مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المفارقات الزمنية في روايات غادة السمان ـــ أ.د.إبراهيم جنداري جمعة الجميلي- العراق

مدخل:‏

انطلقت الدراسات السردية (الشكلية) في تعاملها مع إشكالية الزمن الروائي من التفريق الذي أقامه "توماشفسكي" بين المتن، والمبنى، لتتطور هذه الثنائية فيما بعد، ويقدمها "تودوروف"، و "جينيت" عن طريق صياغة الثنائية المعروفة (الحكاية- القصة/ السرد- الخطاب)..‏

ويبدو أن الغرض الأساسي لإقامة هذه الثنائية، إدراج مبحث الزمن السردي في الدراسات التي تناولت الأعمال الأدبية، والتأكيد على الاختلاف القائم بين نظام الأحداث في الحكاية، وبين طريقة عرضها عن طريق السرد.‏

بدأ الروائي المعاصر يعي ضرورة التعامل مع الزمن المتكسر، حيث تتداخل الأزمنة الثلاثة (الماضي- الحاضر- المستقبل)، لذلك يبدو أن نظام التسلسل الزمني بصورة دقيقة يكاد يكون غير قابل للاستعمال في الرواية، لصعوبة التطابق التام بين أحداث الحكاية، وبين السرد، لذلك فإن الرواية (أو بمعنى أصح فن القص) تطورت من المستوى البسيط للتتابع والتتالي إلى خلط المستويات الزمنية من ماض وحاضر ومستقبل خلطاً تاماً، مما أدى في الرواية الجديدة إلى تداخل وتلاحم بين المستويات الثلاثة يصعب معها تتبع قراءة النص)(1).‏

إن ترتيب أحداث الرواية ومعرفة نقطة البداية للانطلاق مسألة غاية في الأهمية، تعتمد على الكاتب ومهارته في التعامل مع إشكالية الزمن وكيفية الاستفادة من التنافر القائم بين أزمنة النص الثلاثة (الماضي- الحاضر- المستقبل) مما يخدم هذا النص فنياً وجمالياً.‏

يتضح لنا أن في النص الروائي زمنين، زمن طبيعي تسير فيه الأحداث بشكل متسلسل، وهذا الزمن افتراضي ومستحيل حتى في أكثر أنواع القص بدائية، فهو محض افتراض، الغرض منه توضيح الحركة السردية والتشويه الذي يمارسه الروائي على هذا الزمن الطبيعي.‏

والزمن الآخر في الرواية هو الزمن السردي، الذي يظهر في النص الروائي من خلال تقنيات سردية زمنية.‏

إن هذا التشويه والتحريف الزماني الذي يمارسه الروائي على نصه لا يلغي الحدث، ويؤثر على دلالته بقدر ما هو ترتيب لهذه الأحداث "إن اللعب بالأزمنة داخل القصة، (...) عمل جمالي بحت لا يؤثر على الأحداث من حيث الماهية والوجود وإنما من حيث الصياغة والترتيب(2).‏

إن التداخل الزمني الذي ينتج عن تكسير خطية مسار السرد، ويلغي التسلسل والترتيب لأحداث الحكاية ويعرضها بطريقة تختلف تماماً عن طريقة عرضها في الحكاية يتم من خلال حركتين أساسيتين؛ تتجه الحركة الأولى من الزمن الحاضر (حاضر الرواية). إلى الوراء حيث ماضي الأحداث، وهذه الحركة الارتدادية نحو الماضي، تظهر من خلال تقنية الاستذكار (الاسترجاع)، أما الحركة الثانية فتتجه من حاضر الرواية أيضاً، ولكن اتجاهها يكون إلى الأمام عن طريق تقنية (الاستباق).‏

والحركتان تمثلان مفارقة سردية، تمنح الرواية حيويتها وفرادتها، وتخلق بناءاً روائياً يتقصده الروائي وبذلك نكون "إزاء مفارقة زمنية توقف استرسال الحكي المتنامي وتفسح المجال أمام نوع من الذهاب والإياب على محور السرد انطلاقاً من النقطة التي وصلتها القصة"(3) على الرغم من الاختلاف القائم بين الحكاية والسرد، فإن السرد ليس في الواقع سوى إعادة صياغة لأحداث الحكاية، للتنافر الواضح بين زمنيهما "فبداية السرد لا تتطابق مع بداية الحكاية ومساره لا يتطابق مع اتجاهها في الزمن التصاعدي، ومن هنا فالحكاية تتوافق مع السرد في الوقائع والأحداث، بينما يتميز السرد بوظائفه ومكوناته الداخلية، وأزمنته، وهكذا فالسرد يرتبط بالكتابة وبالسارد-الكاتب، أما الحكاية فهي المادة الأولية التي يمكن أن تتعدد من خلال جنس أدبي أو آخر لتصبح كتابة.‏

ينطلق السرد الروائي من الحكاية ليعيد بناءها عن طريق خلق الحوافز الدافعة لظهور حادثة إلى السطح، وسرد حكايات أخرى تتميز بالاستمرار، أو بالاستقلال النسبي عن الحكاية الأساسية (حكاية داخل الحكاية) وخلق النظام (المتتاليات السردية) والتقطيع أي النقلة الزمنية، أو تقطيع الحوار للسرد، وإيجاد العلاقة الكلية بين الأزمنة السردية"(4).‏

وفي بحثنا هذا سنحاول أن نقدم تفصيلاً لأنماط وبنيات هذه المفارقة السردية من خلال نماذج مختارة من الروايات الثلاث للأديبة السورية (غادة السمان) وهي (بيروت 75، كوابيس بيروت، ليلة المليار).‏

أولاً. الاستذكار:‏

عندما يوقف الروائي عجلة السرد المتنامي إلى الأمام ويعود إلى الوراء في حركة ارتدادية لسير الأحداث، لاستذكار ماض بعيد أو قريب، فإن هذه الحركة الناتجة عن الاستذكار لا تعد حركة اعتباطية، بخاصة من الروائي المعاصر المطلع على الأساليب الحديثة في الفن الروائي والنظريات النقدية الجديدة، وفضلاً عن الدوافع الجمالية التي بدأت تلح على الروائي في الآونة الأخيرة وبدأ يتوخاها، ويتوسل بالعديد من التقنيات والأساليب السردية لتحقيق الفرادة، وخلق عالم روائي خاص به، والعمل على زرع القلق والغموض والشك والتشويق لدى المتلقي، عن طريق تكسير الزمن الطبيعي للأحداث، وخلق زمن خاص بالرواية، هو الزمن السردي.‏

-مدى الاستذكار:‏

تختلف المدة الزمنية –من حيث بعدها أو قربها- التي يستغرقها الرجوع إلى الماضي، وتتفاوت بين ماضٍ بعيد جداً، وماضٍ بعيد نسبياً، وآخر قريب، وتسمى الفترة التي يستغرقها الاستذكار، عند ارتداده إلى الوراء، تاركاً مسار السرد التصاعدي بـ "مدى المفارقة".‏

وأول من حدد مدى الاستذكار هو "جينيت" فالمدى هو المسافة الزمنية الفاصلة بين اللحظة التي يتوقف فيها المحكي، واللحظة التي يبدأ منها الاحتلال الزمني. مثال: "قبل عشر سنوات فالاختلاف يبدو للقارئ واضحاً، عند مطالعته للرواية، فهناك استذكارات، تعود بالقارئ إلى ماضٍ بعيد جداً، قد يستطيع القارئ، إذا توافرت لديه قرائن أن يحدد المدى بدقة، أو لا يستطيع ذلك، عندما يعمد الروائي إلى طمس القرائن الزمنية التي تدل على تاريخ الاستذكار.‏

وهناك استذكارات أخرى، تعود إلى ماضٍ قريب، لا يتجاوز الأيام، وفي بعض الأحيان الساعات، ولكل من هذه الاستذكارات –سواء كانت بعيدة أم قريبة- فوائدها البنائية والجمالية. واعتماداً على المدى الذي يستغرقه الاستذكار عند ارتداد السرد إلى الماضي سنرصد ثلاثة أنواع من الاستذكارات في روايات غادة السمان. وهذه الأنواع الثلاثة هي:‏

أ. الاستذكارات ذات المدى الأسطوري:‏

الصفة الغالبة على هذا النمط، من الاستذكارات، إنها غير محددة، ومن الصعب جداً تحديد المدى الذي رجعت إليه، وترتبط هذه الاستذكارات، بحوادث تاريخية، وأساطير، وحكايات شعبية، غاية في القدم، وظفتها الكاتبة، في رواياتها، وهذا النمط قليل جداً، في روايات غادة، إذ لا يوجد في رواياتها الثلاث، سوى استذكارين، من هذا النمط نجده في رواية واحدة، وهي (كوابيس بيروت).‏

ومن أمثلة هذا النمط من الاستذكارات، هذا المقطع السردي "تذكرت الأساطير العربية القديمة، وتخيلت سيفي مسحوراً أستطيع أن أشطر به الفندق نصفين"(5).‏

ويبدو أن غادة تعزف على الوتر نفسه، إذ أن الأساطير، وكل شيء ممكن، وحصار الرواية واحتمال موتها برصاص القناص، فما هو مستحيل في الواقع الآني، ممكن الحصول في ا لأحلام التي تعتمد على الماضي، فالراوية (الشخصية المثقفة، والكاتبة الثورية) تعاني من عجز حقيقي، فهي سجينة (الدار/ الوطن)، مطعونة في إنسانيتها، وهذا الدار/ الوطن تحترق، وكل مظاهر الحياة الحضارية المتقدمة، ما هي إلا قشور، تخفي تحتها، التخلف والفقر والبؤس، والحرب الأهلية عرت هذه الحياة وكشفت عن الوجه الحقيقي لهذه الحياة الحضارية المزيفة، لذلك تحاول (الراوية) الهروب من هذا الواقع المخزي إلى (الماضي)، وقد يبدو للوهلة الأولى وكأن هذه الاستذكارات، دخيلة على النص الروائي، وغير منسجمة معه، ولكن الكاتبة استطاعت أن توظف هذا النمط، توظيفاً فنياً رائعاً، حيث يبدو الزمن (الماضي/ الحاضر) وكأنه متوحد، وتبدو الذكرى الماضية متجانسة –نوعاً ما- مع الأحداث الآنية.‏

ب.الاستذكارات ذات المدى البعيد نسبياً:‏

تمتد هذه الاستذكارات إلى عدة سنوات، وتقسم إلى:‏

1.المحددة‏

في هذا النمط تحدد نقطة الرجوع إلى الماضي بدقة ووضوح، ويشير إليها الروائي بصراحة ومن دون مواربة، متعمداً توثيق حدثه، ليضفي على هذه الأحداث نوعاً من الواقعية والتسجيلية، وهذا النمط من الاستذكارات قليل جداً في روايات (غادة)، التي يبدو أنها لم ترد أن ترتبط مع القارئ وبمدة زمنية محددة، بل أعطته حرية التأويل عند قراءته نصوص رواياتها.‏

ومن أمثلة هذا النمط من الاستذكارات ذات المدى البعيد والمحددة بدقة، الاستذكار الذي يقوم به (الساحر وطفان) لتاريخ أسرته، وهذا الرجوع إلى الماضي يأتي عن طريق حوار يدور بين الساحر وأحد الصحفيين.‏

"-نكاد نغلق العدد... أرجوك... رئيس التحرير سيخرب بيتي... لقد ارتفعت مبيعاتنا منذ قبلت استشارة النجوم عن طالع أبراج الناس.. إنها موضة العصر حتى في أوربا.‏

-إنها حرفة عتيقة تناقلها أجدادي وتوارثناها. أنا الأخير في الأسرة بعد عمي.‏

-ووالدك؟..‏

-جرب مصيراً آخر... رافق جيش الإنقاذ عام 1948 لتحرير فلسطين.. قتل هناك ولم تعد فلسطين.‏

-إخوتك؟‏

-إخوتي أيضاً جربوا مصيراً آخر غير السحر.. برقان وكنعان وغيلان.. كلهم جربوا شيئاً آخر"(6)‏

الحافز هنا الذي أدى بـ (وطفان) إلى تذكر تاريخ أسرته، أسئلة الصحفي، حيث يعود (الساحر) بذاكرته إلى ما يقارب الـ (34) عاماً، فالساحر يذكر أن تاريخ مقتل والده، كان أثناء حرب فلسطين عام (1948)، وأحداث الرواية تدور في صيف عام (1982)، أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، فمقتل والده مقترن لديه بضياع فلسطين، وخسارته لوالده الذي يمثل المحبة والحنان والأمان، تساوي لديه ضياع فلسطين، حيث فقد الأمن والاستقرار وعدو الأمس الذي اغتال أبيه وفلسطين، يغتال اليوم أحلامه ووطنه (لبنان) ودمر أسرته.‏

ومن هنا يتبين لنا أن الكاتبة، لم تستعمل الزمان، مجرد خلفية لإلقاء الضوء على ماض لشخصية قلقة وممزقة، بقدر ما كان الزمان، تواصلاً بين الماضي والحاضر، حيث يبدو أن الزمان وكأنه يعيد نفسه.‏

2.غير المحددة‏

هناك نمط آخر من الاستذكارات البعيدة المدى، وهو غير المحددة، وفي هذا النمط لا يذكر الكاتب، تاريخاً محدداً يساعد على تحديد مدى الاستذكار إنما يعطي للقارئ فرصة لأعمال فكره وتأويل النصوص، بمساعدة القرائن التي يذكرها الروائي في نصه، ويعتمد تأويل النصوص هنا، إلى حد بعيد، على ثقافة القارئ، ومدى اطلاعه على الأحداث السياسية، والثقافية، والاجتماعية وغيرها.‏

وفي روايات (غادة السمان) نجد أن هذا النمط هو الغالب، على النمط الآخر المحدد بدقة، ومن الأمثلة، التي توضح هذا النمط، الاستذكار التالي، الذي تقوم به (الراوية) في رواية (كوابيس بيروت)، وهي لا تذكر تاريخاً محدداً لهذا الرجوع إلى الماضي "حينما كنت صغيرة، كنت أقدم الوعود لنفسي في الفترة ما قبل الامتحانات العصيبة. كنت أقرر: إذا اجتزت الامتحانات بنجاح فسأفعل في الصيف كذا... وكذا... سأسبح... سأعتني برشاقتي... سأظل أنهض باكراً وأمارس رياضة المشي والسباحة وأظل أطالع، وسأعيد قراءة كتبي المدرسية للسنوات السابقة كي أزداد استيعاباً لها... وحين كانت الامتحانات تنتهي كنت أقضي الأيام اللاحقة لها في النوم والأكل ومطالعة قصص أرسين لوبين البوليسية"(7).‏

الراوية هنا لم تحدد تاريخ هذه المعلومات التي تقدمها لنا، مما يجعل من مهمة تحديد المدى تعتريها بعض الصعوبة، ولكن بالتعرف على بعض المعلومات المتفرقة في الرواية، نعرف أن (الرواية) لا تتجاوز عقدها الثالث، وكما يبدو فإن هذا الاستذكار يخص فترة المراهقة، مما يجعل من مدى الاستذكار يتجاوز العقد من الزمان تقريباً، والاستذكار يبين إلى أي مدى تحاول الراوية التغيير من مواقفها وأفكارها ومبادئها القديمة بمجرد انتهاء هذا الامتحان الصعب الذي تمر به (الحصار المفروض عليها)، وحيث أنها غير مقتنعة تماماً بأنها ستتحول عن مبادئها التي اعتنقتها على الرغم من صعوبة الظروف التي تحيط بها، لذلك تقدم لنا هذا الاستذكار محاولة الربط بين الماضي والحاضر.‏

المثال الثاني، يبدو فيه تحديد المدى صعباً جداً حيث تعود الذاكرة بـ (ياسمينة) إلى الماضي في مدينة دمشق، وبذلك نكون إزاء انتقال في الزمان والمكان من الحاضر إلى الماضي، ومن يخت (نمر السكيني) في مدينة بيروت إلى أحد بيوتات مدينة دمشق والغرض تبرير أفعال (ياسمينة) في بيروت "لم أخلع ثيابي بأكملها من قبل إلا في الحمام!.. وكنت أرتديها قبل خروجي مستترة بالبخار الكثيف والنور الشاحب... بلى.. خلعتها كلها في بيت رجل في دمشق. يومها أغلقنا الأبواب كلها. ومع ذلك ظلت أصواتهم تنزف من الظلام وترقص على الجدران محذرة من (الإثم) الذي سيقع.. كانت صيحاتهم وصيحات أمي تخرج من جسدي نفسه كأني مسكونة بهم. كلماتهم عقارب تغطي جسدي وتلسعه.. وصاياهم كائنات أسطورية كديدان المقابر تركض فوقي في الظلام وتأكلني وتطفئ شهواتي. وحين لمسني، انطلقت الأصوات كلها صارخة دفعة واحدة كجوقة رعب، ولعله سمعها، فقد عجز عن امتلاكي وانطلقت هاربة من بيته. ولم أره بعدها. ولم أكررها"(8).‏

جـ. الاستذكارات ذات المدى القريب‏

هذا النمط من الاستذكارات، يستعمله الروائي، لتسليط الضوء على مدة قريبة، حيث الماضي القريب، الذي ما يزال حياً في ذاكرة الشخصية، ويبدو واضحاً دور هذا الماضي في صنع أحداث الحاضر، وهذه الاستذكارات حالها كحال، الاستذكارات بعيدة المدى، من حيث كونها محددة وغير محددة.‏

1.المحددة‏

من أمثلة هذا النمط، الاستذكار الآتي، حيث تستحضر (ياسمينة) أحداثاً قريبة، وقعت لها في دمشق، وتحاول الكاتبة عن طريق هذا الاستذكار. أن تمد الجسور بين الماضي والحاضر والمستقبل، فالطائرات الإسرائيلية، التي تحوم (الآن) فوق بيروت، كانت في الماضي القريب تنشر الموت في مدينة دمشق، وفي المستقبل القريب ستعود لقصف بيروت "كالسلحفاة انكمشت. شعرت بأن رخاً شريراً كبيراً يحلق في الجو، يحجب عنها الشمس ويلقي بظله المكهرب فوقها... (لا يؤذوننا) وتذكرت كيف كانت تمطر طائراتهم موتاً فوق دمشق منذ أقل من عام.. وكيف كانت سعيدة الحظ لأن زجاج بيتهم فقط تحطم بينما اشتعل البيت الملاصق لهم. أرادت أن تقول له ذلك، فلم تجد صوتها"(9).‏

الاستذكار هنا محدد، حيث ترد عبارة، قبل عام، وتدور، أحداث الرواية في نهايات عام (1974) والقصف الإسرائيلي لدمشق ثم خلال حرب تشرين عام (1973)، أي أن مدى الاستذكار عام واحد.‏

ومن أمثلة هذا النمط، ما يرويه (أبو مصطفى الصياد)، عن مصرع ولده علي، حيث يعود بذاكرته إلى أول الصيف "كنا نصطاد أول هذا الصيف يوم جرب حظه للمرة الأولى مع إصبع ديناميت... كان الضرب موفقاً وخرجت له عشرات من الأسماك طفت على وجه الماء... قفز إلى الماء فرحاً وبدأ يرمي بالأسماك إلى القارب، ولكثرة ما استبد به الفرح حمل في كل يد سمكة كبيرة، وقبض بأسنانه على سمكة ثالثة وسبح بها نحو القارب. السمكة في فمه لم تكن قد ماتت بعد. كانت تتخبط. انزلقت إلى حلقه... واختنق... اختنق فعلاً... مات. بكل بساطة اصطادته سمكة بدلاً من أن يصطادها حملناه جثة وعدنا به إلى أمه... حاولت أن أقول لها إن ابننا مات ولكنها لم تفهم.. كانت في حالة مخاض تضع طفلنا الأخير، والعرق يبلل وجهها ذا العضلات المتقلصة بأقصى الألم والعمل وكانت تصرخ بقوة ليخرج طفلها إلى الحياة حياً، وجسدها كله ينتفض، وكنت أصرخ في وجهها: علي مات يا أم مصطفى!.. لم يبد عليها أنها قادرة على فهم عبارة (مات) في تلك اللحظة. وصرخ طفلنا الجديد صرخته الأولى وقد حملته الداية وحبل الخلاص ما زال يقطر دماً، وقالت أم مصطفى بهدوء التعب المجيد: فلنسمه علي!"(10).‏

وتبدو المزاوجة واضحة بين (الموت/ الحياة)، فموت علي، أعقبه مباشرة ولادة طفل آخر، أطلق عليه اسم (علي) أيضاً. فموت الابن ليس نهاية العالم، والطفل الصغير يمثل الأمل لدى الصياد الفقير، وبذلك استطاعت المؤلفة أن تصوغ شخصياتها "صياغة جمالية متميزة فبدت أسطورية –رمزية- واقعية في آن واحد"(11).‏

2.غير المحدد‏

النمط الثاني من الاستذكارات، قريبة المدى، الاستذكار غير المحدد، حيث لا يذكر الكاتب أي دليل أو إشارة تدل على تاريخ الاستذكار، وبذلك يحتاج النص إلى التأويل من قبل القارئ لأجل تحديد مدى الاستذكار، وهذه الاستذكارات تستعملها غادة بكثرة، في رواياتها الثلاث، بينما الطائرات الإسرائيلية تخترق أجواء بيروت يتذكر (فرح القصف الإسرائيلي) والناس لاهون عنها، بالقرد والقراد.‏

"دوى انفجاران متتاليان متلاحقان، ولكن الجمهور لم يرفع عينيه إلى السماء وإنما زاد حماساً في حث القرد على الرقص.. (إنهم يخترقون جدار الصوت معلنين عن وجودهم العدواني المتحدي ولا أحد ينتبه!) ولكن القرد حين سمع الانفجارات غطى وجهه بيديه وأقعى على الأرض مرتجفاً رافضاً الاستجابة لأوامر معلمه، وحين ضربه بالعصا ظل مغطياً وجهه وكأنه لا يريد أن يرى ما يدور.. دفن وجهه على الرصيف وأدار مؤخرته لكل جمهوره وصار يبكي بصوت حزين.. وانفجر الناس ضاحكين... ووجد فرح نفسه يردد: مجانين... مجانين.. وغطى وجهه بيديه.. واجتاحه الدوار إذ تذكر ما حدث له في دمشق حيث حلقت الطائرات الإسرائيلية نفسها (تعالت أصوات الجمهور مطالبة القرد بالرقص، وكانت حرائق دمشق تشتعل داخل رأس فرح، وتتناثر الجثث المتطايرة الأعضاء... ورائحة اللحم البشري الملتهب.. وصوت انهيار الجدران...)(12)..‏

يبدو واضحاً في هذا النص، سعي الكاتبة إلى صهر الماضي مع الحاضر، ومحاولتها مد الجسور بين الزمنين، لتبيان الأحداث الماضية في رسم الحاضر، ويبدو أن لا أحد في بيروت انتبه إلى الخطر، سوى، فرح، والقرد. والقرد هنا رمزاً يأخذ بعدين كما يرى أحد الدارسين "بعداً يتعلق بفرح نفسه وعلاقاته الذليلة المقبلة بنيشان الذي يستغله ويحركه كما يشاء كالقرد ليكسب من ورائه شهرته كمطرب الرجولة في الملاهي المختلفة وبعداً يتعلق بالناس اللاهين حول القرد، والذين يلعب القرد بعقولهم فيلهيهم عن واقعهم الذي تتهدده أخطار المستغلين وطائرات العدو الإسرائيلي المغيرة على الجنوب اللبناني. وتمرر غادة لعبتها الفنية بذكاء بارع، فالقراد يلعب قرده أمام (الهورس شو) المقهى الذي يجتمع فيه المثقفون: "إن دور معظمهم لا يختلف أبداً عن دور ذلك القراد"(13).‏

-سعة الاستذكار:‏

يقصد بسعة الاستذكار "المساحة التي يحتلها الاستذكار ضمن زمن السرد. فإذا كان مدى الاستذكار يقاس بالسنوات والشهور والأيام.. فإن سعته سوف تقاس بالسطور والفقرات والصفحات التي يغطيها الاستذكار من زمن السرد بحيث توضح لنا الاتساع التيبوغرافي الذي يمثله في الخطاب الخطي للرواية"(14).‏

ويختلف بحراوي مع جيرار جينيت الذي يرى أن مفهوم سعة الاستذكار هو المدى الذي تستغرقه المفارقة الزمنية من زمن الحكاية لا من زمن السرد.‏

ويرى بحراوي في سعة الاستذكار الحيز المكاني الذي يحتله في نص الرواية وليس المساحة التي يحتلها من زمن الحكاية، ويسوق أسباب اعتراضه على هذا الرأي "يعود مصدر الاختلاف مع جينيت إلى اعتقادنا بأهمية دراسة حركة الاستذكارات على محور الخطاب وذلك لأن تحديد السعة أو المساحة المكانية التي يشغلها الاستذكار في النص ليس ذا قيمة حسابية فقط، بل من شأنه كذلك أن يدلنا على نسبة تواتر العودة إلى الماضي والغايات الفنية التي تحققها الرواية من ورائه كما بوسعه أن يوضح لنا طبيعة التدخلات السردية التي تأتي لتعرقل انسياب الاستذكار بواسطة توقفات عارضة وذات إيقاع تصعب مراقبته"(15).‏

وتبدو الحجج التي يسوقها بحراوي منطقية إلى حد بعيد إذ أنه بتعامله مع تقنية الاستذكار بالطريقة التي يذكرها يخرج هذه العملية، من دائرة الإحصاء ويتعامل معها كتقنية حيوية ذات دلالات فنية في البناء العام للرواية فضلاً عن صعوبة تطبيق هذه التقنية على الحكاية من دون السرد لكون القارئ لا يعرف الحكاية لولا أن السرد لم يقم بتقديمها.‏

وتتفاوت سعة الاستذكار في روايات غادة الثلاث ما بين استذكارات قليلة وذات حيز مكاني صغير من حجم الرواية في (بيروت 75) إلى استذكارات كثيرة في (كوابيس بيروت) واستذكارات كثيرة جداً وطويلة ومتنوعة في الوظيفة والدلالة في (ليلة المليار) حتى تكاد الاستذكارات تشغل ما يقرب من ثلث الرواية، في رواية (بيروت 75) لا تشغل الاستذكارات مساحة مكانية واسعة على خارطة النص الروائي وسبب ذلك يعود إلى طبيعة هذه الرواية فهي صغيرة الحجم –109 صفحة- وطبيعة أحداثها وشخصياتها أيضاً المنشغلة تماماً بحاضرها من دون الالتفات كثيراً إلى الماضي. ولا يشغل أطول استذكار في هذه الرواية إلا صفحة ونصف، حيث يقوم فرح بتذكر أحداث قريبة حول علاقته الشاذة بقريبه الثري نيشان والحافز على هذا الاستذكار العجز الذي بدأ فرح يعيه ويبدو أنه مدرك لأسباب هذا العجز عندما فشل في امتلاك فتاة، ونلاحظ أن السرد انتقل من ضمير الغائب (الراوي) إلى ضمير المتكلم (الشخصية) حيث يقدم فرح هذه الأحداث بنفسه ليكشف عن أثرها في تكوين شخصيته الحالية، وبخاصة أن هذه الأحداث هي التي دفعت فرح في نهاية أحداث الرواية نحو مصيره المأساوي وهو الجنون "كنا معاً في الشاليه الخاص به. وكان البحر الخريفي في ذلك اليوم الصاحي يمتد أمامي أخاذاً ساحراً وأنا ككل أبناء دمشق وضواحيها أعشق البحر. وتخيلت أجساد النساء تغطي الرمل بصباها العاري طوال الصيف وأنا ككل رجال العالم أعشق النساء.‏

وكانت مائدة الطعام حافلة بلذائذ الطعام والشراب. ولعبت الخمرة برأسي، والشمس الخريفية التي لا تزال حارة رغم النسيم البارد. مفعول الخمرة في الشمس يتضاعف مرات، ولم أكن أدري ما إذا كنت ثملاً بالحياة أو بالكحول، وكان نيشان يتأملني بنظرة صارمة، فتذكرت كلمته عن الطاعة وقررت أن أنفذ كل ما يقول كي أستطيع شراء هذا اليوم المشمس على البحر بكل لذائذه ومباهجه. وتمددت قليلاً في الشمس على شرفة الشاليه تنفيذاً لأوامر نيشان الذي قال أن السمرة البرونزية شرط أساسي للجاذبية وأن اكتسابها جزء من عملي. في الحقيقة كنت أتمنى أن أركض على الشاطئ كحصان سعيد، لكنه أصر على أن السمرة المطلوبة يجب أن تتم وفقاً لتوقيت الساعة. ربع ساعة أتمدد على بطني. ربع ساعة على ظهري. ممنوع الانطواء كي لا تبقى في جسدي مواضع بيضاء البشرة. أنفذ كل الأوامر، وهو بين الحين والآخر يأتي بزيت البحر ليدلك لي جسدي. كنت ممدداً على بطني حين بدأ يدلك لي ظهري وفاح عطر الزيت الثمين. وكانت أصابعه تروح وتجيء على جلدي رقيقة ومرهفة كأصابع عاشق أعمى يتحسس جسد أنثاه ثم استحالت قاسية شرسة مثل محراث يدخل في التربة... ثم فهمت!... في الفراش كنت ثملاً ومدهوشاً في آن واحد. فالأمر لم يكن ممتعاً، لكنه لم يكن مزعجاً بقدر ما كان يخيل لي. لأجل الثراء والشهرة والمجد وأشياء الحياة السهلة والمجانية كل شيء مباح. ونيشان كان لحمه الكثيف المترهل يرتعش حباً وهو يقول: النساء لا يقدرن على منحي هذه المتعة أيها الرجل الرائع. سأسميك مطرب الرجولة. مع الرجولة أحس بالألفة. معهن أحس بالغربة. يمتعني أن أتحد وإنساناً أعرفه وأستطيع التحدث إليه وأشعر بأنه قادر على فهمي. وأنا لا أفهم النساء ولا يفهمنني، ولا فرق عندي بين أن أضاجع أنثى أو عنزة. أما الرجل فشيء آخر. شعرت أنه يحاول أن يبرر. وأحسست بشيء من الرقة نحوه، لكن شيئاً في داخلي كان يتكسر.. يتكسر.. وأحسست بأنني لم أعد أملك نفسي. لقد بعتها وإلى الأبد... إلى الشيطان!"(16).‏

ومن الاستذكارات الطويلة نسبياً في رواية (كوابيس بيروت) الاستذكار الطويل لدكان بائع الحيوانات الأليفة من قبل الرواية(17)، حيث هذا المتجر المخصص للسياح الأجانب والأثرياء العرب، هجره صاحبه وترك هذه الحيوانات لتواجه مصيرها بين الموت جوعاً، أو حرقاً، ويبدو أن قصة متجر الحيوانات الأليفة هي قصة رمزية تشابه من حيث الدلالة رواية جورج أورول مزرعة الحيوانات وهذه القصة الرمزية تشكل عالماً صغيراً يرمز إلى العالم الروائي الأكبر، الذي حاولت غادة أن ترسمه وتحدد ملامحه.‏

ومن الاستذكارات ذات السعة الكبيرة في روايات غادة مجموعة الاستذكارات الطويلة التي يسترجع من خلال الساحر وطفان تاريخ أسرته في مدينة بيروت(18). ويمتد هذا الاستذكار ليغطي أكثر من عشرة صفحات من حجم الرواية مع احتساب تدخلات وتعليقات الراوي والوقفات الوصفية، وتنتقل الذاكرة بوطفان إلى زمان ومكان مختلفين من جنيف وصيف عام (1982) إلى مدينة بيروت وأزمنة مختلفة من عام 1948-1956-1967 وهذا الانتقال المكاني والزماني له دلالة واضحة إذ يبين لنا مدى القلق والتمزق الذي تعانيه هذه الشخصية، والاستذكار يغطي تاريخ أسرته من مقتل والده في حرب فلسطين الأولى وزواج عمه من والدته ومقتل أشقائه الثلاثة ثم مقتل شقيقته أثناء الحرب الأهلية وتعلمه مهنة السحر وأخيراً سفره إلى سويسرا، والكاتبة لا تقدم لنا هذه الاستذكارات بشكل متسلسل ومتواصل بل تحاول أن تعطي للمتلقي ولشخصيتها (وطفان) فرصة لالتقاط الأنفاس عن طريق إيقاف عجلة السرد لوصف حالته، فضلاً عن التعليقات التي يقدمها الراوي.‏

-أنماط الاستذكار:‏

منذ صدور رواية ميرامار لنجيب محفوظ وخمسة أصوات لغائب طعمة فرمان والسفينة لجبرا وغيرها من الروايات العربية التي تأثرت بروايات فوكنر ولورنس داريل في الرباعية الاسكندرانية، بدا واضحاً أن الرواية العربية تتجه اتجاهاً آخراً للتخلص من هيمنة الراوي العليم ورؤية البطل المركزي إلى تعدد في الأصوات الروائية.‏

ويعود الفضل إلى الناقد الروسي باختين في اكتشاف الرواية البوليفونية (متعددة الأصوات) من خلال معالجته لروايات دستويفسكي.‏

وقد استفاد النقاد كثيراً من آراء باختين وبخاصة الناقد الفرنسي جان بويون وتودوروف وأوسبنسكي وجينيت الذين قدموا الكثير من المداخلات والآراء حول مسألة الرؤيا أو وجهة النظر (التبئير). يمكن لهذه الدراسة الإفادة من بعض هذه الآراء وتوظيفها في دراسة روايات غادة.‏

ميز سعيد يقطين بين نوعين معتمداً في ذلك على آراء الناقد لنتفلت(19):‏

1- الراوي غير المشارك في أحداث الرواية (براني الحكي)، وهو ما يسميه توماشفسكي بالسرد الموضوعي حيث يكون الكاتب عليماً بكل شيء عن شخصياته حتى أفكارها الداخلية.‏

2- الراوي المشارك في أحداث الرواية (جواني الحكي) وهو ما يسميه أيضاً توماشفسكي بالسرد الذاتي.‏

وفي تقسيمنا لأنماط السرد الاستذكاري في روايات غادة سنعتمد على هذه الآراء، وبذلك سيكون لدينا سرد استذكاري موضوعي، وسرد استذكاري ذاتي، وهذان النمطان الرئيسان يمكن تقسيمهما أيضاً إلى استذكارات موضوعية داخلية وخارجية، واستذكارات ذاتية داخلية وخارجية، بالاعتماد على تقسيم جينيت الذي يرى أن الاستذكار الداخلي ما له علاقة بالخبر الأساسي، والاستذكار الخارجي ليس له علاقة بالخبر الأساسي وتكون وظيفته الإيضاح فقط.‏

1.الاستذكارات الموضوعية:‏

وهذا النمط من الاستذكارات يقدمها الراوي غير المشارك في أحداث الرواية على شكل معلومات عن ماض لشخصية أو أحداث سكت عنها السرد فعاد لتقديمها وتقسم هذه الاستذكارات إلى:‏

أ.الداخلية: هذه الاستذكارات لها علاقة بأحداث الرواية الرئيسة وشخصياتها المركزية ومسارها الزمني متوحد مع مسار هذه الأحداث.‏

من النماذج المهمة لهذا النمط المعلومات التي يقدمها لنا الراوي عن حياة طعان الماضية "يوم تخرج طعان منذ أشهر صيدلياً، كان يتحرق للعودة إلى لبنان ومزاولة العمل، قرر أن يفتح في بعلبك صيدلية يسميها صيدلية الحنان أبرق إلى أهله يزف إليهم الخبر، ويحدد موعداً لعودته، ولكنه فوجئ ببرقية منهم تطلب منه عدم العودة، وتغفل حتى عن تهنئته بالشهادة! أذهله سلوكهم فأبرق إليهم بموعد عودته، واستقل أول طائرة إلى بيروت، في المطار فوجئ بقبضايات العشيرة في استقباله وبينهم من هو مطلوب من العدالة وفار من وجهها، ولا يظهر في الأماكن العامة إلا في الطوارئ. كانوا يضمونه بيد واحدة والأخرى في جيوبهم (.......) لقد اختار أن يكون صيدلياً انطلاقاً من رقة قلبه المفرطة التي حرمته حتى من أن يكون طبيباً أو جراحاً. إنه منذ طفولته يكره منظر الدم فقد فتح عينيه على بركة من الدم، دم عمه القتيل. ماذا حدث حتى يجيئوا إليه إلى المطار حاملين رائحة الدم والدمار؟ في السيارة سأل والده واستمع مذهولاً إلى حكم الإعدام عليه بجرم حمل شهادة جامعية! لقد قتل ابن عمك مرعب أحد أفراد عشيرة الخردلية، أخذاً بالثأر لعمك والقتيل كان يحمل شهادة جامعية ولذا قررت عشيرة الخردلية، أخذ الثأر على أن يكون القتيل من عشيرتنا أول شاب يفوز بشهادة جامعية. وتصادف أن كان هذا الشاب هو أنت"(20).‏

يبدو واضحاً في هذا المقطع الاستذكاري أن الكاتبة أرادت تمرير آرائها وأفكارها حول أسباب نشوب الحرب الأهلية في لبنان، والمعلومات التي تقدمها لنا الكاتبة لها علاقة وثيقة بالأحداث المهمة التي تخص حياة طعان وبخاصة قتله لشخص لا يعرفه فهذه الأحداث هي من دفعته إلى الخوف والذعر وبالتالي فإن هذه الصفات هي من جعلته يقدم على قتل السائح الأجنبي الذي توهم أنه يريد قتله.‏

ومن هذا النمط ما يقدمه لنا الراوي من معلومات عن اللوحة التي رسمتها دنيا الغفير في شبابها "ضيوفها كانوا يتحدثون إليها بشراهة وهي تهز رأسها بلطف كالدمية المزينة الصماء، ونظراتها معلقة باللوحة التي تتصدر الجدار خلفهم، والتي تمثلها قبل لقائها بنديم.‏

لقد كانت اللوحة آخر ما رسمت وعلى غرار الفنانين العظماء كلهم التي كانت تعجب بهم وتحاول أن تحذو حذوهم في ذلك الزمان الغابر، رسمت نفسها في (سلف بورتريه) مجسدة في لوحتها كيف ترى ذاتها، بل وكيف ترى الذات التي تتمنى أن تكونها."(12).‏

والمتتبع لأحداث الرواية يدرك التأثير الواضح الذي تركته هذه اللوحة في سلوك دنيا فيما بعد.‏

ب. الخارجية: وهذه الاستذكارات تقدم معلومات إضافية تتيح للقارئ إمكانية فهم الأحداث الأساسية، ومسار هذه الاستذكارات خاص بها لا يتحد مع مسار الأحداث الأساسية.‏

من النماذج التي توضح هذا النمط الاستذكار الذي يقدمه لنا الراوي عن حفلة جرت في رأس السنة حيث يتعرف القارئ على بعض الصفات لشخصية ليلى السباك عن طريق هذه الحكاية الجانبية "دنيا تعرف مدى لا مبالاة ليلى بتسريحة شعرها أو طيات سروالها (الجينز) الذي فاجأت به الحضور ليلة رأس السنة... والنساء متبرجات مرتديات أفخر الثياب الحريرية والمخملية والحلي والتيجان المربوطة إلى تسريحات شعر باهرة... يومها دخلت ليلى وحيدة بشعرها الأسود الكثيف الذي مشطته الرياح وزينته زخة مطر وقد ارتدت بنطلون الجينز وفوقه معطف قصير من فراء الفيزون الأسود المضيء (البلاك دايمند) سارعت إلى خلعه لتبدو في قميصها السبورت وأصابعها العارية من المجوهرات مثل طالبة هاربة من المدرسة"(22).‏

من النماذج الأخرى لهذا النمط ما تذكره الرواية في كوابيس بيروت عن ماض لطبيبة نسائية ويلاحظ في المقطع كيف تغلب رؤية الكاتبة وأفكارها على المادة السردية التي حاولت تقديمها "يوم اختارت مهنة الطب، بالضبط مهنة طب التوليد أعتبر عملها ثورة نسائية في الأسرة... الابنة الخجولة ستتحرر وستكون طبيبة؟ لم يكن أحد يدري أنها بذلك تكرس خجلها الغريزي من الرجل وارتباكها أمامه إلى حد عجزها عن تفجير طاقاتها الخلاقة كلها، وأنها اختارت الطب النسائي كي لا تمس أصابعها جسد رجل... فالمريض سيظل ذكراً بالنسبة إليها ولن تقدر على نسيان ذلك أبداً... إنها ببساطة عاجزة عن مسح ألفي عام من الجاهلية بشهادة جامعية يستغرق أعدادها سبعة أعوام... وقد اختارت مهنة الطب النسائي كي يقتصر تعاملها مع النساء فقط، فتريح وتستريح... كانت تمارس مهنة التوليد بميكانيكية قاطع تذاكر في باص مزدحم... وبإتقان أيضاً"(23).‏

وهذه المعلومات التي تقدمها الراوية لا علاقة لها بالأحداث الرئيسة في الرواية ولا بشخصياتها الأساسية أيضاً.‏

2-الاستذكارات الذاتية:‏

في هذا النمط تقدم الاستذكارات من قبل الشخصية المشاركة في أحداث الرواية، وتقسم إلى:‏

أ.الداخلية: من نماذج هذا النمط في روايات غادة ما تسرده الرواية –وهي من الشخصيات المشاركة في أحداث رواية كوابيس بيروت- عن حدث مهم في طفولتها، "كنت في الرابعة عشرة من عمري حين أمسكت بالإبرة وبيد لا ترتجف ثقبت شحمة أذني اليمنى أولاً، ثم اليسرى شعرت بألم خارق لكن يدي لم ترتجف ولم أتردد في ثقب اليسرى بعدها بثوان، حتى قبل أن تهدأ ضربات قلبي واندفاع الدم إلى رأسي لشدة الألم.‏

كنت قد وضعت الإبرة في النار وعقمتها. ولم أربط في ثقب أذني خيطاً ريثما يلتئم الجرح بل عقمت القرطين الذهبيين الصغيرين وتحليت بهما فوراً. تألمت أياماً ثم شفي الجرح"(24).‏

هذا المقطع الاستذكاري بكل تفصيلاته وجزئياته يتعلق بطفولة الراوية التي تحاول مد الجسور بين هذه الطفولة في الماضي ووحدتها والحصار المفروض عليها في الحاضر، والقاسم المشترك بين هذين الزمنين المختلفين، قوة الإرادة التي تتحلى بها هذه الشخصية.‏

والمثال الثاني الذي يوضح لنا هذا النمط من الاستذكارات في رواية (ليلة المليار) حيث تتذكر كفى مصرع ابنتها وداد وهذه الذكرى تلح كثيراً عليها فضلاً أنها كانت السبب الرئيس في هجرتها من بيروت "حياة جديدة؟ هل ثمة شيء كهذا؟ هل في مقدوري أنا أو أي شخص آخر إيقاف عربة عمري فجأة لأقول: هذه ليست دربي... وسأصوب مسارها ناسية عمري الذي مضى في درب خاطئة طوال الأعوام الماضية اللعينة؟ هل سأنسى يوماً طفلتي وداد التي تناثر لحمها الغض وتفاح البائع المتجول ودمه، ودم بقية الأطفال لحظة انفجرت القذيفة التي كانوا يلعبون بها (الكرة) بعدما وجدوها في (البورة) وخلفها لهم شجار لعين بين تنظيمين محليين؟ هل في مقدوري أن أنضو عني جراحي كما يخلع المرء ثوباً بالياً؟"(25).‏

هذا المقطع الاستذكاري الذي تستحضره كفى دائماً أسهم إلى حد بعيد في تغيير سلوك هذه الشخصية من النقيض إلى النقيض، من كفى المتزنة المخلصة لزوجها إلى شخصية أخرى باحثة عن المال واللذة بشتى الطرائق.‏

ب. الخارجية: من الأمثلة التي توضح هذا النمط استذكار نسيم الذي يعمل خادماً في بيت رغيد الزهران، لأحداث ماضية جرت في مدينة بيروت "كسر أبي قفل الباب الموصد للبيت الخاوي بمفك براغي سيارة التاكسي التي يعمل سائقاً لها ودخل وأسرته وكلنا يرتعد إرهاقاً وخجلاً... ويوم عودة المالك من جزر الباهاما حيث يقطن ومطالبته لنا ببيته غمرنا خجل وقح وبادرناه برفضنا غير المنطقي.. حسناً.. أنت تملك البيت ولكن لماذا ينام البيت خاوياً وننام نحن على الرصيف؟ أي وطن هذا الذي يسمح بنوم البشر في سرير الوحل بالحدائق العامة وثمة بيوت خاوية مختومة بشمع اللا مبالاة والسفر المترف؟‏

أنا محتل لبيتك؟ ولكنك أنت محتل لحقي في الحياة الكريمة، ومحتل لفرصتي في العمل التي يفترض أن تكون متكافئة وفرصتك... كلمات... كلمات(.....) أخوتي الصغار يلعبون كالوحوش ويخدشون مخمل آذان الجيران"(26).‏

على الرغم من أن الشخصية هي التي تتكلم هنا ولكن يلاحظ بوضوح ظهور صوت الكاتبة التي لا تمنع نفسها من التدخل وتمرير أفكارها الخاصة ضمن بعض المقاطع السردية، وعلى الرغم من استعمال الكاتبة لتقنية الأقواس والأحرف الكبيرة في روايتي (بيروت 75) و (كوابيس بيروت) بشكل متقن للفصل بين مستويين من مستويات السرد (الراوي-الشخصية) إلا أننا في رواية (ليلة المليار) نواجه بفوضى تسهم في إرباك القارئ وعدم التمييز بين هذه المستويات حيث تتداخل هذه التقنيات الطباعية بشكل يصعب الفصل بينها، بين كلام الشخصية وكلام الراوي الذي يثقل من كاهل الرواية بكثرة تدخلاته وتعليقاته.‏

ثانياً. الاستباق:‏

القفز من الزمن الحاضر (حاضر الرواية) ومحاولة الولوج إلى المستقبل، تقنية زمنية، تخل بالنسق الزمني، المتسلسل، لأحداث الرواية، وتجعل القارئ أمام مفارقة سردية، يتطلع من خلالها إلى الأمام، مشاركاً إلى حد ما في أحداث الرواية، وبذلك يكون إزاء تقنية لها تأثير كبير على حركية السرد، وتتابع الأحداث، والكشف عن خفايا الشخصيات.‏

من أهم الفوائد التي يحققها الاستباق، كمكون سردي، التمهيد لأحداث سيجري سردها لاحقاً، وهدفها إعداد القارئ لتقبل ما سيجري من تغيرات، وأحداث مفاجئة له، أو ظهور شخصيات جديدة على مسرح الأحداث.‏

والفائدة الأخرى للاستباقات، الإعلان "عما ستؤول إليه مصائر الشخصيات... مثل الإشارة إلى احتمال موت أو مرض أو زواج بعض الشخوص"(27).‏

-الاستباق كتمهيد:‏

من أهم الفوائد التي يجنيها السرد من الاستباقات، التطلع إلى الأمام، ومحاولة استكشاف المجهول، حيث تقوم الشخصية الروائية عادة، بتخمينات لما يدور حولها من أشياء مجهولة، تكون على شكل استفسارات، والاستباق هنا، ما هو إلا تمهيد وتوطئة لما سيحدث، حيث يعد الروائي، قارئه لاستقبال الأحداث التي سيقدمها لاحقاً.‏

ومن هذه الاستباقات التمهيدية، ما نراه في بداية رواية (بيروت 75)، حيث يقوم (فرح) بوضع عدة احتمالات لمعرفة، ياسمينة، وهو يراها للمرة الأولى، مسافرة معه في سيارة الأجرة نفسها باتجاه بيروت "تراها تلميذة في بيروت؟ إنها أكبر من ذلك. لعلها في الخامسة والعشرين. تراها ذاهبة لتشتري ثيابها كالبورجوازيات الدمشقيات؟ لكن أمها تبدو رقيقة الحال. تراها مثلي تفتش عن المجد"(28).‏

وعلى الرغم من أن (فرح)، لم يعد يهتم بهذه الاستفسارات، فيما بعد، وانشغل بأحلامه الخاصة ببيروت، ولم يعرف من هي (ياسمينة) وسبب سفرها إلى دمشق، إلا أن الكاتبة تعمدت تقديم هذا المقطع السردي، لكي تسوغ تقديمها، بعد ذلك مباشرة، معلومات عن شخصية (ياسمينة) فالاستباق كان هنا مجرد تمهيد لتقديم معلومات عن هذه الشخصية، وبذلك يكون قد حقق غايته، فحاول الكشف، عما كان مجهولاً للقارئ بواسطة تطلعات (فرح) محققاً في الوقت ذاته، متعة وإثارة لدى القارئ، عن طريق إشراكه في هذه التطلعات وأسهم في دفع الأحداث إلى الأمام، عن طريق التلاعب الزمني الحاصل من القفز إلى المستقبل، حتى وإن كانت المعلومات التي قدمها غير يقينية، ولم تتحقق فيما بعد، عندما كشف السرد تباعاً عن شخصية ياسمينة.‏

ومن أمثلة الاستباقات التمهيدية، ما تقدمه لنا (الراوية) في رواية (كوابيس بيروت) من أسئلة حول مصير شقيقها المفقود، الذي لا تعرف عنه شيئاً منذ غادر المنزل، "لكن! ترى أين هو الآن؟ هل خرج حقاً لإحضار الطعام، أم تراه رحل إلى الأبد؟... أم تراه يرقد على رصيف (الكليمنصو) القريب وفي رأسه رصاصة قناص؟"(29).‏

هذه الأسئلة، ترد في ذهن (الراوية)، وهي تضع إجابات مسبقة، عن مصير شقيقها، ويتبين لنا، مدى الحيرة والصعوبة، التي تواجهها (الرواية)، وهي تحاول القفز من الحاضر، إلى المستقبل، لأجل معرفة المجهول، بعد هذا المقطع الاستباقي يرد، مقطع سردي، ويبدو كأنه الجواب، على ما حاولت (الرواية) معرفته ولم تستطع.‏

"رن الهاتف... ركضت كالمجنونة.. ربما كان أخي.. لم يكن هو... كان صوتاً غريباً، وكان الصوت يقول: طلب مني شقيقك الاتصال بهذا الرقم وإبلاغك أنه في السجن!..‏

-في السجن؟ لماذا؟ ماذا فعل؟..‏

-لقد ألقي القبض عليه بتهمة حمل سلاح غير مرخص به!!..‏

وانفجرت اضحك وأضحك وأشهق بدموعي... يا بيروت... يا مسرح اللا معقول!!..."(30)‏

ومن الاستباقات التمهيدية المهمة في رواية (بيروت 75) هذا المقطع السردي "خرج فاضل بك السلموني من باب قصره في حي اليرزة الارستقراطي في بيروت، فسرت في الحديقة حركة غير عادية... ركض السائق وجاء بالكاديلاك فوراً من الكراج وتحلق حول البيك بعض ذوي الحاجات والتصق به مرافقوه يكشون عنه الناس الذين انتخبوه ذات يوم نائباً في البرلمان... أبعدوهم جميعاً إلا رجلاً عجوزاً ضئيل الجسد كان يصيح بصوت عال جداً لا يتفق وضآلة جسمه: قلت لك أن الإسرائيليين أحرقوا محصولي ونسفوا بيتي. تعال واسكن معنا في أراضيك وانظر ماذا يحدث! وكان صوته عالياً كأنه مجرد حنجرة كبيرة، كأن جسده وكيانه قد استحالا إلى حنجرة.. رد البك بصوت هادئ كالقضاء لا يرد: نصحتك مراراً أنت وأهل القرية بعدم إيواء المخربين ولم ترتدعوا... تسمونهم فدائيين وهم سبب خراب القرية! (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون(.‏

صرخ العجوز: وتستشهد أيضاً بآيات الله؟.. يا ويلك من!..‏

ولم يكمل الجملة فقد نزلت على وجهه لطمة أخرسته ربما لوقت طويل... وربما لانفجار قريب"(31).‏

المقطع الأخير هو الذي يتحقق فيه الاستباق التمهيدي، في هذه الكلمات القليلة تمهد الكاتبة لما سيحدث في مدينة بيروت من انفجارات دامية، وبوصف أن هذه الاستباقات لم تتحقق داخل العمل الروائي فإنها تبقى تمهيداً لأحداث لم تقع بعد وهذه الكلمات الست هي أخطر ما في الرواية كما قال أحد النقاد(32).‏

-الاستباق كإعلان:‏

بينما تكون المعلومات التي يقدمها الاستباق التمهيدي غير يقينية مقابلة للتحقق أو عدمه وضمنية فإن الاستباق الإعلاني "يخبر صراحة عن سلسلة الأحداث التي سيشهدها السرد في وقت لاحق"(33).‏

أي أن الإعلان عبارة عن إشارة واضحة وصريحة عما سيقدمه السرد لاحقاً وهذا النمط من الاستباقات قليل جداً في الرواية المعاصرة حيث يبدو وكأنه تدخلاً مباشراً من قبل الكاتب الذي لا يترك للمتلقي فرصة للتوقع والتأويل وبذلك ينهي فكرة الإثارة والتشويق، وتقسم الاستباقات الإعلانية إلى نوعين رئيسين هما:‏

1.الصريحة‏

وهي التي تتحقق فيما بعد ويتأكد القارئ مما أعلن عنه سابقاً وهذه الإعلانات تقسم أيضاً إلى نوعين:‏

أ.الإعلانات قريبة المدى:‏

وهي الإعلانات التي تتحقق مباشرة بعد الإعلان عنها ولا تكون هناك مسافة كتابية كبيرة بينها وبين موضع تحقيقها.‏

وفي روايات غادة السمان شواهد لهذا النوع من الإعلانات منها المثال الآتي حيث أن الراوية في نهاية كابوس (92) تتمنى أن لا تعود وتحلم بكوابيس من جديد "أشهد كيف يتحول الجسد الحي إلى كومة من الأعصاب النازفة المرمية على سرير بارد في الظلام، بينما تزدهر نبتة الكوابيس الوحشية وتنمو وتخرج من الأذنين والعينين والأنف والفم كما تنمو الديدان والطحالب على فوهات الجماجم والهياكل نصف المتآكلة في المقابر... لم أنم جيداً منذ عصور... طموحي الوحيد نوم بلا أحلام ولا كوابيس"(34).‏

فكأن منية الراوية هنا دعوة صريحة للإعلان عن قدوم كابوس جديد مباشرة حيث لا يتأخر ظهور الكابوس الآتي "ظهر المذيع على شاشة التلفزيون وبدأ يقرأ نشرة الأخبار كان يرتدي ابتسامة منشاة وثياباً كثياب رجال المافيا ويضع على رأسه قناعاً أسود ولا يظهر من وجهه غير ابتسامة وثقبين في موضع العينين يطلقان أشعة شريرة..."(35).‏

وبما أن الحادث الرئيس منعدم في هذه الرواية التي تعتمد على توالي الكوابيس التي تعبر عن حكايات جانبية لأناس عديدين فإن هذا المقطع السردي يدل على استمرارية تعايش الراوية مع الكوابيس البيروتية.‏

ومن أمثلة هذا النوع ما نجده في هذا الاستباق الإعلاني إذ أن ياسمينة تعلن في نهاية أحد الفصول –فصول هذه الرواية غير مرقمة- عن حيرتها فعليها أن تقرر أما الانتقال إلى شقة نيشان أو العودة إلى شقة أخيها "الآن عليها أن تقرر الانتقال إلى شقة نيشان أو إلى شقة أخيها. عليها أن تختار نهائياً بين أن تكون عاشقة فاشلة أو مومساً ناجحة. وتكومت على الأرض وأغلقت عينيها محاولة التقاط صوتها الداخلي الحقيقي..."(36).‏

وهذا الاستباق ما هو إلا إعلان واضح –على الرغم من الحيرة البادية على ياسمينة- عن عودتها إلى شقة أخيها وهو ما يتحقق مباشرة في بداية الفصل التالي "عادت إلى شقة أخيها لم يكن في حقيبتها نقود، فقد كف نمر منذ أسابيع عن إغداق المال عليها كجزء من خطته للتخلص منها وتسليمها لسواه، وهي خجلت من أن تطلب نقوداً من نيشان. لقد نسيت شقيقها في غمرة عذابها طيلة الأسابيع الماضية. ولم تكن على أي حال تملك نقوداً لتمنحه بعضها"(37).‏

الاستباق هنا أسهم في دفع الأحداث نحو الأمام ونموها حيث لاقت هذه الشخصية مصرعها على يد شقيقها بعد عودتها خالية الوفاض من نمر ونيشان.‏

ب. الإعلانات بعيدة المدى‏

النوع الثاني من الإعلانات الصريحة هو ما يتحقق بعد مسافة بعيدة نسبياً عن المكان الذي أعلنت فيه حتى أن القارئ يكاد ينساها.‏

من النماذج المهمة التي توضح هذا النوع، الإعلان الذي يقدمه رغيد الزهران أثناء حواره مع مدير أعماله عن نيته في تبني فتاة لتلميع صورته أمام الرأي العام وإظهاره بمظهر المحسن الكبير "علينا التفكير بوسيلة لتلميع صورتي أمامه... كأن أقوم بعمل إنساني ما أحيطه بهالة دعائية... كأن أنقذ امرأة جميلة من الموت بكل فروسية وشهامة.‏

-سنجدها وننقذها"(38).‏

ويتأخر ظهور هذه الشخصية حتى أن القارئ ينسى أمر هذا الإعلان الذي يتحقق بعد‏

(116) صفحة وهو أمر قياسي في روايات غادة "أعلن رغيد، بحرية الزهران نطق بالاسم وصمت قليلاً كأنما ليدرس وقعه الموسيقي وجرسه... لم يقل أحد شيئاً وإنما بدا الفضول في العيون المتطلعة إلى ما جاء في الصحيفة عن سيدة أو طفلة تدعى بحرية الزهران يبدو أن أمرها يهمه وتحمل اسمه وقد تكون قريبته..‏

تابع رغيد: بحرية الزهران فتاة فقيرة مهجرة أصيب المبنى الذي تقطنه وأسرتها ومئات المهجرين –على ذمة الجريدة- وطار بقنبلة تفريغية.. تحطم المبنى بأكمله على رؤوس الناس كما لو داسته قدم جني... البنت نجت، كانت فيما يبدو خارج المبنى، قادمة للاحتماء به أو راجعة إلى بيتها ويبدو أنها حين تهدم البيت رأته، ووجدوها تركض كالمجنونة حول الأنقاض"(39).‏

ونظراً للمسافة البعيدة بين الإعلان وموضع تحقيقه فإن هذا المقطع السردي يسبب الإرباك للقارئ ممتحناً في الوقت ذاته ذاكرته.‏

2.المغلوطة‏

يتم في هذا النوع من الاستباقات الإعلان عن أمر ما كظهور شخصية جديدة أو أحداث ثم يسارع السرد لنفي ذلك. وهذا النمط من الإعلانات نادر جداً في روايات غادة ومن أمثلته الإعلان الذي يرد على لسان فرح إذ يتمنى العودة إلى دمشق والزواج من رفيقته في السيارة "لو أعود. لو نعود معاً أنا وهذه المرأة البيضاء السمينة.. أتزوجها؟ ربما. نقطن في بيتي بدوما. أتابع الذهاب إلى مركز عملي بدمشق كل يوم حتى أموت. ستسمن. ستفوح منها رائحة الطبخ والشتائم. سأصير مديراً لبقية الموظفين وأصاب بالسل من تنقلي شتاءً بين دوما ودمشق بالروماتيزم أيضاً"(40).‏

وبعد أن يطمئن القارئ إلى أن فرح سيعود إلى دمشق يأتي الراوي مباشرة لنفي ذلك ويؤكد استحالة عودته "ابتعد عنها حتى كاد يلتصق بالسائق لا.. لا يريد امرأة ولا عودة.. يريد بيروت"(41).‏

ونلحظ أن هذا الإعلان على الرغم من عدم تحققه له تأثير واضح على شخصيات وأحداث الرواية فيما بعد حيث أن السفر إلى بيروت هو المحرك الرئيس لأحداث الرواية ولولاه لما لاقت الشخصيات ذلك المصير المأساوي في بيروت الذي تراوح بين القتل والجنون.‏

-أنماط الاستباق:‏

1.الاستباقات الموضوعية‏

يقدم الراوي غير المشارك في أحداث الرواية هذه الاستباقات على شكل توقعات لمستقبل الشخصيات وما سيجري في تغيير وتطور في أحداث الرواية، وتقسم هذه الاستباقات إلى:‏

أ.الداخلية‏

من النماذج التي توضح هذا النمط الاستباق الآتي الذي يقدمه لنا الراوي عن قاتل رغيد الزهران "يتمنى لو يعرف اسم قاتله... طالما استحلف الشيخ وطفان ليقرأ في كرته الزجاجية الشفافة اسمه... طالما أحضر له الزنجار والزرنيخ الأخضر والزنجفر والكافور والسنبل البغدادي وقلب ديك أزرق، ولبان ذكر وبزر ريحان وبخوراً ليكتب له اسم قاتله لكن الساحر اللعين –أو الجني الذي يتملكه- يسخر منه باستمرار ولا يكتب في المندل إلا اسمه رغيد، ولأنه يحب نفسه حتى العبادة ولا يمكن أن ينحرها، فقد وظف وكالة تحريات للتأكيد من أن أحداً من الذين يقتربون منه لم يحمل اسم رغيد يوم مولده"(42).‏

هذا الاستباق يقدم للقارئ عن طريق السرد الموضوعي عارضاً لأحداث ستقع في المستقبل لشخصية رئيسة من شخصيات الرواية، ولا يتحقق هذا الاستباق إلا في خاتمة الرواية عندما يموت (رغيد الزهران) غرقاً في حوض السباحة نتيجة لإفراطه في شرب الخمرة. وبذلك يكون لهذا الاستباق تأثير واضح على البناء الروائي العام.‏

وفي مثال آخر لهذا النمط تقدم لنا (الكاتبة) ما يشبه التنبؤ لمصير (ياسمينة وفرح) في بداية الروح "ياسمينة وفرح يتأملان بيروت من بعيد كطفلين مسحورين. يهبطان من السيارة، يسيران قليلاً إلى جانبها ريثما يتم السائق تبديل العجلة. وفي ضوء السيارات الكثيفة يبدوان هشين كأجنحة الفراش قبل الاحتراق"(43). ويلاحظ أن الاستباق موجود في المقطع الأخير إذ أن بيروت هي النار التي احترق بها الفراش الدمشقي في خاتمة الرواية.‏

ب. الخارجية‏

في هذا النمط يبقى السارد موضوعياً وتختلف الاستباقات مع البنية الروائية العامة، إذ أن علاقتها تنصرف إلى الأحداث الثانوية التي تنير الأحداث الأساسية في الرواية، من هذه الاستباقات الخارجية ما نراه في رواية (ليلة المليار) حيث يرى (خليل الدرع) ناقة في حديقة بيت آل الغنمالي –في سويسرا- ويتوقع موتها "غادر خليل المكان سريعاً، ماراً بالصحراء الاصطناعية الصغيرة، حيث مهمة الرجال منع العشب من النمو.. ولمح الناقة من بعيد.. بدت لـه نقطة بنية... تحتضر على ورقة خضراء"(44).‏

هذا الاستباق كبنية صغيرة لا علاقة له بالبنية الحكائية الأساسية ودلالته هي التي توضح تصرفات بعض الشخصيات كعودة خليل إلى وطنه، فخليل الذي هجر بلاده مرغماً لم يألف (سويسرا) ولا صقيعها، فهو كما يقول "ابن الرمال والشمس"(45)، لذلك عاد إلى وطنه مثله كمثل الناقة التي لم تألف برد سويسرا لذلك ماتت رغم الأجواء التي هيئت لها. وهذا النمط من الاستباقات قليل جداً في روايات غادة.‏

2.الذاتية‏

في هذا النمط تقدم الاستباقات عن طريق الشخصية التي قد تتوقع ما سيؤول إليه مصيرها، أو ما سيجري لها في المستقبل، وتنقسم هذه الاستباقات إلى:‏

أ.الداخلية:‏

هذا النمط من الاستباقات هو الأكثر ظهوراً في روايات غادة وهي ذات علاقة وثيقة بالبنية الحكائية العامة، وبشخصيات الرواية الأساسية.‏

في رواية بيروت 75 تقدم لنا (ياسمينة) استباقاً لما سيحدث لها في المستقبل "حين يأتي لن أسأله أين كان، ولن أعاتب، ولن أقول شيئاً... سأتابع خطة الانتظار والصمت... بانتظار سقوط المقصلة فوق رقبتي... أحس أنها هناك وأنها ستسقط ولكنني لا أستطيع مناقشته في ذلك ما دام ينكر باستمرار... كل ما أملكه هو أن أنتظر إعدامي كي أسأله بعد ذلك لماذا؟!"(46). على الرغم من أن هذا المقطع الاستباقي الذي قدمته الكاتبة –عن طريق ياسمينة- لتسويغ الخروج القسري لهذه الشخصية من الرواية، بمقتلها على يد شقيقها، يبدو أن هذا التصرف من قبل الكاتبة افتعالياً لتمرير أفكارها من جديد حول قضية المرأة، فالشقيق لم يثر في بداية الرواية عندما كانت (ياسمينة) تأتيه بالنقود وعندما اختفت النقود ظهرت الكرامة المهدورة التي من واجبه الدفاع عنها.‏

ومن النماذج الأخرى في الرواية الإشارات التشاؤمية التي يقدمها لنا (فرح) وكأنه يتنبأ بمستقبله في مدينة بيروت، حيث يربط بين ثلاث نسوة ذاهبات إلى مأتم وبين المصير الذي سيؤول إليه "لماذا ينتحبن هكذا؟ تراني ذاهباً إلى موتي وعرافات القدر يشيعنني ويبكينني"(47).‏

لا شك أن هذه البنية الصغيرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقات داخلية مع الحكاية الأساسية التي تدفع خمساً من شخصيات الرواية نحو نهايات مأساوية ومن ضمنها (فرح).‏

وفي مثال آخر تقدم لنا (الرواية) توقعاً حول قيامها بزيارة إلى دكان الحيوانات الأليفة، وهو ما يتحقق فيما بعد "لعلها بدأت تجوع. لعل الطعام في أقفاصها قد نفد. والماء أيضاً. حتى ولو أراد صاحب الدكان إطعامها لعجز عن ذلك في مثل هذه الظروف... لا أعتقد أن أحداً يمكنه الوصول إليها... ربما كانت قادرة على ذلك، إذا تسللت من باب بيتنا على الحديقة ومنها إلى نافذة المخزن الخلفية التي يوازي ارتفاعها سطح الأرض عند سور حديقتنا"(48).‏

ب. الخارجية‏

هذا النمط قليل أيضاً في روايات غادة، إذ أن الشخصيات قلما تقدم معلومات استباقية عن أحداث لا تهمها ولا تؤثر في مصائرها.‏

نقرأ في رواية (كوابيس بيروت) مجموعة من هذه الاستباقات التي تقدمها لنا شخصية (الموت) حول شخصيات ستلقى حتفها في مدينة بيروت، ونلاحظ أن هذه الشخصيات ليست رئيسة في الرواية، ولا حتى مصائرها تؤثر في أحداث الرواية الأساسية "سيارة إسعاف فيها عشرة مسلحين أحياء. سيوقفهم حاجز. سيقول السائق: معي عشر جثث أنقلها إلى المقبرة. يطلقوا على السيارة الرصاص. سيموت المسلحون العشرة وسيتابع السائق سيره إلى المقبرة فعلاً، وفي سيارته عشر جثث فعلاً، الرجاء أخذ العلم وإجراء المقتضى حالاً.‏

فاتورة: على الجسر المسمى باسمك (جسر الموت)... ستمر عشرات السيارات وسيطلق القناصون الرصاص على من فيها... سيارة مرسيدس تقل صحفيتين هما فاطمة وماري سيخطئهما الرصاص فلا تتعرض لهما مؤقتاً... المهم أن تتولى أمر بقية المارة جميعاً على جسرك هذا الصباح.‏

فاتورة: الحاج شبور سيصاب ابنه بالرصاص خطأً إثر معاقرته لرشاش حربي، وثلاثة من رفاقه الحاج شبور سيقسم أنه إذا مات ابنه الذي نقل إلى المستشفى بحالة خطرة فإن ثلاث جنازات أخرى سوف تخرج إلى الشارع مع جنازة ابنه: جنازات رفاقه الثلاثة! توجه فوراً إلى المستشفى للقبض ومر برفاقه الثلاثة أيضاً.‏

فاتورة: زين الحي قتل وستخرج جنازته ظهراً وسيطلق شبان الحي الرصاص بهذه المناسبة كما هي العادة في هذه المدينة، شبان الحي المجاور سيظنون الرصاص موجهاً إليهم وسيردون عليه بالمثل وستقع مذبحة شهية الرجاء تشريفنا إلى منطقة الاشتباكات والقيام‏

بواجباتك"(49).‏

الهوامش حسب ورودها في البحث:‏

(1)بناء الرواية: سيزا قاسم 27.‏

(2) الألسنية والنقد الأدبي: موريس أبو ناضر 58.‏

(3)بنية الشكل الروائي: حسن بحراوي: 119.‏

(4)السرد في روايات محمد زفزاف: محمد عز الدين التازي 19-20.‏

(5)كوابيس بيروت: 103.‏

(6)ليلة المليار: 141-142.‏

(7)كوابيس بيروت: 170.‏

(8)بيروت 75: 13.‏

(9)م. ن: 16.‏

(10) م. ن: 35.‏

(11)بيروت 75: بيروت الحلم والموت والجنون: إيمان القاضي: الموقف الأدبي (دمشق) ع‏

(215-216)، 1989: 94.‏

(12)بيروت 75: 19.‏

(13)بيروت 75: بين الذكرى والحدث والحلم: رياض عصمت: الآداب (بيروت) ع (7-8) 1975: 19.‏

(14)بنية الشكل الروائي: 125.‏

(15)م. ن. 126.‏

(16) بيروت 75: 64-65.‏

(17)م. ن: 14-15-16-17.‏

(18)ليلة المليار: 141-150.‏

(19)ينظر: تحليل الخطاب الروائي: 309.‏

(20)بيروت 75: 59-60.‏

(21)ليلة المليار: 24.‏

(22)م. ن: 191-192.‏

(23)الرواية: 191.‏

(24)كوابيس بيروت: 46.‏

(25)ليلة المليار: 18.‏

(26)م. ن: 59.‏

(27)بنية الشكل الروائي: 132.‏

(28) بيروت 75: 8.‏

(29)كوابيس بيروت: 59.‏

(30)م. ن: 61.‏

(31)الرواية: 46.‏

(32)غادة السمان بلا أجنحة: غالي شكري: 104.‏

(33)بنية الشكل الروائي: 137.‏

(34)كوابيس بيروت: 136.‏

(35)م. ن.‏

(36)بيروت 75: 86.‏

(37)م. ن: 87.‏

(38)ليلة المليار: 73.‏

(39)م. ن: 189.‏

(40) بيروت 75: 8.‏

(41)م. ن.‏

(42)ليلة المليار: 27‏

(43)بيروت 75: 10.‏

(44)ليلة المليار: 169.‏

(45)م. ن: 21.‏

(46)بيروت 75: 51.‏

(47)م. ن: 7.‏

(48)كوابيس بيروت: 69-70.‏

(49)م. ن: 176.‏

المصادر‏

أولاً. الروايات:‏

1.بيروت 75: غادة السمان: منشورات غادة السمان: بيروت: ط3: 1979.‏

2.كوابيس بيروت: غادة السمان: منشورات غادة السمان: بيروت: ط5: 1984.‏

3.ليلة المليار: غادة السمان: منشورات غادة السمان: بيروت: ط1: 1986.‏

ثانياً. الكتب:‏

1.الألسنية والنقد الأدبي في النظرية والممارسة: موريس أبو ناضر: دار النهار للنشر: بيروت: 1979.‏

2. بناء الرواية (دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ): سيزا قاسم: الهيئة المصرية العامة للكتاب: القاهرة: 1984.‏

3.بنية الشكل الروائي: حسن بحراوي: المركز الثقافي العربي: بيروت: الدار البيضاء: ط1: 1990.‏

4.تحليل الخطاب الروائي: (الزمن- السرد- التبئير): سعيد يقطين: المركز الثقافي العربي: بيروت: الدار البيضاء: ط1: 1989.‏

5.السرد في روايات محمد زفزاف /محمد عز الدين التازي/ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد: دار النشر المغربية (مشروع النشر المشترك) د. ت.‏

6.غادة السمان بلا أجنحة: غالي شكري: دار الطليعة للطباعة والنشر: بيروت: ط1: 1977.‏

ثالثاً: الدوريات:‏

1.بيروت 75: بيروت الحلم والموت والجنون: إيمان القاضي: الموقف الأدبي: دمشق: 215-216: 1989.‏

2.بيروت 75 بين الذكرى والحدث والحلم: رياض عصمت: الآداب: بيروت: (7-8) 1975.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244