|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
العقم ـــ محمد نديم- سورية 1 السيد الأديب.. س تحية وبعد نعلمكم، أنه، ووفق خطة عمل، دار النشر، التي تتشرف بطبع مجموعتكم القصصية. فإنه يتوجب، عليكم. أن تتجاوز صفحات الكتاب، مئة صفحة، من الحجم المتوسط. حتّى يتم إصدار المجموعة. وما أرسلتموه، من قصص. لا يلبي خطة عملنا. نطلب إليكم، إرسال قصص جديدة.. أخرى. حتّى يرى كتابكم النور.. ودمتم. 2 مرت شهور، وشهور. وصدرت عن دار النشر.. عشرات من المجموعات القصصية، ودواوين الشعر، والدراسات الأدبية. ومجموعته الأخيرة. ما زالت، مركونة، في أحد أدراج دار النشر.. .. ماذا جرى له. أهو العقم، الذي يصيب الكتاب. عندما يدخلون، مرحلة الكهولة. أم ماذا. الكتابة، بالنسبة إليه. منذ أن نشر، أول قصة. هي حاجة، ملحة. كلما ضاقت نفسه، بما يتجمع، في وعيه، وما وراء وعيه. فيطلق مكنوناته، على لسان، أبطال قصصه. الذين ما تعدوا.. نموذجاً واحداً. الأطفال، والناس البسطاء. الذين لا يقدرون على التعبير، عن معاناتهم. هذا الانحياز المبرر، في قناعاته. وهذه النمطية، المتكررة وعدم خروجه. مثل أقرانه، إلى الفضاءات الواسعة. وإلى التجريب، وملاحقة المذاهب الأدبية، المستجدة. والتي أصبحت، أشبه (بالموضة) أبقته كاتباً، هاوياً. رغم مرور كل هذا الزمن الطويل، وهو يكتب، دون توقف. أقرانه، دخلوا الاحتراف، منذ زمن بعيد. فهم يطرقون، كل باب. ويأخذون فرصتهم، في كل لون. فهم، إضافة إلى تخصصهم الأساسي. نجدهم، بين وقت وآخر. قد أصبحوا نقاداً، ودارسين لسواهم. وأيضاً منظرين. وأخيراً كتاب (سيناريوهات) تلفزيونية. .. ماذا جرى له. .. في إحدى الجلسات الأدبية، في العاصمة. أثنى عليه، أحد النقاد الكبار، بقوله.. إنه يكتب القصة (بحرفنة) فلماذا يجد نفسه، فجأة.. خاوياً. خالي الوفاض. تفلت المواضيع، من بين أصابعه، ولا يستطيع أن يمسك، بأي منها. كان لابد له، أن يخرج من هذه الدائرة، التي أخذت تضيق عليه، وتحرق أعصابه. لذلك، فقد اتخذ قراراً. وشرع في تنفيذه. أخذ إجازة من عمله، لمدة أسبوع وحبس نفسه، في غرفته. مانعاً الدخول عليه، في خلوته. وفرد أوراقه، وكتبه، على الأرض. ونثر أقلامه. وراح يستحضر كل تجاربه السابقة. وجميع ذكرياته، منذ أن تشكل وعيه. وعلى هذا الأساس. وضع مخططاً للبحث. رجع إلى بداياته، بشكل خاص. وإلى بدايات الكتابة، في ذلك الزمن البعيد، بشكل عام. ووضع السؤال الأول، بخط عريض. وتحته خط، بالقلم الأحمر: ـ لماذا لا أكتب، عن الحب؟ .. كانت أول تجربة له. قصة كتبها، على شكل رسالة، إلى حبيبة مجهولة. ويذكر أيضاً. أن أول قصة له، نشرها، في مجلة دارجة، في تلك الأيام. جمعته مع كاتبة، معروفة. تتحدث قصتها. مثل قصته. عن حب مستحيل. فلم يكن هناك، في عصره، حب سهل.. أبداً. كان للحب، في ذلك الزمن البعيد. المقام الأول. فمن مجموع القصص، والقصائد. كانت نسبة مواضيع الحب. تأخذ الحيز الأكبر. حتّى أن الحب. كان يدخل، في كل المواضيع، الأخرى. فكانت الحبيبة، تختلط بالأرض، وبالحرية، وبفلسطين. حتّى بكامل الإنسانية. كنت تجد الحب، مبثوثاً، في كل الكتب. حتّى كان يتم نبشه، وإخراجه من كتب التراث. وكانت موضوعات الحب، هي بدايات، كل ما ترجم، من اللغات الأخرى. فكم أعدنا قراءة (آلام فرتر) وتنسمنا أوراق ورد (الرافعي) وتتبعنا الرسائل التي كان يبعث بها، كبار الأدباء إلى (مي) وكان كل ذلك. تغنيه (أم كلثوم) في مطلع كل شهر، في (الأزبكية) نطفئ الأنوار. ونسبغ السكون، على المكان. ونغمض العيون. ونغفو على أنغام الحب. .. أزاح السؤال. ووضع بدلاً عنه، سؤالاً آخر: عن أي حب، يكتب؟ كيف يكتب عن شيء، لم يعد لـه وجود. اكتشف، وهو يدور بين الماضي والحاضر أن الحب. لم ينقرض بعد. لكنه ضاع، في الزحام. كتمت أنفاسه، المدينة الكبيرة. غيرته الحضارة، السريعة. التي جعلت كل شيء، مصنعاً.. حتّى الحب. كان (الأطرش) ينادي.. اشترى الحب بالعذاب. صار الحب، يشرى (بالدولار). لم يجد أمامه. سوى أن يجرب، مثلما جرب سواه. ونالوا شهرة صاعقة. وأصبحوا حديث الشارع الأدبي، وغير الأدبي. وجرى اختطاف كتبهم، من الأسواق.. عندما كتبوا عن المرأة والحب. ناسجين قصصهم، على نول (رجوع الشيخ). وجد نفسه. غير قادر، على خوض هذه التجربة. فليس لديه، الخبرة الميدانية فهو لم يدخل خمارة، أو بيتاً مشبوهاً. لا في أيام مراهقته، ولا شبابه، ولا كهولته. فضرب صفحاً عن موضوع الحب، برمته. 3 وضع سؤالاً ثانياً: ـ لماذا لا ينتقد الواقع، ويشرحه. .. فهناك فضاء، لا حدود له. يستطيع أن ينتقل فيه، من الخاص، إلى العام. فالسلبيات، في الجهتين. لا تعد ولا تحصى. وتستوعب. ليس فقط صفحات، القصة القصيرة التي لا تتجاوز، أصابع اليد الواحدة. وإنما المسلسلات، التي أصبحت حلقاتها، تتجاوز الثلاثين. لكنه وصل إلى نتيجة سريعة، مفادها. أن الممنوع، لم يعد يخيف. بل جرى توظيفه لذلك أصبح مرغوباً فيه. فلم يعد هناك ما يمنع، كل من هب ودب. من إبراز أبشع أنواع السلبيات. سواء، في كل قطر، على حدة. أو في مجموع الأمة. من المحيط، إلى الخليج. وقد وجد. أن عشرات، من الفضائيات. ومثلها من شركات الإنتاج (التلفزيوني) تمول من أغلب الأنظمة. تهدف إلى كشف العورات. وفي سبيل التنفيس، وامتصاص الصدمات، والتراجعات. ومن ثم تفكيكها. وجعل الأمور. الكبير منها والصغير. بمثابة واقع. لا يمكن تغييره. وبالتالي تكريس هذا الواقع، للقبول به، وإلا فتحنا الباب، على الأسوأ. تحت مقولة.. السيئ أفضل، من الأسوأ. والذي تعرفه، أفضل من المجهول. وتذكر.. كيف أن (نزاراً) الذي كانت لـه قصيدة، عصماء، كل عام. وكيف أن تلك القصائد، الممنوعة. كانت تهرب، من قطر، إلى آخر، بوسائل تبز أساليب تجار المخدرات. فضرب صفحاً ـ أيضاً ـ عن طرق، كل هذه المواضيع. 4 وضع سؤالاً ثالثاً: ـ لماذا لا أكتب، عن فلسطين؟ فقد ضاع، هذا البلد، منذ أن كان، في السادسة. قالوا له، عندما امتلك الإدراك: ـ إن الأنظمة الرجعية، المرتبطة بالاستعمار. تقاعس بعضها. وباع بعضها الآخر، القضية، من أجل الإبقاء على (الكرسي). فظل، كل شبابه، يحلم مع القطيع الكبير. بعودة فلسطين. فخرج في مظاهرات، لا تعد ولا تحصى. وكتب عن اللاجئين، وعن حلم العودة. وكتب عن مذابح الصهاينة، وعنصريتهم، مع مئات الكتبة، وفرسان المنابر. في (حزيران) قالوا له.. إن الاستعمار، ساهم، هذه المرة، في تمكين الكيان الدخيل من ابتلاع أراض جديدة. صرنا نحلم، هذه المرة، باستعادتها، مع فلسطين. فكتب عن المقاومة، وإرادة الشعوب، في تغيير الواقع.. ما شاءت لـه الكتابة. ثم وجد نفسه. بعد التغييرات (غير المعقولة) التي حدثت للعالم. بين ليلة وضحاها. وأصبح العالم من خلالها (قرية صغيرة) كما كان يردد، آباء (العولمة) الروحيين. ووجد ساكن (الأبيض) قد أصبح (مختاراً) لهذه القرية الصغيرة. ينظر لرعايا القرية. دون أن يقبل، لتنظيره. أن يأتيه الباطل، لا من خلفه، ولا من أمامه. ولا يقبل التأويل، أو التفسير. فهو صاحب المذهب المنفرد، في الاجتهاد. ولم يبق أمام، أي صاحب حاجة. وحاجتنا كانت، وما زالت قضيتنا المركزية (فلسطين) إلاّ أن نقوم، وكما قال أحد أصحاب القرار.. بالاستعطاف، والتوسل، إلى مختار القرية العالمية، لرد حقوقنا. إن كان قد بقي منها شيء. ولا شيء سوى الاستعطاف. ومن يفكر بغير ذلك. سيكون مصيره. مثل مصير، الذئاب، ذات الرؤوس المقطوعة. وجد نفسه، فجأة، مع الملايين، من القطيع، الذي يرعى، من المحيط إلى الخليج ليس لديه، سوى إرادة واحدة.. أن يأكل، ويلبس ما يريد. وأن يتفرج، من خلال الفضائيات، على ما يحب. ويشارك في (السوبر ستار) وما عدا ذلك. فهناك، من يقوم بدلاً عنه، بالتفكير والتدبير، والسير في حقل الألغام، الذي تم زرعه في أرض القرية العالمية، وما تحتها، وما فوقها. فعن أي موضوع، يكتب. وكيف له، أن يكمل صفحات المجموعة القصصية، التي ما زالت تنتظر في أحد أدراج، دار النشر. حتّى يصل بها إلى المئة صفحة. فقرر أن يضرب صفحاً، عن الكتابة، برمتها. ولو أن هذا القرار، قد سبب لـه مع مرور الوقت ضغطاً في الدم، وتوتراً في الشرايين، ورفع من درجة (السكر). قال لـه الأطباء: ـ إن جسدك، قد أصبح مخزناً لكل النفايات، السيئة. وطلبوا منه أن يعمل (ريجيماً) قاسياً: ولم يشر، أي من المختصين، إلى ما يعانيه، حقيقة. وهو تراكم الأفكار واللواعج داخل نفسه. دون أن يتمكن من التنفيس عنها. كما كان يفعل، قبل أن يتوقف عن الكتابة. وبمرور الزمن. أخذ يشعر، أنه قد وصل إلى حد الموت الجسدي. بعد أن ماتت نفسه.. أو هكذا كان يشعر، كل يوم. فجأة. قرر مختار العالم. بعد أن عافت نفسه، من ممارسة، هوايته. التي استمرت، عقوداً من الزمن. في تطويع الأنظمة. وقرر التجديد. وممارسة هذا التطويع مع الشعوب.. مباشرة. خاصة، عندما انهار (برجاه) واكتشف أن الأنظمة، لم تمارس مهمتها، بشكل جيد. فقد فشلت في التطويع. مع أنها نجحت، في عملية التدجين. فقرر مختار العالم. أن يذهب إلى هذا القطيع الكبير، المدجن، بعملية عسكرية، ضخمة. حشد لها كل تقنياته، وفنونه الحربية، وما لم يتم تجريبه، بعد، من آلته الحربية. التي ليس عليها رقيب، أو حسيب. فغزا العراق، في آذار. وسقطت بغداد، في نيسان. وفي أيار، أعطته أكبر منظمة عالمية. ظلت تخدع الشعوب بالشرعية الدولية، أكثر من نصف قرن من الزمان، شهادة (المحتل). وأفاق (القاص) من الصدمة. عندما شاهد (المارينز) يجوبون، شوارع بغداد فاكتشف أنه قد جرى، احتلالنا، من جديد. نحن، دون بقية العالم.. الحر. واكتشف، سريعاً. أنه، هو المستهدف المباشر. هو بشخصه. وباسمه. وبما يحمل من تراث، ومخزون فكري. وكل آماله، وأحلامه. وجدها كلها، مستهدفة. فجأة.. وجد، أنه أصبح، من جديد، صاحب دور، ورأى. وأنه يجب أن يدافع، عن نفسه. فقد أصبح يقف، أمام عدوه. عارياً، من كل شيء. ووجد هذا الشعور، ينتقل إلى بقية القطيع، الكبير. مثلما تفعل النار، في حريق الغابات، في الصيف. وجد نفسه. يلملم أوراقه البيضاء، من جديد، ويراكمها. ويأخذ القلم وراح يكتب، من جديد. ويكتب.. ويكتب. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |