|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المُبدع الكبير ـــ عبد الستار ناصر- العراق منذ أن نشر كتابه الشهير "تحسين اللسان في مدح الحسان" والأموال تنهمر عليه ذات اليمين وذات يُسر الحال، لكن عثمان السيّد يعرف أن كتابه هذا لا يستحق القراءة، فهو مجرد كلام مأخوذ بعضه من (رجوع الشيخ إلى صباه) وثمة صفحات مستلة من كتاب (الإمتاع والمؤانسة) ومن ترجمات باللغة الهندية التي وحده من يعرف أسرارها وخباياها بين أقرانه من الشعراء وكتّاب الرواية والفلسفة. لم يكن الأمر عسيراً في تأليف كتاب آخر يبحث في العلاقة السرمدية بين الجنسين، لا سيما وأن قدامى أدباء الهند أمعنوا في تدوين هذا الجانب الحسي الذي يباع فوراً بين المراهقين والباحثين عن اللذة ويأتي بالدراهم والدنانير بسرعة البرق، لهذا راح عثمان السيّد يسهر الليالي بين الكتب العتيقة الصفراء يجمع المعلومات من بين سطورها المغبرة حتى تمّ لـه إنجاز كتابه الثاني "ما يفعله الحسد في ليونة الجسد" وهو بحق كتاب خطير يحكي عن السحر الأسود الذي مارسه قدامى السيخ والهندوس على أعدائهم من القرن التاسع عشر، وكان فعل السحر يأتي أولاً على طراوة الجسد الذكوري ويشطب على الجينات الوراثية من جذورها حتى يتم حرمان العدو من إنجاب الأطفال وتتحقق لهم الغلبة في أية حرب ستنشب بينهما في القريب العاجل حتماً. ظهر الكتاب في ساعة نحس، لم يلتفت إليه غير قلّة من الذكور الشواذ، وتأكد الفشل حين عادت إليه مئات النسخ بعد مرور ستة شهور من تأريخ البيع، فأحس عثمان السيّد أن عنوان كتابه صار كما الثوب الذي يلبسه، فهاهو الحسد يفعل فعلته في ليونة الجسد! رمى الكثير من الدنانير في جولة ثالثة، راهن بها مع نفسه على كتابه الثالث "الباه ولا الجاه" بطباعة فاخرة وغلاف أنيق باهر يثير النشوة والشبق العارم، وحقق الباه ولا الجاه ضربة كبرى في أسواق الكتب وأكشاك الصحف والمجلات، وراح اسم عثمان السيّد يتصدر قائمة أعلى المبيعات، بل صار عنوان الكتاب (مثلاً) يقال في كل جلسة (كيف) وسمر وفي كل مخدع خفي من الغرف الحمراء، حتى أوشك أن يكون شعار الدولة، لولا الخلاف الرهيب الذي اشتعل بين رجال الدين ومجلس النواب، وهي أول مرة في تأريخ البلاد تكون فيها جلسة النواب من أجل كتاب أراد لـه البعض أن يمزق ويحرق في قلب المدينة، بينما طالب الليبراليون تكريم المؤلف على شجاعته وجرأته في ذكر الحقائق دون أقنعة وبلا تزوير! الحرب التي نشبت ما بين النخبة وعامة الناس رفعت منسوب البيع السرّي لهذا الكتاب، حدّ أن مطبعة الشرق لم تستطع توفير ما يحتاجه القراء من (الباه ولا الجاه) إلاّ بعد وجبة مسائية يطبع فيها الكتاب. عند الفجر تمكن أحدهم من حرق المطبعة بكل ما بقي فيها من أوراق الكتاب، لعلها أول كارثة من هذا النوع تراها المدينة، لكن عثمان السيّد –وقد احتفظ بأصل كتابه الثالث –تمكن من إعادة طبعه وتعويض الناشر عن خسارته وترميم البناية مع إحضار مجموعة من الحراس يحملون البنادق لحماية المكان من الحرائق أو السرقات. ** صار عثمان السيّد من أكبر أغنياء العاصمة بعد أن باع من الباه ولا الجاه أكثر من خمسمائة ألف نسخة في أربعة شهور، وتمّ ترجمة الكتاب إلى اللغة الروسية والصربية والبرتغالية واليابانية، وعند احتفاله الباهر بالطبعة الثالثة من هذا الكتاب الممتع تمت ترجمته حرفياً إلى اللغة الهندية دون مشورة المؤلف. سقط عثمان السيّد على فراش المرض وهو يفكر في المصير المحتوم الذي ينتظره بعد أن رجع كتابه إلى أصحابه في الهند وكيف أنهم سيكتشفون الحقيقة بعد قراءة الباه ولا الجاه، فما من شيء في هذا السِفر الإباحي إلاّ وجاء من قدامى فلاسفة الهند الذين أبدعوه منذ عشرات السنين! أوشك المؤلف أن يموت بعد مائة يوم من النوم وهو صريع الرعب والشكوك من افتضاح أمره، وفكر أن ينهي حياته بيديه قبل أن يعرف القراء وأبناء مدينته ما كان يفعله من (لطش) واستخفاف بعقولهم حين راح يسرق أفكار سواه من المبدعين شرقاً وغرباً! قدر في ساعة من تأنيب الضمير أن يكتب اعترافه قبل أن ينهي شهيقه برصاصة في البلعوم، جاء في خطابه المرسل إلى قارئه الكريم: -"كنت أحب إثارة المتعة في نفوسكم، لست سارقاً بالمفهوم الذي عرفتموه اليوم عني، بل رأيت أن الحياة تحتاج منّا إلى شيء من الحركة حتى نتمكن من احتمال قسوتها وجنونها.. أرجو أن يسامحني كل واحد منكم على جريمتي الصغيرة هذه، وهي كما ترون أصغر جرائم هذا العصر الغبي المزحوم بالحروب والنكبات والأخطاء.. سامحوني بارك الله فيكم وأحسن مثواكم، وها أنا أعتذر منكم بقتل نفسي، فهل أستحق عفوكم عني؟". ** في الساعة الحادية عشرة من الليلة التي قرر فيها عثمان السيّد حسم أمره مع الحياة برصاصة على الرأس أو البلعوم، رنّ جرس التلفون.. رنّ كثيراً قبل أن يرفعه، ثمة من يخبره بصوت مملوء بالفرح: -مبروك يا عثمان السيّد، ألف مبروك يا أُستاذ فوزك بالجائزة الكبرى عن كتابك الباه ولا الجاه. لم يفرح عثمان لهذا الخبر العظيم، فما يزال مصيره المحتوم قيد المصادفة في أن يكتشف أمره قارئ من الهند، وربما تهبط فوق رأسه صاعقة ما إذا وقع الكتاب المترجم في بيت أحفاد المؤلف الحقيقي.. لكن الشكوك سقطت كلها حين قال التلفون ثانية: -رشحتك جمعية أدباء الهند القدامى لنيل هذه الجائزة بعد أن جاء في تقريرهم السنوي بأنكَ قد تجاوزت في كتابك "الباه ولا الجاه" كل إبداع الماضي. ولم يكن أمامه في تلك الساعة غير أن يحرق اعترافه بعد أن أعاد المسدس إلى مكانه الخفي وهو يهمس مع نفسه في حالة من الرقص والنشوة والأمان: -الآن، لا بد من تأليف الرابع. سحب ورقة بيضاء راح يكتب في أعلاها عنوان كتابه الجديد: لا شيء يعيد المهاجر مثل هزّ الخواصر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |