه بالعناية هو "هابرماز" أحد أبرز رواد هذه المدرسة، إذ حاول هذا الفيلسوف تحديد الآليات التي بها يتمّ إنقاذ الإنسان الغربي وتجديد العقل بدل قتله ، وهو الأمر الذي جعله يدعو إلى مبدأ " التواصل" للإبحار في أعماق الوعي الحضاري الغربي وتشريحه، حيث ناقض طروحات الحداثة العقلية وحتى ما بعد الحداثة بدعوتها إلى اللاّعقل. كما يعدّ "غادامير" من الفلاسفة الذين اقترن اسمهم بمشروع التأويل، وهو ما جعل الباحث " مهيبل" يحاور مشروعه لتحديد أدواته الإجرائية، ومشروع غادامير التأويلي، فيما يذهب الباحث، يقوم على فعل التحاور، تحاور الآفاق، أو ما أسماه غادامير " ميلاد الشعور التاريخي"(20). فالتأويل بما أنّه فن للفهم، قراءة تعرض رؤيتها كغيرها من القراءات دون أن تدّعي امتلاك المعنى الحقيقي. كما يؤكّد غادامير على أهمية "الوضع التاريخي الذي يشغله القارئ (المؤوّل)..."(21). والتأويل، في النهاية، بحث عن الحقيقة المضمرة في النصوص، ليس لاستخراجها، بل لتحديد السياقات المعرفية والأنظمة المفاهيمية التي أسهمت في تشكيلها، أو قل هو نوع من الحوار مع عوالم النصوص، ولا يكون ذلك كذلك إلاّ إذا لبسنا ثوب الشخصية المتخيّلة المبثوثة في تضاعيف النصوص، وكأنّها شخصية ولدت لتوّها، أو تعيش في عصرنا، حيث يتم تأويل النصوص القديمة. كما أنّ العمل الذي نقوم به، والأمر كذلك، لا يعدو أن يكون قراءة ممكنة لتلك النصوص الضاربة في القدم، ولو أنّ تلك النصوص وصلت إلينا مترجمة تتضاعف إشكالية التأويل، إذ تصبح قراءتنا تأويلاً للتأويل، أو فهماً للفهم، فتزداد الهوّة بيننا وبين النص الأصلي، وتنشظى المعاني، وتغيب الدلالة ومعها الحقيقة لتصبح حقائق ... وقبل أن تشرف رحلة القراءات على الوصول أبت إلاّ أن تستوقفنا عند الخطاب الفلسفي الجديد في فرنسا، ظنّاً منها بأنّ فرنسا هي المركز الثقافي الذي انطلقت منه الأفكار المناهضة للفكر الحداثي، والباحث في وقفته هذه يبيّن أنّ كلّ مذهب فلسفي توارى معلناً عن البديل، بل كان يخرجه من عباءته، ويرجع " مهيبل" هذا التناقض إلى سيادة الفكر الدوغمائي الأحادي، لا سيّما الذي دعا إلى قتل "الذات الإنسانية" وأحلّ بدلها الأشكال والقوالب، بل حتّى الفكر الوجودي الذي كان يدعو إلى تحرير الإنسان تراجع عن مواقفه، وليس أدلّ على ذلك من اجتياح الدبابات الروسية للمجر سنة 1956، أمام صمت "سارتر"، حينها فقد تأكّد للفرد الأوروبي أن لا خلاص إلاّ في التمرّد على هذا الفكر، وفي ذلك الآن يقول النقاد بأنّ البينونة تسرّبت في نهاية الخمسينات إلى الفكر الأوروبي، والفرنسي منه على وجه التحديد، ولكن ما دام أنّ البنيوية أزاحت الإنسان وجعلت البنى والأنساق غايات لها، تكون قد أعلنت عن ميلاد خلف لها. وقد تمثّل هذا الخلف فيما عُرف بالكتابة الشبقية EROTISME، وخطاب الرغبة DESIR في كتابات "جورج باطاي"، بل إنّ البعض اعتبر ثورة الطلبة في فرنسا سنة 1968" ثورة شبقية"، عبّر من خلالها الإنسان الأوروبي عن يأسه وتمرّده على الفكر النّسقي الذي قتل فيه الإحساس بالحياة وشهواتها، فكان ـ بدَهياً ـ أن ينساق إلى الشهوانية والشبقية ويسرف في المتع، لأنّه يعتقد، أي الشهواني/ الشبقي ـ خلافاً لعقيدة الصوفي ـ أنّه يجب أن يسرف في المتع ليصل إلى أقصى ممكناته فيستنفدها في السُكر والشعّر والموسيقى والرّسم ليحقّق المطلق، كما يجرّب ما شاء من أنماط المتع حتّى يصل إلى تلبية غرائزه (الشذوذ الجنسي). وهذا التجريب انتقل إلى اللّغة، فيما يعرف بالكتابة الآلية عند السورياليين، إذ أضحت اللّغة عند هؤلاء عاجزة عن التّعبير، لذا يجب أن نجرّب كل أنماط التّعبير، ونترك حياتنا للمصادفة. و" باطاي" في دعاويه لمفهوم اللّذة والمتعة والرّغبة والشبقية، إنّما يعبّر عن اليأس الذي وصل إليه الفرد الغربي في ظلّ هيمنة الفكر النّسقي، حيث يرى هذا الفيلسوف بأنّ الأشياء في الحضارة الغربية فقدت روحها وكذلك الإنسان، فهو في إطار "اقتصاد الربح" يُنظر إليه كآلة منتجة أو مستهلكة، وللبحث عن الإنسان واسترجاع شرطه المفقود يقترح "باطاي" إقامة "اقتصاد الخسارة" لمحاربة "اقتصاد الربح"، و" استنفاد الطاقة" بدل " استهلاك البضاعة". بذلك يستطيع الإنسان استنفاد مخزونه الغريزي وتصريف كلّ الطاقات المشحونة في الجسد، وذلك بممارسة "الشبقية" و"السكر" والشّعر والموسيقى والفن عموماً. هذه هي الطريقة التي يتم بها استعادة حقّ الإنسان في حق الحياة، بالتجربة الباطنية التي يكتشف بها الإنسان كينونته، فالوجود لا يوجد في العقل أو اللاّمرئي، بل في المرئي والواقعي والتجربة. هذه التجربة، حسب "محمد مزوز"، هي دعوة إلى اعتناق تعاليم " ديونيزوس" إله الخمر والفن عند الإغريق، ذلك الإله الشريد، الذي يرمز إلى كلّ أنواع التيه والضياع في فكر ما بعد الحداثة الغربية(22). كما يعدّ " جول دولوز" من أبرز الفلاسفة الذين أشاعوا " خطاب الرغبة"، إذ دعا إلى تعميمها على جميع النسيج الاجتماعي ، لأنّ حياة الإنسان، في اعتقاده، لا تستقيم إلاّ بإبراز كوامنه التي يعبّر عنها بفعل الرغبة، "فكلما حقّق الإنسان إنجازاً ما في مجال ما فإن ذلك يعني انتصار رغبة ما "(23). وقد استطاع هذا الفيلسوف إحداث انقلاب في الفكر الغربي، حتّى إن " فوكو" قال، فيما يورده مهيبل: " في يوم ما قد يصبح هذا العصر دولوزياً" (24) لأنّه ـ كما سبق ذكره ـ دعا إلى تحرير الفلسفة من ربق العقلانية الجاثمة على ظهر الإنسان والقاتلة لشهواته ورغباته، فهو، إذاً، يدعو إلى تحرير الإنسان المعاصر من الفكر المتيافيزيقي، لأنّه يؤمن بالعالم الطبيعي بوصفه العالم الحقيقي للإنسان. هو بحق كما لقّب " الفيلسوف الرحالة"، فالفلسفة معه صارت أكثر رحابة، بل قل أصبحت كلّ شيء إلاّ أن تسميها فلسفة، فكتاباته تمردّت على الثوابت ودعت إلى خلخلة اليقينيات وزرع الشكّ في كل شيء، بل إنّ الحقيقة ـ على غرار ما قاله نيتشه ـ عنده مجرّد اعتقاد أو وهم من الأوهام، لأنّها مجموعة حقائق، كل رؤيته لها ( الحقيقة المنظورية بالمفهوم النيتشوي) (25). وحتّى أولئك الذين دعوا إلى العودة إلى " المقدس"، ونقصد "روني جيرار"، لم يكونوا بعيدين عن الرؤية الوهمية، أو أقل هي دعوة جديدة لتحرير الإنسان من العقلانية التي ناهضت الفكر الكنسي قديماً، فالمسيحية التي يدعو إليها " جيرار" تجد لها " نقاط تماس مع العدمية، مع العالم، بل حتّى مع الإلحاد ذاته " (26). وقد استطاع الفيلسوف "بول ريكور"، بدوره، من خلال مشروع التأويل خلق نوع من التوازن في الثقافة الفرنسية، على غرار دعاوى مدرسة فرانكفورت، إذ بيّن قيمة التأويل وأهميته في فتح الآفاق أمام العقل، آفاق تقضي على الحرية والتطرّف، وتبتعد عن المغالاة والسقوط في الذاتية المفرطة، التي تحجب الحقيقة عن العقل. دعوته تقوم على إعادة الاعتبار للعقل الباطني، العقل الذي يتحاور مع الأشياء من حوله ليتجاوزها ويؤسس مرجعيته، وهو بذلك يحافظ على نضارته ويبقيه دائماً وأبداً، عقلاً منفتحاً، ولعلّ هذا ما جعله يؤكّد على المعطى التأويلي في ما يذهب إليه، لأنّ التأويل بحث في بواطن الأشياء للوقوف عند أصولها التي لفظتها أفكاراً قبل أن تصبح نصوصاً/ مشاريعَ. وختاماً لهذه القراءات يعرض الباحث " مهيبل" ترجمته لنصين؛ أوّلهما للفيلسوف الألماني "هيدغر"، والثاني لرائد مدرسة فرانكفورت "هابرماز"، والترجمة، كما هو معروف، قراءة للنصّ وإعادة كتابته بلغة الثقافة المترجَم إليها، لذا يعتبرها البعض خيانة للنسخة الأصيلة وتشويهاً لها، إذ مهما أوتي المترجم من كفاءة وقدرة، فإنّ ترجمته لا تعدو أن تكون قراءة خاصّة به دون غيره، قد يتجاوزها هو نفسه في مرحلة أخرى من حياته الفكرية، لأنّها ترتب ـ أوّلاً وقبل كلّ شيء ـ باللّحظة التاريخية، وبمدى استيعاب المترجم للغة النصّ الأصلي، وكذا اللّغة المترجَم إليها، بل إنّ البعض يشترط لغة وسيطة بين اللّغتين، ينضاف إلى ذلك الاطلاع الواسع في الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه النصّ المترجَم. إنّ المتأمل في النصين المترجمين، يجد أنّ الباحث مهيبل رجع إلى الترجمة الفرنسية، ولم يعد إلى النصّين في لغتهما الأصلية (الألمانية)، الأمر الذي يخلق خيانة مضاعفة (27)، تجعل من هذه الترجمة قاصرة، مهما بلغت قدرة المترجم، لأنّ ما اقدم عليه هو ترجمة لترجمة، أو قراءة لقراءة، وهو ما يجعل جهده، مع ما فيه من إخلاص وجديّة، قاصراً، بل قد يتسبّب في الوقوع في فخ الإلغاز والضبابية. ولعلّ هذا ما تعاني منه الترجمة عندنا؛ إذ كثيراً ما يُخضع المترجِم النصوص لمنظومته المعرفية، فيقع في فخ التشويه والتلفيق، وقد يستعصي عليه الأمر في إيجاد مقابل لبعض الكلمات فيقوم بتعريبها محافظاً على النطق الأصلي لها، وغير ذلك من المظاهر التي تتخبّط فيها الترجمة عندنا. لكن، ومهما يكن من حال هذه الترجمة، فإنّ الباحث تمكّن من تخطّي حاجز الانغلاق على الذات، بالتحاور مع الفكر الغربي من خلال هذه الترجمة، التي تكاد تنعدم في الجزائر. جماع القول: تأسيساً على ما تقدّم، يمكن القول، إنّ هذه القراءات استطاعت أن تؤسّس لمشروع " ثقافة الاختلاف" من خلال الوقوف عند الأنساق المعرفية التي تشكّل الفكر الغربي، وقد تجاوز الباحث الطرح التقليدي، الذي يؤمن بثقافة الجاهز، فقد كان توسّله بمنهج " النقد الحواري" مجدياً لاستكناه المضمر في خطاب الآخر، والنظر إليه كمعرفة يمكن نقدها وتفكيك مركزيتها، وإظهار التناقضات التي تشكّل هذه الثقافة، وكذا الوقوف عند أزمة الإنسان الأوروبي، الذي يعدّ الخاسر الوحيد في الصراع الدائر بين العقلانية وفلسفة الشك (الفلسفة الظاهراتية)، أو قل بين العقل والجنون، بين اليقين والعدمية، بين الحداثة وما بعد الحداثة، أو بين فلسفة النّسق وفلسفة الذات. ما تسنّى له بهذا المنهج تحديد موقع الذات في مجابهة ثقافة الآخر/ الغرب، حتّى يتسنّى تحدد موقع الذات داخل المنظومة الفكرية في العالم الإنساني، وإبراز الكينونة بفعل الحضور والانفتاح. تلكم ـ إذاً هي " قراءة القراءة" في كتاب الباحث" مهيبل"،حاول القارئ التقرّب منه لقراءته، وتقديمه بالوجه الذي ارتضاه لهذه القراءة، دون أن يكون في ذلك ادّعاء بامتلاك الإجابة الشافية القارّة، التي تتسلّط بما تعتقده، فهي لا تعدو أن تكون فاتحة لمتعة القراءة ، واللذّة التي لا يملك القارئ سلطة أمام رغباتها، المتجددّة في كلّ حضور، الحاضرة في كلّ قراءة متجدّدة... *** هوامش البحث: (1)عبد الرحمان بن محمد القعود : في الإبداع والتلقي، الشعر بخاصة، مجلة " عالم الفكر" ،م25،ع4، الكويت، 1997،ص 187. (2) عبد الله محمد الغذَامي: الخطيئة والتكفير ( من البنيوية إلى التشريحيه)، النادي الأدبي الثقافي، جدَة، المملكة العربية السعودية، 1985،ص 86. (3) عمر مهيبل: من النسق إلى الذات" قراءات في الفكر الغربي المعاصر"، منشورات الاختلاف، الجزائر 2002، ص9. (4)المصدر السابق، ص ص ،10،11. (5) جابر عصفور: نظريات معاصرة، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا، ط1، 1998، ص 13. (6) حسن حنفي: علم الاستغراب ما هو؟، مجلَة الكرمل، ع 45، بيروت،1992، ص153. (7) جابر عصفور، المصدر السابق، ص 16. (*) صدر عن ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991. (8) ميشيل فوكو: نظام الخطاب وإدارة المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي، دار النشر المغربية، 1985، ص19، ويُنظر أيضاً: ميشيل فوكو: ما المؤلف، ندوة أدارها: جاك فال، مجلَة الفكر العربي المعاصر، ع6-7، بيروت 1980،ص65. (9) عمر مهيبل، المصدر السابق،ص26. (10)عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية (إشكالية التمركز والتكون حول الذات)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1،197، ص 359. (11) عمر مهيبل: البنيوية في الفكر الفلسفي المعاصر، ص ص 166 ،167. (12) عمر مهيبل: من النسق إلى الذات، ص 66. (13) عبد الله إبراهيم، المصدر السابق، ص 319. (14) عمر مهيبل، المصدر السابق،ص72. (15) سعد البازغي، ما وراء المنهج، ضمن كتاب: إشكالية التحيّز" رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد"، تحرير، عبد الوهاب المسيري، سلسلة المنهجية الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي،ا لولايات المتحدة الأمريكية، ط3،1998،ص201 " الهامش". (16) عبد الوهاب المسيري، اليهودية وما بعد الحداثة " رؤية معرفية"، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، ع 10،س 3، خريف 1997، ص96. (17) عبد الوهاب المسيري، المصدر السابق، ص 97. (18) المصدر نفسه، ص 98. (19)عمر مهيبل، المصدر السابق ،ص 88. (20) المصدر نفسه ، ص141. (21) المصدر نفسه، ص 146. (22) محمد مزوز: أزمة الحداثة وعودة ديونيزوس، مجلَة فكر ونقد، ع2،س1، الرباط، المغرب، أكتوبر، 1997، ص ص 20،21. (23) عمر مهيبل، المصدق السابق ، ص 162. (24) المصدر نفسه، ص 176. (25) يوسف بن أحمد: منظورية الحقيقة عند نيتشه، مجلَة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، بيروت/ باريس، ع 102،103،1998،ص56. (26) عمر مهيبل ، المصدق السابق، ص 168. (27) عبد السلام بنعبد العالي: الخيانة المضاعفة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير، المغرب، 1999، ص 83. (1) قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة فرحات عبّاس، سطيف. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |