مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

هل تكفي الأسئلة ـــ صالح محمود سلمان- سورية

هل لي أن أرسُمَ خارطةً زرقاءَ وراءَ الشَّفَق المُخضَرِّ‏

وأنثُرَ بين يدَيْها نظراتٍ‏

تتلامَحُ فيها‏

ليلَكَةٌ وغصونٌ من وَجْدٍ وحنينٍ‏

ومرايا من عُمْرٍ عبرتْهُ ظلالٌ بيضاءُ؟‏

وهل لي‏

أن أرشفَ بعضاً من عسلِ الكلماتِ؟‏

الشهدُ المُتورِّدُ فوق تراتيلِ القلبِ دعاني‏

كي أرسمَ خدَّيهِ على صفحاتٍ خضراءَ‏

وهل لي أن أُطلِقَ هذا الفجرَ صُداحي؟‏

في عتمةِ كانونَ قرأتُ الفجرَ المُتهاديَ موسيقا‏

في نيسانَ‏

فهل لي أن أقطفَ وردتَهُ‏

وأقدِّمَها في يومِ العيدِ‏

لطُهْرٍ نَبَويٍّ‏

يرسمُهُ البَوْحُ على وجْهِ حبيبي؟‏

نَسِيَتْني عند حروفِ التَّرْحالِ قرنفلةٌ‏

تركَتْني مثلَ قتيلٍ عند تَجَرُّدها‏

من قال: الصبحُ قريبٌ؟!‏

لا صبحَ إذا نأتِ المحبوبةُ عن عينيَّ‏

ولا امرأةٌ من وَسَنٍ زارتني في الأحلام‏

وعيناكِ فضاءٌ من حَبَقٍ وبَخورٍ‏

وأنا ما بين النومِ وعطرِ العينين‏

زرعتُ القلبَ‏

وبعضاً من نَغَمٍ مجروحٍ‏

هربَتْ من شفتيّ الكلماتُ‏

وغلّتْ مثلَ عصافيرَ بِدغْلِ الورد الجُوريّ‏

فمن يُرجِعُها؟‏

هل لي أن أرسمَ صورتَها بمدادٍ من عينيَّ‏

على جذعِ النارنْجَةِ عند تخومِ الليلِ؟‏

وهل لي أن أقرأ ضحكتَها؟‏

فأنا لا أعرفُ معنى أن تدخلَ عاشقةٌ‏

بيتَ الصبواتِ‏

وتغلقَ أبوابَ الرغبةِ‏

ثُمَّ تنادي كي أتبعَها‏

هل لي أن أشربَ فنجاناً من قهوتها الصهباءِ‏

فأرحلَ مثلَ بنفسجةٍ في هَدْهَدَةِ الظلِّ‏

تُداري خيبتَها؟‏

من أين تجيءُ الأصواتُ المُلتاعةُ‏

في هذا الوقتِ الوحشيِّ‏

الرابضِ مثل جبالِ جراحاتٍ فوق الصدرِ؟‏

ومن أين تطلُّ الأصداءُ‏

وحُمَّى الكلمات احترقتْ تحت وِسادتها؟!‏

لم يَبْقَ سوايَ‏

أطوفُ شريداً ما بين الصوتِ المُنداحِ‏

وجُلجلةٍ خرجتْ من جلدِ الأرضِ‏

وراحت تتمَرْأى تحت جَناحِ الشوكِ‏

فهل لي أن أبدأَ في هذي اللحظةِ‏

نسجَ خطوطِ الإكليلِ‏

وربطَ خيوطِ الخارطةِ المنداحةِ‏

بينَ المسمارِ‏

وأخشابٍ سئمت وقفتَها؟‏

هل لي أن أنقلَ للوجهِ الآخرِ‏

ما كنتُ كتبتُ على الوجهِ الأوَّلِ‏

في أوراقٍ بَليَتْ من كثرةِ ما جاستْها الأقلامُ؟‏

لعلَّ وميضاً يصعدُ من أنفاسِ الكلماتِ‏

ويشعلُ ظلمتَها؟‏

أتراني كنتُ نبيّاً ذاتَ عروجٍ‏

نسجَتْهُ الرؤيا‏

حتّى جاذبْتُ النجمَ عباءتَهُ؟!‏

أو قُلْ‏

ربَّتُّ على كتفِ الملكوتِ الأعلى‏

بيديَّ الحادبتينِ‏

وأشرفْتُ على الكون الملتاثِ‏

رحيقاً من برقٍ وسَحابٍ‏

يغسلُ لوثتَهُ؟‏

هل لي أن أغفوَ بضعَ ثوانٍ‏

تحت ظلالِ السّدرةِ‏

كي أكملَ هذي المعزوفةَ؟‏

أوتارُ القيثارِ استُلَّتْ من أشواقِ صبيٍّ‏

حملتْهُ الصبواتُ قُبَيْلَ الصّبحِ إلى قُبَّتها؟‏

غَسَلت قدمَيْه بماءِ المُزنِ‏

وكفَّيْهِ بماءِ الياقوتِ‏

وعينَيْهِ بماءِ الرؤيا‏

صبَّتْ في شفتَيْه سُلافتَها‏

مَنْ ينقُلُ عنه إذا ما باحَ حكايتَهُ؟‏

وإذا ما نام على سُررِ الأحلامِ‏

تُهَدْهِدُهُ الصَّلواتُ‏

فمن يُوقظُهُ؟‏

مَنْ يكملُ عنّي هذي المعزوفةَ‏

إمَّا همتُ بعينيه‏

ورحْتُ أُجمِّعُ ما ينثرُ من دُرَرٍ فوق الطرقاتِ‏

ومنذا يُرجعُني‏

إن أسلَمْتُ قيادي لنسيمِ يديْهِ‏

ومنذا يُرجعُهُ؟!‏

هل لي أن أرسمَ خارطةً أُخرى‏

خلف استجداءِ الفلواتِ‏

أيَاسِرُ ما كتَبَتْ يُمناهُ‏

أُيَامنُ ما نَثَرتْ يُسراهُ‏

وأنفخُ في ناياتِ الوشمِ هواءً بدويّاً‏

إن تقطفْ من وَشْيِ عباءتِه ليلاً‏

ينداحُ رخيّاً عند خيامِ الضَّوءِ،‏

تَنَلْ ما شئْتَ من التفّاحِ‏

وأعنابٍ خمرتُها تغسلُ‏

ما في الأرواحِ من الأدرانِ‏

ونخلٍ إمَّا تهزُزْهُ يُساقِطْ رطباً‏

لم تُعْرَفْ نكهتُه من قَبْلُ‏

وإن ألقيتَ عصاكَ على جَبَلٍ‏

ينثالُ نبيذاً‏

فاشربْ ما شئتَ‏

"فلا لَغْوٌ فيه ولا تأثيمْ"‏

هل يكفي أن أرسمَ وجهاً لحبيبٍ غابَ‏

لكي أسمعَهُ؟!‏

هل يكفي أن أسألَ‏

كي أعبرَ هذا النفَقَ المُمتَدَّ طويلاً‏

أوّلُه عند تخوم الحَبْوِ‏

وآخرُه عند تخوم التنجيمْ؟!‏

شرِبَتْ عينايَ الأفلاكَ جميعاً‏

لكنِّي لمْ أُرْوَ‏

فهل لي أن أرسمَ أفلاكاً أُخرى‏

تروي الظمآنَ وتعتقُهُ؟!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244