|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قصص العدد الماضي ـــ محمد قرانيا اشتمل العدد الذي يحمل الرقم 393 من مجلة الموقف الأدبي، الذي يوافق صدوره إطلالة الشهر الأول من عام 2004 على تسع قصص، هي على التوالي: 1-وقال اتبعوني. قصة: د. وليد السباعي 2-البيت المقابل. قصة: لينا نعمة 3-الورقة. قصة: محاسن الجندي 4-قبور الغرباء. قصة: عدنان كنفاني 5-تحت الغطاء. قصة: زهير جبور 6-حلم في رحلة قصيرة. قصة: محمود حسن. 7-لا يكتمل الزواج إلا بأربع. قصة: عوض سعود عوض 8-الصداع. قصة: غسان كامل ونوس. 9-انتظار المستحيل. قصة: حسب الله يحيى. بغداد. أولاً: وقال اتبعوني، قصة: د. وليد السباعي تتّبع القصة التقنية الفنية المشهدية، فتشتمل على بضعة عشر مشهداً، نص عليها الكاتب في بداية كل واحد منها، ففي المشهد الأول يعرض لنا جانباً من غرفة (قاسم) المترفة، التي تزيح الخادمة ستائرها المخملية الثقيلة، ثم تنتقل آلة التصوير، لتعرض مشهداً عاطفياً بين قاسم الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة، وبين الخادمة التي تسمح له بمداعبة نهديها المشرئبين، ثم تضمه إلى صدرها، لكنها ما تلبث أن تفلت منه، فيحس بروحه تخرج معها. في المشهد الثاني تسلط (الكاميرا) عدستها في الحديقة النضرة على مشهد يجلس فيه قاسم وأبوه حول مائدة الطعام، يتخلله حوار مشهدي، يسدي فيه الأب النصح لابنه، ويحذره، لئلا يقع في الغواية، في الوقت الذي كانت فيه (ميساء) الخادمة تعرض مفاتنها من مكان خلف الأب، فيغص قاسم بلقمته حين تحسر عن ساقيها... تتحول اللقطة المشهدية الثالثة إلى القبو، حيث تنزل ميساء لاستخراج السمن، فيتبعها الفتى يطلب وصالها، ويعبر الحوار عن توق وصبابة، لم يعد الفتى يقوى على احتماله، فتحذره الأنثى من عقاب أبيه. في المشهد الرابع، يسلط الأضواء على القصر الفخم المفروش من الداخل بأحسن الأثاث والتحف، ويقف على بابه من الخارج حارسان، وربما غدا القصر جحيماً في نظر قاسم لولا وجود ميساء فيه، وقد جعلته أنوثتها لا يرى في العالم سواها، وليس له هدف سوى الوصول إلى جسدها. يقترب من القصر ثلاثة رجال يحملون أشياء لا بد أنها ثمينة، فيسمح الحارسان لواحد منهم بالدخول. في المشهد الخامس، يجلس الأب في الجناح الجنوبي من الحديقة، يسلي وحدته بمداعبة القطة وإطعام الأسماك، ثم يدخل مع ابنه في حوار فلسفي حول طريقي الخير والشر، وذلك في الليلة التي سيبلغ فيها الفتى (الحلم) فتدخل ميساء مبتسمة، كادت تخرج الفتى عن طوره. المشهد السادس: في غرفة قاسم حيث يستلقي في العتمة مشتت الفكر، مشبوب الصبابة، ينتظر حلول لحظة البلوغ من جهة، وقبول ميساء بالوصل، لكنها دخلت عارية مكللة بالغار، واستلقت بجانبه، تنتظر معه الدقيقتين المتبقيتين لدخوله عالم الرجولة، وما إن حان الوقت حتى التصقا بعنفوان فارتعشا، وبلغا الذروة في اللحظة التي توهجت فيها الغرفة بالنور، وقد انتصب الأب ليصب عليهما لعناته إلى يوم الحشر، ويطرد الفتى من القصر، بمعرفة الحارسين. في المشهد السابع، خارج القصر، يستر قاسم عورته، بينما كانت ميساء تطل عليه من النافذة، ثم ترمي إليه قصاصة ورق. في المشهد الثامن، الصحراء التي يهيم فيها الفتى على وجهه بلا طعام ولا مأوى، ويحس بثقل الليل ووطأة النهار. في المشهد التاسع، يصل إلى المدينة مرهقاً جائعاً، يتصل هاتفياً بالرقم الذي وجده في ورقة ميساء. في المشهد العاشر، يجتاز المدينة البائسة إلى الوادي، ثم يعبر نهراً صاخباً بتياره وتماسيحه، ويصعد جبلاً بصعوبة بالغة، وحين يصل إلى الوادي يجد كل شيء مخيفاً صاعقاً.. فينام، وقد قرر العودة إلى القصر. في المشهد الحادي عشر، يهيم على وجهه من جديد، فيعبر البوادي، ويقطع الأودية والجبال والصحارى ثم يجد راعياً يجود عليه بكسرة خبر وجرعة ماء، يسأله عن طريق القصر... فيرشده إلى الطريق، الذي يسير فيه على غير هدى. وفي المشهد الثاني عشر، يدخل المدينة في أسوأ حال، لكن حاله، لم تكن أكثر سوءاً من المدينة التي ضلت كلابها، ونفقت عصافيرها، وتفسخت أطعمتها، وتناثرت الجثث في خرابها... لكنه يخضع فيها لامتحان في الأمانة، يقرر أن يؤدّيه على أكمل وجه، لكنه يصطدم برجلين لأمانته، يقودانه إلى سيدهما، فيحكم عليه بالإعدام، وقبل التنفيذ، ينتفض ويتعلق بقطار ضاحكاً مرتعداً من الخوف. إن الحرص على هذا التلخيص المطوّل للقصة، إنما هو تأكيد على جمالية القصة، وأهمية ما تطرحه من فكر فلسفي اجتماعي، يمتزج فيه الواقعي بالخيالي، كما تمتزج فيه الحداثة والغرائبية بالتراث حيث تنزع القصة بشخصياتها المحورية نزوعاً أسطورياً جديداً في القصة السورية القصيرة. في التقنية الفنية، اعتمد الكاتب على أسلوب (المشهدية) المسرحية، والسينمائية، والقطع الفني في تجزئة القصة إلى لقطات توظّف عدسة آلة التصوير لتستوعب العينُ الأبعاد الجمالية للقصر والصحراء والمدينة، تلك الجمالية بإيجابيتها المريحة للنظر في القصر وحدائقه، وفي سلبيتها في التنفير من منظر الجثث وألوان الظلم البشري والخراب في المدينة البائسة... وقد صاحب عرض شريط الصور المشهدية المتتالية الحوارُ التعبيري عن الموقف، أو التوصيف لما لاقاه الفتى في الأماكن التي مرّ بها، بعد أن حلت عليها اللعنة.. تظهر القصة ميلاً واضحاً إلى منطق الأسطورة، ومنطق غرابة المروي، ويعكس هذا رغبةً سردية في تطوير فنية القص عن طريق استعارة تقانات غرائبية، وتوظيفها في تعميق سلطة السرد على فضاء القصة. وفي المضمون يطرح الكاتب موضوع العلاقة بين الذكورة والأنوثة؛ هذه العلاقة الأزلية التي تقوم عليها الحياة، فالفتى والفتاة في توق شديد للاتصال الجسدي الأول ببعضهما، لكن الشروط الموضوعية لهذا اللقاء غير مكتملة، والتي يفضي بها الأب في نصائحه لابنه، وتنم عن خبرة كبيرة، تعبر عن رؤيته الصحيحة لعلاقة الذكر بالأنثى، التي حددت الشرائع نواميسها، فإذا تمت بمعزل عن شرعيتها كانت دنساً ولعنةً، وهنا يؤكد الأب على دور العقل في هذه العلاقة، ويلح على ضرورة أن يبصر الإنسان طريقي الخير والشر، فالإنسان مخيّر، وهو الذي يسير بقدميه في الطريق التي يختارها، لذا يكون لزاماً عليه أن يتحمل تبعاتها. شكلت الرؤية العامة للقصة تلك المسحة الأسطورية التي تعيد الإنسان إلى طينته التي يلعب الجنس فيها دوراً هاماً في تدنيس النفس الإنسانية، والوقوف في طريق تساميها، كما حفلت القصة بترميزات سياسية تجسدت في ضحايا الظلم الذين يشوهون شوارع المدينة، والبؤس الذي يعم فيها، حتى بدت أشبه بمدينة حلت عليها اللعنة، كاللعنة التي حاقت بالفتى... وقد ترك الكاتب النهاية مفتوحة تحاكي الحياة، فالفتى الذي قرر العودة إلى القصر، وقد أدرك فداحة فعلته الجنسية الخرقاء، آلى على نفسه أن يحافظ على الأمانة في ترميز إلى طريق الخير الذي قرر أن يسير فيه، بعد أن عرف عواقب السير في طريق الشر... وقد ارتضى أن تنزل به عقوبة الإعدام، وألاّ يخون الأمانة، فلا يستجيب لرمز السلطة القامعة... وهنا تتدخل براعة الكاتب في التحول ببطله إلى رؤية جديدة، إذ لا يمكن أن يوقع عليه العقوبة، بعد أن عرف طريقه جيداً، فيجعله يتمرد على جلاديه، وينتفض ليلحق بقطار سريع، وهو بين الضحك والإرهاق. لكن في الخصوصية الفنية، ثمة نقطة جميلة جسّدتها القصة، يمكن الإشارة إليها، تمثلت في تلك اللحظة التي التقت فيها الذكورةُ الأنوثةَ، ووصلت فيها إلى المطلق لأول مرة، وقد تزامنت مع دخول الأب، وإنارة الضوء، الذي تجلى فيه انكشاف عري الجسدين: "وتوحدا.. بكل الشوق، وكل اللهفة، وكل العنفوان، واقترف بعضهما بعضاً، بشكل عزفت رعشاته على خدود الريح حتى عمت العالمين، ولم يشعر كيف حدثت الزلزلة، وانبلج النور الباهر في الغرفة، ووقف السيد قدري (الأب) فوق سريرهما". إن هذه اللقطة السينمائية البارعة التي تعدّ بؤرة الإثارة، وعقدة القصة، التي تقوم عليها بنيتها الفنية والفكرية، وجدنا لها نموذجاً مشابهاً متقدماً لدى "حنا مينة" في رواية "الولاعة" حيث بنيت هيكلية الرواية على مثل هذه اللقطة، مع الفارق الكبير في توجه كاتب القصة هذه، وكاتب الرواية، فالقاص وظّف اللقاء لجلاء طريقي الخير والشر برؤية فلسفية دينية واجتماعية، بينما وظفته الرواية لغرض سياسي أيديولوجي. فهل ثمة اتفاق عفوي بين المشهدين؟!. إن الجسد في القصة يلعب دوره لتحلّ بصاحبه اللعنة، وفق منطق شبقي خالص، بينما يلعب الجسد دوره في الرواية لتحقيق أهداف سياسية، وفق منطق ذرائعي، تسخّره صاحبته للوصول إلى مبتغاها، فيقوم بدور الفخّ، والمصيدة، للإيقاع بالفريسة في شباكها، بمعنى أن شخصية "فروسيا" في "الولاعة" يقوم الجنس فيها بدور "الولاعة" في إشعال الشهوة في جسد الذكر، بينما كانت "ميساء" تعلم أن جسدها المشتعل رغبة وإثارة، هو الذي يجذب الفتى إليه، ولكنها على الرغم من توقها الشديد، كانت تحذّره، وتحاول زرع الصبر في نفسه، ولو إلى حين. إن "فروسيا" الشخصية الثانية في الرواية، تتسلل إلى بيت خالتها زوجة "رزق الله المخزومي" الرجل الوطني، الذي يقاوم المستعمر الفرنسي، بأسلوبٍ سريّ، لتقوم بدور الجاسوس، ورصد نشاطه في توزيع المنشورات السياسية الخطيرة على عمال الميناء، لجمع كلمتهم، وتشكيل قوةٍ سياسيةٍ فاعلةٍ، تناهض فرنسا وتقاومها، فينشأ صراع خارجي مكشوف، بين المخزومي، وبين "فروسيا" ابنة أخت زوجته، التي تقضي في بيته بعض الوقت، وتعمل على توطيد وجودها في البيت بإنشاء علاقة عاطفية، فجنسية، بينها وبين الشاب الخجول "فرح" فتقلب الواقع الشخصي، والأسري، رأساً على عقب: "هذه البنت نصف امرأة. إذا أُخذ العمر. مع ذلك، دوّختنا جميعاً، خربطت حياتنا، قلبتها سلة مشمش على أرض متربة" ص(128) إذ استطاعت بجسدها المثير، أن تُسقط "فرحاً" في حبائلها، وتجعله يهيم بها، فيلقى القبض على أبيه رزق الله، ثم يطلق سراحه، فيتشكك في أمر فروسيا، ويطلب من ابنه فرح تسقّط أخبارها فيفعل؛ وأما فروسيا، فبعد طول تتمنّع على فرح تسلّمه نفسها، انتقاماً من أبيه كما يقول، أو لجعله في صفها، ومن ثم إلى التشكيك فيه.. ثم بدأت تظهر شيئاً فشيئاً وظيفتها التي تجلّت في الرغبة بالانتقام من الوالد، الذي كان عصياً على الإغراء والسقوط، يقول "فرح": "في هذه اللحظة. نحن عاريان في الفراش. سمعنا قدحةً، خرج بعدها شرر كالومض. ثم اشتعلت ولاعة كانت مرفوعةً في يد أبي أضاءت الغرفة كلها. حاولت أن أستتر. أن أغطي جسمي العاري بأيّ شيء تطاله يدي، بينما ظلّت "فروسيا" ممدّدةً عارية، وأبي ينظر إليها، وهي تنظر إليه، والولاعة مشتعلة، والصمت الثقيل القاتل المميت، يخيّم علينا نحن الثلاثة، وعلى البيت كله" ص(227) وبهذا ينجح الجسد في اختراق عالم الأسرة الذي كان مجهولاً قبل دخول "فروسيا" ويؤدّي المهمة التي سُخّر لتنفيذها، والكشف عن خفايا العمل الوطني الذي يقوم به الأب، من داخل بيته، وقد أدرك "رزق الله" سرّ "فروسيا" التي اعترفت: "إنها فعلت ذلك انتقاماً من الوالد" فيجيبها "فرح": "أنت غلطانة. ليس هكذا يكون الانتقام". في حين كانت "ميساء" مجلوبة برغبة الأب للخدمة في القصر، فكانت وسيلة إغراء عفوي، وكان جسدها سبباً للخطيئة، ثم اللعنة التي حلّت بالفتى. وهنا تتباين مهمة الجسدين الأنثويين. ثانياً: البيت المقابل، قصة: لينا نعمة في بعض الكتابات يأخذ اسم الكاتب دوراً في جذب القارئ، لكن أسماء أخرى لا يكون لها ذاك الإشعاع الذي يصنع للكاتب هالة حوله، قد تستطيع أن تمسك بتلابيب القارئ فلا تتركه يفلت منها إلا بعد أن يأتي على آخر كلمة فيها، ومثل هذا الانطباع يمكن أن يتلبّس القارئ وهو يقرأ الكلمات الأولى من القصة، حيث تأسره براعة الاستهلال التي استعارتها الكاتبة من المسرح وتشكيلات بقعه الضوئية، وإسقاطها عليه وعلى الشخصية، ثم تتوالى اللقطات البارعة التي ما إن تنتهي فيها من مشهد حميمي حتى تأتي على مشهد آخر أشدّ حميمية، يخدم الحدث، ويضفي على الجو العام لمسات مرهفة المشاعر، لكاتبة لها عبارتها وصورتها المغرقة في الخصوصية. إن (الأنثوية) و(النسوية) واضحة اللمسات في القصة، بل تكاد تكون طاغية، تشغل معظم السرد بتلويناتها التي لا تسلّم مفتاحها إلاّ لكاتبة بالمفهوم (الجندري) لصياغة النص. من هذه التلوينات ذات النزوع (النسوي) نقرأ ـ على سبيل المثال ـ: "كما تنسى المرأة آلام الولادة" و"طفلة تلعب في حديقة بيت مسورة بشجرة ياسمين، كانت تقفز وتلقي حجراً أملس على مربعات مرسومة فوق البلاط" و"كان ثمة شاب وصبية يغادران نحو سيارة فارهة. دست الفتاة ذراعها في ذراع الشاب، وهي ترسم ارتجافها من البرد بهزات تموّج شعرها الغزير فوق كتفه بحركة غنج. سحبته من ذراعه...". يقوم السرد في القصة على التسلسل الطبيعي تبعاً لموقف الشخصية، ويستعين بالحوار المتقطع، ولحظات الاسترجاع لمراحل عمرية بعيدة، تغير فيها كل شيء، الزمان والمكان والناس، فـ(البيت المقابل) الذي حمل عنوان القصة، وشهد جانباً من فتوة المرأة التي تقدم بها العمر، غدا مطعماً، وأهله رحل بعضهم عن العالم الحي، وتفرق بعضهم في الأمكنة، وفي تحوّل المكان من بيت أسرة/ الخلية الأولى في المجتمع، إلى مطعم، دلالة على التحوّل الاستهلاكي في المجتمع السوري، لذلك تنشغل الذاكرة الحية بالاسترجاع من دون أن تحفل بالمستقبل، وهذا خاص بالمرأة المتقدمة بالسن التي تنتبه إلى خصوصياتها المتفردة، التي هي خصوصيات المرأة بصورة عامة، ولعل ما يلفت النظر في القصة تداخل هذه الخصوصيات في السرد لتخدم الحالة الاسترجاعية القائمة على الذكريات، والتي تغرق في تفصيلات وجزئيات مرهفة الدقة؛ من ماء ونظافة وزينة وذوق وطبخ وثرثرة وثياب وألوان وسوى ذلك من اللمسات الإنسانية، مما يشغل اهتمام المرأة، كما يظهر بعضه في المقبوس التالي: "كان داخل البيت مزدحماً بالوجوه في أمسية صيفية ملونة بالفاكهة المرصوفة بذوق في طبق من القش. مرت الجارات العجائز وهن يحدثن جلبة عالية، ويمضين استراحتهن في طريقهن إلى غرفة الجدة بالتوقف أمام التلفزيون الأبيض والأسود. لمحت ثوبها البنفسجي... عند النافذة. تذكرت أنها رأت منذ فترة الشاب الذي اعتاد المرابطة في النافذة المقابلة. كان يصحب طفلين، وبدا منهكاً جداً وهو ينظف أكفهما من دبق البوظة..". اشتغلت القصة على مستويين، المكان والزمان اللذين تدور الشخصية في فلكيهما: فالمكان بين الذكريات الذي تحول إلى مطعم عام، وربما هذا يزرع الخوف في نفس الإنسان الذي يمضي، ويجد غيره يبتكر أسلوباً يصرّ فيه على استمرار الحياة وديمومتها، وقد كانت اللقطة في البداية وصفية محايدة، ولكنها حملت في ثناياها بذور التحول والتطور، وقادت إلى المستوى الزمني عبر فواصل فراغية تمثلت في المنلوج الداخلي الذي يبعث فيه استرجاع الحياة الغافية، ومن ثم ليرسم مشهداً مؤثراً، فيقترب بشدّة من المنطق التعبيري السريالي حين تدخل الساردة المقبرة، وتتصور الجدة جالسة بأبهتها، تأمر وتنهي في الأموات... فيتحوّل كل شيء إلى أشباح توحي بعدمية الحياة ولا جداوها... ثالثا: الورقة، قصة: محاسن الجندي. تتحدث الكاتبة في القصة بصيغة سارد ذكَرٍ، وبضمير الغائب، مما أوقعها في مأزق التوصيفات والتفصيلات التي تحتاج إليها صيغة السرد بضمير المتكلم، وتوضيحاً لذلك يمكن القول إن الكتابة بصيغة المتكلم تمكّن السادر من التغلغل إلى أعماق الشخصية التي تبوح برغباتها وهواجسها، وهذا ما دفع الكاتبة للتعبير عن شخصية الزوج نيابة عنه، وكانت عالمةً بكل ما يعتمل في دواخله من همّ وهواجس وخوف ورجاء، فتصف هذه النوازع الداخلية التي لا يمكن أن يصفها إلاّ صاحبها بنفس المنظور الذي تصف فيه حركاته وملامحه الخارجية، وتسمع نجواه القلبية كما تسمع كلامه الذي يتحدث به على مسمع غيره. لكن اتكاء الكاتبة الأنثى على سرد قصتها بلسان الذكر، ربما هدفت فيه إلى القول إنها تريد أن تطرح رأيها بصورة حادة في هذا الرجل الذي أعطته دور البطولة في حياة الأسرة، وهي تتقصى انفعالاته، وتتقمص غرائزه، وتاريخه النفسي والسلوكي ومشاعره تجاه المرأة والطفولة، فتمنح الكاتبة نفسها رخصة الاندفاع عبر مجاهل الرجل، كاشفة عن مدى هشاشته من خلف شخصيته المهزوزة تجاه العالم المتحرك. تعرض القصة لحالة زوجٍ متشكك في سلوك زوجته / أم طفله الذي بلغ التاسعة من العمر، ويأخذ هذا الشك اتجاهات متعددة، ينتقل به من الشك بالزوجة إلى الشك بسلوك ابنه، فيربط بين طفولته الشاذة وطفولة ابنه (سالم)، ويغار من حب الطفل لأمه، من دون أن يقوم هذا الشك على أي معطى واقعي، مما يوقعه في قلق يقض مضجعه، ويسلمه إلى تداعيات محفورة في الأعماق توصله إلى (عقدة أوديب) فيمضّه التساؤل: ـ هل يحبها أكثر مني...؟ ـ طبيعي أن يحب الطفل أمه... إن شخصية الزوج / الأب مرسومة بعناية فائقة، ولعل بعض التحليلات النفسية العفوية تنم عن إطلاع الكاتبة على مدارس علم النفس، مما يمكن أن يدخل القصة في نطاق القصة النفسية التي برع في كتابتها في سورية (وليد إخلاصي) و(صدقي إسماعيل) الذي تجلت براعته في التحليلات النفسية في رواية (العصاة) وقد استطاعت القصة كشف أبعاد شخصية الزوج والوصول في نهايتها إلى كشف المفارقة التي هجست بها الشخصية من البداية، والتي انتهت بهزيمة أمام شكوكه، نتيجة اصطدامه مع نفسه، بعد أن كان قد صمم على الصدام مع الآخرين، وفي ذلك لعبة فنية جيدة تدل على تمكن وخبرة فنية، تجلت في التدرج الفني مع تداعيات الشخصية المتطورة لحظة فلحظة، حتى وصلت بها إلى قمة الشك فجعلتها تسقط بلا رحمة. رابعاً: قبور الغرباء. قصة: عدنان كنفاني ينقلنا العنوان، وهو العلاقة الإشارية الأولى، إلى جو سوداوي، فإضافة القبور إلى الغرباء يولد دلالة تحيل إلى الشتات والغربة والضياع والدمار والتلاشي، وهذا ما اشتغلت عليه القصة، فجسدته في حادثة موت المرأة الفلسطينية الغريبة (أم قاسم) وفي أثناء مراسم الدفن البسيطة، كانت سيرة حياتها تنبسط، وتبين معالمها من خلال انطباعات مجموع الأشخاص الذين واكبوا الجنازة، والذين لم يتجاوز عددهم العشرة. تستجلي القصة منذ بدايتها حتى النهاية معالم شخصية المرأة الإشكالية التي تشتت نفسيتها، كما تشتت أسرتها، فاستشهد زوجها بعد شهر من الزواج، وهدم منزلها بآلة الدمار الصهيونية، فقضت حياتها غريبة تنتظر عودة ابنها قاسم حيث رحلت عن وطنها، من دون أن تكتحل عيناها برؤيته. كما تصور القصة إضافة إلى فاجعة المأساة، مشاعر الأم المفجوعة بكل شيء، تجاه ابنها الغائب، الذي ملك عليها تفكيرها، وغدا عالمها الوحيد، وربما رمز القاص بعودة الابن الغائب إلى عودة المقاتل الفلسطيني المنتظر. إن المرأة الفلسطينية التي تمثل الشتات، تذخر شخصيتها بتاريخ القضية التي شرّدت من أجلها، لذلك كانت ملامحها وتصرفاتها تنم عن انفعالات واضحة الدلالات "إذا تحدثت تنضح عيونها الزيتونية بريقاً.."، "وإذا شدتها أطياف الذكرى تعود بك إلى زمن حالم ليس كمثله إلاّ في الحكايات المفرطة في تشكيل الصور المثالية.. وإذا فاض بها الشوق، وخاضت في بحر حياتها تسمع سرداً لأحداث غريبة عجيبة..". وقد اكتملت ملامح شخصيتها حين سلط الكاتب الأضواء على محتويات غرفتها التي كانت مزينة بصور القادة والمجاهدين إلى جانب المنمنمات الفلسطينية التي تنتقل مع الفلسطيني أينما حلّ وارتحل، كي تكون رموزها جاثمة أمام عينيه، ويظل الوطن ماثلاً في القلب. تثير القصة شجون القارئ بما تطرحه من إيحاءات دالة تدين من خلالها الأمة العربية وسلطاتها الانتهازية المتمثلة في المختار الذي يتاجر بالقبور ويسخر من الأموات. والمدقق في ملامح الشخصية المرسومة بعناية مدروسة، لابد أن يجد ثمة خيوطاً تجمع بين (أم قاسم) وبين مواطنتها (أم سعد) رائعة شقيقة الكاتب غسان كنفاني التي كانت أماً لكل مقاوم فلسطيني. خامساً: تحت الغطاء. قصة: زهير جبور يحمل العنوان في حديه تناقض المضاف والمضاف إليه، فالطرف الأول (تحت) رمز للتحتية والدونية، ومن ثم الانحدار والانحطاط في الميول والرغبات، وعكسها (الغطاء) الذي هو (فوق) ولكنه يحجب تحته ما يعتمل في الظلام، وبذلك يغدو الغطاء قناعاً مزيفاً لإخفاء الحقيقة، وهذا ما عزفت عليه القصة من ألفها إلى يائها، فشخصيتها الوحيدة / السارد الذي يتسلم منصباً إدارياً عاماً هو (فوق) وهو (غطاء) وهو (قناع) مزيف يخفي الحقيقة، لذلك يعمل على إزاحته، بعد أن تبين له أنه يبعده عن الناس الطيبين، الـ(تحت) الذين كان يرتبط بهم بصلات الصداقة والحب والعفوية والبراءة. تعري القصة الشخصية الانتهازية الوصولية التي تعشش في زوايا إدارتنا ومؤسساتنا، لذلك كانت القصة بمثابة صرخة الاستغاثة الأخيرة التي يطلقها الغريق قبل أن يهوي إلى القاع، وقد تمكن السارد بعد أن صحا عقله أن يتمرد على الأقنعة الزائفة والرموز الكرتونية التي تتشبث بكراسيها "غداً سأرمي ثوب الانتهازي كما يقولون، ولن أكون (الواطي) المتمسك بالمنصب والكرسي الذي لا يخدم إلاّ بقدر ما يقبض". القصة لون جديد من الخطاب القصصي الذي لا يهادن، صاغه الكاتب بشيء من الجرأة والصراحة التي نسمعها في الشارع تنتقد بروح المواطنة الواعية كل ما تمر به من نخر وتفكك. سادساً: حلم في رحلة قصيرة. قصة: محمود حسن. تتميز القصة بتماسك فني آسر، وقد جسدت فحوى عنوانها (حلم في رحلة قصيرة) فلم تخرج عنه قيد شعرة.. لأن الحلم كان حلم يقظة، يبدأ منذ أن يجلس السارد في مقعد السيارة بجانب امرأة، حيث تبدأ الرحلة من طرطوس حتى اللاذقية.. وكان وصفها بالقِصر مناسب لطبيعة الشخصية، التي يبدأ حلمها الحسي عندما يتلامس الجسدان، الذكورة والأنوثة، فتنداح المشاعر وتتأجج الأحاسيس، ويتمادى الجسدان في التناغم، فيستند إلى جسدها وتستند إليه، لذلك يتمنى أن يطول الطريق، ولا تنتهي الرحلة كي يظل في حالة حلمية مخدرة. تعيد القصة إلى الأذهان علاقة الأنوثة بالذكورة، هذه العلاقة التي تشغل حيزاً كبيراً من حياة الإنسان، إذ أنهما وجدا نفسيهما يتلاقيان على غير موعد، وكل واحد منهما عالم مجهول في وعي الآخر، إلا أن الجسد كانت له لغته الخاصة في التفاهم، ومدّ جسورٍ للعناق الحسي، فالتماس الجسدي، وهنا تقول لنا القصة بتحليل واعٍ، إذا كان الكلام هو الإفصاح أو التعبير عما في النفس بأجهزة النطق في الحلق واللسان والشفتين، فإن الجسد عندما ينطلق للعطاء لن يكون بحاجة إلى الكلام الذي يخرج من الفم، لأن للجسد أسلوبه في التعبير عما يضج في داخله بصدق لا يكذب، ولا يخفي ما به لأنه يكون خارج العقل، وخارج الإرادة وخارج الحدود والحواجز التي تكبح الرغبات، إنها لغة للجسد تشبه لغة الأحلام ولغة الأساطير التي تنطلق فيها أهواء الجسد بغير عوائق، فتعبّر بلغة العيون وفحيح الأنفاس، ورياضة الأعضاء، وموران المنخفضات والمرتفعات والمنحنيات بما تذخر به. وهل يستطيع أحد أن يمنع حركة هيجان الأرض، وصوت عصف الريح، وقصف الرعد عند حدوث شرارة البرق التي تنطلق من قطبين في لحظات الالتحام والاحتواء؟. ثم هل يستطيع أحد أن يحبس إيقاع المطر إلا صاحب المطر؟!. إنها اللغة؛ لغة الجسد الذي تبوح به العيون والشفاه والنهود والأطراف والجذوع والمشاعر والأحاسيس، فتصدر عن احتكاكها موسيقا وتنغيمات يستوي فيها الإنسان الغرّ، وصاحب الخبرة، الذكر والأنثى. إن القصة تحافظ على وحدتها العضوية بامتلاكها أدواتها الفنية؛ من عبارات خاصة بعالم الحلم اليقظ، لذلك لم تتشتت، وظل عقل الشخصية الرئيسية محصوراً في إطار حلمه الحي، وقد برع الكاتب في إغناء الحالة النفسية لسارده، إذ يأتي في المقدمة على حالة سيارات النقل في مرحلة متقدمة، وعادات الناس التي كانت تفسح في أنفسها مجالاً لاحترام المرأة، كما يأتي في نهاية القصة على استدعاء صورة مدير المدرسة بطربوشه التقليدي، ونظرته المحافظة للمرأة، وكذلك حال أم السارد، وقد خدمت جميع هذه الاسترجاعات الحالة التي تجسدت في تناغم الجسدين وتجاوبهما في هذه الرحلة القصيرة التي انتهت بمفارقة طريفة، حين همت المرأة بالنزول، وأراد السارد أن يلقي النظرة الأخيرة على مفاتن رفيقة دربه الحلمي القصير، فوجئ بها تحتجب، لكن تقاطيعها لم تخف عليه، وأُسقط في يده عندما لم يجد لها رقبة، فالرأس ملتصق التصاقاً تاماً بالكتفين، والصدر لا ينفر بالأثداء المثيرة، ولم ير في قوامها سوى اسطوانة متساوية الأبعاد من الكتفين حتى أسفل الوركين، مما زلزل الصورة الحلمية في نفسه، وفقد الجسد وهجه، وقد اكتملت الصورة حين صارت المرأة على الأرض بجانب رجل كان ينتظرها، يعتمر طربوشاً ويرتدي بدلة سوداء. إن الرحلة تنتهي كما ينتهي الحلم الوردي، وقد كانت المرأة جميلة عندما كانت في مشاعر الذكر مجرد جسد يثير الأحاسيس، وتغدو هيكلاً محبطاً تتداعى معه كل القصور التي بناها الرجل حينما يكتشف الحقيقة. وبعد: فماذا أرادت القصة أن تقول؟ قد تقول إن العلاقة بين الذكر والأنثى خارج إطار العلاقة الشرعية تعمل على إيجاد شرطي في النفس الإنسانية، وحين تتقارب ويزول هذا الشرطي تعمل ـ هي ـ على استدعائه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن العلاقة مع المرأة / الحلم، هي بعد تأمل شمولي لمعطيات العلاقة العابرة، ليست في النهاية سوى رحلة العمر، والملمح المكثف لحطام العالم البشري. سابعاً: لا يكتمل الزواج إلا بأربع. قصة: عوض سعود عوض. تضم القصة ثمانية مقاطع: يصور المقطع الأول: اهتمام العاملين في الفندق الضخم بالاستعداد لاستقبال (الشيخ متعب) وعند وصوله يحني المدير رأسه وظهره، ولم يستعد طوله إلا بعد أن تلقى الأمر بذلك. يصور المقطع الثاني: الراقصة البارعة في أداء عملها، ورغبتها في المشاركة في استقبال الشخصية الهامة، فتنضو عنها ثيابها. في المقطع الثالث: يشيح الشيخ وجهه عن الراقصة، ويأمر بسترها بعباءته. في المقطع الرابع: يطلب الشيخ فتاةً عذراء ليتزوجها طوال فترة إقامته، ولما كان الوقت متأخراً يشيرون عليه بالراقصة أو أي فنانة أخرى، لكنه يصر على "بنية صغيرة لائقة به" وسرعان ما عملت الراقصة على إحضارها، وكانت رائعة تساوي ضعف ما دفعه من مال، خلصها من ورقة التوت، ونقلها إلى عالم الفرح، لكنها وجدت أن جسدها لا يرتوي من الشيخ، فأقامت علاقة مع آخر، فطلقت. في المقطع الخامس: يكتشف الشيخ أن الراقصة هي السبب في خيانة محظية، فيأمر بطردها من الفندق، كما يأمر بالبحث عن فتاة جديدة بمواصفات أنثوية معينة. ما تلبث أن تأتي، وتوقّع العقد بخبث أنثوي لا يتناسب مع سنها الغض، ثم بدأت تبتزه بعد أن تدلّه بها.. حتى إذا ما مكنته من نفسها، نظرت إليه فوجدته وهو يغط في النوم، مثيراً للاشمئزاز، عندئذ لعنت نفسها ولعنت المال، وقد أضاعت كل شيء، وحينما دخلت إلى الحمام، وعاينت جسدها، تمتمت "متوحش أيها العاهر.." فبكت ثم خرجت هاربة لا تلوي على شيء. في المقطع السادس: تأتي الفتاة الثالثة، وكانت أجمل من سابقتيها، لكنها ما تلبث أن تقرر دخول عالم الجسد من أوسع أبوابه، فتتحول إلى عاهرة، بسبب عدم التكافؤ، وتحصل على ورقة الطلاق بعد عشرة أيام زواج. في المقطع السابع: تغريه امرأة بالزواج، لكنه ينفر منها، لأنه لا يريد أن يغلق باب الشرع الذي أباح له أربعاً. في المقطع الثامن: في المطار يبحث عن واحدة تسليه في السفر، فأراد إحضار الراقصة، فلما لم يجدها أمر بالبحث عن غيرها، وحين أتوا بها كانت الراقصة التي صعدت سلم الطائرة، وهي تهز خصرها. إن مجموع هذه المقاطع تشكل ملامح الصورة البانورامية لفتاة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، التي انكشفت ملامحها عن مؤشرات غريبة في التحلل والإباحية، وتخلخل القيم الاجتماعية، وتصم هذا المجتمع الاستهلاكي باللامبالاة بالمعايير الخلقية والدينية في المجتمع العربي الذي يتمتع بخصوصياته الإسلامية، فالفتيات ومن خلفهن أهلهن يقبلن الزفاف ممن يدفع لهن المال، ويتغاضين عن فروقات العمر والثقافة، ولديهن استعدادات للعهر لم تشذّ واحدة عن ذلك، كما أن الشيخ متعب رمز الثروة والرغبة، والذي يدفعه المال إلى غريزة التملك للأجساد الأنثوية الشابة، يغطي عمله بغطاء شرعي، بما يبيحه في قناعته من زواج المتعة، مع امتناعه عن الزواج القطعي، لأنه يريد أن يبقي الباب مفتوحاً على عالم الجسد... وثمة التفاتة هامة تنبه إليها القصة، تتركز حول المكان الذي يحتضن هذه الصفقات التجارية ذات القيمة العالية، وتشير بأصابع الاتهام إلى أن الفنادق المترفة هي أمكنة للترف غير المحدود، وبؤر لتجارة رقيق الجسد، ووسطٌ مناسب للخيانة والفساد الخلقي والاجتماعي. كما أن شخصية الشيخ متعب، وله من رمزية اسمه ما يوحي بأبعاد شخصيته المتورمة مالاً وشهوةً، على جانب من الوعي لإمكانية ما تقدّمه هذه الأمكنة له من خدمات، وثقته بمقدرة الوسط الذي يحل فيه على تحقيق رغباته وفق طقس شرعي يشكله حسب مشيئته، ولم يدرك، نتيجة الخيبات المتلاحقة في خيانة محظياته وهربهن، إنما يقوم به هو عملية اغتصابٍ، لعب المال فيها دوره لتذليل صعبها، وهذا مؤشر آخر على أن الذكَر في مجتمعاتنا الأبوية، هو المبادر دائماً إلى فعل الاغتصاب، وما يحدث في فنادق النجوم الخمسة، كما تصوره القصة، لا يختلف كثيراً عما يتم خارج حدود العالم العربي الإسلامي، فلم يكن لهذا المكان شيء من خصوصيته الشرقية إلاّ ما يريد القائمون عليه من إعادة اعتبار شهريار وليالي ألف ليلة وليلة. إن الشيخ متعب شخصية ذات ملامح نفطية، وما يحمله من أفكار عن المرأة في خارج إطار محمياته النفطية يعبر عن مدى تقمصه لشخصية شهريار الملك، والفارق بين الشخصيتين أن الشيخ هو شهريار عصري متحضر، لأنه لا يلجأ إلى القتل، وإنما يكتفي باستخدام سلطان المال لتظل فتيات المدن العصريات جداً يتهافتن على سريره كما تتهافت الفراشات على النار. إن القصة تقول أشياء كثيرة، ولكن الحيز لا يحتمل الزيادة لقصة جميلة وجريئة وضعت النقاط على الحروف. ثامناً: الصداع. قصة: غسان كامل ونوس. تتضمن القصة سبعة مقاطع: يرسّخ المقطع الأول: حادثة القتل العمد بإطلاق رصاصة على الرأس. ويوضح المقطع الثاني صداع سائق الآلية الثقيلة التي تعطلت، مع التلميح إلى قاسم مشترك بين صداع رأس الرجل وعطل الآلية. ويواصل المقطع الثالث مشهدية إطلاق الرصاص على رأسٍ آخر، لكنه صغير، وعدم التنفيذ يعني قتل الجلاد، مما أوقع السارد في إشكالية حادة، اضطرته لمراجعة طبيب أرشده إلى طرق للنسيان والاحتيال على الصداع، لكنه لا يحتمل لأن زوجته الحامل يمكن أن تلد طفلاً تسدد إلى رأسه طلقة. أما المقطع الرابع فيرصد استعداد العمال لتنفيذ عملهم في البناء مع توصية بخلو مكان الصب من البشر. ويؤكد المقطع الخامس على شدّة الصداع التي تثيره عملية قتل إنسان، وذلك بوضعه في برميل، وصب الإسمنت عليه حتى رقبته. وفي المقطع السادس تضاء أبعاد لعبة القتل والتصفية، مع ازدياد الصداع، والسفر المتواصل. وفي المقطع السابع والأخير يتبين أن سائق الآلية يدخل مشروعاً يكون هو رئيسه.. تشتغل القصة على لعبة الترميز الواضحة التي تظهر فيها شريحتان؛ شريحة العمال المسحوقة، وشريحة السادة، حيث تقوم العلاقة بينهما على مبدأ الأمر والتنفيذ، بين طبقة السادة والعبيد، ولم تكن الأوامر من أجل بناء حيوي تستفيد منه حتى الطبقة الكادحة، لكنها أوامر حاكمٍ لجلاد بتنفيذ أحكام جائرة، تقوم على التصفية، ودفن الناس أحياء، أو إرغام الإنسان على حفر قبره بيده. "لا تستغربوا حدث مثل ذلك في أحد الأعمدة الطويلة في سكة الحديد.. نزل الخبير ليتأكد من سلامة تحضير أحد العناصر، تأخر، نسي العاملون ذلك، أعطيت الأوامر بالصب.." و"رأيتهم يضعونه في برميل، يصبون حوله المجبول البيتوني إلى رقبته..!". و"كانوا يطلبون من الأسير أن يحفر حفرة على طوله، وحين ينهيها يتكوم فيها بطلقة واحدة في الرأس. طلقة واحدة.. ليس إلا..!". تتميز القصة بحركة الشخصيتين الرئيسيتين فيها؛ الأستاذ والعامل، في حيّز متسع جداً، ولما كان ثمة فارق طبقي أو ثقافي بينهما، فإن اجتماعهما في عمل واحد، اتخذ منه الكاتب ذريعةً لتوضيح طبيعة العمل الذي ينتهي بالتصفية الجسدية للآخرين، وكأن اختلال طبيعة الواقع العام تحيل إلى خلل في العلاقة الإنسانية بين الشخصيتين، إلا أن تقنية القصة قد اعتمدت على التوصيف الذي يتخلل المشهد الحركي، ويخدم الحدث الذي يبدو مأساوياً في نظر العامل / رمز الكدح الذي تقوم على سواعده أعمدة البناء، وقد جسدته استجداءات العامل للأستاذ عساه يريحه من هذه المهمة، متعللاً بالصداع الذي يعبر عن الصراع النفسي الذي يحتدم فيه نفسه، وكان نتيجة طبيعية لمعاناة العامل، ويشتد هذا الصداع مع توغل القصة في المكان البعيد الذي تتوجه إليه الشخصية للقيام بمهمتها، حيث تنتقل بطريقة القطع السينمائي الذي يكشف حال الشخصية في كل حركة وانتقال، ليوصلها في النهاية إلى باب المشروع، الذي يغدو ضرباً من المفارقة، أو الضربة القاضية التي تصدم الشخصية القصصية بما لم تتوقعه. وإذا كانت شخصية العامل رسمت بهذه الصورة التابعة، المغلوبة على أمرها، في واقع يذخر بالخوف والقتل، فإنها قد ظلت محجّمة في إطارها المرسوم لها، لذلك لم تعترض، ولم تحتج، وإنما ظلت مستكينة إلى لهجة الاستعطاف والاستجداء للإعفاء من العمل، ولم تتفاعل في استحضار الحدث الذي هدفت إليه القصة، كما أنها لم ترهص بوعي فكري أو غيري، أو توحي بحدث مرتقب في الأفق، مع أن القصة في البداية حاولت تعرية البيروقراطية الإدارية، ورمزت بالقتل إلى طغيان الأنظمة القمعية، فيما يدور حولنا في العراق وفلسطين، لكن ما رمزت به القصة إلى شخصية الأستاذ، فقد تحول عن دوره المعهود في القصة العربية، والسورية على وجه الخصوص، إذ كان الأستاذ / المعلم دائماً رمزاً للوعي والحرية والعلم، فغدا رمزاً، وأداة للسلطة القامعة، وربما كان في ذلك إدانة لمثقفي السلطة الذين تحولوا عن أدوارهم الأساسية في التنوير والتوعية. تاسعاً: انتظار المستقبل. قصة: حسب الله يحيى. بغداد. ما من قصة عراقية كتبت منذ العقد الأخير من القرن الفائت إلاّ أتت على الوضع العام لحالة المواطن، ورصدت ما يمسه أو يلمسه من انعكاسات اجتماعية ومعيشية، انعكست عليه وعلى من حوله. والأديب نظراً لكونه من الشريحة المثقفة، التي تحلل الواقع وتستقرئ أبعاده، فإنه من أوائل الناس الذين يكتوون بما يحيق بالوطن والمواطن، نظراً لحساسيته المفرطة تجاه ما يحس ويسمع ويرى.. لذلك جاءت القصة على حياة أفراد أسرة تشير إلى أن معظم أفرادها على جانب من العلم والثقافة، فالأب متنور واعٍ بحال ابنه وبناته، وربما خذلته ثقافته أمام مسالة سفر ابنه إلى الخارج مرغماً على الموافقة، لأنه قرأ ملامح اغترابه في الوطن "لكن مازن بات غريباً علينا وهو بيننا، يحب الصمت. "إلا أنه أمام مسالة خطوبة ابنته ومعارضتها وعدم موافقتها على من تقدم لها، يبدي وعياً جيداً، يؤكد فيه على حق البنت وحريتها في اختيار شريك العمر. كما أن البنت (ألحان) تتمتع بقدر من الوعي وحرية الاختيار، وتجد نفسها نداً للرجل، فلا تقبل أن يتحكم بمصيرها منذ الخطوبة، فكما أنه له رأيه في الاختيار، فإن لها رأيها الذي تعتز به أيضاً، وهو قوام شخصيتها، لذلك ما إن تجد ابن خالتها الذي طلق زوجته وقرر خطبتها حتى وقفت في وجهه، عندما قال: "أنتِ من أريد زوجة لي، لقد انفصلت عن زوجتي نهائياً، طلقتها، وجعلت الأولاد من نصيبها الآن. أنا حر. أستطيع الزواج منك. حتى شئت. عجبتُ لطلبه، أحسست به يصفعني، وأنا ضعيفة أصغي إليه من غير إرادة مني امتلكت أعصابي واندفعت إليه صارخة: ـ من قال لك إنني سلعة يمكن لك شراؤها وقت ما تشاء، وتستردها وتستبدلها كلما رغبت... من قال لك إن (أنغام) وجود لكائن تريده أو ترفضه حسبما أردت من جعلك تعتقد أن الصورة ناطقة وجامعة.. من.. من..؟! إن هذه المواقف التنويرية التي أتت عليها القصة، وهي كثيرة، هي التي تجعلنا نطلق على هذه الأسرة صفة الثقافة، وهذا يعني أنها تعاني أكثر من غيرها نظراً لحساسيتها المفرطة تجاه الأحداث، وما يحيق بالوطن والمواطن في ظل نظام داخلي وعالمي تدينه القصة بصورة غير مباشرة. يشير تاريخ كتابة القصة إلى مطلع عام 2002 أي قبل عامين من تاريخ نشرها، وهذا مؤشر واقعي على الأبعاد الاجتماعية، خلال فترة زمنية محددة، وهذا يعني إن حال الأسرة العراقية التي ترصدها القصة، على جانب من الاضطراب والتقلقل الداخلين وقد كان طبيعياً لأنه واقع المرحلة، مما أصابها بالإحباط، وحكم عليها بشيء من التفكك، ويمكن للقارئ أن يقف على كثير من اللمسات المؤسية الشجية التي تعبر عن بؤس المواطن العربي في ظل الأنظمة التي تدفع به وبعلاقاته الأسرية والاجتماعية والوطنية إلى التحلل، تجلّى ذلك في سفر الابن مازن الذي آلى على نفسه الخروج من الوطن، وإذا شئنا الهرب من واقع ممض، لكنه في مغتربه لن يكون إلا أشد غربة واغتراباً، حين يجد نفسه ضائعاً بلا أهل ولا وطن ولا عمل ولا مال.. مما يضطره للخنوع للقيام بأعمال كان يأنف من مجرد التفكير فيها. ثمة دلالات كثيرة تمد رأسها خلسة من خلف السطور، تلمح ولا تصرح، وتشير وتومئ بمعان لا حصر لها، لكنها تلتقي أخيراً عند هذا المواطن الذي يكتوي بنار اغترابه في وطنه وبين أهله، لذلك جسدت القصة الحالة الهيولية التي يصل إليها الإنسان المثقف الذي يجد نفسه إذا أقام في الوطن، فإنما يقيم على نار حارقة، وإذا تركه وهاجر إلى الخارج، فإنه كالمهاجر من الرمضاء إلى الجمر، وما بين الهجرة والإقامة، تنتهك حقوق الإنسان، فيعيش في عالم سديمي، لا تبين أبعاده، والتي عبر عنها الأب بموافقته حين أعلن الابن رغبته في السفر بقوله "أنا لا أريد لولدي أن يتنفس جواً ملوثاً.. ويموت بين يدي، وليس بوسعي علاجه مثل كثير من الأطفال الذي يموتون كل يوم، وهم في أحضان أمهاتهم وآبائهم.. وليس بالإمكان إسعافهم.. وأنا لا أريد لولدي أن يفتح نهاره على تعلم الكذب والغش والخديعة في المدرسة والشارع والسوق.. لا أريده أن يعرف أن حديقة كانت هنا، وقد تحولت إلى مكان فيه النفايات. وأن يعرف أن ملاعب الطفولة قد تحولت إلى قضبان للسجون أو أسلحة لزرع الخوف..". |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |