|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أسئلة الغرافيتيا من الدلالات إلى الخطاب ( مدخل سوسيولوجي ) ـــ د.أحمد شَرّاك - المغرب عتبة / مستبقات: لقد نظر، وما زال ينظر إلى الغرافيتيا (الخربشة) نظرة دونية أو نظرة أخلاقية أو "اقتصادية، سواء في الغرب أو في العالم العربي، مما جعل مقاربة/ مقاربات موضوعتها وموضوعها وأسئلتها، مقاربة تكاد تكون منعدمة في العالم العربي على وجه مخصوص. إن هاته النظرات/ المسبقات تتمحور بشكل جلي على مستوى الغرب في الآتي: ـ الغرافيتيا باعتبارها تخريباً (Vandalisme). لقد نظرت السلطات الحكومية في أمريكا وأوربا إلى الغرافيتيا باعتبارها تخريباً للممتلكات العامة والخاصة، مما جعلها تنظم حملات "أمنية" وسن قوانين للزجر تتراوح ما ببين عقاب المحو والذعيرة والإكراه البدني، وفي هذا الصدد خصصت ضمن ميزانيات المدن الكبرى كنيويورك وباريز، خانة خاصة من أجل صرفها في حملات المحو والتطهير. ـ الغرافيتيا باعتبارها تحطيماً (iconoclasme). اقترنت الغرافيتيا أيضاً بالتحطيم، ويعني المصطلح هنا فعل التكسير والتدمير للصور الموجودة في الكنائس أو فعل الهجوم على المؤسسات والأفكار التقليدية والمقدسة كما يشير إلى ذلك القاموس الإنجليزي ويسبتير (Webseter). أما في العالم العربي فعادة ما ينظر إلى الغرافيتيا على أنها ممارسة لا أخلاقية تخدش الحياء العام، ومن هنا يمارس عليها المنع سواء داخل المؤسسات أو خارجها حيث تعكس ـ مثلاً ـ كل القوانين الداخلية للمؤسسات التعليمية الثانوية، هذا المنع من خلال تخصيصها لبند خاص يحرم ممارسة الغرافيتيا ويعتبرها فعلاً لا أخلاقياً ولا تربوياً ولا قانونياً، كما نشير إلى محاكمة عبد الله كريو، التي اعتبرته محاكم فاس في سنة 1977 رجلاً غير مرغوب فيه لأنه خدش جماليات مدينة فاس حيث خربش كثيراً من جدرانها (1). على صعيد الثقافة العالمة (وإن كانت غير مؤسسة علمياً كتخصص بالنسبة لهذا الخطاب) فإن هناك نظرات عابرة هنا وهناك ومن هذه النظرات من يعتبر أن الغرافيتيا خطاب عدواني يمارسه التلاميذ في المدارس ضد المؤسسة " كما أن هؤلاء التلاميذ يلجؤون إلى نوع من العنوان اللفظي الذي يعبرون عنه بطريقة الكتابة على السبورة أو على جدران الفصل".(2) تأسيساً على هاته النظرات تحاول هاته المساهمة إن تؤسس لنظرات أخرى وفق مقاربة علمية تمتح من المحتدى السوسيولوجي وإن كانت هاته المساهمة ليست إلاّ مدخلاً أولياً من أجل الاستئناس. 1ـ الأشكال اللغوي: 1 ـ 1 ـ الدلالات اللغوية: إن البحث في المستوى اللغوي للفظ غرافيتي Graffiti أو " الخربشات" باللغة العربية، قد يفيد في تحديد جانب من الجوانب الدلالية، واللغوية.. ولقد بحثنا في مجموعة من القواميس اللغوية.. (3) كمدخل إلى التجنيس والتصنيف وإثارة الأسئلة السوسيولوجية من أجل تأسيس بحث / علم حول هذا الخطاب الذي لم يدرس دراسة علمية رصينة ليس في المغرب وحده وفي العامل العربي، بل أن حتّى الدراسات في أمريكا لم تنجز إلاّ في بداية الخمسينات والستينيات، ولم تنجز الدراسات في فرنسا إلاّ في بداية الثمانينات، رغم أن خطاب غرافيتيا خطاب يعود إلى ما قبل التاريخ. بالنسبة لكل القواميس الغربية (فرنسية، إنجليزية، إيطالية) قد أجمعت على أن الغرافيتيا هي كتابات أو رسوم على الجدران وغيرها، وأن أصل الكلمة إيطالي (غرافيتو Grafito) وهي مشتقة من غرافيو (Grafiou) والذي يعني Poincon أي المِخْرَز أو المِثْقَف أو المِخْصَف... إن قراءة متأنية لهاته الدلالات، قد يفيد في تحديد الخطاب، ذلك أن الغرافيتيا في القوامس الأجنبية تحيل على مستويين اثنين: أ ـ مستوى المكتوب (كلمات، أسماء، شعارات ،عبارات....). ب ـ مستوى غير مكتوب ( رسوم، أشكال هندسية، فنون، أيقونات، خطوط...). ولعل هذين المستويين يحيلان على دلالة اطصلاحية خاصة، وعلى خطاب متشابك ومتداخل العلامات والإيقونات والكلمات... إن هاته الإحالة تجعل الترادف صعباً وربما مستحيلاً مع كلمة (خربش) في اللغة العربية، يقول ابن منظور في مادة خربش ـ خربش :" وقع القوم في خربش وخرباش أي اختلاط وصخب، والخربشة: إفساد العمل والكتاب ونحوه، ومنه يقال : كتب كتاباً مخربشاً وكتاب مخربش: مفسد،،، والخربشة والخرمشة: الإفساد والتشويش". وهكذا يبدو أن الخربشة في اللسان العربي مرتبطة أولاً وأخيراً بما هو مكتوب، بالكتاب أي بالإنتاج المطبوع أو المؤسسي...إن الإفساد والتشويش يصيب اللغة ( العربية كمؤسسة اجتماعية وكمؤسسة لسانية). إن الإفساد والتشويش هو حكم قيمة تجاه كتابة ما، كتابة لا ترضى عنها المؤسسات والقيم السائدة، ربما لمضامينها أو لمشاكستها أو (لعقوقها) أو لعصيانها لثوابت ما، ولنا في تاريخ الثقافة العربية مجموعة من الكتابات والإبداعات التي اعتبرت مفسدة ومشوشة إما للأخلاق أو للقيم أو للمكونات العقائدية (4). والتركيز على الكتابة في (لسان العرب) أمر مفهوم وبديهي (حتّى ) لسبب بسيط وهو أن الحضارة العربية هي حضارة كتابة ما عدا الخط العربي الذي لا يخلو من أبعاد تشكيلية وبصرية، بينما الحضارة الغربية هي حضارة بصرية بالدرجة الأولى. لعل هذا التحديد اللغوي ( وهو في الحقيقة يصيب في تحديد الخطاب) هو الذي جعلنا نحتفظ باللفظ في أصله اللغوي عبر تعريبه (غرافيتيا)، إضافة إلى كون لفظ خربشة في اللغة العربية يحمل شحنة انتقاصية واستهزائية حتّى، فضلاً عن كونه لا يحيل على الوسائل والدعائم (Les moyens et supports)، والذي تشير إليه كل اللغات الأجنبية، لكن هذا لا يمنع من استعمال لفظ خربشة ليس كإبدال دلالي وإنما من باب التنويع، وخاصة صيغة اسم الفاعل واسم المفعول (مخربش ومخربش بكسر الباء وفتحها) لصعوبة اشتقاقهما من الأصل اللغوي، وتفادياً للاستعمال الشائع أو السقوط في الحس المشترك من جديد عندما نقول مثلاً مغرفت ومغرفت ( بكسر الفاء وفتحها)... . 1 ـ 2 ـ لمحة تاريخية : (من الغرافيتيا إلى الطاك) Tag إن تاريخ الغرافيتيا تاريخ طويل جداً، يعود إلى ما قبل التاريخ، إلى الحضارات الرومانية وحضارة بومباي الغابرة على مستوى الغرب، وهناك من الباحثين من يشير إلى وجود الغرافيتيا في حضارة مصر الفرعونية، وتحديداً بالأهرامات خاصة أهرام الجيزة، حيث عثر على غرافيتيات مكتوبة باللغة الهيروغليفية، إلاّ أن حضارة بومباي هي التي عرفت كثافة وغزارة لا مثيل لها من الغرافيتيا، وهذا ما عبرت عنه إحدى الغرافيتيات التالية (أحتار يا جدار إذا لم أسقط بفعل الكثافة الغير المحتملة للكتابات الغزيرة التي تحملها ...) وهنا نشير إلى أن مجمل الدراسات التاريخية والأركيلوجية قد ركزت على هاته المرحلة في التاريخ والمقاربة، بينما ظلت المرحلة الممتدة ما بين العصور الوسطى ( القرن العاشر الميلادي خصوصاً) والقرن التاسع عشر مرحلة غير مدروسة بالشكل الكافي. قد نستمر في الرصد التاريخي وتحديد العقليات والذهنيات التي عبرت عنها الغرافيتيا في مختلف العصور، إلاّ أن الذي يهمنا أكثر هو القرن العشرون، حيث نسجل بأنه على مستوى الغرب يمكن الحديث عن ثنائية غربية، عن غرب وغرب، عن أمريكا وفرنسا، ذلك أن أمريكا كانت هي المصدر بينما شكلت فرنسا مَرْجعاَ، وبالتحديد لقد كانت دائمة مدينة نيويورك هي المصدر بينما شكلت باريس التابع والمرجع وهكذا ازدهرت الغرافيتيا في نيويورك في بداية القرن (العشرينات والثلاثينات، هاته الفترة التي ظهرت فيها الحركة الهامشية مع مدرسة شيكاغو، بينما ازدهرت بفرنسا في الستينيات (يمكن قراءة الفاصل الزمني؟) وتحديداً في سنة 1968 مرحلة الثورة الطلابية حيث عبرت الغرافيتيا، إن على صعيد اللغة وإن على صعيد الرسوم وإن على صعيد الأشكال الهندسية والتشكيلية عن شعارات هذه الثورة وعلى رأسها رفض المؤسسة العائلية والتحرر منها والدعوة إلى التحرر الجنسي وإحلال اللذة كشعار مركزي، من هاته الغرافيتيات يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر الغرافيتيا التالية : Prenez vos désires Pour les réalités Marx doit mourir Du plaisir pas du pouvoir Ne vautez pas.fautez ! La revolution cést l?rgasme لقد غزت الغرافيتيا كل الأمكنة، كل ما يخطر ببال الإنسان من فضاءات خاصة وعامة فأصبحت لغة للمدينة ولباساً لها، وبالنسبة لها، وبالنسبة لمدينة باريس ( خصوصاً) فقد كانت الغرافيتيا استيتيقا لكل الأمكنة ما عدا قصر الإليزي (5). إن ما يهمنا في هذه اللمحة التاريخية، هو ظهور نوع جديد من الغرافيتيا يسمى بالطاك (TAG) ولقد ظهر لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية (المصدر دائماً) خاصة ولاية نيويورك في السبعينات و (وصل) إلى فرنسا، إلى مدينة باريس بشكل مخصوص في سنة 1986. إن أهم ملمح يميز هذا النوع الجديد من الغرافيتيا هو الوسائل التي يعتمد عليها في (الكتابة) و (التصوير) و(التشكيل)، وهو تطور تكنولوجي في الخط الأول، أي أن الغرافيتيا تطورت من استعمال الوسائل " الكلاسيكية" إلى وسائل متطورة كالآلات والقينينات (Les bombes )، والطاك كلمة غزت القاموس التداولي بين الناس إلا أني لم أجد لها أثراً في أي قاموس، إلا في المجلات والصحف خاصة الصحف الفرنسية التي واكبت هاته الفترة من ظهورها، وهكذا فإن الطاك (Tag) ينسب إلى أصحابه الفاعلين (Les Taggers) والكلمة مشتقة من لغة التداول الأمريكية وتعني التوقيع أو الشعار(6). إن الانتقال من الغرافيتيا إلى الطاك، هو انتقال من زمن إلى زمن، ومن ثقافة إلى ثقافة، انتقال من زمن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ليس على مستوى الوسائل فقط كما ـ ذكرنا ـ بل وكذلك على مستوى الدعائم والركائز من دعائم ثابتة ( الجدران، البنايات ، الكهوف، السجون، القبور... إلخ ) إلى ركائز متحركة كالسيارات والشاحنات وخاصة قطارات الأنفاق في نيويورك وباريس وغيرهما من المدن العالمية، انتقال أيضاً في الأشكال والمفاهيم حيث ظهر فن تشكيلي جديد تميز عن كل المدارس التشكيلية من سوريالية وتكعيبية ... وهو فن الغرافيتي (7). 2 ـ الأشكال الإبستيمولوجي: 2 ـ1 ـ الغرافيتيا والمرجع: إن الغرافيتيا خطاب مركب على المستوى اللسني والرمزي والخطي والفني تتداخل فيه مجموعة من الدلائل، إنه ملتقى الأبصار (الأبصار بمعنى العقول وبمعنى الرؤية البصرية بالعين) خطاب متراتب ومتراكب في نفس الوقت، تتراتب وتتراكب الأنظار، من نظر لغوي ونظر أيقوني ونظر فني ( رسم وتشكيل) ونظر بصري (أشكال هندسية، علامات حسابية وخطوط وألوان) كما تتراتب وتتراكب فيه الأنظار على مستوى التلقي ( قراءة ومشاهدة) من المواطن عادي إلى عابر السبيل إلى القارئ،إلى القارئ المتخصص، مفتوح على المجتمع، كل المجتمع بما في ذلك المجتمع غير المؤهل لتهجي الحروف والكلمات، باعتباره خطاباً قبل كتابي وهنا يكمن تميزه. صحيح أنه يشبه إلى حد ما المسرح والسينما (8). على مستوى تداخل الخطابات التي تؤسسه وتشكله، إلا أن الفرق (والفرق صادم حقاً) لأن الغرافيتيا خطاب غير مؤسسي، غير معترف به من الثقافة والمجتمع كما هو الشأن بالنسبة للمسرح والسينما. يمكن أن نحدد ـ بشكل مختصر ـ مرجعياته (وتشكيلاته الخطابية ) في الآتي: أ ـ خطاب لغوي : يستعمل اللغة في التواصل والتعبير في تداخل واضح ما بين الخطاب الإشهاري خاصة الإعلانات (les enseignes) والخطاب الأدبي كالشعر والرواية والسيرة الذاتية (9). كما أن له علاقة خاصة مع الخطاب السياسي والإيديولوجي والجنسي. ب ـ خطاب متعدد الدلائل: له علاقات خاصة مع الوشم والحناء والنسيج (Le tissage) خاصة الزريبة، والخط والأشكال الهندسية والعلامات الرياضية أو الحسابية. ج ـ خطاب فني: له علاقة خاصة مع فن التصوير الشعبي والفنون الأولية (الرسوم) والرقص خاصة ما يسمى عند الأمريكيين بالبريك دانسينج (Brek Dancing) والسمورف وموسيقى الراب (Rap) (10). 2 ـ 2 ـ الغرافيتيا ومسألة الحدود : أ ـ حدود لسانية: هناك إشكال يتعلق بتحديد وتعريف الغرافيتيا في علاقتها باللغة والخطاب ونقصد بهاته العلاقات، هل الغرافيتيا تعبير، أم تواصل؟. هناك موقف يعرف الغرافيتيا في إطار علم التواصل معتبراً إياها تواصلاً (communication ) أكثر من تعبير (11)، وانطلاقاً من هذا التحديد فإن التحليل المقترح لدراستها هو التحليل السيميولوجي انطلاقاً من علم التواصل وبناء على تحديد العلاقات ما بين المرسل والمرسل إليه والخطاب/ العلاقة بينهما، إلاّ أن تواصل الغرافيتيا هو من نوع خاص تبعاً للطبيعة الخاصة للمُرْسِل، و التداخل الموجود بين المرسل والمرسل إليه وذلك في غياب مرسل رسمي أو مؤسسي كما هو الشأن في الكتابة المطبوعة من هنا فالكل مرسل والكل مرسل إليه، وتأسيساً على هاته الملاحظة وانطلاقاً من أن التواصل لَعِبٌ فإن المخربش ـ في هذا السياق ـ يعتبر لاعباً شارداً (12). إن الغرافيتيا في نهاية التحليل ليست تواصلاً بالمعنى المؤسسي المتعارف عليه وإنما هي تواصل مفارق (13)، إن على صعيد طبيعة المرسلين، وإن على صعيد دعائم وركائز الغرافيتيا، وإن على صعيد الوسائل بل وأكثر من ذلك على صعيد الخطاب الخاص والمخصوص. وفي المقابل هناك من يعتبر الغرافيتيا تعبيراً (expression)، بل وتعبيراً حراً وأن هذا التعبير الحر، له وظيفة إخبارية وتبليغية للرأي، أو وظيفة سحرية/ دينية (14). في الواقع، أنه لا يمكن الحسم بين كون الغرافيتيا تواصلاً أو تعبيراً نظراً لتداخلهما ونظراً لصعوبة الفصل بين التعبير والتواصل، ومن جهة أخرى إن تحديد الغرافيتيا من هذه الزاوية يعكس بطريقة غير مباشرة بل ومباشرة، المنظور اللسني للظاهرة، ليس على صعيد التحديد فحسب، بل وأيضاً على صعيد التحليل والمقاربة، حيث ينظر الدارس إلى الغرافيتيا كخطاب لسني، فينصب التحليل على الجانب النحوي والتركيبي واللغوي بصفة عامة. ب ـ حدود وصفية شاملة: إن ما نقصده بهذه الحدود، هو الرصد والوصف للغرافيتيا كما هي، كمعطى وضعي وليس كخطاب معياري وإن كان الوصف والرصد بدورهما لا يخلوان من تسرب ذاتي في المعالجة وفي زاوية النظر، وفي هذا الصدد هل يمكن أن تعتبر الغرافيتيا لغة؟ أم نصاً؟ أم فناً؟ أم خطاباً؟ أم رمزاً؟ .جواباً على هذه الأسئلة / الإشكالية يحدد الباحث الفرنسي أونج ليوندري (15) الغرافيتيا انطلاقاً من مجموعة من الأبعاد أو الخصائص التالية: ـ الغرافيتيا مجموعة من الأنظمة الغرافية (Systémes graphiques) للمجتمعات المعاصرة. ـ الغرافيتيا رسوم أسطورية صخرية تنتمي إلى الفن البدائي. ـ الغرافيتيا علم نقوش شعبي (Epighraphie Pobulaire) للمجتمعات ما قبل الصناعية (فلكور). ـ الغرافيتيا آثار لبعض التيارات أو المدارس أو الممارسات التشكيلية :" الفن الصباغي"، "الفن الخام". إن هذه التحديدات قد لا تزيد تعريف الغرافيتيا إلا تعقيداً وغموضاً، لأن الأنظمة الغرافية، مثلاً، غير محددة هل هي النقش؟ أم الرسم؟ أم الخط... ثم ما المقصود بعلم النقوش الشعبية وما هو مجاله وما هي حدود؟ من جهة أخرى يبدو أن هذا التعريف لم يتخلص من أسْر المراحل التاريخية التي مرت بها الغرافيتيا في الغرب (فرنسا على الخصوص) ومن هذه المراحل : المرحلة الابتدائية والمرحلة الوسطوية والمرحلة ما قبل الصناعية و المرحلة الصناعية وأخيراً المرحلة المعاصرة (16). مما جعل محاولة التركيب في التعريف لا تخلو من حذلقة ومن حرفية وتنميط. فما هو التعريف" الموضوعي" الممكن للغرافيتيا؟ إن هذا التعريف لن يتأسس ـ في رأيي ـ إلاّ إذا حددنا عملية التصنيف لأنواع الغرافيتيا، ولعل هذه المحاولة ـ رغم تعقدها البالغ ـ قد تضيء لنا الطريق وبالتالي تقربنا من تعريف شامل وعلمي. 2 ـ 3 ـ الغرافيتيا وأشكال التصنيف: تأسيساً على إشكالية المرجع، يجد الدارس صعوبات/ في عملية التصنيف من أجل التجنيس، فهل يصنف على أساس محتذياتي، من غرافيتيا تاريخية وغرافيتيا دينية وسحرية وغرافيتيا جنسية وغرافيتيا بورنوغرافية وغرافيتيا فنية وغرافيتيا أدبية وغرافيتيا سياسية وإيديولوجية وغرافيتيا فانظازية أو عجائبية؟ وهل يمكن تصنيفها على أساس الجنس والعمر والفئات الاجتماعية والمجموعات الحرفية فتقول لغرافيتيا نسائية مقابل غرافيتيا رجالية؟ غرافيتيا الأطفال في مقابل غرافيتيا الشباب والمسنين أو غرافيتيا التلاميذ والطلبة وغرافيتيا عابري السبيل والرحالة وغرافيتيا المسجونين والمنحرفين والضالين والسكارى؟ وغرافيتيا الأدباء والشعراء والفنانين؟ هل نصنف على أساس معيار " التأليف" فنقول بغرافيتيا فردية (مؤلفها فرد واحد) أو غرافيتيا مشتركة (يشترك فيها اثنان) أو غرافيتيا جماعية، حيث أثبتت الدراسات العلمية هذا التصنيف تماماً كالكتب المطبوعة (فردية، مشتركة، جماعية) (17). هناك معايير أخرى كثيرة في التصنيف إلاّ أننا سنكتفي بالإشارة إلى تصنيف هربر Herber(18) الذي صنفها على أساس الوسائل والركائز إلى ثلاث مجموعات وهي : أ ـ الغرافيتيا المحفورة: إن المقصود بهذه المجموعة هو الغرافيتيا المنقوشة عبر حفر رسوماتها وأشكالها وهي تعتمد على وسائل حادة كالمِثْقَف(Le poinçon) ولعل هاته الغرافيتيا هي الأولى من نوعها على صعيد التزَمن التاريخي، وفي اعتقادي أن الأصل اشتقاقي الذي سبقت الإشارة إليه يعكس هاته المرحلة التاريخية الغابرة (ما قبل التاريخ)، فضلاً عن المِثْقَف، استعملت هاته الغرافيتيا وسائل أخرى كالمقص والمطرقة خاصة عن أحجار بعض المآثر: والنقش والحفر على أشياء متعددة كالجدران والقِلادات والكؤوس (19). ب ـ الغرافيتيا المكتوبة بمادة مُلَونة: وتشمل هاته المادة الفحم والطباشير وقلم الرصاص والدم الذي استعمل في حروب لشبونة في انتخابات 5 ـ6 أبريل 1908 ، ويمكن أن نشير أيضاً إلى الشاعر الروسي سيرغي يسنين الذي كتب قبيل انتحاره بيتين مشهورين من الشعر (20) كما يمكن أن نشير أيضاً إلى قضية عمر البستاني المغربي الذي اتهم بقتل مشغلته الفرنسية انطلاقاً من هاته الغرافيتيا التي وجدت مكتوبة بالدم بجوار جثة الهالكة :"عمر قتلني"(21). ج ـ مواد مختلفة: يشير هربر إلى مجموعة غريبة من الركائز التي ظهرت عليها الغرافيتيا كالألبسة والقمصان والمناديل إلى غير ذلك. إن هذا التصنيف وإن كان قد ركز على ما يميز الغرافيتيا من الناحية المادية أقصد الوسائل والركائز وهي ناحية مميزة بهذا الخطاب إلاّ أنها لا تفيد كثيراً في تعريفه ومن ثم تطرح إشكالاً إبستيمولوجيا مزدوجاً يتعلق بتداخل التعريف والتصنيف والتجنيس من جهة ويتعلق بالجانب الميتودولوجي في مقاربة هذا الخطاب اليتيم (الذي لا أب شرعي لـه ، نقصد لا اعتراف مؤسسي به)، غير أن يُتْمه يطرح على الدارس السوسيولوجي ـ على الأخص ـ ضرورة مقاربته لأنه خطاب صادم، بل وخطاب يشكل ظاهرة حقيقة بالنظر إلى انتشاره في كل الفضاءات والأمكنة والأزمنة، وبالنظر إلى فاعليته أيضاً من حيث تشكيل العقليات والذهنيات والسلوكات أيضاً ومن خلال عكسه لكثير من مظاهر التفكير والتصورات التي ينبض بها المجتمع والتي لم تجد طريقها إلى التعبير المؤسسي.. وللتغلب على بعض هذه الصعوبات المتعلقة بتعريف هذا الخطاب يمكن القول في المجمل بأنه خطاب متعدد ومتداخل، فهو متعدد نظراً لتضمنه مجموعة من الخطابات في آن مختلفة على صعيد الأشكال والأجناس، وهو متداخل لأن التعبير الذي يمارسه كاستراتيجية في التواصل يستثمر كل هذه الخطابات دفعة واحدة، فهو يستعمل اللغة ويستعمل الإشارات والرموز والرسوم والخطوط والألوان، وبمختلف الوسائل وفي كل الفضاءات المتاحة، إلاّ التي لا يستطيع بلوغها كالمؤسسات السياسية الكبرى التي عادة ما تكون تحت حراسة مشددة. وضمن هاته الاستراتيجية الخطابية فإن البحث المنهجي (والنظري) لابد أن يكون متعدداً ومتداخلاً على صعيد المحتذيات واللغات والتصورات والمقاربات إلى حد إننا نتصور الغرافيتيا علماً قائم الذات ما يمكن أن نسميه بـ"الغرافيتولوجيا" (Grafitologie)، خاصة وأن هذا الخطاب غير مؤسسي ويستعمل كل أشكال التعبير والتواصل والخطاب. 3 ـ نحو تعريف تركيبي: إن التعريف الذي يمكن الخروج به ـ بشكل مؤقت ـ في هذا المدخل يرتكز ويرتكن إلى استراتيجيتين اثنتين. 3 ـ 1 ـ استراتيجية معرفية: إن الغرافيتيا خطاب يتيم حقاً ومن ثم يصعب تصنيفه أو تجنيسه انطلاقاً من التصنيفات والتجنيسات المتعارف عليها في أنماط المعرفة المعروفة، باعتباره خطاباً لا مؤسسياً وبالتحديد خطاباً هامشياً وعندما نقول هامشياً فإننا نميز الهامش عن التهميش، فالهامش نستعيره من الحركة الهامشية المشار إليها سابقاً ومن هنا فالهامش هو اللامؤسسي بغض النظر عن المضمون الإيديولوجي والسياسي الذي يمكن أن يحمله، ذلك أن الغرافيتيا ممارسة خطابية لكل الفئات و الطبقات والأعمار بعيداً عن الأحزمة السياسية أو التوجهات الإيديولوجية المحددة والمعينة، ومن هنا فالهامشي أو الهامش لا يعني المعارضة بل هو خطاب ناقد ومشاكس لكل ما هو مؤسسي وإن كان ليس من الضروري أن يرفض المؤسسة على الصعيد المضموني وعلى صعيد الخلفيات القيمية والتيولوجية ... بينما الخطاب المهمش هو ذلك الخطاب الذي يعاني من الإقصاء ويمارس عليه الانعزال حيث قد يكون رد فعله الرفض والتمرد والعصيان على المؤسسة على صعيد الأشكال والمضامين. 3 ـ 2ـ استراتيجية خطابية: إن الغرافيتيا انطلاقاً من هامشيتها فهي خطاب متعدد الدلائل والأشكال والتعبيرات، خطاب مركب قد يعكس الواقع وقد ينقده وقد يرفضه، إنها خطاب " يترجم" إلى حد كبير نبض المجتمع / أسئلته وقضاياه وتحويلاته، لكن ليس بالضرورة أن ترفض وتجتث المؤسسة أو الخطاب المؤسسي لأنه في كثير من الأحيان تعمل الغرافيتيا على إعادة خطاب المؤسسة بطريقة هامشية، نقصد عبر الوسائل والركائز التي تستعملها عادة في التعبير والتواصل، ومهما يكن فإن الغرافيتيا تؤسس لعلم جديد أو ـ على الأقل ـ سوسيولوجيا جديدة هي سوسيولوجيا الهامش. ـ بمثابة خاتمة : نحو ممارسة الابتداء إن البحث في الدلالات والتعريفات، ليس إلا لحظة ابتداء في مقاربة الموضوعة والموضوع لما تستشكله من قضايا على أصعدة مختلفة منها: ـ صعيد الثقافة: انطلاقاً من سؤال الهوية حول هذا الخطاب، هوية الثقافة التي ينتسب إليها أو يحاول أن "يؤسسها"، هل هي الثقافة الشعبية؟، ثقافة الجماهير؟ الثقافة الجماهيرية؟ ثقافة الضد (contre - culture )؟. ثقافة التحت (sous – culture)؟ ...إلخ . ـ صعيد الكتابة: انطلاقاً من سؤال الهوية ـ كذلك ـ حول هذا الخطاب على مستوى التجنيس ونظريات الكتابة: هل هي كتابة لقيطة؟ هل هي كتابة سرية ؟ هل هي اللاكتابة؟ ...إلخ. ـ صعيد المدينة (المجتمع): انطلاقاً من سؤال العلاقة وسؤال الهوية أيضاً، هل يعكس الخطاب الخربشي نبض المدينة، هل يعتبر خطاباً من تأثيث هذه المدينة لفضائها، أم خطاب غريب (تغريبي حتّى)، يمارس الخدش بدل أن يمارس النبش في المضمر والمقصي والمسكوت عنه؟ هذه أسئلة ـ مفاتيح،ـ من ضمن أسئلة أخرى ـ تشكل لحظة الابتدائي وحجز التأسيس لتخصص / تخصصات في الخطاب وحول الخطاب على الصعيدين النظري والميداني. هوامش ومراجع: 1- Jacques DEFERT. Marques peintes,le defi d,un créateur Marginal, Europe (Revue litteraire - mensuelle , Juin – Juiellet 1979). 2 ـ د. أحمد أوزي، المراهقة و العلاقات المدرسية، الدار البيضاء منشورات مجلة علوم التربية 2000.ص:124. 3 ـ من القوامس اللغوية المفحوصة: ـ منير البلعبكي ـ قاموس المورد ـ قاموس إنجليزي / عربي ـ دار العلم للملايين، الطبعة العاشرة، بيروت ،167. ـ الإمام العلامة أبو الفضل جمال الدين بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري ـ لسان العربي، المجلس السادس، دار صادر بيروت ، الطبعة الأولى ، 1990. - Petit Robert dictionnaire de la langue française redaction dirigée par A.Rey et J.Rey . DEBOUE, Paris 1990- - Larousse dictionnaire Arabe – Français, Fraçais –Arabe, Daniel Reig .As – Aabil, Sabil, collection Saturne 1983. 4 ـ هناك مجموعة كبيرة من الكتابات الإبداعية والفكرية، التي اعتبرتها الثقافة العربية الرسمية مفسدة أو خادشة للأخلاق والقيم والمعتقدات من بينها نذكر ألف ليلة وليلة ـ حركة الشعراء الصعاليك. الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق، نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم ... إلخ . 5- Jeans – Louis DEBIEURE: contre les graffiti (al dissuation tranquille – Le Figaro, Samedi – Dimanche .2 Avril 1989. 6- Jean Louis DEBRIEURE, contre les graffiti .op cit. 7 ـ زياد حداد ـ خالد الحمزة " الفن الجرافيتي والمؤسسة الفنية" مجلة أبحاث اليرموك ـ سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ( مجلة علمية فصلية محكمة مفهرسة ، المجلد الرابع عشر، العدد الرابع 1988 ـ من منشورات جامعة اليرموك، عمادة البحث العلمي والدراسات العليا ـ إربد ـ المملكة الأردنية الهاشمية. 8- William . P. Mclean ; Grffiti in Encyclopedie universalis 15 publication 1979. 9 ـ تشير الأبحاث والدراسات إلى أن كثيراً من الشعراء والأدباء مارسوا الغرافيتيا نذكر مثلاً ستاندال ـ فيكتور هيغو ـ بالزاك ـ غوتاـ ... وخاصة الكاتب الفرنسي نيكولارستيف دوبروتون ( وهو كاتب من القرن 18) الذي خربش سيرة ذاتية تحت عنوان Mes inscriptions ـ انظر على سبيل المثال: Marie – José DURIEUX : Sociologie de l,écriture Sauvage, in sciences et avenir n 306ْ ,Août 1972. 10 ـ الراب ( Rap)، اسم مشتق من فعل توراب (Torap) والذي يعني ثرثر، وهو نوع من الترديد السريع لنصوص خاضعة لإيقاع وأحياناً لقافية، انظر: Farid Chenoune et Jean Françis Poipier :Rap et Tag l,esthetique des banlieues sur la place publique . Encyclopédie Universalis 1993 , p:347. 11 – Laure Borgomano: Et Vous ? lecture de graffiti dans la rue, in le français dans le monde , novembre – décembre 1982, nْ 173, P:100. 12- Ange LEANDRI :Garffiti et société, these de doctorat 3éme cycle, Année univetsitaire 1983.Université Toulose Mirail , P:20 13 – Ibid méme page 14- Guy LEONARD détruire et écrire de Casablamca à Angers, peoples méditerranéens n ْ25 Revue Trimestrielle octobre décembre 1983.p:150. 15- Ange LEANDRI: Graffiti et société these de doctorat 3éme cycle op. Cit,p:88. 16- Bucherie LUC. Graffiti, mise en scene des pouvoirs et l,histoire des mentalités, these de doctorat d, Etat .Université de Paris XII U.E.R de droit et de science politique . Année universitaire 1981 –82 Soutenu pubuiment le 9 novembre 1982. 17- Bucherie LUC, op cit. 18- HERBER, Essai sur graffiti, Albums du crocodile 1943, p6 19 ـ يذكر هربر هذه الغرافيتيا من حضارة بومباي وهي غرافيتيا معبرة حقاً، وربما لا تخلو من تناص أو هجرة الأفكار مع أبي نواس : اليوم خمر وغداً أمر Bois Aujourd,hui demain trop tard. 20 ـ البيتان من الشعر هما : ليس جديد أن نموت في هذه الحياة وليس أكثر جدة أن نعيش انظر مساهمة د. بنعيسى بوحمالة : بيرغي يسنين خربشة / مجاز الرمق المأساوي جريدة العلم الثقافي ـ الرباط ا لسبت 29 أبريل 2000. 21 ـ أثارت قضية البستاني المغربي عمر، كثيراً من الجدل في الصحافة الفرنسية والمغربية طوال التسعينات في القرن الماضي، ومنها هل الهالكة مشغلة عمر استطاعت أن تكتب بدمها (قبيل موتها) أم أن هناك شخصاً آخر هو الذي كتب؟ خاصة وأن لا حجة على البستاني المغربي إلاّ هذه الغرافيتيا؟. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |