مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حين يصدأ السلاح ـــ عدنان كنفاني- فلسطين

عندما تقف أمام البناء الذي كان عظيماً، تشعر أنك على وشك الدخول إلى عالم من الأشباح.. تسحبك الذاكرة إلى ساحات التصّور الطفليّ مع حكايات الغول والعنقاء، والساحرة الشريّرة المتربّصة في قصرها المهجور..‏

حتى هذه التصوّرات الخيالية القاسية.. التي ملأت دنيا طفولتنا بالخوف، لا تقارب أبداً ما تشاهده أمامك مفتوحاً على آخره يحكي "كما تروي رغم هدوئها المطبق شرائح الإسمنت المتراكمة بعضها فوق بعض بوّد ليس لـه مثيل "قصّة وجه الإنسانية الآخر عندما يفقد آدميته، ويعلّق قيمه وحضارته وثقافته وإنسانيته على ماسورة مدفع أو بندقية، أو فوق قذيفة تحصد وهي –تؤتي أكلها –الهلال والصليب والطفولة والتاريخ، وتترك وراءها بلا خجل إرثاً مقروءاً ومنظوراً إلى الأجيال القادمة يكرّس وصمة سوداء على الصفحات الخيّرة، يشفق اللسان التعرّض لذكرها...‏

ورغم القدرة على تلمّس المأساة براحة اليّد العارية.. لن تصدّق...‏

بناء من عشرة أدوار أو أكثر –فالأدوار العلوية متهاوية ومطبقة فوق بعضها على شكل يستحيل معه ضبط العدد –وكل طابق يضّم ثماني شقق سكنية.‏

واجهة عريضة تفتح ذراعيها على ثلاثة شوارع رئيسة من أهم الشوارع التي قدّر لها أن تكون على مقربة من خطوط التماس الساخنة بين شطري المدينة الغربي والشرقي...‏

وقدرها هذا جعلها هدفاً جليّاً من جهات أربع، حوّلها "مع استمرار التهديف" إلى هيكل مرعب، لو أعملت أقصى طاقات إبداعك، فلن تقدر أن تحقق لـه وصفاً..‏

تقرأ بوضوح على ما بقي صامداً من الجدران، توقيعات كافة أنواع الأسلحة ومقذوفاتها الخفيفة والثقيلة، الحارقة والمفجّرة والمخترقة إلى الطرف الآخر تاركة من خلال ثغرات بشعة فوهات ضيّقة تقود ناظريك للتفّرج على مساحة محدودة من المدينة المسحوقة بعذاب الحرب...‏

ولن يفوتك التمتّع للحظات ببريق مياه البحر البعيد من جهة أو بقمم الجبال الخضراء من الجهة الأخرى.‏

تحيّرك الأسئلة.. كيف خلع هذا البناء العملاق ثوب تألقه وأنواره ورخامه الأبيض والملّون،‏

ورسم الحضارة الذي أراد تأكيده.؟ وكيف ضاع كل ما كان ومن كان فيه؟‏

من سقط أمامه أو على الطريق وهو يصارع بالدمع والساق موتاً فرض عليه؟ كيف انتشل أشياءه التي بناها قطعة قطعة ودمعة دمعة.. وهل استطاع أن يفعل.؟ أم عاجلته المصيبة ولم تترك لـه أكثر من مساحة أناه..‍‏

تساقط الزجاج وأعمل تقتيلاً ثم تفتّت وتلاشى، تساقطت أو نزعت، حرقت أو سرقت الأخشاب التي كانت أبواباً ونوافذ ومكتبات وتركت مكانها فراغات مرعبة يحيط بها السواد، ويرسم فوق رؤوس حجارتها المدبّبة أشكالاً مشوّهة ملطّخة بالأحمر والأصفر والرمادي..‏

حتى الشرفات التي حملت بين جنباتها لحظات الحب والفرح والشوق، وفناجين القهوة الصباحية ومناقيش الزعتر مع اقتراب المساء، وحملت همهمات أمّهات يتابعن لعب أولادهن على الرصيف المقابل وأشواقهن في انتظار الرجال، تساقطت هي الأخرى..‏

بعضها هوى ولم يحتمل، وبعضها الآخر تعلّق وأرخى أطرافه المشكوكة بأسياخ الحديد مثل جدائل عذراء ذبيحة...‏

وبدت واجهة البناء شبحاً لرجل مهلهل بارع –كما في كل الأوقات –في اصطياد الأشياء التي تبدو ثمينة من حاويات القمامة..‏

أمّا البوابّة الرئيسة فقد تراكمت أمامها أكوام تراب وحجارة، غيّبت تحتها الأرصفة والجثث والأحلام وأنبتت فوقها فيما بعد أشياء أخرى.‍! ليست وروداً ولا زهوراً ولا لوحات جميلة.. لكنّها أطياف قاتمة لبقايا ألوان حمراء وسوداء غامقة..‏

ولولا هذه الستارة الملوّنة البالية المحتّلة موقع نافذة بين طابقين.. يبدو من طرفها الضيق رأس أشيب صغير، يطّل لحظة ويغيب طويلاً. لحسبت أنك حقيقة أمام بوابّة عالم مجهول مليء بالأشباح المرعبة.‏

تخفي –الستارة الملوّنة –وراءها مساحة من عتبة الدرج، وفسحة الوصول إلى المصعد، مكان ضيّق لكنّه مختار بعناية، عاش فيه يوسف وصمد وحيداً سنوات طويلة بلا ماء ولا كهرباء وفي حدّ أدنى من الراحة والأمان.. وعاش في غرفة نظيفة واسعة تقع تحت درجه الرئيس. في القبو..‏

كانت تعني لـه الكثير من الترف بالقياس إلى سنوات الحرمان الطويلة التي قضاها في أمكنة لا تخطر على بال آدمي، تراوحت بين حظائر الحيوانات، والبساتين، وعربات الباعة المتجوّلين، ورمال الشاطئ، والحدائق المنتشرة هنا وهناك...‏

سنوات غربة طويلة حملته إليها من بلاد أخرى لم يعرفها أحد، ولم يستطع حتى العم الطيب أبو نايف صاحب دكّان البقالة في آخر الشارع أن يعرف كيف –وُلد –هذا الرجل الضئيل في زحمة المدينة الصاخبة..‏

سقط من فضاء مجهول، بلا ماض وبلا هوّية.‏

وقد استطاع "أبو نايف" هذا أن يجد عملاً لـ "يوسف" كناطور وبوّاب لهذا البناء العملاق.. ومن يومها دخل دنيا جديدة نظيفة أضافت إلى تقاطيع وجهه القاسية صفة لم يكن يعرفها أو أنه نسيها منذ زمن، يسمّونها.. الابتسامة..‏

وافق صاحب البناية الثري بكفالة العم "أبو نايف" على أن يعمل يوسف عنده بلا راتب شهري، كان يكفيه وزيادة –على رأي المالك الثري –ما يكسبه من خدمة سكّان البناء الكثر، وخاصّة أجرته عن تنظيف الدرج وشطفه كل أسبوع على الأقل، إلى جانب إقامته الشخصية.. المجّانية..‏

والأهم من ذلك كله ما يتحمّله المالك –المدعوم –من مسؤولية التستّر على شخص مجهول وبلا هوّية.. ومن يومها عاش "يوسف" في دنياه الجديدة راضياً وسعيداً، وحقّق خلال زمن قياسي محبّة السكّان، فقد حرص بجهد دؤوب ومخلص على تأدية الخدمات الكثيرة لهم بأمانة وعن طيب خاطر بل وتفان ليس لـه مثيل..‏

عندما بدأت الحرب الأهلية المجنونة غادر صاحب البناء "الثري الكبير" البلد إلى بلد أجنبي، يملك فيه أيضاً بيوتاً وأعمالاً رائجة وأرصدة محترمة في مصارفها، حقّقت لـه طيلة سنوات الحرب وما بعدها حياة مشبعة بالترف وأكثر من الكفاية..‏

وخلال هذه الفترة أيضاً غادر سكّان البناء الكبير شققهم واحداً بعد الآخر.. منهم من قتل أو جرح، وأكثرهم هرب إلى أماكن أكثر أمناً وأماناً، أو إلى بلاد أقّل خطراً على حياتهم ليس أكثر، وفي نهاية المطاف وجد "يوسف" نفسه وحيداً في هذا البناء العملاق..‏

عاش دقائق الأحداث وتوالي فصولها ساعة بساعة ويوماً بيوم.. تتساقط الحجارة من حوله، وتملأ رأسه أصوات فرقعات تهّشم الزجاج، وأزيزها المرعب..‏

وكثيراً ما اكتوى بلهيب الحرائق المتواصلة والمتّصلة على الدوام بتناسق تام مع أصوات العويل والبكاء وأنين الخوف وترقّب الموت في كل لحظة..‏

مرّت أمامه عشرات الصور المتشابكة والمختلطة، وأشكال المليشيات والتنظيمات والفرق المحلّية والدولية القريبة والبعيدة..‏

عاش تفاصيل الاجتياح الإسرائيلي بالطائرات والمدفعية وأحدث الآليات المتطورة التي تشبه بالشكل والمضمون تفاصيل دخول قوات "المارينز" الأمريكية..‏

سنوات وسنوات والمأساة تمضي إلى الأمام ولا شيء يوقفها.. يتبّدل الشكل ويتغّير مع تبدّل مواقع المتقاتلين أو تقهقراً ولا يتبّدل وضوح السبب ولا المقصد والغاية التي لم يدرك أبعادها "يوسف".. كانت معركة لا تعنيه، ورغماً عنه لم يستطع إلا أن يعيش ساعاتها..‏

يحمل القتلى إلى السيّارات المكلّفة بنقل الجثث، وينقل الجرحى إلى حيث يطلبون ويقدرون على الوصول، وبين الحين والحين يكفكف دمعة تنساب ساخنة على صفحة طفل تيتّم، أو فتاة اغتصبت..‏

صمد مع القلائل الذين صمدوا، وأتقن صنعة البقاء على قيد الحياة مغلقاً عالمه كله على المسافة القصيرة بين بوابّة البناء العملاق وغرفته الآمنة المختارة عند عقدة الدرج، وبين دكّان العم "أبو نايف" المنطوية والمختبئة تحت كثافة إسمنت البناء القائم فوقها، والتي أصّر صاحبها أن تبقى مشرعة غالب الأوقات..‏

في ليلة حزينة تزوج "يوسف" من "حسنة" ابنة العم "أبو نايف"..‏

حدث الأمر بسرعة.!‏

وجدها في أحد الأقبية القريبة لبناء متهدّم، تموء مثل قطّة فقدت أشبالها المولودين توّاً، ممزّقة الثياب، على فخذيها العاريين خيوط رفيعة من الدماء، تخفي وجهها الملائكي الجميل المخّضب بدموع مقهورة ضعيفة وراء خصلات كثيفة من شعرها الأسود..‏

حملها برفق إلى بيتها، ومثل خلق الله، طلبها للزواج..‏

تزوجّها بلا ضجيج.. زفّتهما أصوات القذائف المتقطّعة، ورشقات الرصاص الخطّاط، كتبا ليلتها عهد الحب بينهما آهات موجعة فوق الجدران المتعفّنة المليئة بتوقيعات وشهادات كافة صنوف الأسلحة والطلقات..‏

تخّلى لها عن فراشه، فنامت بعمق كأنها طفلة عثرت على صدر أمها بعد بحث طويل..‏

في اليوم التالي جاء "أبو نايف" يخفي تحت معطفه الطويل بندقية حديثة سلّمها بكثير من الحيطة والتحّفز إلى "يوسف" ليستعملها عند الحاجة فالأمر لم يعد يحتمل –كما قال –هذا القدر من الحياد ولا بد من وسيلة للدفاع بها عن النفس...‏

عانقها بشوق، عادت به إلى زمن بعيد غائص في قاع واد سحيق، لكنّه انتفض فجأة تمالك زمام نفسه وقرّر بلا أسف أن يدفنها في مكان يصعب اكتشافه بين الأنقاض المبعثرة في قبو البناء العملاق..‏

بعد حين ظهرت عوارض الحمل على "حسنة" وأيقنت أن الأمر مؤكّد، اختلطت في رأسها الأوراق، وليس لها أن تتّخلص من الشّك إلا بقتل الجنين، أو تعيش ما تبقّى من العمر أمام وجوه قبيحة تغتصبها كل لحظة..‏

في ظهيرة يوم مشمس توجّهت إلى الشارع الخلفي للبناء حيث الساحة مكشوفة عن آخرها لرصاص القنّاصين، وبهدوء وتؤدة راحت تتمّشى وسط الشارع العريض..‏

لحظات.. ثم سقطت والدماء الغزيرة تسيل من رأسها..‏

انتظرا حلول الظلام لينسّلا تحت جناحه البهيم ويسحبا جثّتها، ويسلّماها إلى سيّارة الهلال الأحمر المكلّفة ترحيل الجثث إلى المقابر الجماعية المجهولة..‏

توّقفت الحرب بعد حين، وبدأت الحياة تعود إلى وجوه الناس، وابتدأ العمل في أكبر عملّية تنظيف ورفع أنقاض وتجديد مواقع وشوارع..‏

بين تلك المساحة وهذه مات العم "أبو نايف"، ومات صاحب البناء الثري تاركاً كل ما يملك لابنه وريثه الوحيد الذي عاد إلى البلاد بعد توّقف القتال، واستقرار الحال..‏

صبيحة يوم مشرق ربيعي.. فتح "يوسف" عينيه الغائرتين على منظر فريد.‏

عدد من الرجال يتحلّقون حوله في مساحة المكان الضيّقة.. اقتلعوه من فراشه الضنك.. وأوقفوه عنوة أمام الشاب النحيل الذي نظر إليه طويلاً يتفّحصه بدّقة.. رفع إصبعه الرفيع مشيراً باحتقار إلى "يوسف" الضئيل المنهك المهلهل، بدا كأنه شبح قام لتوّه من قلب الحكايات والأساطير..‏

تمتم بقرف:‏

-ألقوا به إلى الطريق..!‏

وقبل أن يتحرك الرجال لتنفيذ الأمر، انسحب "يوسف" بانكسار ولم ينطق بحرف..‏

نزل الدرج المكسّر إلى القبو بهدوء.. أخرج البندقية من بين الأنقاض.. عانقها بعشق، عادت به مرة ثانية إلى ماض بعيد..‏

ما زالت رائحة ماسورتها تحرّك في صدره نشوة لا توصف..‏

حملها بهدوء أيضاً إلى فوق.. صوّب ماسورتها إلى صدور الرجال الذين يعرفهم ويذكر أشكالهم.. يراهم يتجوّلون في سيّارات مكشوفة، يطلقون الرصاص على كل شيء يتحرّك، تلتصق وجوههم القبيحة على صدور العذارى..‏

وبهدوء شديد أيضاً.. هيأ السلاح.. وضغط على الزناد..‏

كان الصدأ الذي خلفّته رطوبة القبو قد عشّشت في مفاصل السلاح.. فلم ينطلق.!‏

انقّض عليه رجل ضخم، وقذفه مثل كرة من النافذة إلى الشارع..‏

سقط فوق ركام البناء المكّوم أمامها على الرصيف.. ارتطم رأسه على حجر مدّبب.. قتله على الفور.. تحلّق حول جثّته خلق كثير.. قال أحدهم:‏

-انتحر..!‏

قال آخر بأسى:‏

-مسكين..!‏

حضرت سيّارة "الهلال الأحمر" المكلّفة نقل الجثث، على عجل..‏

أحد من الناس لم يتعرّف على صاحب الجثّة..؟‏

وبينما كانت سيارة الموت تنقله إلى المقابر الجماعية المجهولة..‏

كانت "البلدوزرات" العملاقة تتقاطر إلى المنطقة لهدم البناء المتداعي..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244