مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

اللغة العربية والتنمية ـــ د.وليد مشوِّح

قد يتساءل بعضهم عن علاقة اللغة بالتنمية. خصوصاً وأن الأخيرة تتعلق بسياسات الدولة الإدارية والسياسية والاقتصادية، وتقوم على حركة تصنعها جهات مختصة مثل: التخطيط، والاقتصاد والمالية والتموين وتابعات إدارية مثل: البنوك، والجمارك، ومؤسسات الزراعة والتجارة والسياحة ضمن روابط علائقية تهيئ ميزانية الدولة ووضعها في خدمة المجتمع والسياسة والأمن.‏

وبقدر كون التساؤل مشروعاً وصحيحاً؛ فإنه أسقط من حساباته ـ مهما كانت دقيقة ـ الشروط الغائية والمعنوية والأخلاقية، وأفرغ جوهره من الذات الانتمائية للفرد الذي يشكّل المجتمع.‏

فاللغة ـ في الحقيقية ومع قليل من التأمل وتفعيل العقل ـ هي الرابط الأساس بين حركة الاقتصاد وحركية المجتمع. وهذا ما يدفعنا إلى تقديم بعض التعريفات المعنوية في إطار تأريخية الإنسان في كونه الخاص.‏

والبداية ستكون من العصور الإنسانية الأولى، إذ خصت التنمية بحيوات المجتمعات عبر قدرة الفرد على تأمين متطلبات وجوده في كونه، صيداً وأمناً بما يعنيه من طمأنينة وابتعاد عن مواطن التهلكة، وكانت آلة الحد الأدنى، لغة تفاهم واتفاق وجهد في ظل لغة مشتركة مرسومة أو مصوّتة.‏

ومع تطور العصور الإنسانية ظلّت اللغة هي الأساس في كل عمليات التنمية والتقدم نحو أفياء الحضارة؛ بدءاً من صياغة النظرية بدءاً من فرضياتها، مروراً بمسوغاتها وانتهاء بنتائجها، كذلك فإن التنمية تحتاج إلى المصطلح برموزه كلها وهذا ما يحتاج إلى لغة إيصال مباشر إلى العقل الذي يتلقى الأمر بدوره (لغةً) ثم يعمل على ترجمته (عملاً وتنفيذاً). وهنا لا بد من الإقرار أن (ألف باء) التنمية تقيمه اللغة التي يحملها الإنسان منذ أقدم عصوره، ويضعها بتصرف العمل أو التطبيق.‏

أما ما يعنينا ـ في مثل هذه الفكرة المتعجلة ـ هو علاقة اللغة العربية، بتنمية المجتمع العربي على الصعد كافة.‏

اللغة العربية هي أساس التنمية أو هكذا يجب أن تكون، وبداياتها في هذا المجال تبدأ من تنمية الإحساس الفردي، لأن الحرف العربي يقوم على الموسيقى الصادرة عن شعور الذات الفردة فيها، وتآلف الموسيقى مع الشعور الفردي تعطي المعنى الذي سيتحول إلى محفّز للعقل كونه الأهم في تركيب الإنسان، والحروف العربية عبارة عن مصوتات تتوزع على ثلاث مجموعات تتوزع بدورها على ثلاث جهات أو مساحة موزعة على الجهاز النطقي في الإنسان؛ العميق، المتوسط، البدئي، أي الحنجرة واللهاة، اللسان، الشفة، مما يقود باطمئنان إلى نتيجة تقول: إن الحركة الأولى زمن اليقظة تكون من فاعلية الحرف لدى الإنسان، الذي يشكّل بالتعاون مع عقله الألفاظ بدلالاتها ومدلولاتها ودوالها المعنوية، ثم تأتي عملية الصياغة لرسم البعد المعنوي للحياة.‏

إذن اللغة تشكّل المعنى والعمل المستمر على تنميتها ينمّي الأحاسيس والمشاعر اللذان ينميان الإنسان ويخلقان جهده، الذي سيصب بدوره في تنمية المجتمع حيث الطموح في النتائج، وتعني؛ صناعة الرفاه والطمأنينة والسلام.‏

والملاحظ ـ بشكل قاطع ـ أن تطور اللغة أو كلما تطورت اللغة؛ تطورت الحضارة، وهذا يعني تطور المجتمع بكلّيته. وهو المقصود والمرتجى لأي سياسة اقتصادية تهدف إلى الارتقاء بالإنسان إلى مستوى زمنه المعيش، وبالتالي تحقيق مستلزمات الحضارة التي يطمح ويسعى إليها الإنسان في كل بقاع كونه الذي يعيش فيه وعليه.‏

فإذا افترضنا نكوص اللغة أو تراجعها أو انقراضها في مجتمع ما؛ فهل يستطيع المجتمع المعني أن يحقق تنمية دون لغة؟‍.‏

بالتأكيد أن اندثار اللغة أو موتها أو مواتها يعني موت الحوار بين ذاتين، ذاتٌ كونية، وذات لغوية، وذلك لأن الحوار سيموت، وعندما يموت الحوار يعني سيطرة الصمت، والصمت يعني توقف الحركة، وتوقف الحركة يعني توقف الحياة أي الموت. ولأن اللغة العربية لغة مبدعة، ومبتدِعة في الوقت نفسه، فإنها شرط أساس من شروط التنمية، وبالتالي هي لبنة أو مدماك أساس في بناء الحضارة التي ينشدها الإنسان، ليس في الكون العربي فحسب؛ بل وعلى الصعيد الإنساني بأكمله.‏

اللغة العربية لغة تنمية، لأنها أصلاً لغة متجذرة، ولغة نامية، تشكل شجرة، تعطي فيئاً تستظل بظلها الذات الإنسانية هنا وهناك، ولكن الشجرة أنّى كانت تحتاج إلى رعاية مثل: (قلب التربة وتسويتها، السقاية، التشذيب، هندسة الأغصان.. إلخ) لتظل المانحة الأساس للفيء، ولأن اللغة هي من أساسيات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ فإنها تحتاج إلى تنميتها، إلى فسح أو إفساح المجال لنموها، أن تأخذ حصتها المستحقة من معطيات التنمية بمعناها الاقتصادي، ومعناها السياسي، ومعناها الاجتماعي.‏

أما المسؤولية فتقع على الجهات: الثقافية، والفكرية، والتربوية، ولكن الأهم الذي تقع عليه المسؤولية فهي الجهة السياسية، تليها الجهة الاقتصادية. وهذا يعني أن نحتفي بلغتنا، والحفاوة تأتي من المتابعة، المؤتمرات، الانكباب على الدرس والبحث، اجتهاد مجمعات اللغة، الشراكة مع التقنيات الحديثة، المنهجة، الخصخصة، التطوير، نفض الرطوبة والعفن من على الجذر، رفعها إلى مستوى العصر، ووضعها بالتالي في خدمة العصر، وكما أن التنمية تحتاج إلى اللغة؛ كذلك اللغة تحتاج إلى تنمية، فهلاّ عملنا على تنمية اللغة، لتنجح غايات التنمية من أجل المجتمع، وثبات الهوية الانتمائية للفرد؟!...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244