مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الزمن الضائع في الثقافة العربية المعاصرة ـــ د.محمد خرماش- الجزائر

الزمن هو وعي الإنسان بحقيقة وجوده القائم في الكون؛ ولذلك فهو مرادف لكيانه وكينونته. إنه القوة الجارفة أو النهر المتدفق الذي يستوعب أفعاله ويحمل آثاره الفردية والجماعية، ومنذ أن وعى الإنسان موقعه تجاه الكائنات الأخرى وهو يحاول أن يقيس زمن وجوده ووجود زمنه بالقياس إليها فتعامل مع الليل والنهار، مع الشمس والقمر، مع النجوم والأفلاك، مع الشروق والغروب، مع الصحو والغيوم، مع الضوء والظلام، مع الجبال والسهول، مع القمم والأغوار، ومع كل عناصر الطبيعة التي تؤثر على تقلبات وجوده على الأرض؛ وبوعيه لمعنى التعاقب والتكرار، وتعلم العد والحساب؛ فقَدْ أدخل في اعتباره ملاحظة تجدد بعض الظواهر الكونية وتعاورها، وبنى على ذلك مسألة التقسيمات الزمنية من لحظات وساعات وأيام وشهور وأعوام وفصول وحقب وأزمان.‏

لكن مفهوم الزمن بما هو قدر من الوقت المعيش لا يمكن أن يستقيم إلا مقترنا بفعل أو بمكان أو بوضعية من الوضعيات، فإن قلنا مكان الأكل كان مضمناً بالطبع لمعنى المدة التي قد يستغرقها الأكل؛ وإن قلنا زمان الدولة العباسية كان ذلك متضمناً بالتالي لمعنى الأحداث والمنجزات والأشياء التي تمت أثناء وجودها.. وهكذا أصبح مفهوم الزمن مرادفاً لكثير من معاني الحياة التي يمارسها الإنسان سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الفعل. وبهذا المفهوم استطاع الإنسان أن يفكر في معنى الحضور والغياب، في معنى الوجود والعدم، في معنى الحياة والممات، في معنى الخلود والاندثار، وما إلى ذلك... وهكذا تعاطت جميع الفلسفات والأديان والآثار مع هذا المعطى الحياتي من منطلق مدى وعي الإنسان بحقيقته وارتباطه بوجوده وحتى بما قبل وجوده وما بعد وجوده.‏

إن الحضارات المتعاقبة قد اعتمدت مفهوم الزمن كقيمة وجودية اعتماداً وثيقاً وحاسماً في كل المنجزات الفكرية والعمرانية والتاريخية التي حققتها أو التي لم تحققها، ولنا في التراث البشري فيض غزير من الأمثلة الصارخة على كل ذلك، (تقديم بعض النماذج والتعليق عليها)‏

أما الحضارة العربية فقد عززت هذا المفهوم في جميع جوانبها ومكوناتها وأعطته أبعاداً مختلفة، ولنا أن نمثل في هذا الحيز المحدود بالجانب العقدي والجانب الاجتماعي فقط.‏

إن مفهوم الزمن في العقيدة الإسلامية مرتكز على اللحظة المعيشة وعلى اللحظة المرتقبة أو على الاستغراق الزمني وما يترتب على ذلك الاستغراق. إن الإنسان مسؤول عن عمره: فيما أفناه، ولذلك فتقديره للزمن ليس فقط إما هو لحظة إنجاز لا بد من اهتبالها؛ وإنما باعتباره كذلك مصدر سعادة آنية أو بعدية أو مصدر شقوة آنية أو بعدية؛ إن الحافز إذن في فهم الزمن واستثماره حافز فكري وحافز عقدي أو لنقل إنه حافز دنيوي وأخروي وبينهما تكامل وتضافر، وبهذا الفهم وهذه القناعة المتوازنة والمتزنة استطاعت الحضارة العربية الإسلامية أن تقيم أودها وأن تثقف الإنسان العربي ثقافة زمانية انعكست على أسلوب حياته الفردية والجماعية والاجتماعية، وعلى مختلف عطاءاته ومنجزاته، بما تمثله من وعي بقدراته وإمكانياته وبما تحقق له من ثقة بحاله ومآله. وكل ذلك قد أفاد الدول المتعاقبة أو أفادت منه في بناء أجهزتها ومؤسساتها المختلفة كي تثبت وجودها الاعتباري ضمن المجموعة البشرية التي تعمر الأرض وتصنع أزمنتها المتوالية. وبذلك فقد كان مفهوم الزمن مكوناً قوياً ورئيساً من مكونات الثقافة العربية الفاعلة في التاريخ..‏

وفي العصر الحديث، وبعد الخمول الطويل الذي أصاب التفكير العربي والحياة العربية في الصميم، أي في مدى فهم وتقدير حقيقة الزمن ومفعولـه بما هو عنصر وجودي حاسم، فقد ابتليت الثقافة العربية بنوع من الشلل الزمني الذي تسبب في انتكاسات خطيرة عفت على جميع المكتسبات، وجعلت الوجود العربي عرضة للتلاشي والاندثار.‏

يقال بأن "نابليون" حينما عزم على غزو مصر طلب تقريراً عن الوضع الثقافي للقوم، فأسمع –من جملة ما أسمع –بيت شعر مفاده أن الشاعر ينتظر محبوبته تحت ظل النخلة؛ فقال: هؤلاء قوم ينتظرون ولا يتحركون، فهم قابلون لأن يغزوا..‏

إن ما تمثله العرب ساعتئذ من حقائق زمنهم الضائع قد فوت عليهم الشيء الكثير من مساوقة النظم والمعارف والإنجازات، فأخطأوا موعدهم مع أنفسهم ومع التاريخ..‏

وبغض النظر عن تحديد المسؤوليات وحصر الأخطاء، ولو أن العبرة في كل ذلك ولكل الأجيال، يمكن التمثيل ببعض الاختلالات في بنية الزمن العربي وفي تدهور ثقافته:‏

1- يكمن الاختلال الأول في توقف مسيرة الحضارة العربية العريقة، وانكسار صرحها المشيد شرقاً وغرباً، وكأن الأرض العربية قد انشقت فلم تعد تنجب فارساً ولا عالماً ولا مفكراً؛ وإنما صارت تعيش على الاجترار واليأس والخنوع.. والأمثلة المؤسفة كثيرة عن الوضع المأساوي المتردي من حال الأفراد والمجتمعات والأنظمة.‏

2- يتمثل الاختلال الثاني في التعرض لصدمات الغزو الأجنبي وفي العجز عن حماية الكيان العربي وتخليصه من براثن الكواسر الزاحفة، وبذلك ضاعت بلدان عربية وإسلامية وأخرى معرضة للضياع، وكل ما في جعبة العربي هو الحزن على ما ضاع منه والبكاء عليه شعراً ونثراً.. وقد صدقت أم آخر ملوك بني الأحمر بالأندلس حينما قالت له:‏

ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال.. وكم من البكائين سراً وعلانية في زماننا الضائع هذا...‏

3-الاختلال الثالث والخطير هو العجز عن مواجهة التحديات الثقافية وإقامة ما يمكن تسميته بالنهضة المضادة. ومن المعلوم أن الثقافة العربية قد قوبلت في أزمنتها الحديثة بمعارف قوية ومتطورة في مختلف المجالات، ولم يكن أمامها بد من مسايرتها والاستسلام إليها –مؤقتاً على أمل أن تتحرر وتقيم كيانها الخاص –بالتدريج، لكن المؤقت صار مؤبداً، والتدريج صار مسترسلاً، الشيء الذي حكم عليها بالتبعية والانصهار في بوتقة المثاقفة الأجنبية رغم بعض الصرخات المعاندة أو المعارضة والمتعالية أحياناً من هنا أو من هناك (نماذج وتعليقات).‏

4- الاختلال الرابع والقاسي هو حالة الإحباط والاغتراب التي تلازم المثقف العربي بوعيه الشقي بما هو كائن وبما يمكن أن يكون!‏

إن الإحساس بالتراجع المستمر قد شكل في الثقافة العربية نوعاً من التشكك في تصاعدية الزمن ونوعاً من الفهم المقلوب لاستمراريته.‏

وهذه المأساوية أو هذا الزمن المنكسر بالنسبة لما يعيه المثقف العربي وَيعْقله، قد أصابه بقلق دائم وبعدم الاطمئنان إلى الحاضر وإلى الكفاءات الخاصة؛ وقد تجلى ذلك في مختلف الخطابات الفكرية والأدبية والنقدية التي تتمحور غالباً حول مفاهيم متضادة مثل: التقدم والتأخر، الانتصار والانكسار، النهضة والانحطاط، السلب والإيجاب الخ. لكن السهم متجه دائماً أو في الغالب إلى ما هو ناقص أو متدهور أو شائن.. وقد نتج عن هذه الطروحات المتشاكلة مسيرة معقدة جداً في التفكير العربي الحديث وفي تكوين شخصية الإنسان العربي الموزع بين مفاهيم وتصورات قد يعرف لها بدايات ولا يرى لها نهايات مثل قضية الأصالة والمعاصرة وقضية الحداثة والتراث وقضية الحكم ونظام الحكم وقضية الاقتصاد ونظام الاقتصاد.. وفي كل هذه المجالات يتحرك الفهم العربي ويتحرك الإنسان العربي والواقع العربي حركة مد وجزر كالمربوط بالخلاف كلما مد يده اليمنى تشدها رجله اليسرى، وكلما مد اليسرى تشدها الرجل اليمنى، فهو يحجل وينط ويغربل في مشيته لا يستقيم له سير ولا مسيرة في الثقافة ولا في الحياة!‏

إن الزمن العربي زمن متكسر ومنكسر وكأن شمسه تطلع ثم تعود وسنته تنقضي ولا تفيد وهو حائر بين أمسه وغده..‏

وكل الإشكاليات الثقافية المطروحة لم تستطع أن تجد لها حلاً ولا نهاية رغم كل ما أسالته من حبر وكل ما أنفق فيها من جدال وزمان ونقاش؛ إن مسألة الهوية الثقافية مثلاً مسألة قديمة حديثة، لا يفتأ الجدال حولها محتدماً، ومع ذلك فالحياة الثقافية العربية مستمرة كيفما يتأتى وكيفما يتفق؛ إن الزمان لا ينتظر ولا يتوقف حتى تْحل المشكلات، وإلا لكان لكلٍّ زمانه وإبانه؛ ومن يفهم ذلك كذلك فإنه يعيش في زمان غير زمان الناس وفي عصر غير عصر الناس. ومشكلة الزمن في الثقافة العربية أنه فضفاض ومطاط ويمكن أن يستغرق سائر الاحتمالات، ولذلك فهو لا يقلق الإنسان العربي ولا يشكل هاجساً خطيراً بالنسبة إليه [رَصَفَ أحدهم مُسْتَنْشَقَه على ظاهر يده وهو بجانب الطريق العام، ثم رأى حافلة قادمة بسرعة فخشي أن تطيّر مستنشقه بريحها فرفع يده ليوقفها، وَظَنَّ السائق أنه سيركب فتوقف أمامه، ولما استنشق الرجل مستنشقه على مهل وحسب مزاجه الخاص، أشار إلى السائق أنه باستطاعته الآن أن يستأنف سيره، ولم يركب معه!] ومثل هذا الفهم أو التقدير للزمن قد يسود لدى الأفراد وفي المجتمعات ولدى الأنظمة والحكومات، ومن ثم فأغلب الشعارات التي ترفع وكثير من الأهداف التي تحدد وكل المخططات التي ترسم تقريباً، تبقى حبراً على ورق، ولا تنجز إلا بالتسويف والمماطلة والتأجيل.‏

إن تضييع الوقت والاستهانة بعامل الزمن أو عدم تقدير خطورته وأهميته سلباً وإيجاباً قد كان من وراء تضييع كثير من الفرص التي أتيحت للإنسان العربي كي يستعيد ذاته ويتصالح مع تاريخه وحضارته، فقد واتته الفرصة مع الحركات الوطنية وحركات المقاومة التي تمت من خلالها إنجازات باهرة، وقد كان من الممكن جداً أن تتجمع القوى وتتحرك القدرات لتأسيس أزمنة معرفية واقتصادية وحضارية جديدة تمكن من تخطي العوائق والموانع وتساعد على تحقيق النقلة المنشودة؛ لكن الأيادي التي ركبت الموجة واستولت على مراكز القرار سرعان ما غلب عليها الجشع والطمع وتغليب المصلحة الخاصة على المصالح العامة فطغت الأنانيات وسادت المحسوبيات وتفشت جميع الأمراض والموبقات؛ وقد جَرَتْ مياه كثيرة تحت القناطر ونحن في أخذ ورد بين الشكوى والأمل وبين الغضب والاسترضاء وبين الإصلاح وإصلاح الإصلاح.. إلى أن أصبح منتهى الغاية عندنا أن نستطيع البوح بكلمة حق ولو مع التلفت يمنة ويسرة؛ وأصبحت الجرأة على المطالبة بالحق في التعبير هي أقصى درجات حرية التعبير، وأصبحنا منشغلين بمفاسدنا ومشاكلنا نلوكها حتى مع أنفسنا ولا نكاد نتجاوزها إلى ما يفعل الناس من طرح الأفكار الجديدة أو المساهمة في الابتكار والإبداع، وهكذا نستغرق زماننا وزماننا يستغرقنا، وقد انفلت منا الزمن الحق زمن الشعوب الفاعلة والمتطورة.‏

إن هذا الطرح الواقعي جداً لمعنى الزمن الضائع أو المضيع في الواقع العربي وفي الثقافة العربية لا يعني تجنياً على هذه الثقافة أو تيئيساً من إمكانياتها، لكنه يعني نوعاً من الدفع بالوعي العربي إلى منطقة القلق التي قد تدفع بدورها إلى منطقة الفعل الإيجابي والفعل المطلوب.. والمعتقد أن دمج ثقافة الزمن في الثقافة العربية المعاصرة كفيل بأن يشبع قيمة المدركات المرتبطة بهذه المقولة الوجودية، وقمين كذلك بأن يعيد إلى العربي ثقته في نفسه وفي قدرته على صناعة أزمانه...‏

ولعل الخطوة الأساسية في ذلك أن نعيد إلى هذا الإنسان أو نعيده إلى مقاليد أموره، ونعوده على تحمل مسؤولياته وعلى اتخاذ المبادرات الشجاعة في مختلف الظروف والوضعيات؛ بعد أن ظل مدة طويلة يؤثر السلامة على الفعل ويقنع من الغنيمة بالإياب.. ولن يتم ذلك بالطبع إلا بالتخلي عن فكرة الحذر من المواطن وتهميشه واستغفاله، وبإشاعة روح المواطنة والاعتزاز بالأرض والتشبث بالهوية، وبالعمل على سيادة القانون الواضح الصارم في مساواة وحق وديموقراطية وعدالة، وبالبحث كذلك عن الوسائل الناجعة لإيقاف نزيف هجرة الأدمغة والكفاءات والتشجيع على استثمار الإنسان ومكافأة الجهود.. وحينما تنتشر هذه الثقافة وتسود هذه القيم يكون الزمن العربي قد استأنف دقاته الحقيقية وعاود مسيرته الإيجابية، ويمكن للثقافة العربية الشاملة آنئذ أن تطمع في محاولة استدراك زمنها الضائع!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244