مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

التجربة الشعرية النسوية الأردنية ملامح عامة ـــ عبد الله رضوان- الأردن

أود أن أؤكد ابتداءً أنني لست ممن يؤمنون بالفصل بين أدب الرجل، وأدب المرأة، بل ولربما أرى في ذلك نوعاً من التميز الجنسوي، أو الموقف القَبْلي في الحكم على المُبْدَع الأدبي، ولكن هذا الفصل تقتضيه فقط ضرورات الدراسة لإمساك الملامح العامة للتجربة الشعرية النسوية في الأردن، والتي تبدو ومنذ البداية أنها تمثل رافداً قد بدأ يأخذ حضوره في التجربة الشعرية النسوية العربية، وبخاصة في إنتاج كل من: سلوى سعيد، زليخة أبو ريشة، نبيلة الخطيب، مع الاحترام الكبير لمجمل التجارب الأخرى المتباينة في دورها، وفي أهميتها الشعرية.‏

وإذا حاولنا إمساك الملامح العامة لهذه التجربة فإننا نلاحظ ما يلي:‏

* أولاً: سيطرة قصيدة الخطاب على مجمل التجربة،‏

فالقصائد النسوية في الأردن مسكونة بهجس خطابها على حساب بنائها في الغالب، إنها تتمركز على مقولة ماذا أقول بدلاً من مقولة كيف أقول، لذا فإن المباشرة، بل والتقريرية في أحيان كثيرة، تمثل النمط الغالب في التجربة، مع مراعاة الفروق الفردية هنا وهناك، وبروز سيطرة هجس الخطاب الوطني على معظم التجربة:‏

" كل الحساسين الرائعة/ في شغاف قلوبنا تخفق‏

ترسل نفحات البدء/ تعزف صرخاتها البكر‏

سلاماً أيها الوطن/ سلاماً أيها الوطن‏

(رفعة يونس/ من هواجس الزمن الصعب)‏

وكذلك:‏

"ليرى العدو أنه لا يستطيع أن يهزم شعباً/‏

عندما لا نرى إلا شهيداً يودّع شهيداً/ وعندما يُبنى معتقل بجانب معتقل/‏

وعندما يُصبح جيشه استنفار/ في الليل والنهار/ عندها تُصبح الهراوة غير مجدية/‏

لا تُكْسر... لا تكسر/ إلا وهي.‏

(أمينة العدوان/ الهراوة)‏

وكذلك:‏

"وَقْعُ الدمع في المنفى/ وطعم العيد‏

للرحلة الأولى/ أذان الأرض/ هيا للقتال فلا يَفلُّ حديدهم/‏

إلا الحديد"‏

(سلوى السعيد/ مهرة الشمس)‏

بل إن "شهلا الكيالي" مثلاً، تعود إلى الصياغات الرومانسية الحزينة التي سطرتها التجربة الشعرية الفلسطينية في منتصف القرن لتصوغ رؤيتها للوطن وعلاقتها معه ضمن حكاية شبه تقريرية تقول الواقع بدل أن تصنعه:‏

"بيوت العزّ في يافا/ أما زالت نوافذها/ تناجي الموج أغنية/‏

فيهدل صوتها يحكي/ عن السمار والشط/.....‏

خذوني نظرة حيرى/ تجول أزقة الحارة/ خذوني طفلة تشدو‏

بشبّابة/ وقيثارة‏

(شهلا الكيالي، معزوفات للوجوه الصغيرة)‏

ومع أن "مي صايغ" تحاول أن تعيد صياغة موقفها/ وعيها تجاه وطنها بلغة شعرية في مواقع كثيرة، ولكن ضغط الموقف السياسي عليها، وإصرارها على تحديد موقف واضح داخل قصيدتها، يرفض مجمل السائد واقعياً، قد أوقعها أيضاً في صياغة مباشرة لقول الخطاب/ الموقف على حساب كيف أقول بدلاً من ماذا أقول:‏

"وعما قليل يجف الكلام/ وتيبس في قلبنا الذكريات/ لننسى بأن "اتفاق السلام"/ الوداع الأخير لتاريخنا/ نجمة نجمة/ في مدار العصور/ وننسى بأنّا نغادر فردوسنا/ منزلاً منزلاً..."‏

(مي صايغ، للنشيد الطويل)‏

أما "عطاف جانم" فإنها تحاول جاهدة أن تخرج من جوهر شعر المناسبات التقليدي، فتستلهم جوهر مناسبة ما لتقول خلالها فكرتها الرئيسة حول تمرد الفنان/ الشاعر، وثورته ضد القهر، مع إبراز خصوصية المرأة/ الوطن ـ باعتبارهما قضية متلاحمة معاً، فإنها ـ وقد سيطر عليها هجس إيصال الفكرة وليس بناء القصيدة ـ تقول خطابها المباشر بصياغة بسيطة تُضمّن مناسبة إعدام الشاعر الإفريقي المناضل "مولويز" على يد سلطات التمييز العنصري في جنوب إفريقيا: ـ‏

"كيف تفرين من دبق الموت/ تنتفضين بوجه العفاء!!‏

أأرواح "مولويز" هل نبأتكِ/ بأن الطريق لحيفا‏

طريق لسيدة الأمنيات/ طريق لسيدة شامخة"‏

(عطاف جانم، تظلين سيدة الأمنيات)‏

وبالطبع فلا اعتراض على مثل هذا الخطاب، بل على العكس، فإن الموقف التقدمي في الفن هو جوهره وإيقاعه الرئيس، ولكن الاعتراض ينصب على طبيعة الصياغة الشعرية، على الأنساق اللغوية المستخدمة أو السائدة، على كيفية توظيف المفردة اللغوية، وهي بطبعها شبه حيادية، وإنما تأخذ خصوصيتها في نسقها اللغوي الذي يجري بناءه شعرياً، فالشاعر والشاعرة إنما هما لاعبا كلمات، صُنْعَتُهُما اللعب الاحترافي بالمفردات لكي يتحقق الحضور الشعري عبر الإزاحات اللغوية، الاستعارة، الصورة كأدوات رئيسة لتحقيق بناء شعري يقول خطابه، هذا صحيح في العموم، ولكن الأصح أن يقوله شعراً متميزاً يمتلك بنية فنية قادرة على حمل خطابها، بدل أن تتكئ القصيدة على الخطاب نفسه فيتراجع الشعر، ويتقدم الخطاب: الإيدولوجيا. لنراقب بعض هذه الأنساق ونرى إلى تراجع الشعري فيها، لدى عدد من شاعراتنا:‏

* شهلا الكيالي: ـ‏

ـ اسألوا المزراب عنّي.‏

ـ أدخل الدار أنادي جدتي‏

ـ قولوا عني حدثوا‏

ما تريدون فإني..‏

ـ فأنا جدّ معاناة لأني‏

ـ إنها بنت البلد‏

ـ إنها أصل الجيد‏

إنها أم الولد‏

(شهلا الكيالي، معزوفات للوجوه الصغيرة)‏

* رفعة يونس: ـ‏

ـ يا نوح.. يا سيد البحار‏

يا مالك الشطآن‏

يا قاهر الموت.. تهيأ‏

(رفعة يونس، نوح والطوفان والصمت)‏

* أمينة العدوان: ـ‏

ـ ناراً أحترق‏

ودخان أتكاثف‏

أخنق العدو‏

وسعاله الآن، أسمع‏

(أمينة العدوان، عبير الوحيدي)‏

مع ضرورة ملاحظة أن "أمينة العدوان" تبني مقطعها الشعري عبر تجاور مقصود للقطات، لصور واقعية، تحاول عبرها أو من خلالها خلق حالة مفارقة تعمّق الإحساس بالمقاومة ورفض السائد.‏

كما أن الكثير من الأنساق اللغوية المستخدمة لدى شاعراتنا تعاني من كثرة النعوت أو توالي الصفات دون مبرر فني لذلك، ولعل أكثر بروز لهذه الظاهرة إنما يتمثل في قصائد الشاعرة "مريم الصيفي"، فإذا راقبنا بعض هذه الاستخدامات فإننا سنجد التالي مثالاً:‏

ـ تنتظر الفارس يعبر كل متاهات الدجل الموبوء‏

ـ يربدُّ الوجه الآفل خلف ضباب القاع الأدنى‏

ـ تحفل بالأوزار المتراكمة الأخرى‏

ـ والزوبعة الهوجاء تراوح‏

ـ تعوي في داخله حمّى الليل المسدل‏

ـ في عمق رمال الخوف الدافق‏

ـ جدران المرصوف الممتد‏

(مريم الصيفي، رؤى)‏

إن مجمل هذه الصفات لا تجيء ضرورة بنائية داخل الجملة الشعرية، وإنما مجرد إضافة يمكن التخلي عنها بسهولة دون أن يتأثر المبنى أو المعنى، إن وجود الصفات بهذه الكثافة غير المبررة يقلل من حرارة التواصل مع المتلقي، ويبقى النص في الغالب خارج مفهوم الصدق الفني، بالتالي يعيق إمكانية تحقق اتصال إيجابي بين النص ومستقبله.‏

* ثانياً: استخدام الرمز:‏

تهتم شاعراتنا باستخدام الرموز داخل القصيدة، وهي في الغالب رموز تاريخية عربية يجري توظيفها داخل القصيدة ضمن الصيغ التالية:‏

ـ رمز تاريخي يجري اعتماده مرجعية لمجمل العمل، ليصير عنوان القصيدة نفسه كما هو في قصيدة "سلوى السعيد" "زرقاء اليمامة"، التي برز فيها: خصوصية استخدام الرمز عن طريق إحداث تماهٍ موفّق ومتقن ما بين الشاعرة/ الرائية من جهة وبين زرقاء اليمامة القادرة على قراءة الأفق البعيد، مع إبقاء الواقعة التاريخية "لزرقاء" دون تبديل أو تغيير في الدلالة: ـ‏

"يأتون هذي خيلهم/ في عين "زرقاء اليمامة/ والرؤى تتوقد‏

لا ظل إلا ظلهم/ شجر يعرّش في الحدائق/ غيمة نبضت على الصحراء‏

أغنية وماء"‏

(سلوى السعيد، الرؤى في عين زرقاء اليمامة)‏

ـ عدم الاكتفاء بتوظيف عدة رموز تاريخية داخل نفس القصيدة لتأكيد فعل التمرد ورفض السائد، وإنما العمل على إدخال رموز معاصرة جديدة تعمّق خط التمرد والرفض كما هو الحال في قصيدة "طيور الرجاء" لعطاف جانم، والتي نلتقي فيها بتوظيف معرفي موفق لخصوصية امرئ القيس ولوصايا معاذ بن جبل، مع انتقال لإبراز دلالة الموقف الروائي الذي جاء به غسان كنفاني في رائعته "رجال في الشمس" حينما صرخ أحد أبطاله: لماذا لم يطرقوا جدران الحزن، بهدف التأكيد على ضرورة التمرد والرفض:‏

"وأنا من يومها، يقضمني الخزّان يا غسان‏

والأيام تنساب انسراباً‏

وآهٍ كم دقّت يدي جُدُرا/ وكم عابثت بابا"‏

(عطاف جانم، طيور الرجاء)‏

ـ توظيف رمز شعري تاريخي، في محاولة لاستعادة الحالة من جديد، كما في قصيدة "طقوس" لشهلا الكيالي والتي أعادت فيها إنتاج قصة "ورد وديك الجن" وإن يكن التوظيف هنا جاء غير محدد الدلالة، فالعلاقات غائمة لا تمتلك إضافة نوعية أو بعداً جديداً معاصراً لخصوصية "ورد" وما تقوله حكايتها المأساوية مع ديك الجن؛ ـ‏

"وجديلة حب تحكي قصة ديك الجن وورد‏

شراع فوق جنون البحر/ تفتش ورد عن مرساة‏

تراودها حيتان الوهم/ تحاول نزع الخطوات الموشومة/‏

فوق رمال الشعر"‏

(شهلا الكيالي، طقوس)‏

فمع أن الشاعرة قد حاولت إعادة تمثل شخصية ورد عبر إيحاءات بحدوث تماهي الحالتين معاً للمرأة ـ المعاصرة وورد ـ، ولكن بناء القصيدة المباشر عبر أنساقها اللغوية البسيطة التي اعتمدت صيغة إبراز الخطاب التاريخي لورد وديك الجن، قد قصّر في إعطاء دلالات جديدة محددة أو معاصرة للرمز.‏

ـ التوظيف الرمزي الأسطوري ـ الديني معاً لتأكيد مقولة سياسية كما في قصيدة "مي صايغ" "للنشيد الطويل" و"نحن وهم.. وغزة"، عن طريق استحضار التاريخ بهدف الاحتماء بالماضي للدفاع بفعالية عن المستقبل، أي أن الذات المعاصرة، وبعد فقدان الأمل في الواقع الموضوعي، الحاضر، فإنها تلجأ إلى ذكرياتها، علاقتها التي ترسّخت تاريخياً للدفاع عن مستقبلها عبر صيغتين:‏

ـ الماضي البعيد، الأسطوري ممثلاً بخصوصية كنعان باعتباره صاحب الحق المطلق في فلسطين.‏

ـ الماضي القريب ممثلاً بتاريخ العائلة، تاريخ الذات/ الشاعرة في علاقتها مع والديها وعبر اندغام وتناول العلاقتين، يأتي تأكيد خصوصية الخطاب السياسي بأن فلسطين ستظل لأبنائها المستمرين فيها ومعها من عهد كنعان:ـ‏

"اهرّب صورة "موسى" أبي عن جدار "اللون"‏

فما خدش الوقت لون الجسارة في بؤبؤ العين‏

... ولا تتذكر إنشاد أمي "هند" لتشعل وجه النهار‏

ويصعد لحن النشيد دفيئاً إلى الله....‏

.... نادى الإله بأسمائنا في ظلال النخيل‏

ونادى بكنعان سيد ماسوف يأتي من الجهر جيلاً فجيل"‏

(مي صايغ، للنشيد الطويل، نحن وهم وغزة)‏

ـ استخدام الإشارات الرمزية داخل مجمل بنية القصيدة، لتكون مجرد جزء بسيط في بناء القصيدة المعقد، إذ تجيء هذه الإشارات كواحدة من الإحالات المرجعية المعقدة والمتشابكة داخل النص، بمعنى أن وجود مثل هذه الإشارة/ الرمز لا يأتي مستهدفاً بذاته باعتباره مركزاً أو بؤرة للخطاب، أو للبنية، إنما يجيء جزءاً بسيطاً من عدد لا حصر له من الإحالات لمجمل دلالات النص، ولعل أفضل تجلّ لمثل هذا الاستخدام الذي يتخطى بطريقته الجزئية هذه في استخدام الرموز إشكالية سيطرة اسم الرمز ودلالته الموروثة على مجمل العمل، ليصير مجرد ركن صغير من مجمل الأركان التي يقوم عليها النص المكتظ بدلالاته وإحالاته المرجعية، أقول إن أفضل تجلّ لمثل ذلك هو ما ورد في قصيدة "زليخة أبو ريشة" "باب/ أين الفتى والنون" فقد جرى فيها توظيف نوعين من الرمز:‏

ـ أسطوري يتعلق بخصوصية المرأة باعتبارها إلهة ترمز للخصب، والحب، والحرب معاً، وذلك في توظيف شخصيتي أفروديت وعشتار، آلهتي الحب والخصب. وذلك حين تقول:‏

"وعد بكائها في ليلة الآحاد/ صوت أفروديت نامت فوق أكتاف الألى‏

حملوا إليها وجه مسفوحين في موجٍ ولؤلؤ صوتها"‏

وكذلك:‏

"أين الفتى نهر التبتل عشتروت العري، وصف ملامح الأعضاء‏

في نون الهواء"‏

ـ الثاني عشري، يحيلنا النص من خلاله إلى تجربتين مفارقتين، الأولى مادية مغرقة في حسيتها ممثلة بخمريات أبي نواس، والثانية صوفية مغرقة في حدوسها وابتعادها عن المادة ممثلة في "طواسين الحلاج" وذلك حين تقول:‏

"أين الفتى يغلي على نار الحقيقة في طواسين الحقيقة والقراطيس التي سمّيت‏

أسمائي بها وشلحت في ورقي سماءً ماج من حلاّجها ما ماج في إبريق خمر‏

أبي نواس الساكب الشهوات من شفة"‏

ولربما يكون هذا النمط من الاستخدام الرمزي للأسماء ذات الإحالات الأسطورية أو التاريخية أو الأقدر على الخروج من مأزق سيطرة الدلالة التاريخية التي يملكها الرمز على مجمل العمل.‏

ـ استخدام الرمز أو الرموز الدينية وبخاصة الإسلامية منها عبر توظيف لعدد من الرموز أو الأسماء أو للإشارات الدالة التي وردت في القرآن الكريم، وهذا ما امتازت به أساساً الشاعرة "نبيلة الخطيب" التي لجأت إلى توظيف الرمز الديني في العديد من قصائدها بشكل يعمّق الدلالة التقليدية أو الموروثة للرمز حيناً، ويعيد التوظيف بشكل جديد يُغاير الدلالة الموروثة حيناً آخر:‏

"هزي إليك بجذع نخلة/.. وهززت أشجار النخيل جميعها‏

كم ألف مرّة/ لكنها ضنّت علي/ وما رمت لي/ شق تمره"‏

(نبيلة الخطيب، ميلاد موت)‏

وفي موقع آخر ظل الاستخدام كما ورد في صيغته الدينية مع الرجاء بإعادة تحقق الماضي من جديد:‏

"يا رب إسماعيل/ هبه العمر/ يبني كعبة/ في كل قلبْ‏

فجّر على قدميه زمزم/ عله يسقي/ جفاف الروح"‏

(نبيلة الخطيب، ميلاد موت)‏

وعموماً فإن السائد الأعم في استخدام نبيلة للموروث الديني إنما يتمثل في إعادة توظيفه في الحفاظ على دلالته الموروثة:‏

"حطيه في التابوت/ وألقه في اليم/ يحنو فيه عدوه فرعون/ ولتنجبي هارون‏

كي يشتد أزر أخيه/ إن خارت عجول السامري يمده بالعون"‏

(نبيلة الخطيب، ميلاد موت)‏

والإشارة هنا واضحة إلى قصة سيدنا موسى وهارون وصراعهما مع السامري، ولكن مثل هذا الاستخدام يؤكد طرح السؤال: ما فائدة إعادة استخدام الموروث الديني بحيث يأتي الاستخدام أقرب إلى شرح القصة أو الواقعة الدينية بشكل موزون؟؟ وهل يعمق هذا الاستخدام خصوصية النص الشعري؟‏

ثالثاً: بروز ظاهرة ما يسمى بقصيدة النثر،‏

باعتبارها شكلاً تعبيرياً بدا واضحاً في نتاج ثلاث من شاعراتنا هنّ: أمينة العدوان، ومنى السعودي، ورفعة يونس، ولعل من اللافت للنظر أن التجارب الثلاث لكل واحدة منهن جاءت مختلفة كلياً عن بعضها البعض مما يتطلب وقفة قصيرة عند كل واحدة منها:‏

ـ أمينة العدوان: ويمكن لدارس كتابات أمينة النثرية أن يُشير إلى الملاحظات التاليات:‏

1ـ إن ما تكتبه أمينة تحت مسمّى قصيدة نثرية هي قصيدة خطاب في الغالب، تذكرنا بالقصائد ذات النبرة السياسية المباشرة والعالية، بفارق أننا نتعامل هنا مع كتابة نثرية وليس قصائد موزونة. فالخطاب هو الذي يحتل البؤرة، حيث يظل التركيز على ماذا نقول وليس كيف نقول.‏

"العلم الفلسطيني على رؤوس المنازل‏

جندي العدو يطوف بجرافة‏

إنه يقتلع الجذور‏

والسكان يزرعونها"‏

(أمينة العدوان، العلم الفلسطيني)‏

2ـ تعتمد الكاتبة أسلوب التقاط المشهد أو المشاهد الجزئية، عبر تصوير مباشر في الغالب لحدث أو لحالة، أو لحركة مشهدية تجري واقعياً، وهنا تبرز مهارة الكاتبة في اختيار وتوزيع المشاهد الجزئية داخل العمل.‏

3ـ إن نمط قصيدة أمينة العدوان يُعارض المفهوم المتعارف عليه لقصيدة النثر، فالأصل في قصيدة النثر اعتماد: الإيقاع الداخلي بدل الخارجي، طول القصيدة لتستطيع التقاط وتصوير وبناء ما تريد قوله، اعتماد مبدأ الإزاحة في اللغة للوصول إلى نسق لغوي شعري يحقق شعرية البناء وصولاً إلى القصيدة. ولكن القصيدة عند أمينة تجيء مختلفة فهي عبارة عن إشراقة، فكرة، لقطة سريعة تبتعد في الغالب عن تحقيق مبدأ الإزاحة في اللغة، وتضحي كثيراً بالإيقاع إلى درجة النسيان، وهي قصيرة جداً بحيث أنها أقرب إلى مشهد حدثي مختصر:‏

"ناراً أحترق‏

ودخاناً أتكاثف‏

أخنق العدو‏

وسعاله الآن أسمع"‏

(أمينة العدوان، عبير الوحيدي)‏

ـ منى السعودي:‏

* وقصائدها تعتمد طرح أفكار مجردة، تجري صياغتها بلغة شعرية تعتمد الصورة الجزئية التي تتكامل معاً، لتشكل مع نهاية القصيدة صورة كلية هي القصيدة ذاتها، بحيث تصبح الفكرة الرئيسية في القصيدة هي عنوان القصيدة في الغالب، هذا ما نلمسه في قصائد: محيط الحلم، نشيد.‏

* كما أن المفردات المتعلقة بفن النحت هي المفردات السائدة في قصائد "منى السعودي" ولهذا بالطبع علاقته بطبيعة تخصص "منى" في فن النحت، ويمكن في هذا المجال الإشارة إلى المفردات التالية المكررة: "حجارة، أنقش، ألمسها، أصقلها، طرق، التجسيد". ولكن هذا لا يعني بالطبع عدم وجود كتابات ذات شعرية خاصة متميزة من ذلك مثلاً:‏

"يا ليل الحكمة/ يا ليل الصمت والنبوءات/ يا ليل القمر‏

قبة سماء واحدة لكل الأرض/ قبة سماء واحدة للفرح والشقاء/‏

قبة سماء واحدة للذكرى والنسيان../‏

يا سحر هذه الليلة المضيئة/ احمليني على أجنحتك أيتها الأشجار‏

لأقرأ الفرح على دفتر الأرض/ وأملأ الزمن بما يكفي لإنضاج الحلم‏

ولا تكسرني الوحدة/ ولا يغطيني صدأ"‏

(منى السعودي، صلاة)‏

الملمح الثالث الذي تبرز عند دراسة قصائد منى السعودي إنما يتمثل في بروز عناصر الطبيعة في رسم الصورة ببعديها الجزئي والكلي، ولعل هذا أيضاً راجع لخصوصية تعاملها مع الحجر.‏

"لك ثبوت الحجر/ وموسيقى الريح/ وجريان الماء‏

تأخذ بين يديك بعضاً من شيء وصنع التكوين‏

تُدخل الضوء في الحجر/ تمزج الحلم بالأرض/ تحول الشجر إلى نشيد‏

تصحو كل صباح وكأنك تولد كل يوم/ لتعشق الأرض وما عليها"‏

(منى السعودي/ نشيد)‏

ـ رفعة يونس: ويمكن في كتابتها النثرية أن نلمح الملاحظات التاليات:‏

* الإكثار من اعتماد تقنية السؤال/ الإجابة باعتبارها أساساً في بنية القصيدة، وهي بهذا تتشابه مع عدد من شاعراتنا، وأخص بالذكر في موضوع استخدام هذه التقنية بناءً كل من: مريم الصيفي ـ في قصيدة "رؤى" مثلاً وكذلك قصيدة "الرحلة الحلم" ـ، وزليخة أبو ريشة وبخاصة في قصيدة "باب: أين الفتى والنون" وكذلك قصيدة "سمك غارق في الأرخبيل".‏

إن استخدام صيغة السؤال، يساعد الشاعرة/ الشاعر على إمكانية التواصل، وطرح الخطاب، تواصل القصيدة لتكتمل، وبالتالي توصيل المراد:‏

"من أين جئنا؟/ وهذا القتام يمخر في الأعماق/ يعبر بوابة الصدر‏

يهدأ في الرؤيا/ يعشعش في الخبايا.. طويلاً.. طويلاً"‏

(رفعة يونس، من هواجس الزمن الصعب)‏

* البساطة في اللغة، وفي تكوين النسق اللغوي الشعري، مع التركيز كذلك على الخطاب باعتباره هدفاً رئيساً ـ، وبخاصة الخطاب المتعلق بضرورة التمسك بالأرض ـ دلالة الوطن، مع بروز خطاب مواز ممثلاً في سؤال الحياة، سؤال الكينونة في تجلياتها. لكن مشكلة كتابات رفعة يونس أنها أقرب إلى الأفكار العامة حول قضية معينة تقوم بصياغتها بلغة إنشائية تقول حالة الشاعرة في لحظة البوح، لكنها لا تنجح في تحقيق مفهوم القصيدة الشعرية. صحيح أن كتابتها تحوي شعرية العلاقات والبوح، ولكنها لا تكوّن قصيدة. إنها كتابة أقرب إلى الخاطرة النثرية التي تعتمد لغة شعرية منها إلى مفهوم القصيدة: ـ‏

"كان العام الأخير/ وكنا نغرق في اشتعالات المساء/ ضجيج يكبر‏

وصمت في الخارج يكبر/ وصمت في الداخل يكبر/ وتجيء.. يجيء وجهك من عيون المطر/ عطراً.. أملاً جميلاً أخضر"‏

(رفعة يونس، نوح والطوفان والصمت)‏

رابعاً: غنائية شفافة رقيقة لدى كل من سلوى السعيد، ونبيلة الخطيب،‏

بحيث تشكل هذه الغنائية ـ عبر الالتزام بقافية تتعدد حيناً، وتأخذ شكلها التقليدي أحياناً ـ صفة رئيسة في قصائد هاتين الشاعرتين، لنصغ معاً إلى هذه الغنائية لدى سلوى السعيد حين تقول:‏

"ماذا تقول الدار لابنتها/ إذا اشتعلت ضفائرها/ وأسقطت البراعم والثمر‏

في عرق دالية/ على قمم الخليل تركتها/ في الريح تبكي/ والحمام يُعَتّبُ‏

هل يصدق الطير الصدوق/ أم الحمام يكذّبُ/ يأتون لا يأتون/‏

حان الموعد/ صوت على نبضي يدق/ وزائر ينهد قربي/ والهوى ما بيننا يتقلب"‏

(سلوى السعيد، الرؤى في عين زرقاء اليمامة)‏

هذا التتابع في الإيقاع عبر تعدد القوافي، وهذا الاستخدام المتوالي للجمل الفعلية تعطي حركية وتتابعاً في المشهد يحقق غنائية عالية بتنا نفتقد لها في الكثير من الكتابة الشعرية الحالية.‏

فإذا انتقلنا إلى نبيلة الخطيب فإننا نجد حرصاً واضحاً على ضبط الإيقاع الخارجي ممثلاً بالوزن الشعري مع الاهتمام الجزئي كذلك بالقافية، حتى في القصائد التي تلتزم نظام التفعيلة وليس وحدة البيت الشعري، ولعل قصيدة "عندما يبكي الأصيل" إنما تمثل الحالة الأرقى في متابعة الغنائية في قصائد نبيلة، حيث اعتمدت في قصيدتها هذه قوافي متعددة، تترك القافية لمقطع أو اثنين معتمدة قافية جديدة ثم تعود من جديد إلى قافية الهاء المفتوحة التي شكلت العمود الرئيسي لإيقاع القصيدة في نهاية مقاطعها المتعددة.‏

"ركعت بحضرته../ فقام يضمّها شوقاً/ ويغمر وجهه بردائها‏

متضرعاً أن لا تغيبي/ غمرته بالنور الخجول/ وأطلقت تنهيدة/‏

أدمت فؤاد البحر/ واحتدام القضاء بلفحها‏

غضّت على جمر توقّد في الحشا/ وتكسّرت ألحاظها"‏

(نبيلة الخطيب، عندما يبكي الأصيل)‏

والحقيقة أن قصيدة "عندما يبكي الأصيل" تعتبر من القصائد الإشكالية في دلالاتها، إذ يمكن التعامل معها ضمن مستويين أو قراءتين:‏

الأولى: قراءة بسيطة، مباشرة، تأخذ المعنى المباشر، وتذكّر عندها القصيدة بالشعراء الرومانسيين في تعاملهم مع الطبيعة، وعندها تبرز مهارة الشاعرة في تصوير لحظة غياب الشمس في البحر، مع التركيز على طبيعة العلاقة القائمة بين الشمس/ الحرارة، وبين البحر/ الماء، باعتبار أن سر الحياة متعلق بسرّ هذه العلاقة.‏

وهنا تبرز جمالية التصوير الشعري لبُعديْ: الصورة التشكيلية الجمالية ذات الحضور الخارجي، الحسي أو المادي، ثم الصورة الدلالية المتمثلة في إبراز طبيعة العلاقة بين الشمس والبحر وتمثلها في القصيدة ـ وفي الحياة معاً، باعتبارها علاقة عشقية معطاءة ومتجددة معاً، تعطي سرّ الحياة.‏

الثانية: قراءة عميقة نسبياً، بل الأدق القول أنها قراءة مركبة، إذ أن تماهياً متخيلاً يمكن إدراكه، والاستدلال عليه داخل النص ضمن تحقق مقولة "المعادل الموضوعي" الذي يمكن إدراك أو إمساك علاقاته التقابلية على الترتيب التالي:‏

الشمس ـــ البحر مقابل البحر ـــ الذكر أو الرجل‏

الشمس ـــ الأنثى‏

لتصير العلاقة: الشمس/ الأنثى أو المرأة ـــ البحر/ الذكر أو الرجل‏

لنصل إلى: المرأة ـــ الرجل.‏

وكأننا يمكن حسب الاستقراء الأرسطي السابق أن نصل إلى أن قصيدة "عندما يبكي الأصيل" وإذ تطرح مقدمتيها الصغرى والكبرى في العلاقة بين الشمس والبحر، الشمس/ المرأة، البحر/ الذكر، فإنما تقول ذلك لتصل إلى نتيجتها القياسية وهي أن العلاقة بين الشمس والبحر هي تماماً مشابهة لدرجة التطابق بين المرأة/ الرجل، ذلك أن القصيدة تماهياً بين الشمس/ المرأة وبالعكس، وبين البحر/ الرجل، فالبحر رجل وبالعكس.‏

ومما يعزز هذه القراءة وجود عناصر ثاوية داخل القصيدة تؤكد إمكانية هذا الفهم وبخاصة لوجود الراوي، راوي المشهد أو الحدث أو راوي السيناريو الذي يصف المشهد، الذي يبرز منذ مطلع القصيدة:‏

"مالت ذوائبها/ تقبل جبهة البحر المضرج بالأصيل‏

لمّت.. وخلّت.. بعض أطراف الخمار، تأهباً.. إذ دق ناقوس الأفول"‏

وكذلك وجود أنا الشاعرة ـ الراوية المستقلة عن شخصيتي البحر والشمس المتحاورتين داخل القصيدة، وذلك حين تقول:‏

"وأنا كمن.. بين الكرى والصحو.. لست أعي سوى..‏

أني.. تملكني البكاء"‏

وهنا نقف قليلاً عند ألْ التعريف التي دخلت على بكاء، علماً بأن الأصل أن تأتي بكاء هنا نكرة، وعندها يصبح أيسر إيقاعاً ونطقاً معاً، لكن التعريف مقصود لأنه يحيل إلى حالة التماهي: بكاء المرأة/ الأنا، مع بكاء الشمس عند الغروب.‏

وإذا كانت قصيدة "عندما يبكي الأصيل" تثير هذه القراءة الإشكالية، فإن قصيدة غنائية أخرى أكثر تميزاً للشاعرة زليخة أبو ريشة تثير بدورها قراءة بل قراءات تأويلية متعددة وهي قصيدة "باب الفتى والنون" والتي تعتبر من القصائد المتميزة، بل وتعطي ملمحاً واضحاً على تطور القصيدة الغنائية في الأردن، مما يستتبع بالضرورة وقفة مطولة نسبياً معها.‏

"باب الفتى والنون"‏

أما لماذا غنائية: فلأنها تقول بوح الذات، ولاعتمادها تقنية توجيه السؤال المتكرر: أين الفتى؟ ثم السماح بالانثيال الحر للفكرة التي تجيء شكلاً باعتباره جواباً لسؤال، ولكنها تجيء واقعاً، طرحاً متوالياً لهجس الذات/ الأنا، وبوحها تجاه ذاتها أساساً، وإن بدا الخطاب خارجياً وكأنه تجاه الآخر.‏

ثم لأنها، وخارج بوح الذات، تخلو من وجود شخصيات وأحداث تتصاعد، وبخاصة وأن طول القصيدة لا يعوّل عليه كثيراً في تحديد جنسها داخل أنواع الشعر الثلاثة: الملحمي، والدرامي، والغنائي. ذلك أن طول القصيدة هنا جاء مبرراً فنياً لاعتمادها بنية السؤال/ الإجابة، فكل مقطع شعري فيها، على تعدد مقاطعها، يبدأ بالسؤال أين؟ ثم تنثال تداعيات الأفكار/ الصور، عبر عبارات طازجة الاستخدام ـ إذ جاز القول ـ غير مكررة في الاستخدام الشعري العام، ولا في تجربة زليخة ذاتها، مما أبقى الوهج الشعري قائماً، وساعد بالتالي على تشكيل أنساق لغوية شعرية جديدة، لنقرأ معاً:‏

"أين الفتى يمتاح من بئر المسرّات… طين أهوائي.. نخل العشق‏

لسعة ملحِهِ في الروح، رمل محبتي… عصف أسئلتي…."‏

ومن مقطع آخر نقرأ:‏

"أين الذي وشم الحقائق…."‏

ثم "أين الفتى مَرَحُ المروج… خوف السُّكَرِ…"‏

هذه الإزاحات اللغوية العالية الاستخدام، قد ميزت لغة هذه القصيدة وأعطتها خصوصيتها.‏

فإذا عدنا للتعرف على طبيعة بناء الجمل الشعرية فيها، فإننا سنلاحظ ما يلي: ـ‏

المقطع الأول يبدأ بالصيغة الاستفسارية المضمّنة معنى الاستنكار أي الاستخدام نمط الاستفهام الاستنكاري، ولأن الحال هيولية غير محددة فقد برزت الصيغة الابتدائية باستخدام "حتى"، التي جاءت مسيطرة على بناء النسق اللغوي:‏

"حتى الرزافي يحتار في بياضه، حتى الندى يقول أين مرآتي…‏

وحتى الرغوة التي يتركها الإبريق في كأس الجعه".‏

أمّا وقد بدأت الحالة تتحدد لدى الشاعرة، فإن انتقالاً إلى العموميات شبه المحددة قد بدأ يُسيطر على الجملة ممثلاً باستخدام الجملة الاسمية:‏

"غرفة النجوى وضيق ساعة الكلام… فتحة الإزميل في الرخام‏

ضحكة الماورد فهقة الغمام".‏

لنصل إلى المقطع الثالث حيث الدخول في حركية الحالة/ الموقف باستخدام الجملة الفعلية التي تعتمد الفعل المضارع، وكأن الفعل يحدث الآن:‏

".. يخوض في غبار الطلع يفيض من رئاتنا‏

ويشتهي من مرمر النساء غبرة الحديث‏

يستدل نحو الباب".‏

وتستقر الحالة المعرفية نسبياً عبر الجمل الفعلية التي تعتمد الفعل المضارع لقول الحالة المشخّصة جواباً:‏

".. ينط من أهوائه‏

يملأ النجوى فضاءً‏

يُشبك الأعضاء بالبهاء.."‏

ثم تبدأ دورة أخرى عبر مقطعية جديدة تنتقل من أشباه الجمل إلى الجمل الاسمية إلى الفعلية بتداخلها بين المضارع والماضي، وإن كانت الدورة البنائية قد بدأت تتداخل، وذلك بسبب تحدّد أو تعيّن تشخيص الحالة لدى الشاعرة والمتلقي معاً، مما لا يستوجب إطاراً محدداً وثابتاً في الطرح. مع بقاء صيغة السؤال الذي ليس له جواب محدد، يسيطر على مجمل المشهد باعتباره المرتكز الذي تؤول إليه القصيدة، حتى لا تقع في الإطالة غير المبررة، التي وقعت فيها قصيدة "عصافير 95 تطير في كل اتجاه" لنفس الشاعرة والتي فقدت فيها العلاقة المبررة بين انثيالات النص وانهياراته الحرة عبر حالات الشاعرة ـ الأنا ـ الإنسانية، وبين أسماء الأماكن التي جاءت مجرد فواصل، أو مرتكزات مكانية جاءت بها الشاعرة لتوقف من رتابة الاستطالة. فجاء المكان فيها مجرد حضور تزييني يوشِّي القصيدة، لكنه لا يملك حضوراً أو خصوصية فنية، مع ملاحظة أن المقطع الأول من قصيدة "عصافير 95" والموسوم بعنوان "القدس"، يكاد يخلو من الشعر، إذ جاء أقرب إلى تداعيات نثرية مجردة لوصف حالة موهومة حول القدس، هي أقرب إلى الخاطرة، الفكرة منها إلى القصيدة.‏

فإذا عدنا إلى قصيدة "أين الفتى"، فإننا نقف أمام ملاحظتين هامتين:‏

الأولى: أن السؤال الذي بقي متعلقاً بإلحاح بـ: أين الفتى لم يجد جواباً موضوعياً، فالإجابة كانت تجيء غالباً على لسان الأنثى، ليصير الفتى عملياً هو الأنثى في توهجها وحضورها، باعتبارها أم الخلق وصانعته وحامله وزره وخصوصيته، أما الفتى فلا وجود حقيقياً له، إنه مجرد وهم لا أكثر، فالمرأة تستغني بحضورها الطاغي عنه، وتحيله إلى مجرد مخيّلة أو هجس بعيداً عن الوجود الواقعي. أما إن تمثّل هذا الوجود كما تريده هي الأنثى فإنه يجيء عبر صيغة:‏

"وما ناديت إلا كي أقرر ما أكون‏

ناديت ما ناديت، وفاتني أن الفتى‏

قد جاءني في حرف نون"‏

هذا ينقلنا إلى الملاحظة الثانية وهي أن الأحرف التي جرى توظيفها، وباستثناء حرف النون الذي يمكن فهمه عبر مقولة فعل الخلق كن، فيكون مع تغيير مسبب الخلق هنا، فقد أعطته الشاعرة لنفسها، للأنثى، هي وليس هو.‏

أما الأحرف وهي: الصاد، والهاء المتكررة، والنون المتكررة، والجيم، والباء، والياء، فهي وإذ لا تملك دلالة محددة في القصيدة، فإن تجربة كتابتها، والتدقيق في شكلها الخارجي يحيل إلى مجموعة أقواس، فكل حرف من هذه الأحرف هو إما قوس كبير أو عدد من الأقواس، وإذا تذكرنا الدلالة العربية المتعارف عليها، وهي تشبيه صحن الخد عند المرأة بحرف النون، أدركنا لعبة استخدام حروف الأقواس هذه، فهي تحمل دلالات أقواس المرأة، فجسد المرأة عبارة عن مئات أو آلاف الأقواس الفاتنة المتداخلة، وهذا يُحيل مجمل النص إلى سؤال: مَنْ أساس الحياة؟ مَنْ الفاعل والخالق فيها؟ وواضح أن الإجابة داخل القصيدة منحازة إلى المرأة باعتبارها صاحبة الوجود الحقيقي الفاعل. وكأنها المرأة الخالق، وفي هذا دخول في المحظور الذي لا أجرؤ على متابعته داخل النص.‏

المراجع:‏

أمينة العدوان: الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ج1: 1989، ج2: 1994.‏

رفعة يونس: ديوان شعر مخطوط.‏

زليخة أبو ريشة: ديوان شعر مخطوط.‏

شهلا الكيالي، كلمات في الجرح، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1985,‏

عائشة الرزام، عرس الشهيد، عمان: دار الكرمل، 1987.‏

عطاف جانم، لزمان سيجيء، عمان: رابطة الكتاب الأردنيين، 1983.‏

مريم الصيفي، انتظار، عمان: مطابع الصفوة، 1996.‏

منى السعودي، محيط الحلم، عمان: دار المدى، 1992.‏

مي صايغ، قصائد حب لاسم مطارد، بيروت: 1974.‏

نبيلة الخطيب: صبا الباذان، عمان، 1994.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244