|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الأورفية والشعر العربي المعاصر التفاتة العاشق ـــ حسب الله يحيى- العراق تشكل الأساطير مرجعاً أساسياً في الكثير من الأعمال الإبداعية العربية منها والأجنبية، كما أصبحت هذه المرجعية دالة واضحة على خصب وعمق وأبعاد ورموز النصوص الإبداعية. وقد توجه أ. د. علي الشرع نحو دراسة: "الأورفية والشعر العربي المعاصر" (1) بهدف الوصول إلى العلاقة الحميمة بين الأسطورة بوصفها مرجعاً والتجربة الإبداعية المعاصرة. وتوقف د. الشرع عند أسطورة (أورفيوس) الإغريقية التي تتحدث عن: "أورفيوس بطل تراقيا المختلف عن غيره من أبطال الإغريق، إذ لم يشتهر لمآثره الحربية، بل اشتهر قبل كل شيء لموهبته الموسيقية المدهشة.. بحيث أن الوحوش الكاسرة كانت تأتي لتستمع إليه، وحتى أن الأشجار كانت تتبعه.." (2) وقد أحب أورفيوس الحورية يوريديسي وتزوجها.. وقد لاحقها اريستايوس، وعند هروبها منه، لدغتها حيّة كانت بين الحشائش. ماتت يوريديسي ونزلت إلى العالم السفلي، فلحق بها أورفيوس، وتمكن من إقناع هيريديس وبيرسيفوني بإعادة زوجته إلى الحياة، بشرط واحد يقضي بأن لا يلتفت إليها في طريق رحلته، وعند أبواب هيديس، أراد أورفيوس الاطمئنان على وجود يوريديسي خلفه، فوجئ بعودتها إلى عالم الموت.. وتذكر الأسطورة إلى أن أورفيوس لم يحتمل فراق يوريديسي فانتحر، وهناك من يشير إلى أن أسطورة تتعلق بنهايته وهي انتقام نساء تراقيا منه وتمزيقه بسبب حبه، ورمي قيثارته ورأسه في نهر هيبروس، وأن رأسه حشر عند صخرة وأصبح مصدر وحي، وبقيت قيثارته في معبد بليسبوس ويعد لمسها تدنيساً... وقد حاول نينتوس بن لوسيان / طاغية لبسبوس لمس القيثارة، فالتهمته الكلاب التي كانت تطرب لموسيقى أورفيوس وقيل أن رأس أورفيوس قد دفن ووضع في ضريح بمقدونيا. هذه هي جذور الأسطورة ومحورها، وهي على وفق هذه الصورة يمكن أن تعد نبعاً وأرضاً خصبة لعدد كبير من النصوص الإبداعية. وفي الوقت الذي يحدد فيه د. الشرع نظرته إلى ظاهرة الأورفية من خلال الشعر العربي المعاصر، نجده يدرس وبشيء من التفصيل مسرحية (هبوط أورفيوس) لتنسي وليامز، مثلما يشير إلى قصائد ريلكه وسواه عن أورفيوس. وكان من الممكن الإشارة إلى ذلك والانتقال إلى تفاصيل قصائد: السياب، أدونيس، البياتي.. وكيف تناولوا أسطورة أورفيوس.. ومنذ الصفحات الأولى للكتاب يشير إلى أن الشاعر الروماني فرجيل (70 ق.م –19 ق .م) كان أول من توقف عند هذه الأسطورة، وكذلك الشاعر أوفد (43 ق .م –17 ق .م) ومن الأدباء العرب وظّف الأسطورة كل من: العقاد، أحمد زكي أبو شادي... بعدئذ ينتقل د. الشرع للتعريف بالأسطورة، وكان يفترض أن يسبق هذا التعريف.. التمهيد السابق ليتسنى للمتلقي معرفة محور الأسطورة أولاً. ولا يختلف التعريف الذي أوردناه والمأخوذ عن (معجم الأساطير) عن التفاصيل التي أوردها د. الشرع إلا في توضيح الجوانب الأخرى من هذه الأسطورة حيث أشار إلى أن "معاناة يورديسي للموت للمرة الثانية، هي التي هزت وجدان أورفيوس وجعلته يتحجر هلعاً مثل الرجل الذي هالته رؤية كلب الموت سوبروس". وهذا التشبيه يبدو متواضعاً، لأن المشبه به أضعف من المشبه /الإنسان/ الأصل، بينما المشبه به /كلب! كذلك ليس بوسع المرء التفكير بمعاناة من فقد الحياة، بل معاناة من يواجه الحياة بوصفه حياً يعاني، وليس ميتاً يمكننا الإحساس بمعاناته. ذلك أن الموت سكون أزلي يخلو من الأحاسيس. أما إحجام أورفيوس "عن المساهمة في خلق الحياة، وذلك بامتناعه عن معاشرة النساء مجدداً ليتجنب حتمية التناسل والتوالد" فإنه رد فعل لحياة فياضة بالمشاعر العميقة جسدها حب أورفيوس ليوريديسي، وليس الهدف هو الإنجاب منها حيث لم يكن هناك ما يشير في الأسطورة إلى ذلك.. ذلك إن علاقة الحب النبيل أكثر عمقاً وأدل معنى وأكثر خصباً من عملية التناسل التي يمكن أن تقوم مع أية امرأة. إن عزوفه عن النساء مجدداً انشغال كلي بحب عميق لا يوفر له الرغبة في الانصراف للإنجاب من أية امرأة أخرى... ولا حتى التفكير بوجودها في ذهنه.. وهذا هو السبب الذي جعل نساء تراقيا ينتقمن منه.. فهن لم يقصدنه بهدف التناسل فهذا ممكن مع أي رجل، وإنما أردن قتل الوفاء عنده وقد فشلن. ويتوجه د. الشرع إلى تنسي وليامز، مشيراً إلى أن الأصل في مسرحيته (هبوط أورفيوس) قصيدة بكرْ له وليس مسرحية جاءت متأخرة.. كما يرى أن وليامز واجه سؤالاً وجودياً وأزلياً يقول "ما جدوى الحياة إزاء خطر الموت؟ ولعله أحسن منذ وقت مبكر أن المثل الإنسانية وقيمتها، وما يتجسد عنها من مؤسسات تنطوي على خلل جوهري من بعض جوانبه إهمال شأن الفرد واحتقار همومه الخاصة، الأمر الذي يدفعه ليعيش متحصناً داخل ذاته إذا أراد أن يعيش بحدود براءته وعفويته الطبيعية". غير أننا ندرك جيداً أن فلسفة الموت تجعلنا ننصرف كلياً عن شؤون الحياة ونزهد بكل مغرياتها أما الانصراف إلى الذات فهو شأن مرضي أو سلوك عرضي، أو التوحد كلياً مع دلالة الموت وحتميته.. ومثل هذا عام وشامل، وعلاقته بأسطورة أورفيوس جانبي وجزئي.. وفي انتقال الباحث لدراسة الأورفية في شعر السياب يؤكد د. الشرع إلى أن السياب: "تنبه في وقت مبكر إلى قيمة الأسطورة، بوصفها أداة مهمة من أدوات التعبير عن التجربة الشعرية الحديثة، وربما كان بحق المروض الأول لها في شعرنا العربي المعاصر". إلا أن ورود كلمة (ربما) تجعلنا نشك بالجزم اللاحق الذي أورده الباحث.. والكثير من النصوص التي جاء بها لا تشير إلى علاقتها بالأسطورة مثل: "أعصر لنا من مقلتيك الضياء /فإننا مظلومون!". أو: "صرخت في الشتاء /إقضَّ يا مطر/ مضاجع العظام والثلوج والهباء / مضاجع الحجر..." كذلك لا توجد علاقة بين أسطورة تنتالوس) الذي عوقب بحرمانه من الماء والطعام مع وجودهما إلى جانبه بسبب إفشائه أسرار الآلهة وأسطورة (أورفيوس) الفنان العاشق الذي دمره عشقه. وبالتالي لم تكن هناك ضرورة لتقديم مقطع من قصيدة السياب تستجيب للأسطورة الأولى.. في حين نجد ثمة توافق للموت بين يوريديسي ووفيقة في قصيدة السياب" أطلي فشباكك الأزرق /سماء تجوع / تبينته من خلال الدموع/ كأني بي ارتجف الزورق... ويرى الباحث أن ثمة توافق في الصورة عند أورفيوس أدونيس، وأورفيوس أفيد: "عاشق فقد عشيقته فراح يبحث عنها في عالم الموت ليسترجعها": "عاشق أتدحرج في عتمات الطرق / حجراً غير إني اضيء / إن لي موعداً مع الكاهنات / في سرير الآلهة القديم / كلماتي تهز الرياح / وغنائي شرار / إنني لغة لأله يجيء/ إنني ساحر الغبار". وهذا النموذج الأدونيسي، كان بحاجة إلى نموذج يماثله لأوفيد ليتسنى لنا المقارنة ومعرفة أوجه الشبه بين الصورتين كما كان الباحث قد أعلن من قبل... لا أن يقدم لنا صورة لأوفيد لا تمت بصلة لما قدمه أدونيس مثل: "هكذا غنى أورفيوس/ تتبعه الوحوش الضارية / والصخورة الأشجار تتبعه مسحورة / لكن الحجر أخذ بموسيقى / أورفيوس فحط عند قدميه وكأنه يسأله العفو". إن أوفيد هنا يقص / يسرد، أكثر منه مصوراً في حين نجد أورفيوس يجيء بالصورة وأن استخدم بعض المفردات أوفيد... إلا أن هذا الأمر لا يجعلهما في حالة تشابه وفي الفصل نفسه والذي يتحدث فيه عن أدونيس يجيء بسوناتة ريلكه. "لا تقم نصباً تذكارياً له / دع الوردة تزهر كل عام من أجله / ذلك لأنه أورفيوس في تحولاته في هذا وهذا" دون مقارنته بشعر أدونيس!. وينتقل الباحث في فصل أخير عن البياتي وظاهرة الأورفية في شعره. يقول البياتي: "من هنا أنزلها الحفار / للقبر وهي في ثياب العرس../ أجر خلفي سنوات حبها كذيل ثوبٍ / فاقع طويل / طرقت باب العالم السفلي مرتين / فمد لي حارسها يدين / وقال لي: من أين؟ /قلت أنر لي هذه السهوب/ قليل في الدروب / قال: وكانت يده تعبث بالمكتوب / ليقرأ المحجوب: عائشة ليست هنا، ليس هنا أحد". ويورد الباحث تفسير الناقد الراقي الراحل د. محسن أطيمش الذي يقرن القصيدة بأسطورة هبوط عشتار.. بينما يرى د. الشرع أن الصوت الشعري في قصيدة البياتي "لأورفيوس الذكر وليس صوت عشتار الأنثى" وقد نجد في هذا الرأي قدراً من الصواب، إلا أننا في الشعر والإبداع عموماً نجرد الواقع من التزاماته المنطقية وصوره التقليدية وأصواته العادية، ونسعى لتقديم شاعرية الشعر والصوت المجرد الذي ترتئيه الصورة الشعرية التي قد لا تكون منطقية وغير مألوفة. ويعزز الباحث رأيه بالإشارة إلى أن الناقد طراد الكبيسي كان: "من أول الدارسين الذين ذكروا أسطورة أورفيوس في معرض الحديث عن الجو الأسطوري في شعر البياتي، وذلك من كتابه: مقالة في الأساطير في شعر عبد الوهاب البياتي /74". وهذا يعني أن هناك من سبق الباحث في دراسة الأورفية عند البياتي.. فما جدوى إعادة دراستها من جديد!؟ بل نجد د. الشرع يورد قصيدة للبياتي مشيراً إلى أنها "أول توظيف لأسطورة أورفيوس في شعر البياتي" ونحن لا نعتقد بوجود علاقة للقصيدة بالأورفية. يقول البياتي: "الملايين التي تكدح، لا تحلم في موت فراشة / وبأحزان البنفسج / أو شراع يتوهج / تحت ضوء القمر الأخضر في ليل صيف / أو غراميات مجنون بطيف / الملايين التي تكدح / تعرى / تتمزق، الملايين التي تصنع للحلم زورق / الملايين التي تصنعُ منديلاً لمغرم / تتغنى/ تتألم / في زوايا الأرض في مصنع صلب أو منجم / إنها تمضع قرص الشمس من موت محتم". فهل نعد مثل هذه القصيدة البياتية أورفية، وهل كل ما يشير إلى الموت أو العذاب أو العشق أورفي بالضرورة..؟ وهل يعني نداء البياتي: "فالحب، يا ملكتي مغامرة / يخسر فيها رأسه المهزوم". أنه يمثل: "تخاذل أورفيوس المهزوم الذي لم يقو على دفع غرامة الحب" كما يقول د. الشرع!؟ نعم.. هنا حضور واضح لاورفية البياتي: "في سنوات الغربة والترحال / كبرت يا خيام / وكبرت من حولك الغابة والأشجار / شعرك شاب والتجاعيد على وجهك والأحلام / ماتت على سور الليالي، مات (أورفيوس)". ونحن لا نؤكد هذا الحضور لأن البياتي أشار إلى أورفيوس تحديداً، ولكن أنفاس وصور القصيدة كانت دالة على حضور أورفيوس في قلب القصيدة كما أن إشارة الباحث كون: "عائشة تمتل في آن واحد كلاً من يوريديسي (عشيقة أورفيوس) وعشتار (زوجة تموز) ولكن معظم الوصف المسند إلى عائشة يمثل شخصية يوريديسي، وبخاصة إذا تذكرنا أن عشتار الأسطورية كانت الباحثة عن زوجها تموز في العالم السفلي، ولم تكن هي المطلوبة كما هو حال يوريسي..". وإذا كنا قد اتفقنا مع الباحث في الجانب من طبيعة التفاعل بين عشتار ويوريديسي وإنهما يمكن أن يتشكلا معاً في صورة عائشة؛ فإننا نختلف في استقبال مسألة البحث عن الحبيب سواء كان الأمر يتعلق بالرجل أو المرأة، ذلك أنهما كلاً مشتركاً في حبٍ أثير، إلى جانب أن الشعر يستلهم الواقع ولكن ليس بالضرورة أن يتولى نقله كما هو.. فتلك مهمة توثيقية فوتوغرافية وليست شعرية. وكان بودنا أن يفيد الباحث من معلومته التي أوردها في كتابه هذا (ص 34) والمتعلقة برغبة تنسي وليامز في العودة إلى مسرحيته (هبوط أورفيوس): "بسبب رغبته في تنقيح أعماله قبل أن نصل إلى نقاد المسرح.. مع أنه من الممكن تفسير هذا الإلحاح بسبب رغبة وليامز في بلورة أفكار إزاء هذه الموضوعات الشائكة..". وفي المنطلقين يمكن للأستاذ الدكتور علي الشرع أن يقدم كتابه الرصين: "الأورفية والشعر العربي المعاصر" والذي يمكن لنا أن نعده مشروعاً لدراسة ظاهرة الأورفية في الأدب العالمي، وهو مشروع يمكن أن يشغله ويخرج منه بنتائج محمودة جديرة بالبقاء والمرجعية التي نحتاج إليها دائماً، في دراسة معمقة كالتي قدمها لنا د. الشرع وهو يقدم لنا أثر أسطورة حيّة في شعرنا العربي المعاصر. *** الهوامش 1-الأورفية والشعر العربي المعاصر: تأليف: أ. د. علي الشرع /منشورات وزارة الثقافة/ عمان 1999. 2-معجم الأسا طير /لطفي الخوري/ ج1/ ص 80 –81 منشورات: دار الشؤون الثقافية العامة /بغداد 1991 . |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |