مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مفترق العمر ـــ سوزان خواتمي- سورية

ضمها إلى صدره، فسرى النمل في جسدها، وتراجعت مبتعدة.‏

إنها تشبه كل الزوجات المتذمرات، بغياب الأولاد عنها تشغل نفسها بالشكوى.‏

ـ "حرارتي اليوم مرتفعة.. أبرد كثيراً.. أجلب لي معك علبة فيتامينات".‏

ومثل كل النساء أيضاً تتحفظ في تحديد عمرها، كأنه سر من أسرار أمن الدولة، لكنه يعرف عمرها كما لو كان القابلة التي سحبتها من بطن أمها.‏

ـ "إنك يا صغيرتي.. تجاوزت الخمسين بسبعة شهور وأربعة أيام وكم ساعة".‏

حدد لها عمرها، رغم سوء العاقبة.‏

ـ "ما أظرفك! لك لسان كحد السكين... وأنت تشخر" تجيبه وهي تشمر أنفها‏

ـ "منذ متى؟".‏

ـ "منذ.. منذ.. أن دخل ابنك الإعدادية".‏

ما زال لحجرات منزلهما ترتيبها الهندسي المعتاد، لكن خللاً غير مرئي ظهر في علاقتهما كزوجين عتيدين.‏

المناكفة تطحنهما، قاوماها بأقل الأضرار الممكنة: هو بحبوب زرقاء لها مفعول منشط، وهي بقراءة كل الكتب الرومانسية المحفزة في مكتبتها حيث تعمل.‏

حين قاطع التثاؤب مسار قبلاتهما، انسحبت هي بخجل إلى أقصى اليمين في الفراش العريض المزدوج المساحة، واحتل هو غاضباً القطب الآخر..‏

وفيما كان الزوجان يتشاركان الأحلام والكوابيس بحكم الوسادة المشتركة، كانا يتألمان معاً.‏

***‏

سحابة رمادية كانت تعبر سماء حياتهما حين ظهر لها ذات يوم خريفي ممطر: شاب نحيل برأس يقطينة، ولحية نابتة، يشبه غيره من الشباب ببلوز فضفاض وجينز ضيق، كانت ملابسه المبللة تنقط فوق بلاط مكتبتها، مبللاً كقط أجرب، تسلل بين الرفوف باحثاً عن كتب طبية تلزمه، قدمت لـه شاياً ساخناً، فجلس يتدفأ بجوارها.‏

لم يكن وسيماً، على العكس غامت تفاصيل وجهه، ؟؟ حالماً التفت مبتعداً.‏

عاود ظهوره بين حين وآخر، ثم في أوقات متقاربة لأجل هذا الكتاب أو لآخر تتكفل بالبحث عنه.‏

يشكرها بصوت أدغم يخرج من أنفه.‏

كان يضغط على أعصابها بخفة مستمرة، حتّى صار يعني لها نبضاً عذباً في قلب هامد.‏

ترتاح لمجيئه، غالباً ما تكون وحدها، مكتبتها ليست مشروعاً تجارياً رابحاً، فما عاد الناس يدخلون إلاّ لشراء القرطاسية.‏

يسليها وجوده، وكي لا تستحلفه البقاء، كانت تخلق حديثاً يسعيان معاً ليمتد بلا نهاية، حتّى جنح هو لاقتراض رواياتها العاطفية، وبدأت هي تقلب معاجم التشريح الأجنبية.‏

لم تكن لعلاقتها به مسمى يصفها.. كانت ندى مس رؤوس مشاعرها.‏

لحية بلا ملامح رافقت أحلامها الليلة، كشيء عالق في الذهن كلما تجاهلتها ازدادت حضوراً، أصابتها بطفح جلدي فوق خديها.‏

زيت الزيتون، مزيج من ماء الورد والعسل، ومستحضراتها التجميلية أيضاً لم تجدها نفعاً.‏

قال لها زوجها وهو يستعرض مهاراته الطبية:‏

ـ "سأجلب لك معي مرهماً سريع الفاعلية، لكن أنبهك فيه نسبة كورتيزون عالية.. اطمئني لا شيء خطير.. هي أزمة منتصف العمر".‏

ذاك المتعجرف نسي أنه مجرد صيدلي بائع للأدوية، وانقلب عالماً بعوارض سن اليأس.‏

ـ "لماذا لم تمر بنفس الأزمة وأنت تكبرني بعشر سنوات؟".‏

ـ "الرجال لا يكبرون يا عزيزتي، إنهم يموتون دفعة واحدة.. ظاهرة طبية معروفة".‏

***‏

كل ما حولها ساكن كمستنقع بليد. اجتاحتها رغبة عارمة بالتغيير، دارت طواحين نشاطها: الستائر المخرمة كشبكة صيد، تلك المزهرية القديمة إحدى هدايا حماتها الكالحة كأنها شوكة في الحلق، وعثّ يرتع داخل الورود الذابلة في سجادتها الصينية.‏

تظهر أمامه بخصلات حمراء زرعتها في بستان شعرها المصبوغ، وزينة لها ألوان لوحة تشكيلية، تحشر شحومها الزائدة داخل فستان نوم ضيق.‏

ـ "جنت زوجتي يا عالم.. بعد تعب النهار تهجم عليّ كالساحرة.. لكنك ما زلت جميلة" يتدارك سماجته، ماداً إليها ذراعيه.‏

جسد يهرم وقلب عربيد.. حشوة الفراش القاسية تحطم ضلوعها.. الشراشف النظيفة جداً كفن يلفها.. تسقط في قاع النوم وهي تسمع ألحان هموده..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244