|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
حركيّة الصورة في شعر الجواهري من الهدوء إلى التوتر ـــ أثير محمد شهاب - العراق تستجيب القصيدة المعاصرة ـ بكل أشكالها البنائية ـ إلى فضاءات صورية متنوعة، تغني مخيلة القارئ، وتحرك بعضاً من هواجسه، ((لأن انشغال الشاعر بالصور يعد علامة تشير إلى جهد الشاعر ليوضح ويسيطر على العالم المعاصر))(1)، والذي بات مهدداً بالجمود والسكونية، نتيجة تحوله إلى بيت أو قرية صغيرة لا تقترب من آلية الحركة والتنقل والتغيير. إن اقتراب النص العمودي المعاصر من حركة الحداثة والتجريب جعله في اتصال دائم معها، من أجل تغيير حركته من الجمودية الدلالية إلى حركة زئبقية مستمرة، ترفع من المستوى الشعري، إذ أن هذه الحركة تقترب بشكل أو بآخر من مفهوم الرقص بوصفه قيمة رمزية للحركة(2). فيظهر النص موجاً صاخباً تارة، وهادئاً تارة أخرى، لذلك أمست الصورة ((وسيلة لإزالة التوتر الشديد في الحياة، حيث يمكن أن يعطي هذا التوتر ضوءاً ينير الدرب للإنسان، ودفئاً لقلبه))(3)، وقد تبتعد عن مفهوم الحركة المنتظمة إلى حركة صاخبة لا يعتريها الهدوء، وهذا ما تؤكده مفاهيم الحداثة، لأن لحظة الحداثة ما هي إلاّ ((لحظة التوتر أو التناقض أو التصادم))(4). وبما أن الصورة الشعريّة تتنوع وفقاً لصفة الهدوء والتوتر الدائمين في النص، لذا كان عنوان البحث ((حركيّة الصورة من الهدوء إلى التوتر))، وهذا العنوان لا يمنع النص من الحركة مع اقترابه من الهدوء، إنما تستمر حركته مع الطرفين ((الهدوء والتوتر))، لكن الاختلاف يتشكل طبقاً لآلية انتظام الحركة بين الهدوء والتوتر، فقد تأخذ الحركة نوعاً من الانتظام مع الهدوء، وتذبذباً مع التوتر، وذلك استجابة للحالة الشعرية. وقد اعتمدت الصورة الشعرية في جلّ تشكيلاتها على أشياء مراوغة ترفض الحصار الممل للغة النقد(5)، لذلك كانت لدينا أنواع متعددة من الصور الشعرية، تبعاً للحاسة ((ذوقية، شمية، حرارية، لمسية)) تارة والثبوت والحركة تارة أخرى، على النحو الذي فرق فيه النقاد بين المخيلة الثبوتية والمخيلة الحركية فثمة ((تميز هام بين المخيلة الثبوتية والمخيلة الحركية أوالدينامية))(6)، التي ترفع من مستوى النص، من ذلك توصل بعض الباحثين الجماليين إلى شرط منطقية تحدد القيم والمميزات الجمالية ((بالحركة والتنويع والتناغم والتنسيق))(7). لقد توصل الدكتور محمد لطفي اليوسفي إلى أن العرب لم يتحدثوا عن الصورة إلاّ في إطار حديثهم عن التشبيه والاستعارة(8)، وهذا التصور الكامل للتراث العربي البلاغي والنقدي، يثبت انحراف التصور البلاغي العربي ـ حول الصورة ـ من مستواها المصطلحي إلى الاختلاط بمستويات أخرى، لذا يمكن استحضار الذاكرة البلاغية العربية عن الصورة من خلال حديثهم عن التشبيه والاستعارة، يقول الجرجاني في معرض حديثه عن التشبيه ((اعلم أن مما يزداد به التشبيه دقة وسحراً أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات))(9)، وهذا يعني تأكيد الدرس البلاغي العربي على حيوية الصورة وشعريتها من خلال تحقق عنصر الحركة سواء كانت تلك الحركة هادئة أم متوترة، سريعة أم بطيئة. وانسجاماً مع هدوء حركة المادة وتوترها داخل النص الشعري، حقق نص الجواهري هاتين الظاهرتين بطريقة عالية في الأداء، ولعل ما يميز نصوصه الإبداعية عن مجمل شعره، هي تلك الحركة المستمرة في شعره، حيث الماديات في مستواها المادي أو المعنوي في حركتي مد وجزر مستمرتين، مما يرفد النص والقارئ بشهوة قرائية مستمرة، لذلك ظلت بعض نصوص الجواهري حاضرة في الخيال القرائي الذي يمكن أن نسميه بـ((الذاكرة الثقافية))، على النحو الذي أفضى بهذه النصوص تميزها عن بقية المتون الشعرية، لذلك سيكون محط تطبيقنا على نصوص الجواهري التي ما تزال الذاكرة الثقافية تحتفظ بها وبقراءتها ، لأن الذاكرة لا تحتفظ إلاّ بما هو مبدع وخلاق، على خلاف الذاكرة الجمعية الثقافية التي قد تخلط بين الجيد والرديء. تنطلق دراستنا من محورين أساسيين، المحور الأول هو دراسة حركية الصورة المتوترة الهادئة، والمحور الثاني هو دراسة سرعة حركة الصورة وبطئها، على أننا سنجد ثمة مهيمنات أسلوبية يمكن القول: إنها أسلوبية خاصة في شعر الجواهري. ولا يخفى على القارئ أن جلّ هذه العملية سوف تقترب وتتلاحم تحليلاً مع الفعل الذي ـ بدوره ـ يدل على هذين المحورين ((السرعة والبطء، الهدوء والتوتر)) الصفة والحركة. تستثمر قصيدة ((يا دجلة الخير))(10) الفعل (لاذ) من أجل منح الصورة الشعرية طاقة حركية أكبر تدل على التوتر الذي ينسحب على هيأتين ((أنا/ الشاعر ـ الحمام))، ولكن الشاعر استطاع ـ بذكائه وقوته الإبداعية الخلاقة ـ نقل فعل التوتر الذي يبدو غير واضح ـ من حيث المعالم ـ من ذاته إلى ذات الحمام وهو يلوذ بين الجرف والماء. لذلك انتقلت صورة الفعل المتوترة من أنا/ الشاعر ((ظمآناً ألوذ به)) إلى الحمام وهو ينتقل بين الماء والطين:
فلحظة التوتر التي خلقها الفعل، تتشكل من عمق الحركة التشكيلية المبتكرة ((صورة الظمآن بصورة حركة الحمام وهو يقترب من ماء النهر))، لأن الصورة فيها من الحركة الشيء الكثير، فقد حالت هذه الحركة دون رسمها أو تصورها من حيث الأبعاد، فظلت متحركة في الذاكرة الثقافية، ولا يمكن للنقد الأدبي ـ بعد الطروحات المتواصلة ـ رسم حدود لهذا النوع من الصور، بسبب حركتها المتواصلة وهلامية بنائها الخلاق. ومن النماذج التي تستحضر الصور المتوترة، قصيدة ((في ذكرى الرصافي))(11):
فتوتر الصورة المتحركة ينبع من توظيف الشاعر الفعل ((ترصدني)) الدال على الترقب، ومما يزيد الفعل حرارة وتوتراً قول الشاعر ((وفوق نيوبه دم إخوتي وأقاربي وصحابي))، وهذا الوصف يمنح الصورة توتراً حاداً، فلو اكتفى الشاعر بقوله: ((ذئب ترصدني)) لكان من الممكن رسم حدود للصورة المتوترة، ولكن بتشخيص هذا الترصد بـ((دم إخوتي وأقاربي وصحابي)) إحالة الصورة إلى أن تكون زئبقية متوترة لا يمكن لنا رسم أبعادها، لأن فعل الترصد فيه من القصيدة الشيء الكثير في اتجاه الذات الشاعرة. أما هدوء الصورة المتحركة فتنبثق من خلال قصيدة ((آمنت بالحسين))(12):
نرى أن الفعل (طفت) ـ في هذه الأبيات ـ يأخذ مع ذات الشاعر دلالة حركة هادئة تلتحم مع قوله: (طوف الخيال والتأمل)، إذ أن قدسية هذا الجو لا يمكن أن تتم بصورة متوترة إن لم يكن هناك هدوء يتناسب مع جو المقام "الحسين (ع)" لذلك قال الشاعر (بصومعة الملهم المبدع). وخلاصة هذا المحور أننا نجد هيمنة الصورة المتوترة في شعر الجواهري على حساب الصورة الهادئة وهذا يشكل سمة أسلوبية متميزة. ويأخذ المحور الثاني دلالة أكبر وأقوى من خلال قولنا: (حركية الصورة)، إذ يمكن عده الأساس في تشكيل المحور الأول ((الهدوء/ التوتر)) وهذا ما يميز الصورة الشعرية عند الجواهري على غيره، ولكن هذا لا يمنع من وجود مثل هذه الظواهر الحركية في بناء الصورة. ففي قصيدة ((أيها الأرق))، يقول(14):
ونجد ـ هنا ـ حركة بطيئة تتواءم مع الفعل ((يتمشى))، إذ أن كمية الحزن كبيرة تبلغ ((جبلاً من الحزن)) وهذا لا يتطلب سرعة، لأن القول بسرعة الصورة، سوف يخرجها من منطقيتها الدلالية، فلا يمكن القول بسرعة الحركة مع جبل الأسى. ولكن في قصيدة أخرى ((ثورة الوجدان))(15) نجد ثمة حركة سريعة صاخبة متوترة ما بين سيطرة عقل الشاعر من جهة، وغليان عواطفه من جهة أخرى، لذلك وجدناه يعقد مشابهة ما بين تناقض العقل والعاطفة، وتسليط الماء على النار، وهذا اللون يخلق إحساساً بالحركية الضاجة نتيجة لعدم المصالحة بين الماديات. وهذا اللون يخلق في الذاكرة الثقافية نوعاً من الصراع الحركي الصاخب والسريع، بسبب صعوبة المعادلة ـ عند الجواهري ـ بين العقل والعاطفة:
لذلك فإن شعر الجواهري ـ في هذا المحور ـ يتأرجح بين السرعة والبطء، انسجاماً مع الموقف الشعري الذي يتطلب السرعة في حركيّة الصورة تارة، وخلاف ذلك تارة أخرى. من ذلك يتبين لنا: أن الصورة الشعريّة عند الجواهري هي حركة سديمية متواصلة، مما جعلها في استحضار دائم في الذاكرة، وهذه الصورة تتنوع في معطيات حركتها بين البطء والسرعة تارة، والهدوء والتوتر تارة أخرى، بحسب الموقف الشعري. وثمة نتيجة أخيرة لابد من الحديث عنها، هي تعانق المحورين تعانقاً بنائياً، فمتى ما كانت الصورة سريعة كانت متوترة، ومتى ما كانت بطيئة كانت هادئة. وبهذا نثبت وجود علاقة ـ في شعر الجواهري ـ بين سرعة الصورة وتوترها، وهدوئها وبطئها. الهوامش: (1) الصورة الشعرية، سي دي لويس، ت. مجموعة من الكتاب، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، دار الرشيد للنشر، 1982: 113. (2) ينظر: م. ن: 162. (3) م. ن: 113. (4) البيانات: دفتر كلمات، ط1، 1993: 28. (5) ينظر: الصورة الشعرية: 39. (6) نظرية الأدب، أوستن وارين ورينيه ويليك، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ت. محيي الدين صبحي، مر. د. حسام الخطيب، 1972: 240. (7) الصورة في التشكيل الشعري، تفسير بنيوي، د. سمير على الدليمي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1990: 70. (8) الشعر والشعرية، د. محمد لطفي اليوسفي، الدار العربية للكتاب، 1992: 87. (9) أسرار البلاغة في علم البيان، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق السيد محمد رشيد رضا، دار المطبوعات العربية: 157. (10) ديوان الجواهري، الجمهورية العراقية، وزارة الإعلام، ديوان الشعر العربي(33)، مطبعة الأديب البغدادي، 1973: 83. (11) (12) م. ن: 4/342، 3/233 ـ 234. (13) ينظر على سبيل المثال: ((أخي جعفر)): 3/362، 1/111، 1/429، 4/141. (14) (15) م. ن: 5/116، 1/429. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||