مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

القصّ النسوي السوري في التسعينيات ـــ د.نضال الصالح- سورية

لا يمثّل عقد التسعينيات ذروة الخطّ البياني لتجربة القصّ السورية على مستوى عدد الإصدارات فحسب، بل ذروة ما بلغته هذه التجربة نفسها على مستوى حضور الصوت النسوي أيضاً (1)، فعلى حين لم يتجاوز عدد كاتبات القصة ممّن صدرت لهّن مجموعات حتّى نهاية الثمانينيات ستاً وعشرين قاصة(2)، بلغ في عقد التسعينيات وحده نحو اثنتين وخمسين قاصة، أصدرن نحو اثنتين وتسعين مجموعة، أي نحو عشر مجموعات كلّ سنة.‏

وباستثناء سبع ممّن صدرت لهن مجموعات قبل ذلك العقد وخلاله (3)، فقد شهد عقد التسعينيات ظهور نحو خمسة وأربعين صوتاً قصصياً نسوياً جديداً،أي نحو ضعفيّ ما قدّمته تجربة القصّ السورية طوال ستة عقود من تاريخها.‏

والسمة التي تميز الخطّ البياني لمنجَز التسعينيات عامة، أي ترجّحه بين انحناءات مختلفة، تمتدّ لتشمل القصّ النسوي في ذلك العقد أيضاً، وعلى الرغم من الدور الذي نهض به اتحاد الكتّاب العرب الذي صدر عنه ثلاث وعشرون مجموعة، ووزارة الثقافة التي صدر عنها ثماني مجموعات، في التعريف بالأصوات النسوية الجديدة، فإنّ معظم قصّ التسعينيات النسوي صدر عن دور نشر خاصة، وصدرت ثلاثة مجموعات عن جهات ثقافية عربية مختلفة كانت قد فازت في جوائز أدبية (أندية الفتيات في الشارقة، ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، ودار سعاد الصباح في الكويت).‏

وتُعدّ هيفاء بيطار أكثر أصوات التسعينيات عامة غزارة في الكتابة والنشر، فقد صدر لها سبع مجموعات، تليها أنيسة عبود وابتسام شاكوش اللتان صدر لكلّ منهما أربع مجموعات،فأميمة الخش وإحسان شراباتي وحنان درويش اللواتي صدر لكلّ منهن ثلاث مجموعات، فمجموعتان لكل من : سعاد القادري ووفاء خرما ونجلا علي وندى الدانا وغزالة درويش ووصال سمير ونهلة السوسو وجمانة طه وأمية عبد الدين ووليدة عتو، وواحدة لنحو أربع وثلاثين قاصة.‏

ومن السمات العامة المميزة للأصوات النسوية الجديدة الكتابة في أكثر من جنس أدبيّ، ولاسيّما القصة والرواية، أمثال، هيفاء بيطار، وابتسام شاكوش، وأميمة الخش، ووصال سمير، ومية الرحبي، ومنهل السراج، اللواتي سارعن جميعاً، على عادة معظم كتّاب القصة القصيرة في سورية، إلى حقل الكتابة الروائية بعد مجموعة أو أكثر، فقدّم عددٌ منهن ما هو جدير بانتمائه إلى فنّ الرواية، وبدا نتاج معظمهن تمرينات في الجنس الروائي أكثر منه فناً روائياً.‏

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة منجَز الأصوات النسوية الجديدة فحسب، أي تلك التي ظهرت في التسعينيات، وتمثّل لذلك بعشرين نصاً من تسع عشرة مجموعة لتسع عشرة مجموعة لتسع عشرة قاصة، فتتبّع شواغل القصّ ومؤرقاته وأسئلته في تلك النصوص، ثمّ تقنياته، وتنتهي إلى نتائج عامة تميّز ذلك المنجَز. وتجدر الإشارة إلى أنّ اختياري لتلك النصوص كان محكوماً بمرجعين مركزيين: النصّ الذي تحمل المجموعة عنوانه، لإيثار القاصة علامته اللغوية علامة للمجموعة، والنصّ الأوّل من المجموعة التي لا تكون علامتها اللغوية علامة لإحدى نصوصها، لإيثار القاصة أيضاً تصديرها المجموعة به.‏

شواغل القصّ:‏

باستثناءات قليلة، فإنّ أبرز ما يوحّد بين القصّ النسوي السوري في التسعينيات إلحاحه على قضايا المرأة ومشكلاتها، وهجاء الوعي البطريركي الذي يعوّق تحرّرها ويغلّها بأصفاد التبعية للذكر، أباً أو زوجاً أو أخاً، ثمّ تعبير ذلك الوعي عن الواقع بتجلياته كافة، أي بوصفه صدى لذلك الواقع وجهراً بما يفتك به على أكثر من مستوى، فمحاولات الانعتاق من تلك الأصفاد وممارسة المرأة لكينونتها على نحو دالّ على كونها جزءاً من الحياة وليست استكمالاً لها.‏

وباستثناءات قليلة أيضاً، فإنّ المرأة في معظم ذلك القصّ تبدو خانعة للواقع، ومنفعلة به، ورهينة إرادات الأعراف والتقاليد، وصريعة قيم سالبة لحقّها في حياة حرّة وكريمة. ومن تلك الاستثناءات قصة ماري رشو: "قوانين رهن القناعات"(4) التي قدّمت القاصة فيها نموذجاًَ للمرأة الفاعلة في الواقع حولها وغير منفعلة به أو المكتفية بدور المتلّقي لإرادات سواها فيه، وقد عبّرت عن ذلك النموذج بوصفها لبطلتها المحامية بقولها:"كانت تحمل أفكاراً جميلة تخصّ الإنسان بقضاياه المتعددة"، وبتصويرها لها امرأة قادرة على صنع مستقبلها على الرغم الظروف القاسية التي عاشتها وأسرتها والتي لم تستطع أن تنال من إصرارها على التفوق والنجاح شيئاً, حين كان طفلة وجدت نفسها، وأسرتها، طريدة البيت الذي كانوا يسكنونه والأرض التي كانت المورد الوحيد لهم، لأنّ المالك الجديد للبيت والأرض، الجشع الذي لا يرى غير مصالحه، تمكّنَ من الحصول على أمر بإخلائهم منهما، وعندما حان موعد الثأر لنفسها وأسرتها من ذلك المالك الجشع لم تستجب لنداء العاطفة بل لنداء القانون والضمير.‏

ويختزل تساؤل الساردة في قصة رباب هلال :"دوائر الماء و الأسماء" (5) :"هل أنا موجودة حقا‌ً؟ " جوهر التهميش والتغييب اللذين يضغطان المرأة العربية، و اللذين يدفعان الساردة نفسها إلى تساؤل أكثر مرارة:"من أنا؟"، لكأن الواقع حولها لا يكتفي بسلبها حقّها في الوجود فحسب بل يتجاوز ذلك إلى سلبها إحساسها بمعنى الوجود أيضاً: "يدعونني (أمل) لكنني متأكدة من أنّ هذا ليس اسمي. اسم (أمل) هو اسم الأوراق الرسمية الرجعية والجامعية و الوظيفية.. لكنه ليس اسمي"، لا لشيء إلا لأنها أنثى أرغمها الوعي الشائه حولها على " الإذعان أبداً، وقبول كلّ المفروض والمطروح مسبقاً". ولعلّ أثمن ما في تلك القصة من الأفكار التي تزخر بها تأكيدها أنّ ذلك الوعي ليس وقفاً على طبقة اجتماعية دون أخرى، بل هو سمة المجتمع عامة بمختلف الطبقات التي تكوّنه، فأمل التي تنتمي إلى أسرة يملك الأب فيها أموالاً كثيرة وعقارات ضخمة واسماً لامعاً في كلّ مكان، ليست أحسن حالاً من تلك الفتاة الناحلة التي رأتها في سجن الأحداث والتي تنتمي إلى أسرة فقيرة :"جسد معروض، وثمن يذهب للتاجر، فلم تكن أكثر من سلعة. فقر، وحرمان، وأسرة مفككة، كلّ شيء يُباع ويُشتري، حتّى الدم. وأنا أليست عائلتي هكذا؟ وما يغطّي تفككها وعريها أوراق المال".‏

وتتميّز قصة نجاح إبراهيم:" المجد في الكيس"(6) من الأغلب الأعمّ من القصّ النسوي السوري في التسعينيات بتعريتها لجزء من سوءات الحياة الثقافية في سورية، وربّما في الوطن العربيّ. لفعاليات السطو على جهود الآخرين، التي يقوم بها أدعياء الثقافية وأشباههم، ونسبة تلك الجهود إلى أنفسهم دونما أي إحساس بتأنيب للضمير أو سواه من الحدود الضابطة للقيم والأخلاق بآن.‏

ولا تكمن قيمة تلك القصّة في إزاحتها قشرة الزيف عمّا يتسرطن في جزء من الواقع الثقافيّ فحسب، بل في تعبيرها، على نحو غير مباشر، عن الوعي الناقص الذي يفتك بالواقع عامة، وليس الثقافي وحده، حيال المرأة التي تتجاوز في القصة كونها فريسة لشذّاذ الثقافة إلى كونها فريسة للوعي الذكوري الممعن في انتهاكه لحقّ المرأة في أن تكون لها كينونتها الخاصة بها والمميزة لها من الرجل.‏

ثمّة في القصة كاتبة قصصية موهوبة كان يباغتها، بين وقت وآخر، نشر قصة لها بغير اسمها، بتوقيع دعيّ اسمه مصطفى علويّ. وعلى الرغم من محاولاتها المريرة لإثبات أنّ ما يزعم مصطفى بأنه من إبداعه، فإنّه ما من أحد، سوى زوجها، كان يصدّق ما تقول. وكاد ذلك يودي بها إلى الجنون لولا المصادفة التي كشفت لها طريق مصطفى إلى نتاجها وتوقيع ذلك النتاج باسمه بعد استبداله بعض الكلمات بأخرى، وبعض عناوين القصص بأخرى أيضاً. قال الرجل الذي كان يجمع القمامة في الحيّ حيث تسكن:"في يوم، أخذت قمامتكم. وكعادتي.. كنت أفتح الكيس فلربّما أجد ثوباً قديماً أو بنطالاً لأولادي أو عبوة فارغة أستفيد منها، وإذ بي أجد رزمة من الأوراق.. وبما أني لا أعرف القراءة وضعتها تحت إبطي.. وعندما وصلت إلى منزل الأستاذ مصطفى.. طلبت منه أن يتبين ماهيتها.. قرأها.. ورأيت السعادة تنتشر وتسري في كيانه ثمّ نقدني قطعة ورقية ما حلمت بها وقال لي إنها أوراق حسابية تفيده في دراساته.. ووعدني أنه سيعطيني نقوداً كلما أحضرت له أوراقاً من قمامتكم".‏

وتصدّر جمانة طه قصّتها:"سندباد في رحلة مؤجلة" (7) بالمقبوس التي الذي يختزل، أو يكاد، جوهر المحكي القصي وهذا المحكي نفسه ولكن من فضاء إنساني آخر:"قالت الكونتيسة (داغولت) لصديقتها: لقد أحبّني الموسيقار (ليست) حبّاً عاصفاً، وفي أوّل لقاء لي معه طلب أن يوصلني في عربته. وبينما أنا جالسة إلى جانبه سألني: إلى أين يا سيّدتي؟ أجبته وأنا مأخوذة مذهولة: إلى الجنة. فسألتها صديقتها: وهل أوصلك؟ قالت: للأسف لم يكن يعرف الطريق؟.‏

ومن أبرز ما تتّسم به تلك القصة تعدّد مقاصد القصّ فيها ومغازيه، التي تبدو أشبه ما تكون بدوائر تنداح حول المركز الذي تنطلق منه وتعود إليه كلّما ابتعدت عنه، أي حول جوهر المحكيّ الذي يطمح إلى القول أن لا شيء يبدّد عاطفة الحبّ أو ينال منها: لا إرادات الآخرين، التي تسلب الطرفين حقّهما في الارتباط الدائم، ولا الزمن الذي يُقال عادة إنه كفيل بترميم آلام الإنسان وأحزانه، وبإخماد جذوة الحنين إلى الأحبة الذين يرغمه الواقع على النأي عنهم. فثمّة، في القصة، رجل سفير يجد نفسه، في إحدى محطّات اغترابه عن الوطن، مشدوداً إلى فتاة علّل أهلها رفضهم لزواجه منها بالقول إنه شاب جيّد ولكنّ مركبه صعب ولن يمنح ابنتهم الاستقرار. وعلى الرغم من أنّ الزمن والمسافات باعدت بينهما، فإنهما ما لبثا أن التقيا من جديد. كانت المرأة قد فقدت زوجها الطيّار في حرب تشرين، وتضاعفت مأساتها بفقدها جنينها، ولم يكن هو، كما يبدو، قد تزوجّ. وبعد أن تعدّدت اللقاءات، وأفاء التقارب المتجذر فيهما دفئه الوارف بتعبير القاصة، سألها أن تتزوجه، فاعتذرت بقولها إنها لم تعد تفكّر بالزواج الذي ركبت قطاره مرّة وأخفق في إيصالها إلى برّ السعادة. وعلى الرغم من وعده لها بأنه سيعود إلى الوطن ليتفرّغ لحياتهما معاً، فإنّهما لم تؤمّله بتحقيق رغبته، خوفاً من أن تستيقظ ذات يوم فتجد وعده أبعد منالاً من النجوم. وبعد أن تتابعت رسائله إليها من دول عدة كان يحطّ رحاله فيها، سرعان ما عادت رسالته الثالثة إليها ممهورة بخاتم:" تُعاد إلى المصدر، المرسَل إليه مجهول العنوان".‏

وتستعيد الساردة في قصة هيفاء بيطار :"خواطر في مقهى رصيف"(8) ذكرى علاقاتها مع ثلاثة رجال توحّد بينهم، على الرغم من اختلافهم وتناقضهم وتنافرهم بتعبير الساردة، غريزة التملّك، ولاسيّما للمرأة، الأوّل "فرح" الشاب الثريّ والمتعلّم غير المثقّف، الذي أحبّها وأرادها زوجة له، وأطلق ثراؤه عنان أحلامها في السفر إلى بلاد مختلفة والعودة منها بهدايا ومجوهرات وثياب فاخرة و...، لكنها آثرت الابتعاد عنه، معللة ذلك بقولها : لا أحسّ بذاتي تماماً معه، وبقولها أيضاً. "لا وعيي لا يتناغم مع لا وعيه"، فتزوج بعد أسبوعين من قرارها، وحين كانت تضيق بها حياتها المادية، كان ثمة ندم يغزوها. ثم "فضيل" الفنّان، الذي كان مولعاً بالمستحيل والمخاطر، والسهر حتّى الفجر وهو يقرأ الكتب، والذي أحبّها "بجنون، ورسم لوحات كثيرة لوجهها"، والذي لم تكللّ علاقتها به بالزواج، معلّلة ذلك بلا واقعيته، وبخوفها من أن تغرقهما خيالاته في لجج الفقر والحاجة، فـ"مروان" الشاب المتديّن، الذي كان كثيراً ما كان يقول لها حين كان ينتابها إحساس قاس بأنّ المجتمع حولها يؤطّرها ويصرّ على أن يحدّدها ويخنقها في مفاهيم بالية بتعبير القاصة:" اتركي كلّ شيء وتعالي معي نتجه إلى الجوهر، إلى الله، وعلى الرغم من تلك العذوبة التي كانت تفيض من روحه، وحين أزفت ساعة القرار، اختارت النأي عنه كما فعلت مع سابقيْه، قائلة له: " لا أشعر أنني أنا تماماً معك"، لينتهي النصّ إلى تثمين الحرية: " تلك الكلمة السحرية التي يموت من أجلها البشر، و التي لا معنى للحياة من دونها".‏

وتنأى قصّة أنيسة عبّود، "في تلك المدينة" (9) عن سابقاتها في تصويرها للمفارقة بين زمنين: ماضٍ ممعن في نقائه وبساطته، وحاضر ملّوث بالزائف من المديّنة. ولا تتحدّد مقاصد القصّ بتلك المفارقة فحسب، بل تتجاوزها إلى إعادة إنتاج ما كان شاغلاً مركزياً في معظم تجارب السبعينيات، أي إلى هجاء التضاد الطبقي في المجتمع السوري من جهة، ونفوذ آغوات القرى في الانتخابات النيابية من جهة ثانية.‏

يستعيد رامز، سارد القصّة وبطلها، سيرة أكثر من شخصية تنتمي إلى القاع الطبقيّ: الحذّاء "سلّوم" الذي كان معروفاً في المدينة قبل أن تدهمها "دكاكين الفيديو والهمبرغر"، والذي كان يضع الأحذية التي يقوم بإصلاحها في مواقع حسب مواقع أصحابها الطبقية، ثمّ سيرة الأفندي الأعرج الذي كانت زوجته "حسنة" تعمل في تنجيد اللحف والمساند لتطعمه، فسيرة السمّان عبّاس الذي لم يكن ثمة ما يثنيه عن بيع البيض المكسور، وأخيراً،"هرموش" الحذّاء الآخر في المدينة، الذي كثيراً ما كان يقول: لو تصلّح عندي يا رامز.. كنت أرخّص لك أكثر من سلّوم". وما تلبث حركة القصّ أن تتجه إلى الراهن، بعد أن صار رامز مهندساً، فتعرّف القارئ بمآل "هرموش" بفعل التغييرات التي طرأت على المدينة، أي باضطراره إلى العمل على شاطئ البحر.‏

و تكاد قصة ندى الدانا: "أوراق اللعب.. أوراق الأشجار" (10) تتميز من معظم القص النسوي الصادر في التسعينيات بانتمائها إلى القصّ الرمزي. ولا تكمن قيمة تلك القصة في رمزيتها فحسب، بل في قدرتها على اختزال صفحات ممّا يمكن أن تتصّدى له دراسات وبحوث وندوات في أكثر من حقل معرفيّ. فهي تعرّي، بوساطة الفنّ، إرادات القوى الكبرى التي تصوغ العالم على هواها، والتي تمارس نفوذها وسطوتها على دول العالم الثالث التي تتجلّى في القصة، كما هي في الواقع، كائنات متناهية في الضآلة تتقاذفها إرادات الكبار، وتعبث بها، وتنظر إليها بوصفها دمى ليس غير، وعلى نحو يعزّز الأطروحة النقدية القائلة إنّ من أولى مهمّات الفنّ الكشف عن ذلك النقص في تصميم الطبيعة، أو في هذا العالم الذي يبدو أنّ الله قد هجره بتعبير "جولدمان".‏

ثمّة في القصة راو يجد نفسه داخل قاعة كبيرة تتوسطها طاولة بيضوية رسمت عليها خارطة العالم، وحول الطاولة توزّع ناس بـ"وجوه بيضاء ووجوه سمراء، عيون خضراء وعيون بنيّة، بعضهم يرتدون ثياباً سميكة ويرتجفون من البرد، وبعضهم يرتدون قمصاناً رقيقة بأكمام قصيرة، ويسيل العرق على جباههم، نساء من كلّ الأشكال والألوان". أشار أحدهم إليه، فامتدت أيد إلى عنقه، وبعد أن فرّ إلى أقصى الغرفة انتشرت أوراق اللعب على الطاولة، وانقسم اللاعبون إلى مجموعات.‏

سقطت ورقة الاختيار على الأرض، فتفرّس فيها وهو يحسّ بدبيب الاكتهال يغزو خلاياه، ولم يكد يعيدها حتّى سقطت صورة البنت. لم تكن تشبه أمه أو حبيبته. استرق النظر إلى صورة الصبي التي كانت بيد أحدهم فهاله أنها صورته. وعندما دسّ جسده تحت الطاولة امتدت يد امرأة إليه قائلة :"وجدت الورقة التي سقطت مني"، فهتف :"أنا ابن تلك المرأة التي في آخر الطاولة". كانت امرأة عجوزاً، وشاحبة الوجه، وتذكّر أنها ماتت منذ زمن، وفجأة وجد نفسه بين يدي والده، قال له إنه ابنه، فلم يسمعه وسرعان ما أخذ الآخرون يتقاذفونه، وحين أرهقهم اللعب وتوقفوا عنه ليعودوا إليه من جديد، هرب من النافذة. كان ثمة شجرة باسقة إلى جانب النافذة تمطر أوراقها ا لصفراء على الأرض، وبدا له أنه ورقة خضراء، تعلو قمّة الشجرة. أحسّ بقوّة تسكنه، حوّلته إلى طائر رشيق سرعان ما حلّق بعيداً عن القاعة.؟‏

وتومئ العلامة اللغوية لقصّة سحر سليمان: "حرق الليل"(11) إلى أنّ ثمّة محكياً معنياً بالوحشة التي يكابدها المرء حين يكون الواقع حولـه مثخناً بالقيم السالبة لقيم الحق، والخير، والجمال، ويحتاج، بسببها، إلى من يبدّد إحساسه الغاشم بوطأتها، أو مَن له أخاديد الألم الذي يفترسه، وما تلبث تلك الإيماءة أن تجهر نفسها في استهلال الساردة:"حاجتي هي، وسيعة، سعة الدنيا. حاجتي إليك، أو إليهم، ولربّما لآدم وذريّته أجمعين"، ثم ما يلبث المحكي نفسه أن يكشف عن مثالب الأعراف الاجتماعية الممعنة في تخلّفها ، والتي تبدو المرأة فريستها المشتهاة دائماً.‏

تحكي ساردة القصّة، والشخصية الرئيسية فيها، أشلاء ممّا كانت تعانيه في طفولتها بسبب الطفح الجلدي الذي كان يسبّب لها آلاماَ مبرّحة في الليل، والذي لم يكن أقلّ قسوة من انتهاء الحرب القديمة بين أبيها وأمّها إلى الطلاق بسبب إنجابها لها، أي لكونها أنثى. وعلى الرغم من أنّ الأم ظلّت، لفترة طويلة، ترفض الخطّاب الذين كان يتقدّمون لطلب يدها، فإنّ القهر الكبير الذي كان تعانيه في بيت أهلها سرعان ما أرغمها على الزواج، وسرعان أيضاً ما وجدت الفتاة نفسها مرغمة على العودة إلى بيت أبيها لتعيش معه ومع زوجته الثانية التي لم يكد يمضي على إقامة الفتاة معها، حتّى وجدت في إضاعتها لـ"لأسوارة" التي كانت أمّها قد أهدتها لها ذريعة في طردها من البيت :"لا تدخلي هذا البيت إلا والأسوارة معك".‏

وعلى نحو غير مباشر، ودالّ على موهبة في فن القصّ وتملّك لأدواته، تومئ قصة منهل السراج: "تخطّي الجسر"(12) إلى ما تعانيه المرأة في المجتمعات المفوّتة حضارياً، الأب الذي ينهر بناته قائلاً:"أريدكن رجالاً" والرجل الذي يردّد :"أريدك امرأة مطيعة". وما يميز هذه القصة من كثير من القصّ النسوي في التسعينيات كفاءتها في تنشيط مخيّلة القارئ، وبثّها إشارات إلى قدرة المرأة على اختراق جدران القمع المرفوعة حولها إذا ما أرادت ممارسة إنسانيتها على النحو اللائق بها.‏

وترثي قصة حنان درويش:"بوح الزمن الأخير" (13) الإحساس الفادح بالوحدة لامرأة تتناهبها الأرصفة بعد أن أهملها أبناؤها، أولئك الذين "اقسموا في حضرتها على الوفاء" ذات يوم، ولم يبرّوا بقسمهم:"طاروا عندما نبتت بواكير ريشهم"، و"غدت أيمانهم أوراقاً صفراء تتلاعب بها الريح". ولا تتحدّد قيمة تلك القصة بتعريتها الفنية العالية للفقر الروحيّ الذي أخذ يفتك بالأسرة العربية، والذي تبدو المرأة/ الأم أولى ضحاياه فحسب، بل بتأكيدها على نحو غير مباشر، أنّ ذلك الفقر جزء من دمار قيمي يفتك بالواقع كلّه أيضاً. كانت المرأة، وهي تمعن في اللهاث وراء مأوى تبيت فيه ليلتها من رحمة الأرصفة، قد سمعت أحدهم يقول:" وضعت دائرة السجون إعلاناً يشير إلى أن أحد المحكومين بالإعدام حين سئل عن الأمنية التي يرغب بتحقيقها قبل الموت أجاب بأنه يريد امرأة". ولأنه لم يكن لديها ما يقيها غائلة البرد و المطر في تلك الليلة فقد حزمت أمرها على تحقيق رغبة الرجل. وفي الزنزانة أخذ كل منهما، المرأة والسجين، يبثّ الآخر أشجانه، ويحكي عن ظروفه، وحظّه العاثر، وحين بدا لها صادقاً: "تكالبوا عليه مثل وحوش كاسرة. ألصقوا به تهمة قتل متعمّدة. تهمة كان بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لتصبح بعد حين أرجلهم في الخلاء ورقبته ضمن حبل المشنقة". قالت له: "تعال نتجاوز كوابيس هذه اللعبة". وعندما سألها:"وماذا بالنسبة للغد؟ التمعت عيناها ببريق ليس له شكل أو طبيعة أو ديمومة. شعّ البريق في أعماقه فيما يشبه الأمل، بينما صوت انهمار المطر في الخارج يترافق مع صوت انهمار دموع السجّان الذي كان يجلس قرب باب الزنزانة".‏

وعلى الرغم من أنّ الأغلب الأعمّ من مؤرقّات القصّ في النصوص الثمانية عشر القصيرة التي تضمنتها مجموعة هيمى المفتي: "ومضات"(14) لا يغادر المتواتر في القصّ النسوي العربيّ عامة، أي هجاء الوعي الذكوري الشائه الذي يمارس نفوذه البطريركي ضدّ المرأة في المجتمعات العربية، ثمّ كوابح الواقع وأعرافه وتقاليده الاجتماعية التي تصادر عليها حقّها في ممارسة وجودها على النحو الإنساني اللائق بها، فإنّ القاصة تقارب تلك المؤرقات على نحو فنّي مغاير لمواضعات ذلك القصّ، ليس بسبب الشكل الجديد نسبياً الذي اختارته لبناء معمارها القصصي فحسب، بل بسبب إثارتها مخيّلة القارئ عبر ذلك الشكل لاستكناه ظلال القصّ نفسه أيضاً. وسأمثّل لتلك النصوص بنصيّن :" السراب"، و "الأسيران"، اللذين يمكن عدّهما نموذجين متمايزين حكائياً متعاضدين دلالياً.‏

في النصّ الأول "السراب"، ثمة شاب عائد من بلد أجنبي، يلتقي، مصادفة، بفتاة كانت تعيش في انتظار رجل مثله يحمل شهادة عالية، وله مركزه الاجتماعي، ويملك المال:"كانت واحدة من كثيرات، كلّ منهن ترمي شباكها حوله.. لم تكن أجملهن، لكنها أول فتاة تسمح لـه بأن يتجاوز كلّ الحدود دون اعتراض. أخبرته أنها متعلّقة به، وأخبرها أنه يريد أن يعرفها جيداً. كانت تخرج معه وقتما يشاء، تلبس ما يعجبه، وتأكل ما يشتهي، وتمنحه كلمات الحب بلا حساب".‏

وحين طلبت إليه أن يحدّد موقفه، بعد طول انتظار، لم يتردّد في القول:" أنتِ فتاة رائعة، وقد استمتعت بصحبتك فعلاً. لكنني لا أرغب في الارتباط بك" ثمّ علّل إرادته تلك بقوله:" في الحقيقة، بعد أن أمضيت سنوات طويلة في الغرب، أصبحت أفضل الحياة مع فتاة شرقية الطباع"‍.‏

وتتجلّى كوابح الواقع وأعرافه وتقاليده السالبة للمرأة والرجل معاً في وجود إنساني خال من ملوّثات تلك الأعراف والتقاليد في نص " الأسيران" الذي تختزل فيه القاصة، ببراعة لافتة للنظر، مظهراً من مظاهر انتهاك الموروث الاجتماعي الشائه لعاطفة الحبّ. فثمّة فتاة أرغمتها العادات على الارتباط بابن عمّها. وشاب أرغمته العادات نفسها على الارتباط بابنة عمّه. وحين كانا يلتقيان، بعد إذعانهما لتلك العادات، ويتبادلان نظرات الرغبة في التمرّد عليها، كان ثمّة ما يحول بينهما: امرأة تنتظره هي ابنة عمه ورجل تحمل اسمه هو ابن عمّها، فيعود هو إلى سجنه، وتعود هي إلى كفنها.‏

وليس صواباً تماماً ما انتهى إليه "خطيب بدلة" في كلمة الغلاف الثاني لمجموعة ابتسام شاكوش:"بعض من تخيّلنا"(15) من أنّ القاصة " لم تحصر نصّها القصصي في دائرة الأدب النسائي"، ليس لأنّ النصّ الذي تحمل المجموعة عنوانه ينفي ذلك فحسب، بل لأن الأغلب الأعم من النصوص السبعة عشر التي تضمنتها المجموعة لا يتحرّر من طغيان مشكلات المرأة وقضاياها، كما في معظم الكتابة النسوية العربية، أيضاً.‏

تتابع قصة "بعض من تخيّلنا" ما دأب عليه المنجز السردي النسوي العربيّ من هجاء للتعارض الحادّ بين الرجل والمرأة، الذي يفتك بأكثر العلاقات الزوجية في المجتمعات العربيّة، فـ"بهية" امرأة بليدة، ومطيعة كبقرة حلوب، ما إن تضع رأسها على الوسادة حتّى تستغرق في شخير متصل، وحين ضاق بها ذلك الزوج ذرعاً وجد في "ميسون" ، الفتاة التي تشاركه غرفة مكتبه في العمل، ملاذاً له ممّا كان يعانيه. وعلى الرغم من أنّ خيالاته كانت تطير به إلى بلد بعيد: "فيه كلّ أسباب العيش الهنيء، لا يعرف فيه أحداً ولا يعرفه أحد، آخذ معه ميسون ليعيش معها الحبّ بأروع صوره"، فإنه سرعان ما كان يرتطم بأرض الواقع، ولاسيّما حتّى كانت ميسون تناديه:"عمو أبو نظير". وعندما سافرت زوجته أمّلَ نفسه بقضاء "قيلولة استثنائية قبل الخروج إلى الحديقة حيث تتنزه ميسون"، لكنّه ما إن دخل المنزل حتّى دهمته الوحشة وسقط" حلمه بالحريّة كلوح من الجليد الرقيق.. أشاع البرودة في كلّ الزوايا الغارقة في الصمت"، وفي الحديقة التي ذهب إليها مساءً لانتظار ميسون بوغت بها مقبلة بها مع صديقات لها وهي تطلق قهقهات "في غاية الوقاحة، تتنزّل على نفسه.. كمطارق الحديد"، وما كان يغادر الحديقة جارّاً وراءه "ذيول الخيبة والخذلان"، حتّى حثّ خطاه "نحو شبّاك البرق، وهنا خطّ برقية مستعجلة، أضعتُ لباسي يا بهيّة، أسرعي بالعودة إلى البيت".‏

وتقدّم قصة وفاء خرما : " الأجنحة المتكسرة لـ س و ع" (16) إشارات عدّة إلى صواب ما انتهى إليه شوقي بغدادي في تقديمه لمجموعة القاصّة، أي قوله:"ليس لوفاء خرما أن تشكو من نقص في الموهبة أو التقنيات، فهي تملكها وتجيدها".‏

فعلى الرغم من دوران القصة في فلك الكتابة النسوية العربية المهمومة عادة بمعوّقات تحرّر المرأة، فإنها، وبسبب عوامل عدّة تعيد إنتاج ذلك على نحو فنّي جديد ودالّ بآن على موهبة جديرة بالتقدير حقاً. ولعلّ أبرز ما تميّز تلك القصة توزّع مغزى القصّ فيها بين حقلين دلاليين: على المرأة المطعونة في أحلامها بسبب ا لوعي الذكوري الملوّث بالتخلّف. والتضاد بين النظرية والممارسة لدى المثقّف العربي عامة، بسبب توزّع القصّ نفسه بين حكايتين: حكاية المرأة المريضة مع زوجها، وحكاية الطبيب المعالج مع الواقع حوله.‏

تفتتح القاصة نصّها وبطلتها ممدّدة على سرير ضيّق في عيادة طبيب، وحين ينتهي الأخير من تشخصيه لمرضها ويبدأ بكتابة الدواء اللازم سقطت عيناها على مكتبة صغيرة تستقرّ في رفوفها كتب لافتة للنظر:( الأعمال الأدبية الكاملة لتولستري، والملهاة الإنسانية لبلزاك، ومدخل إلى فلسلفة التاريخ لهيغل و .. ومجموعة من مجلة بعنوان "الكفاح")، وعندما مدّت يدها إلى كتاب ابن رشد :"تهافت التهافت" وسألت :ابن رشد؟ هزّ الطبيب رأسه قائلاً:"ابن رشد وغيره. أتسلّى بالقراءة". ثم تنعطف حركة القصّ، عبر تقنية الاسترجاع، إلى جزئية ممّا عانته تلك المرأة مع زوجها:"كان إذ رآني أقرأ في كتاب ينبر غاضباً: عيناك ألا ترحمين عينيك؟ ولم تكن عيناي ما يهمّه. كان يخشى ارتقائي"، وما تلبث تلك الحركة أن تعود إلى الحكاية الأولى، لتهجو، عبر لسان الطبيب، جشع زميله في المهنة، الجرّاح (ص) الذي قضى على يديه أربع من مرضاه في عام واحد، ونجا من مطاردة القانون له. وعبر التقنية نفسها ترتدّ الحركة إلى جزئية أخرى من معاناة المرأة: "فجراً يدخل البيت بخطوات متعثرة.. ينهدّ بجسمه على السرير... قال لها: أسهر كما أشاء وأنى أشاء.. أنا رجل لا يحبّ القيود" ولم يكن ثمّة خيار أمامها سوى فكّ قيودها من حياته.‏

كانت تؤمّل أن تجد لدى الطبيب شفاء لها من مرضين: من علاقتها الماضية بزوجها، ومن قلبها الذي أوهنته تلك العلاقة، لكنها ما إن دخلت العيادة، في الموعد الذي كان الطبيب قد حدّده لإجراء العمل الجراحيّ اللازم لها، حتّى بوغتت بأنّ العيادة مغلقة، وأنّ أحدهم يتبرّع بالقول :"استدعي فجأة لتوقيع عقد في الخليج".‏

وتستعيد قصّة أميمة الخش "الرشيم"، (17) بواكير القصّ السوريّ، بل العربيّ عامّة، الذي غالباً ما كان يتوسّل بالسرد لإنتاج أفكار، ولتثبيت قيم ونفي نقيضها، وأداء رسالة تعليمية تتقدّم وسائل بناء المعرفة فيها على وسائل بناء النصّ.‏

تعاين القصة التضاد المادي والروحي بين الذين يملكون والذين لا يملكون، على الرغم من انتمائهم جميعاً إلى جذر واحد، ومن انتهائهم جميعاً أيضاً إلى نهاية واحدة. وتطمح إلى القول كما تؤكّد ذلك في نهايتها: "في القلب يكمن المعنى، ومَن يحيا من غير قلب يفتقد معنى الحياة. القلب هو الحجر الفلسفيّ الذي يحوّل أخسّ المعادن إلى ذهب". وبين المقدّمة والنهاية يغصّ المتن بالأفكار المتعارضة فيما بينها: أفكار الشاب الغريب الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية نقيضة لسكّان القصر وزوّاره الذين كانوا يشاركون في العزاء بصاحب القصر، وأفكار أولئك السكّان والزوّار أنفسهم الذين بدا الشاب بالنسبة إليهم كما لو أنه مخبول أو مدسوس عليهم. فبينما كان أحد أولئك يؤكّد أنّ الحياة يجب أن تُعتصر حتّى آخر قطرة منها، كما فعل الميت، صاحب القصر، الذي "عاش حياته كما يجب أن تُعاش" وهل من ملذاتها ومتعها ما جعل منه معلّماً بالنسبة إلى أبناء طبقته، انبرى الشاب للقول إنّ للحياة معنى آخر، وإنه لا يُعقل أن يكون لوجود أحد في الحياة معنى ولا معنى لوجود سواه، ثمّ إنّ " التطوّر الحقيقي للبشرية .. ثمرة جهود أناس شعروا، وهم في عصر الكهوف، بأنّ للحياة غايات أبعد من إشباع حاجاتهم الآنية".‏

وتتميز قصّة سوزان خواتمي :"الحضن الكبير"(18) من القصّ النسوي في التسعينات بمقاربتها لموضوع لم يشغل سوى مساحة صغيرة من مؤرّقات قصّ الستعينيات عامة، وليس النسوي وحده هو الحنين إلى الوطن، الذي يكابده المغتربون، ولاسيّما الذين وجدوا أنفسهم بين فكّين بآن: الإدمان على الاغتراب، والشوق الفادح إلى الوطن. والقصة أشبه ما تكون بقصيدة رثاء للذات المغتربة، بل قصيدة تفجّع على ذكريات لم يستطع النأي المديد عن مراتع الطفولة والشباب وعن الأهل والأحبة أن ينال شيئاً من بهائها، أو أن يحفر الزمن ندوبه القاسية فيها.‏

تبتدئ حركة القصّ في " الحضن الكبير" بأغنية فيروز:" ردّني إلى بلادي.." التي تضع الساردة / الشخصية الرئيسة في القصة وجهاً لوجه أمام سيل هادر من الحنين إلى الوطن لم يكن من بدّ للجمه سوى لجم الأغنية نفسها :"بذراع عصبية المزاج أخرس جهاز التسجيل، وأطبق بكفّي فوق دمعة كرجت على خدّي"، ثمّ سرعان ما تبدأ الذكريات بالانبثاق من غيابة الماضي موقدةً جمر الحنين، وممعنةً في استنهاض ما اندثر أو كاد من وقائع الطفولة الأولى وأحلام الصبا التي تبدو جميعاً كما لو أنّها "قوارير مسكوبة يدوسها قطار العمر الماضي نحو أقداره فلا يتسنّى الوقت إلا لاشتمام بعض من روائحها". وسرعان أيضاً ما تنفتح الذاكرة على الخصائص المميّزة للمدينة الجذر/ المدينة الوطن التي لم تقو السنوات العشرون التي قضتها بعيداً عنها على تبديد فتنتها، أو إخماد وميضها في خلايا الروح كلّها :"كبر الصغار وصاروا لصيقين بمواطئ أقدامهم الجديد، يرطنون بالأجنبية مستصعبين نطق الضاد، مستسلمين عن المحاولة، رغم أن لهجة القاف المرققة (لهجتي المحلية) يطيش لها صوابي فتبحث عيناي جذلة بالناطق، متمنية لو أسأله عن الشمس المشرقة دون استحياء.. عن الفستق الحلبي ذاك الذي يستسلم لشعاع القمر في تمامه، فتتفتح مسامه ويحلو مذاقه.. عن آذان الجوامع.. عن صلاة العيد والناس تردد الدعاء في البيوت.. في المذياع.. في التلفاز.. في عيون الصغار’.. في قلوب الكبار". ولأنّ تلك الفتنة وذلك الوميض، كانا زادها في الغربة، بل خلاصها الوحيد من الأرق الجائر الذي كان زادها في الغربة، بل خلاصها الوحيد من الأرق الجائر الذي كان يطارد لياليها، ولا سيّما في الأيام الأولى لغربتها، لم تجد، في خاتمة القصة، جواباً للسؤال الذي تخيّلت أنّ الوطن قد سأله لها حين عادت إليه :"شو اللي تغيّر فيك؟" سوى القول: "ما في شي، بس كلّ يوم كنت عبحبّك أكتر".‏

وتمعن غزالة درويش في قصّتها :"زمن يحترق"(19) في تعرية قيم الاستبداد الذكوري التي تهمّش المرأة وتسلبها وجودها الإنساني، وتجعلها نهباًَ للوحدة والقهر. تسرد القاصة، على نحو فنّي، حكاية امرأة مطلّقة طُردت من بيت زوجها لتمرّدها على إراداته، فآوت إلى غرفة أكثر "ضيقاً من قبر، في شقّة تزدحم بالغرباء مثلها"، وأمام وطأة إحساسها الدامي بحنينها إلى طفلتها، وإلى عالم خال من ملوّثات الذكورة، ومن لعنة "مطلقة" التي كانت تطاردها دائماً، تجد نفسها مرغمة على الذهاب إلى طبيب نفسي علّه يخلّصها من قتام الكآبة التي كانت تجثم على روحها، وتدفعها إلى الشوارع ليلاً كي تمتلئ بمعنى الوجود، وتتنسّم رائحة الحرية.‏

وتُعنى منال فيّاض في قصّتها :"سفر في وريد مقطوع" (20) برثاء الحبّ الذي تغتاله يد الموت قبل أن يكتمل، وذاك الذي يسقط صريعاً بأنياب اللهاث وراء المال قبل أن ينمو ويترعرع. ولعلّ ابرز ما يميّز تلك القصّة تعبيرها عن صورة الآخر غير العربيّ على نحو مغاير لتجلّيات تلك الصورة في الأغلب الأعم من السرد العربي عامة، القصصي والروائي، فالطبيب الشاب الذي يتابع دراسته في دولة أجنبية، والذي كان له موقفه المضاد من المرأة بسبب "عبير" التي آثرت الزواج من رجل مدجّج بالمال على الوفاء له، وعلى إكمالها لدارستها، يجد نفسه متعلقاً بإحدى مرضى المستشفى الذي كان يتابع دراسته فيه، لكن يد المنية تعاجل تلك المريضة فتفتك بروحه كما فتكت بجسدها. ولئن كانت القصّة قد عرّت الوعي الناقض لدى الفتاة الشرقية، كما تمثّلها عبير لم تكن يوماً "تغير .. تسريحة شعرها ولا بنطالها الجينز الأزرق" بسبب فقرها والتي سرعان ما أدارت ظهرها إلى الشاب الذي أعطته "منديلها المغمس بالعطر والدموع" قبل أن تسافر لإكمال دراستها، وسرعان أيضاً ما تزوجت من رجل ثريّ، فإنها، أي القصة، بآن ، قدّمت صورة تكاد تكون جديدة للفتاة في الغرب، كما تمثلها المريضة التي أحبّها الطبيب/ السارد، وسهر على رعايتها. إذ كانت، بالإضافة إلى كتابتها الشعر تفيض رقّة، وتؤثر مَن تحبّ على نفسها حتّى لو كان ذلك على حساب جسدها العليل.‏

وتكاد قصّة بلسم محمد :"ريح الشمال"(21) تكون تنويعاً على قصّة سوزان خواتمي: "الحصن الكبير" ولكن على نحو آخر، فإذا كانت قصة خواتمي قد صوّرت الحنين إلى الوطن في بلاد الاغتراب، فإنّ "ريح الشمال" تتابع ذلك الحنين من داخل الوطن نفسه، أي بعد رحلة الاغتراب عنه.‏

يتوزّع محكيّ القصّة بين فضاءين وزمنين: فضاء الغربة، وفضاء الوطن. تستعيد الساردة/ الشخصية الرئيسية،عبر الأول، ذكرى اغترابها مع زوجها الذي كان يتابع دراسة الطبّ في "موسكو" وتتوقّف عند رحلة فاتنة كانت قضتها بصحبته وآخرين، في "ليننغراد". وحين عادا إلى منزلهما، وبينما كانت تغادر السيارة، لفحتها ريح باردة قادمة من الشمال كان لها وقعها الخاص عليها:"عندما نعود إلى بلدنا قد تنسيني الأيام كل شيء، إلاّ برودة ريح الشمال هذه، ورائحة الثلج الذي تحمله". وفي المنزل، وبعدما قال الزوج: "بالرغم من أننا عائدان من أجمل الأيام والأماكن، فشوقنا إلى وطننا الصغير هذا يجعله ممتلئاً بالأمان، فكيف إذا عدنا إلى وطن الأهل والأرض والأحبة"؟، أحسّت بأنّ ثمّة حنيناً جارفاً يشدّها إلى وطنها، فرددت بينها وبين نفسها: " أريد أن أعود.. أريد أن أعود".‏

كانت تردّد ذلك في الوطن وهي تغيب شيئاً فشيئاً عن الوعي في مستشفى الولادة الذي نُقلت إليه لإنجاب طفلها الثاني، وبينما كانت تصحو من أثر المخدّر الذي حُقنت به قبل البدء بالجراحة القيصرية، وحينما سألتها قريبة لها عن الاسم الذي ستختاره لطفلها "تمتمت بصعوبة بالغة :إنه المجد فعلاً.. إنه المجد"، قاصدة بذلك الوطن، فتناهى إليها صوت الطبيبة يقول للممرضة :"سجلي اسم الوليد في شهادة الميلاد :(مجد)".‏

وتعيد قصّة أمية الجاسم العبيد :"عسلها مرّ"(22) إنتاج ما يبدو مكونّا‍ً مركزياً في مؤرقّات القصّ النسوي العربيّ عامة، أي إخلاص المرأة وخيانة الرجل. فثمّة امرأة رفضت عروض الزواج التي انهمرت عليها بعد موت زوجها في بلد بعيد عنها، وآثرت التفرّغ لتربية أبنائها، والوفاء لعلاقة الحبّ التي كانت توحدهما معاً. لكنها، وبينما كانت تعد نفسها للاحتفال بخطوبة ابنتها "سهير"، بوغتت بامرأة تزورها مع ابنة شابة لها في عمر سهير، ولم يكد يمضي وقت على بدء الزيارة حتّى أحسّت بأنّ ثمّة دواراً يعصف بها. قالت المرأة مخاطبة سهير: "إنها سميرة أختك يا سهير، وهذه شهادة ميلادها، وهذا صكّ زواجي من والدها المرحوم سليم".‏

جماليات القصّ:‏

لئن كان من البدهي ألا يكون القصّ النسوي السوري في التسعينيات، شأن مجمل تجارب القصّ السوري في عقود مختلفة من تاريخه، على سوية فنّية/ جمالية واحدة، فإنه لمن اللافت للنظر ترجّحه، في هذا المجال، بين مستويين لا ثالث لهما: أول يحقّق فعل القصّ لنفسه مسوّغات انتمائه إلى الفنّ قبل انتمائه إلى الجنس القصصي، وثان يتجلّى هذا الفعل معه ومن خلاله حكاية فحسب تنأى عن الفنّ نأيها عن القصّ بمعناه الفني بآن.‏

تنتمي قصة ماري رشو: "قوانين رهن القناعات" إلى المستوى الأول، وتمتلك أكثر من إشارة إلى وعي القاصة بمعنى الفنّ، ولاسيّما الغوص على أعماق الشخصية واستجلاء ما يضطرم فيها من تردّد بين خيارين ضاغطين أحلاهما مرّ.‏

ويتجلّى ذلك الوعي من خلال بناء القاصة لجملة سردية لاهثة وقصيرة وحارة وقادرة على تصوير ذلك التردّد والتعبير عنه وتحويله من كونه واقعاً نفسياً إلى كونه واقعاً لفظياً تستجب حركة القصّ معه لمختلف أشكال التوتّر في الشخصية، ولعلّ المقبوس التالي يكشف بعضاً من تلك السمة المميزة لذلك الوعي:"الزمن يكرّر المواقف... فكّرت باقتضاب.. في ذاكرتها بحر يصخب و أمواج.. وشوق إلى انفصال عن دائرة الأفعى.. أو هرب من مشاعر الذنب والاتهام .. فعجلة الحياة تدور.. تخلّف المتناقضات وتبقى النفس البشرية بضعفها وجبروتها مواقف اختيار..؟.‏

وتزخر قصة رباب هلال :"دوائر الماء والأسماء" بما هو دالّ على موهبة قصصية لافتة للنظر، ولاسيّما مكوّن اللغة، الذي تُبدي القاصة من خلاله مقدرة مميزة في النفاذ إلى دواخل شخصيتها الحكائية، أمل، وفي تجلية تلك الدواخل عبر سرد شافّ، توحي الجملة القصصية فيه أكثر ممّا تقول، وتومئ أكثر ممّا تعكس. ولئن كان من أبرز الأفكار التي زخرت تلك القصة بها القول بأنّ الوعي الشائه سمة الطبقات الاجتماعية المختلفة، فإنّ من أبرز ما يميّز تعبير القاصة في هذا المجال إضمارها، عبر رمز المطر، بأنّ ما يحرّر الواقع من ذلك الوعي، إلحاح المرأة نفسها على مساءلة كلّ شيء حولها، ودأبها نفسها أيضاَ على تطهير الواقع من الآثام الكبيرة التي تعوّق تقدّمه: " عندما كنت صغيرة كنت أتعمّد المشي البطيء تحت المطر.. إحساس بالعطش يلازمني.. جفاف بداخلي يطالب دوماً بالارتواء".‏

وتبدو قصة نجاح إبراهيم: " المجد في الكيس" نموذجاً دالاً على ما ذهب إليه الشاعر مدحت عكّاش في كلمته على الغلاف الثاني للمجموعة، أي قولـه إنّ نجاح إبراهيم " تضع قدمها في محراب فنّ القصة القصيرة واثقة من نفسها" ، فالقصة، التي تنتسب بشكل ما إلى ما يُصطلح عليه بالقصص البوليسي، توفّر القاصة لها عناصر التشويق كافة، وترغم قارئها على متابعتها حتّى نقطة النهاية منها. غير أنها، في الوقت الذي تعرّي فيه جزءاً من مثالب الواقع الثقافي، لا تنجو من مواجهة الوعي الذكوري الشائه بوعي نسوي مضاد، إذ يبدو مجمل المثقفين لديها من الرجال ملوّثاَ بالنقائض:"القاص محمود ذو الكرش المتدلّي" الذي كان ينظر إلى القاصة المنهوبة "بخبث وشماتة"، والآخر الذي كان يؤكّد أنها " أنانية"و " لا تريد لغيرها أن يحلّق" و "عزيز الشاعر الذي ألّف في تاريخه الغابر قصيدة مهلهلة عندما هجم عليه شيطان الشعر فجأة وهو يعالج قضيباً من الحديد في ورشة عمله"، ثمّ مدير المركز الثقافي الذي افتتح كلامه في الندوة الأدبية بقوله:"كيف لمصطفى أن يسرق أقاصيصك؟ قد تكون مج‍رّد توارد خواطر أو تشابه في الأفكار"، وأخيراً عزيز الذي بادر إلى القول: "مِن رأيي أن تلزم أديبتنا الشابة بيتها".‏

وبهذا المعنى، فإنّ القاصة لا تشتغل على فضاء الرجل بوعي واختيار واستراتيجية، بتعبير حسن نجمي (23)، بل تكتفي بهجاء ذلك الوعي، وتتصدّى لتعريته من موقف المرأة المضطهدة فحسب، وليس من موقف المرأة المثقفة. ولئن كان ثمة ما يسوّغ لها ذلك، فهو امتلاكها أدوات القصّ امتلاكاً يكاد يكون تاماً من جهة، وإرهاص مجموعتها عامة بقاصة موهوبة حقاً من جهة ثانية.‏

وتتّسم قصة جمانة طه: "سندباد في رحلة مؤجلة"، على المستوى البنائي، بوفرة المتفاعلات النصيّة فيها، فبالإضافة إلى تصدير القاصة لنصّها بحكاية "داغولت" و "ليست" ثمة في المتن إشارات إلى أغنية فيروز:"كيفك أنت"، وجلجامش والسندباد، وعشتار، وأنكيدو، و... تنهض جميعاً بأداء وظيفة تنويرية في مقاصد القصّ، أي بالكشف عن لعنة الاغتراب التي رافقت الإنسان منذ فجر التاريخ، فسلبته أحبّته، وأسلمته لهواجس الوحدة والحنين إليهم دائماً. ومن أهمّ ما يميز تلك المتفاعلات انبثاقها من حركة القصّ نفسها، أي بوصفها جزءاً من تلك الحركة وليست ملصقات فيها، ثمّ انتماؤها جميعاً إلى حقل دلالي واحد هو تلك اللعنة التي أشرت إليها آنفاً. وممّا يميّز ضمير الخطاب الذي لجأت القاصة إليه في صوغ محكيّها، أي ضمير المتكلّم بلسان الرجل، كفاءة القاصة في تحرير ذلك الضمير من مرجعه الذكوريّ، ليبدو، داخل القصّ، بوصفه لسان حال الإنسان عامة، وليس الرجل وحده.‏

ولا تقدّم قصة هيفاء بيطار: "خواطر في مقهى رصيف" إشارات كافية إلى أداء فنّي دالّ على تملّك القاصّة، معرفياً وجمالياً، لأدوات الجنس القصصي، وعلى تمكّنها من صوغ جملة قصصية محمّلة بالإيحاءات والظلال، فالنصّ أشبه ما يكون برواية تمّ اختزالها إلى جنس القصة القصيرة، وهو يغصّ بنوافل فائضة على جسد المحكي على مستويين: سردي ودلالي كما في إلحاح القاصّة على إلحاق صفة " السوداني" بالفستق على الرغم من عدم وجود نوع آخر له داخل النصّ، وصفة "رصيف" بالمقهى على الرغم من أنّ فعاليات الاسترجاع لا تتمّ في قضاء آخر سواه أيضاً. ولا يمتلك ضمير الشخص الثالث، "هي"، ما يعلّله على نحو كافٍ، سوى إيهام القارئ بأن المحكيّ عنها ليست القاصّة نفسها، التي لم تبذل جهداً كافياً في تفحّص "ا لرأرأة" التي تعانيها لغة القصّ لديها، والتي تبلغ حدّ العامية أحياناً، كما في قولها :"لم تفتكر الكلمات".‏

وتتّسم قصّة أنيسة عبّود: "في تلك المدينة" بتجذير القاصة لمحكيّها في بيئتها المحلّية، وبتقديم أكثر من قرينة دالّة على الفضاء الذي تتحرّك فيه الأحداث والشخصيات، ولاسيّما أسماء القرى والشوارع، سعياً من القاصة إلى تعزيز واقعيّة القصّ، وصدوره عن خبرة مباشرة بذلك الفضاء. وعامة. فإنّ القصّة لا تغادر المتواتر في قصّ السبعينيات، بل إنها تعيد إنتاجه على أكثر من مستوى، ولاسيما على المستوى الفنّي، إذ تكتفي القاصة بسرد ما حدث لبطلها على نحو مباشر، ولا تخلّص ذلك الذي حدث من فوائض القصّ ونوافله، أي ممّا اصطلح "توماتشفسكي" عليه بـ"الحوافز الحرة" (24)، كما في شخصيتي الأفندي الأعرج وزوجته حسنة، اللتين لا تنهضان بأداء أيّ دور في القصة، واللتين يمكن الاستغناء عنهما من غير أن يؤثّر ذلك في جوهر القصّ. وعامة أيضاً،فإنّ اللغة تبدو مغلولة إلى أصفاد ما هو إبلاغي فحسب، أي من غير ما استخدام خاص للغة العملية، الذي عدّه "رامان سلدن" جوهر الأدبيّة في الأدب (25).‏

وتتّسم الرموز في قصّة ندى الدانا: "أوراق اللعب.. أوراق الأشجار" بأنها تُسلم نفسها إلى القارئ دون عناء، فالرجل ليس سوى العربيّ الذي صار إلى ورقة لعب بيد القوى الكبرى، واللاعبون ليسوا سوى تلك القوى التي تحددّ مصائر الضعفاء كما تشتهي، ووالدة الرجل ليست سوى الأمة العربية التي انتهت إلى الضعف والهزال ولم تعد تقوى على فعل شيء. وبناء القصة يرتهن إلى تقاليد القصّ، التي تهيمن عليها التراتبية الخطّية في بناء الزمن. والتي يبدو السارد فيها قادراً على النفاذ إلى دواخل الشخصيات وعالماً بكلّ شيء، وينيب نفسه عنها في الكشف عن أفعالها وردود أفعالها تجاه الواقع حولها، فالأحداث، في القصة، تتتابع تتابعاً كرونولوجياً، و الرجل / السارد المتماهي بمسروده يبئر ذلك المسرود من خلال منطق " الحكاية ذات التبئير الداخلي بتعبير" جينيت"، أي الحكاية التي يتم تبئيرها من خلال وعي شخصية ما، والتي "تحصر الشخصية المركزية تماماً في موقعها البؤري وحده، ولا تُستنبط إلا منه"(26)،ولعلّ هذه السمة هي ما جعل استخدام القاصة لضمير المتكلّم غير ذي دلالة حركة القصّ، إذ تمكن إعادة كتابة القصة بوساطة ضمير خطاب آخر من غير "أن تتسبّب هذه العملية في أي تغيير للخطاب غير تبديل ضمائر الشخص النحوية"(27). ولعلّه من المهمّ الإشارة إلى أن خاتمة القصّ تبدو نتاج إرادة سابقة على الكتابة أكثر منها نتاج إرادة القصّ نفسه، وعلى نحو يذكّر بصنيع كتّاب "الواقعية الاشتراكية"، ولاسيّما الجدانوفية التي دعت إلى وجوب تزيين النص الأدبي " بالرومانسية الثورية التي تفكّر بالمستقبل المشرق"(28).‏

ولا تكتفي الآيتان الكريمتان : "والليل إذا عسعس . والصبح إذا تنفّس" اللتان تصدّر بهما سحر سليمان قصّتها : "حرق الليل" بمعاضدة الدلالة في عنوان القصّة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الإيحاء بالزمن الذي يحدّد فضاء القصّ أيضاً، والذي يتجلّى داخل المتن القصصي بوصفه، أي : الليل، رمزاً لوطأة الواقع الذي يحدّد مصائر الأحداث والشخصيات بآن.‏

والمتفاعلات النصيّة المبثوثة في القصة تتجاوز الآيتين المشار إليهما آنفاً واللتين تنتميان إلى حقل "المناصّ" إلى ما ينتمي إلى حقل "الميتانصّ" أيضاً، أي ما يأتي مندمجاً ضمن النصّ، وممّا يصعب على القارئ غير المكّون تبيّنه (29)، كما في المقبوس التالي :"رائحة أميّ، وقهوة أميّ، وضحكة أميّ، ودموع أميّ، التي تطهرني من كل مخاوفي" الذي يحيل إلى قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش المعروفة.‏

وليس حرق الليل، أو الطفح الجلدي، الذي كان يمعن في تعذيبه للفتاة سوى رمز لأمراض الوعي الناقص وعلله المدمّرة، فالآلام التي كانت الفتاة تعانيها في الليل بسبب ذلك الطفح هي الوجه الماديّ للآلام النفسية التي كانت تفترسها بسبب الحرب المستعرة دائماً بين والديها، والتي سرعان ما انتهت إلى الطلاق، فإلى زواج الأب أولاً ثمّ الأمّ أخيراً. وقد نجحت القاصة، عبر اللغة اللافتة للنظر برهافتها، في إحداث تواز بين الوجهين: المادي، والنفسي. غير أنها، على الرغم من كفاءتها الواضحة في بناءها لشخصياتها، فإنها لا تقنع القارئ في بنائها لشخصية الأب الذي طالما كان يردّد على مسامع ابنته قوله :"ادرسي يا ابنتي، كوني قلعة مسوّرة بحصن متين، فالدراسة حصنك الحامي"، والذي سرعان ما وجد في إنجاب زوجته له مولوداً أنثى ذريعة ليتوّج حربه القديمة معها بالطلاق. كما لا تستطع تطهير نصّها من خدوش الأخطاء اللغوية والطباعية بآن.‏

وإذا كان ممّا يميّز منهل السراج "تخطّي الجسر" من سواها من القصّ النسوي في التسعينيات لمحكيّها في البيئة التي تنتمي إليها، كما فعلت أنيسة عبّود في قصتها :"في تلك المدينة"، فإنّها بآن تمتلك ما يجعل منها علامة في ذلك القصّ بسبب السمة الاستعارية التي تحررّها من وطأة ما هو واقعيّ، والتي تتجلّى من خلال ثلاثة رموز، القطّة، والشجرة الصغيرة، والكوخ.‏

وتبدو لغة القصّ عند حنان درويش، في "بوح الزمن الأخير"، وثيقة الصلة بلغة الشعر: فيّاضة بالصور، وموقعّة إيقاعاً داخلياً، ومعزّزة للأطروحة القائلة إنّ القصة القصيرة "أقرب الأنواع الأدبية إلى الشعر"(30) " الليلة الشرهة تعوي في عظامها. يودع البرد سياطه فوق صفحة وجهها. ثمة مطر غزير، وثمة عواصف متخمة بالفجاجة تقتلع أوتاد خيمتها، وتصبّ في قلبها ذعراًَ لم تستطع مهادنته. تنتفض. تختنق. يتبعثر حطام المرأة في داخلها". وما هو فنّي دالّ على قصّ مميّز عند حنان درويش لا يتحدّد بمكوّن اللغة فحسب، بل يتجاوز إلى المكوّنات الأخرى لفعالية القصّ، ولاسيّما مكوّن الوصف المعني بأعماق الشخصية وانفعالاتها، ثمّ الاقتصاد الواضح في خطاب الأقوال الذي يعاضد الوصف في المجال نفسه أيضاً. ولعلّه من المهمّ الإشارة إلى التعارض بين الفضاءين الأساسيين اللذين تتحرّك فيهما الأحداث والشخصيات في القصّة: فضاء الشارع، وفضاء الزنزانة، اللذين يكتسبان داخل القصة دلالة مفارقة لمرجعهما الواقعيّ، فعلى حين يبدو فضاء الشارع المفتوح مثيراً للألم والعزلة،يبدو فضاء الزنزانة المغلق عابقاً بالألفة والمودّات.‏

وما يميّز نصيّ هيمى المفتى معاً، بل ما يميّز نصوص مجموعتها كافة، قولها أكثر ما يمكن بأقلّ ما يمكن، وكفاءتهما، بل كفاءة القاصة على نحو أدقّ، في اختزال مكوّنات القصّ إلى الجوهري منها تماماً، أي خلوّ تلك المكوّنات من الحوافز الاعتباطية، ثم استثمار القاصة للجملة الفعلية على نحو فنّي/ جماليّ مميّز، من أبرز تجلّياته تلك المفارقة اللافتة للنظر بين استهلالات القصّ وخواتيمه في معظم النصوص، ولاسيّما في نصّ "السراب" الذي يضمر في علامته اللغوية إيحاء بمآل علاقة الفتاة بالشاب إلى تلك النهاية الفاجعة. ومع أنّ القاصة لا تُعنى كثيراً بمكّون الفضاء الذي تتحرّك فيه شخصيات النصوص وأحداثها، فإنّ ثمّة ما يومئ إلى انتماء ذلك المكوّن إلى الفضاءات المغلقة دائماً، إمعاناً من القاصة، وعلى نحو غير مباشر، في تعرية أسوار العزلة الفادحة التي تعانيها تلك الشخصيات، وإحساسها الفادح أيضاً بقطيعتها مع الواقع حولها.‏

وثمّة في قصّة ابتسام شاكوش:"بعض من تخيّلنا " إشكالية في مقاصد القصّ، فالقاصة، داخل المتن القصصي، لا تدّخر جهداً في تأكيد أنّ حياة الرجل مع امرأة من النوع الذي ترسمه لشخصية "بهيّة" أشبه ما تكون بالجحيم، وأن لا ملاذ لذلك الرجل، وأمثاله، سوى امرأة ثانية يفيء إليها هرباً من هجير الوحشة التي تفترسه، بينما تنتهي، في خاتمتها، إلى أنّ الرغبة في التحرّر من وطأة ذلك كلّه ليست سوى "بعض من تخيّلنا"، وأنّ العيش مع امرأة مثل "بهيّة" أجدر بالديمومة والبقاء من الأحلام. إنّ القاصة تطمح إلى تثمين العلاقة الزوجية، لكنّها لا توفّر لفعالية التثمين تلك ما ينهض بها على نحو فنّي، كما لا تحرّر محكيّها من عبء الحوافز الحرّة، ومن تلك الحوافز خزانة بهية التي ينتهي القارئ من القصة من دون أن يعرف دلالة إغلاق بهية لها دائماً، أي ما الذي كانت تخفيه في داخلها، وعلى النحو المميّز لمعظم القص النسوي السوري في التسعينيات تنوء لغة القصّ تحت وطأة ما هو إبلاغي فحسب، وما تبقى المردة معه أسيرة جذرها المعجميّ.‏

وتمتلك قصّة وفاء خرما:" الأجنحة المتكسرة.." أكثر من قرينة دالّة على تمكّن القاصة من بناء نصّ أدبيّ يحقّق لنفسه معظم مكوّنات أدبيّة الأدب، ومن تلك القرائن التوازي والتقاطع بين الحكايتين، وتعدّد ضمائر الخطاب، واستثمار ذلك التعدّد استثماراً فنياً له مسوّغاته الكافية من داخل حركة القصّ، والاقتصاد في المحكي القصصي الذي كان يكتفي بالجوهريّ فحسب من الأحداث وطبائع الشخصيات، ثمّ إنتاج ذلك كلّه من خلال لغة تكتفي بقول ما يجب قوله من جهة، وتعبّر عن مشاعر المرأة المطعونة في أحلامها بكفاءة من جهة ثانية.‏

وتبدو "الرشيم" لأميمة الخشّ درساً في معنى الحياة والوجود أكثر منها قصاً، وباستثناء مكّون اللغة الذي يوفّر لنفسه بعض الخصائص الجمالية المميّزة، ولاسيّما في العرض، فإنّها لا تعبّر عن انتمائها إلى إنجازات التسعينيات، بسبب إلحاح القاصة على الأفكار أكثر من إلحاحها على وسائل صوغها الفنّي لتلك الأفكار. إنّ القصة أشبه ما تكون ببحث فلسفي وقد تقنّع بالجنس القصصي، وهذا القناع نفسه لم يستطع إقناع القارئ بصدوره عن صانع يمتلك أنامل مميّزة من سواها لدى الصنّاع الآخرين.‏

وتبدو قصة سوزان خواتمي " الحضن الكبير" أشبه ما تكون بقصيدة نثر، تسري الرهافة في عروقها كافة، وتذكّر القارئ بقصائد الشعراء المهجريين المترعة بذوب إنسانيّ خالب، وإذا كان ممّا ميّز تلك القصة، أو كاد من قصّ التسعينيات عامة، مقاربتها لموضوع الحنين إلى الوطن، فإنّ بناءها الفنّي يقدّم أكثر من إشارة دالّة على ما يميّزها أيضاً، وعلى ما يرهص، بآن، بصوت قصصي سوري جديد يتملك ما يؤهله ليكون نفسه ولا يكون سواه من جهة، وليشكّل إضافة إلى تجربة القصّ السورية من جهة ثانية. ومن أبرز تلك الإشارات الاقتصاد الواضح في مكوّنات المحكّي القصصي التي تتداخل فيما بينها بتناغم لافت للنظر، أعني: الشخصية، والحدث، والقضاء،واللغة، وزاوية الرؤية. ثمّ حركة القصّ التي تنتجها لغة رهيفة غالباً ما تجمع بين الماديات والمعنويات، فيتأنسن معها المجرّد ويتجرّد المشخصّ، وغالباً أيضاً ما تبرع في الغوص على أعماق الشخصية الحكائية، وفي استجلاء مكنوناتها الداخلية وعلاقتها بالواقع الخارجيّ حولها: " أتقلب فوق مجامر الفرقة والوجع يسكن الصدر فأسهر حتّى يملني الليل الطويل فيقذفني ليتلقفني الصبح وقد أدميت أطرافه بأطياف الدار والخلان لأسلم روحي ورأسي لإغفاءة البنفسج القصيرة قبل أن توقظني مهماتلا الصباح". ومن أبرزها أيضاً فعاليات التقاطب المضمرة بين فضاء الوطن وفضاء الغربة، التي تنبثق من تلك الحركة نفسها : ( شروق الشمس في الغربة وسطوعها في الوطن، رطانة الصغار بالضاد في الغربة وتفخيم القاف في الوطن، العيد في الغربة والعيد في الوطن، رائحة البنّ المحمّص في الوطن وبرودة طعم النسكافيه في الوطن). وعلى الرغم من أنّ محكيّ القصة يبدو نثارات من السيرة الذاتية للقاصة، فإنّ ما هو سيري يندغم بما هو جمعيّ، ويتماهى معه وفيه حتّى ليبدو صوت القاصة/ الساردة، المثخن بالحنين إلى الوطن، صوت المغتربين جميعاً، ولاسيّما الذين لم تلوّث حمّى المال، المال وحده، صلتهم بالجذر الذي ينتمون إليه.‏

وعلى الرغم من كفاءة غزالة درويش في بناء جملة ذات إيقاع داخليّ رهيف، في قصّتها: "زمن يحترق" فإنّ ممّا يعكّر صفو تلك اللغة الأخطاء النحوية التي تصدم القارئ بين موقع وآخر من حركة القصّ، التي لا تخلو بدورها من "العناصر الميّتة بتعبير "فورستر"، أي تلك التي لا دور لها في مقاصد القصّ ومغازيه. وقد أحسن شوقي بغدادي في كلمة الغلاف الثاني للمجموعة حين وصف القاصة بأنها "ذات موهبة أصيلة بالتأكيد، ولكنّ هذا لا يكفي لخلق الكاتبة المبدعة".‏

وتتميّز قصّة منال فيّاض :"سفر في وريد مقطوع"، على المستوى البنائي، باتكائها إلى ضمير المخاطب، وباستثمارها لتيار الوعي في تشخيص المفارقة بين وعيين متضادين، ويتحرّر محكّيها من زوائد القصّ، ثمّ بإنتاجها ذلك كلّه عبر لغة تحققّ وظيفتي التبليغ والتخييل بآن.‏

وتشكّل عبارتا المرأة/الساردة في قصّة "ريح الشمال" لبلسم محمّد :"أريد أن أعود.. أريد أن أعود" مفصلاً بين فضاءين وزمنين بآن في المحكي القصصي: فضاء الغربة، وفضاء الوطن. يتجلّى الأول بوصفه ماضياً تمّ وانتهى، والثاني بوصفه راهناً. وقد أبدت القاصة نجاحاً في إضمار مغزى القصّ وصوغه على نحو فنّي، كما أبدت نجاحاً في اختزال محكيها إلى ما يعزّز ذلك المغزى فحسب. وعلى الرغم من أنّ ثمّة الكثير ممّا هو سيري في القصة، كما لدى سوزان خواتمي في "الحضن الكبير"، فإنّه يذوب في تضاعيف القصّ مفسحاً المجال لبروز ما هو جمعيّ.‏

وتبدو قصة أمية الجاسم العبيد: "عسلها مرّ" منبتة الصلة تماماً بإنجازات التسعينيات، بل إنجازات العقود السابقة من تاريخ التجربة القصصية السورية، فالمحكي القصصي لا يغادر مادته الخام، ويبقى أسير مرجعه في الواقع، ويبدو مثخناً بالفائض على مقاصد القصّ ومغازيه. ولئن كان الأدب في أحد تعريفاته "ينتمي إلى العالم الذي يشيده الإنسان، وليس إلى العالم الذي يراه"(31)، فإنّ القصة تنتمي إلى الطرف الثاني من ذلك التعريف، إذ يظلّ فعل القصّ رهين ما يُرى، ولا يتضمّن في داخله إلى ما يشير إلى كونه فناً. ولعلّ أكثر ما يثير القارئ تلك الأورام التي تعانيها لغة القصّ على المستوى النحويّ، والتي تمعن في تعطيل فعالية القراءة ، كما بقية مكّونات القصّ الأخرى.‏

تركيب:‏

إذا سلّم المرء بتمييز "فراي" بين العلوم والفنون، أي أنّ الأولى عقلية تبدأ بالعالم كما هو قائم، وأنّ الثانية عاطفية تبدأ بالعالم الذي نريده أن يكون (32)، فإنّ الأغلب الأعمّ من القصّ النسوي في التسعينيات يبدو ألصق بالعلوم أكثر منه بالفنون، إذ يكتفي بتصوير الواقع على نحو آلي، كما لو أنه مرآة جامدة لذلك الواقع. وهو،في الأغلب الأعمّ منه أيضاً، لم يستطع تجاوز المتواتر في الكتابة النسوية العربية، وباستثناءات قليلة منه، فإنه لا يشير إلى تطوّر في القصّ النسوي السوري. ومن اللافت للنظر أنّ معظم الأصوات القصصية التي استطاعت أن تقدّم قصّاً مميزاً على المستوى الفني هي تلك التي لم تنل حقّها من اهتمام الخطاب النقدي، وأنّ معظم الأصوات النقيضة حظي بتصفيق مجّاني، أو بحضور إعلامي زائف، صنعتهما حفنة من المشعوذين لغايات منبتة الصلة بما هو ثقافيّ حقاً.‏

هوامش وإحالات:‏

1ـ توثّق الدراسة للمنجَز النسوي السوري بالمعنى الجغرافي السياسي الضيّق لسورية، أي أنّها تكتفي بما أنجزته القاصات السوريات فحسب، ولا تغطي مجمل القصّ النسوي الذي صدر في سورية، كما في نتاج نعمة خالد، وسلوى الرفاعي، ومي جليلي، وسواهن. من غير أن يعني ذلك استغراقاً في القطرية، بقدر ما يعني ضبطاً للمصطلح.‏

2ـ هنّ حسب الترتيب الزمني لظهور أول مجموعة لكلّ منهن: وداد سكاكيني، ومنوّر فوّال، وسلمى الحفّار الكزبري، وإلفة الإدلبي، وهيام نويلاتي، وكوليت خوري، وثريّا الحافظ، وغادة السّمان، وضياء قصبجي، وقمر كيلاني، وغادة الهيب، وحنان لحام، وإنعام المسالمة، وناديا خوست، ومقبولة الشلق، وسميرة بريك، ودلال حاتم، ونجوى قلعجي، واعتدال رافع، وملاحة الخاني، وفلك حصرية، وليلى اليافي، وسلمى اللحام، وأديبة تقي الدين، ووداد قباني، وهناء كرم.‏

3 ـ هنّ: غادة السمّان، وكوليت خوري، ودلال حاتم، وملك حاج عبيد، وناديا خوست، واعتدال رافع، وضياء قصبجي.‏

4 ـ رشو، ماري. "قوانين رهن القناعات". ط1 اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1991.‏

5 ـ هلال، رباب. "دوائر الماء والأسماء". ط1 دار الشادي، دمشق 1992.‏

6 ـ إبراهيم، نجاح. "المجد في الكيس". ط1. دار مجلة الثقافة، دمشق 1992.‏

7 ـ طه، جمانة." سندباد في رحلة مؤجلة". ط1. دار الأهالي، دمشق 1994.‏

8 ـ بيطار، د.هيفاء."خواطر في مقهى رصيف". ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1995.‏

9 ـ عبود، أنيسة."غسق الآكاسيا". ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1996. والقصّة هي النصّ الأول من المجموعة.‏

10 ـ الدانا، ندى. "أوراق اللعب.. أوراق الأشجار". ط1. إصدار خاص، حلب 1996.‏

11 ـ سليمان سحر. "حرق الليل". ط1 اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1997.‏

12 ـ السراج، منهل. "تخطّي الجسر". ط1. دار الصداقة، حلب 1997.‏

13 ـ درويش، حنان. "بوح الزمن الأخير". ط1.اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1997.‏

14 ـ المفتي، هيمى. "ومضات". ط1 دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 1998. والمجموعة فازت بالجائزة الرابعة في مسابقة الشارقة للإبداع، الإصدار الأول، لدورتها الأولى سنة 1997. وقد اخترت نصيّن منها، على النقيض ممّا فعلت في بقية المصادر، لصلتهما معاً بمؤرّق واحد.‏

15 ـ شاكوش، ابتسام."بعض من تخيّلنا".ط1.إصدار خاص، الحفّة 1998.‏

16 ـ خرما، وفاء." الأجنحة المتكسرة لـ س و ع". ط1. دار الحقائق، حمص 1999.‏

17 ـ الخش، أميمة،"الرشيم". ط1. دار مكتبة إيزيس، دمشق 1999.‏

18 ـ خواتمي، سوزان. "ذاكرة من ورق". ط1. دار سعاد الصباح، الكويت 1999. وتجدر الإشارة إلى أنني لم أستطع العثور على المجموعة وقد تفضلت القاصة باختيار هذه القصة من المجموعة وإرسالها إليّ عبر البريد الالكتروني.‏

19 ـ درويش، غزالة."زمن يحترق". ط1. دار كنعان، دمشق 1999.‏

20 ـ فيّاض، منال. "سفر في وريد مقطوع". ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1999.‏

21 ـ محمّد، بلسم. "ريح الشمال". ط1. إصدار خاص 1999.‏

22 ـ العبيد، أمية الجاسم."عسلها مرّ". ط1. إصدار خاص، دمشق 1999.‏

23 ـ انظر، نجمي، حسن. "شعرية الفضاء، المخيّل والهوية في الرواية العربية". ط1. المركز الثقافي العربي، بيروت 2000. ص(185).‏

24 ـ للتوسّع، انظر: لحمداني، حميد. "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبي". ط1. المركز الثقافي العربي، بيروت 1991. ص(22).‏

25 ـ انظر: سلدن، رامان."النظرية الأدبية المعاصرة". ترجمة: جابر عصفور. ط1. دار الفكر، القاهرة 191. ص(25).‏

26 ـ جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ترجمة: حمد معتصم، هبد الجليل الأزدي، عمر حلي. ط2. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 1997. ص(204).‏

27 ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها.‏

28 ـ بركات، د. وائل. " الواقعية الاشتراكية، المغامرة والصدى". ط1. وزارة الثقافة، دمشق 1997. ص(75).‏

29 ـ انظر: :يقطين، سعيد. " انفتاح النصّ الروائي. النصّ ـ السياق". ط1. المركز الثقافي العربي، بيروت 1989. ص (115).‏

30 ـ الخراط، إدوار. "الكتابة عبر النوعية. مقالات في ظاهرة القصة ـ القصيدة ". ط1. دار شرقيات، القاهرة 1994. ص(12).‏

31 ـ فراي، نورثروب. "الخيال الأدبي". ترجمة : حنا عبود. ط1. وزارة الثقافة، دمشق 1995. ص (17),‏

32 ـ انظر: المرجع السابق. ص (14).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244