مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تحولات الرديني ـــ عمر الحمود - سورية

1-التحول الأول:‏

في المقبرة‏

"ولد الرديني، وفي فمه ملعقة من ذهب".‏

هذا ما ردده المطلعون على حياة الرديني، ودفعوه إلى ترك الدراسة، فبيته مرفوع، وصوته مسموع، ولن يزيده العلم رفعة.‏

وكمهرٍ سبوح انطلق وراء شهواته، عاقر الخمرة، لها بالنساء، واختال بالرداء، قامر، وغامر، وعمّر لياليه بالسهر والسمر، ولم يذق المسرة الموعودة.‏

زيّنوا لـه السفر، فانتقل بين السفارات والمطارات، وزار مدناً تخلب البصر، وعرف ألواناً من البشر، وظلَّ يومه يتصدع، واستقراره يتزعزع.‏

راجع الأطباء، لم يروا في حالته مرضاً.‏

وعاد إلى عمارته الزاخرة بياقوتٍ وعسجد، والمحاطة بسدرٍ وسدير، ووسائل تمنع اللص والداب.‏

يزيد لدرجة التكييف، ويستوي على مقعدٍ موضون، يضع (الستلايت) العالم بين يديه، لا يهتم بما فيه فالصور متشابهة والأخبار مكررة.‏

يتصل عبر (الموبايل) بأصدقائه، لا يجد رغبة في استمرار محادثتهم، فيختصر مكالماته، ويلغي مواعيده، ويفتح مواقع في (الإنترنت)، لا تسره محتوياتها.‏

يطوف حولـه الخدم بما يشتهي، ويتخيّر، تُعدم شهيته، يحاول إشغال نفسه بتدقيق كشوفات القائم على أرزاقه، لم يواظب على هذا.‏

يشعر باكتئابٍ وضياع، والقلق فعل به فعله، ولم تردعه كثرة الأصحاب ووفرة الأموال.‏

يتحرك بتوتر، تواجهه صورة والده بإطارها الذهبي.‏

يقترب منها، يتذكر أنه لم يزر قبر والده منذ سنين، وقد كان يزوره صبيحة كل جمعة في السنة الأولى لوفاته، وعند السنة الثانية نسي المقبرة وما فيها.‏

يسرح طرفه في الصورة، ثم يندفع إلى المقبرة!.‏

يدور بين القبور، يتبعه رجلٌ ملتحٍ متعمم، يرتدي جبّة بيضاء مخبونة، وبيده عصا يهتدي بها ليلاً، يدعى الناجي، عرفته حلقات الذكر والتكايا في كل المواسم والفصول، واتخذ من كوخ حارس المقبرة محطة في تنقلاته بين مساكن الأحياء ومدافن الأموات.‏

يقرأ الرديني الفاتحة على روح والده، ويترحّم عليه، فيخف قلقه وتوتره.‏

يبتسم الناجي، إن ضاقت بكم الدور، زوروا القبور.‏

وقبل أن يتساءل الرديني: كيف عرف بضيقي؟!.‏

قال الناجي: رأيتك تتخبّط في الحلم، ودعوت لك.‏

ونشر لـه الحلم.‏

لم يناقشه الرديني مصدقاً أو مكذباً، فهو يسمع أنّ الرؤيا لا تقيّم بقانون المادة واليقظة، وأنّ الروح في النوم تخفّ وتشفّ، ولها إشراقات وأحوال خاصة.‏

وأكمل الناجي واعظاً حين لمس منه قبولاً للوعظ، ونزلت عظاته على قلب الرديني المكتئب نَدْف ثلج في همي رخي، أنعشته بنداوتها، والناجي يعطي المزيد حتى لفظ النهار أنفاسه الأخيرة.‏

2-التحول الثاني:‏

استحضار:‏

مواعظ الناجي أعادت الرديني سنوات إلى الوراء، توقفت عند مطلع فتوته، اقتطعت مقطعاً منها.‏

حضر حلقة ذكر في زاوية البلدة القريبة، بهرته قصار السور والأدعية المزخرفة بتشكيلات الخط الكوفي على الجدران، ولمس السُبَح القديمة بخرزها البرّاق الملون، وأعجبته السيوف المتقاطعة والرايات الخضر والدفوف المتنوعة، ونشّطت في نفسه مباذر الخير.‏

أحبّ الإنشاد وصوت الدفوف وترانيم الدراويش ومديح النبي والأئمة الأقطاب، وعكّر صفاء الجلسة قيام جماعة من المريدين بطريقة عفوية، توسطت الحلقة، مالت بأجسادها يمنياً وشمالاً ودوراناً حول أنفسها على أنغام نقرات الدفوف واهتزاز حلقاتها النحاسية، حرّكت شفاهها، ورددت كلمات التوحيد بحماسة وحشد لجميع القوى حول تلك الكلمات الملفوظة حتى لكأن حروفها ذهبت، ولم يبقَ في القلب سوى مدلولها، ثم جلجلت أصواتها بنداءات واستغاثات: مدد يا أسيادي مدد....‏

... يا أهل الحمية ردوا عليَّ.‏

وتسارعت حركتها، ومُدّت بقدرةٍ عجيبة على الدوران.‏

ونقر الدفوف يشتد، وأصوات المديح الحماسي وصيحات الوجد ترتفع، واهتزت الرؤوس والقلوب والأطراف مع نغماتها، والإيقاعات تنتقل بليونةٍ بين مقامات النشيد، وأيقظت في أرواح الجماعة رعشات هاجعة، ففقدت الإحساس بمن حولها، وغابت في الحضرة على الحاضرين، ولفظت ألفاظاً ورموزاً لا تأويل لها إلا عند أعلام الطريقة.‏

وتناولت قضبان حديدية مدببة الرؤوس، غرزتها في أماكن مختلفة من أجسادها!.‏

حلّ خوفٌ وسكون بين الحضور.‏

دارت دورات عديدة، وسحبت القضبان، ولم تنزل معها قطرة دم.‏

هدأت الدفوف، وتباطأت الحركة، وجلست الجماعة، والعرق يرشح من مساماتها.‏

وتحدث مريدٌ بزهوٍ أثار الرديني.‏

قال الرديني: لا أجد ضرورة لما فعلتموه، وما فعلتموه قد يفعله غيركم.‏

انتفض المريد: هذا زورٌ وبهتان، ومن وسوسات الشيطان.‏

وانقلب الحوار إلى مشادة كلامية.‏

وتحولت حكمة المريد ورزانته إلى شعلة غضب، تطاير شررها، وبرقت عيون الشيخ بوابلٍ من جمرٍ حولت الرديني إلى فاسقٍ عاصٍ والناس أتقياء، فطرِد بتهذيبٍ.‏

وهمس أحدهم: لو كنت في مكانه لفقدت رأسي.‏

يجيبه آخر: سلاماً على جده الذي وضع يده على أراضٍ أمدّت لـه رزقاً ما لـه من نفاد، وجاهاً لا غبار عليه.‏

يرد عليه الهامس بنزقٍ: وسموماً وحميماً على جدي وجدّك اللذين عاشا على خبز الشعير والإقط الجاف ولم يفكرا بنا.‏

*حكاية موازية من التراث:‏

قيل إنّ الفاروق حين كان يخطب على المنبر، وجيش سارية يحارب في العراق، رأى في لحظة كشف خارقة أنّ الفرس يضيقون على جيش المسلمين، فقال يا سارية الجبل الجبل.‏

وحين نزل، وذكر لـه الصحابة ما سمعوه، نفى هذا، مع أنهم سمعوه، وسمعه سارية، وأنقذ الجيش.‏

3-التحول الثالث:‏

في حلقة الذكر‏

حفظت البلدة وقائع حلقة الذكر في ذاكرتها التي تصهر الأخبار، وتقذفها حمماً عند الحاجة، ونشرت ما تم بعدها نادرة يتندر بها ساخرو المجالس.‏

ولم يغفر الرديني أمر طرده، وبات يتحين فرصة للرد، وواتته الفرصة ذات يوم، فقد رأى الشيخ يحيي حلقة ذكر في قرية مجاورة، فمدحه وأثنى عليه، وقال: إنّ من يمس رأس الشيخ يُبارك، ومن يضع شعرة من لحية الشيخ على باب بيته يبعد عن البيت كل مكروه وممقوت.‏

فوجئ الشيخ بهذا المدح من فتى كثير الهفوات، واعتبره اعتذاراً لزلةٍ بدرت منه، وتمتم: إنّ الله يهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء.‏

وتتالت تعليقات المريدين: إنّ الله توابٌ يحب التائبين، وغفورٌ يغفر زلات الخاطئين.‏

وصاح الشيخ منتشياً: جل جلاله، وتباركت أفعاله.‏

وانصرف همه إلى توشيح الحلقة.‏

وتقدم الرديني دون أن تختلج عينه، تخطى رقاب الناس، ولمس رأس الشيخ قائلاً: بركاتك يا شيخي الجليل بركاتك تشفي العليل.‏

وتبعه الآخرون، وتجاوزوا لمس الرأس إلى اللحية، وكل واحد يريد شعرة، في وقتٍ انشغل المضيفون فيه بإعداد ضيافة سخية ومناسف عامرة.‏

وخرج الشيخ منتوف اللحية، حاسر الرأس، حافي القدمين، ولم ينفعه تدخل المضيفين والمريدين.‏

وفي السنة نفسها انحبس المطر، فأفِلَ الصفاء، وحلّ الكدر، مات الزرع، وجفّ الضرع، ونضبت مياه الآبار والغدران، ونفقت الطيور والقطعان، وتصحّرت سهوبٌ حالمة بالخضرة، وتعرّت شعبانٌ ووديان، وهبّت رياحٌ صَرْصر أهلكت العجائز والرضّع.‏

فزع المسنون: إنه محل أسود، برى العظم، وأذهب اللحم، لم يحدث مثله في سنة الجراد، يا للسجّد الركّع للصلاة والدعاء.‏

وأعيدت صلاة الاستسقاء، وضجّت الخلق مرددة وراء الإمام: يا حيُّ يا قيّوم برحمتك نستغيث...‏

والرديني يراقب ما يحدث بحيادية، ومُني والده بخسارةٍ فادحة، فلم تخرج مشاريعه حباً أو نباتاً، واغتمّ وأصيب بجُلطة دموية أدّت إلى وفاته.‏

وأحسّ الرديني بإثمٍ وعقابٍ قريب منه كقرب الوريد يترصده، وما انتقال والده في طرفة عين من نهار الدنيا إلى ليل اللحد والظلمة إلا جزء من ذلك العقاب، وما الكلمات المحفورة على النعش الخشبي إلا تنبيه لاذع وإنذار عاجل لأمثاله:‏

(انظرْ إليَّ بعقلك أنا المعد لنقلك‏

أنا سرير المنايا كم سار مثلي بمثلك)‏

فانتبه من رقدة الغفلة، ورأى العمر محطات إجهاد وابتلاء وأسى، ومال إلى سكة الهدى.‏

ترك الطمع والرذيلة، وتحلّى بالطهر والفضيلة.‏

اعتزل الخمرة والمشموم وجليس السوء، وحرّم أوكار الليل والنزوات الضالة.‏

هجر الملذات، وحبس جوارحه عن المنكرات.‏

قصد سيد الطريقة، يسعى إلى الطاعة، ويرغب بالصحبة، تجاسر على القرب منه، فنال لفتةً وإذناً بالكلام فدنا بقلبٍ يملؤه الرجاء: سيدي، رفع الله شأنك، وخصّك بالرتبة العلية، أرشدني، فقد تهت.‏

وعرف من السيد أنّ الطريقة تعليم وتفعيل، وأنّ الروح حين ترقّ ترقى، وأسدى إليه أولى النصائح والدروس: ارجعْ إلى ذنبك تجد الطريق، وتقدمْ للعبور بجسدٍ طهور.‏

فهم الرديني العبارة، وعاد إلى ذنبه، فذلّ، وانكسر، وندم، ووضع أول لبنة في معمار التوبة.‏

وأوكله السيد إلى مريدٍ يرشده.‏

وبعد مواقف ومشاهد اكتشف أنه قطاة ملهوفة تبحث عن فيءٍ في هجير الحماد، فالمريد متطرف في آرائه يخلطها بجهالات، ولم يكسب منه المعرفة، فاختلف معه، ووشى به المريد عند السيد مدعياً أنه متزلفٌ متملق، يرائي في أداء الفروض والنوافل، وفي رأسه ما يمنعه من التطبع بطباع الطريقة.‏

أخذ السيد بالوشاية، وقاطع الرديني قبل أن يسمع دفاعه، ولا اعتراض على حكم السيد في أمرٍ كهذا، وعاد الرديني إلى دروبه المطروقة.‏

* قول مأثور موازٍ:‏

إن اختلف زيدٌ وعمرو، وأسرع زيد بعينٍ مفقوءة متظلماً إليك فلا تحكم بإعمال الحد على عمروٍ، انتظره فقد تجد عينيه الاثنتين مفقوءتين.‏

4-التحول الرابع:‏

عودة إلى الصحبة‏

ارتاح الرديني إلى هذا الناجي الذي لم يأخذ من الدنيا سوى لقيمات يُسكت بها جوعه.‏

ورافقه إلى المساجد والزوايا والتكايا، وصدح بصوته مع المنشدين الخاشعين.‏

وفي ذات لقاء قال للناجي: هل أحتاج إلى طريقة؟.‏

-وهل يطير البازي بغير جناح!.‏

وصمت الناجي.‏

أردف الرديني: لا تصدني، ومهّدْ دربي.‏

ودمعت عينا الناجي، وقال: لا تلجأ إلى أسطرتي، فأنا عبدٌ مغمور.‏

وراح في بكاءٍ طويل، وغاب بوجده عن الوجود.‏

لم يستغرب الرديني ذلك، فمنذ بداية صحبتهما رأى منه تلك الحالة، فهي مقدمة لشطحةٍ أو غيبة أو مناجاة لأهل الكشف والعيان، يجب أن يكون فيها وحيداً، فتركه واتبع العزلة.‏

درس علوم الطريقة في خلوة، تمثّل أخلاقها، وسكن إليها، تمعّن في التفاسير، وتأمل الخلائق، وقام بمجاهدات من صيام وقيام، وابتعد عن كل ما يحول بين قلبه وربه، ولم يعد يملكه شيء، وصار فرض الصلاة أحبّ إليه من المال والخليل.‏

استمتع بحلاوة الإيمان وظلال التأمل، وعاد إلى سؤال الناجي: وهل أستطيع الدخول إلى الطريقة؟‏

ناوله الناجي حبات تمر وغَرْفة لبن، وقال: ادخلْ بتُؤَدة السالكين وشوق المحبين.‏

-كلامك هذا يشرح صدري، ويرفع قدري، ويزيدني توقاً إلى السعادة.‏

-السعادة رضوان الله عليك.‏

-كن ناصحي.‏

-دعْ ظاهرك ينسجم مع باطنك، وعليك بزاد الروح، محبة الخالق البارئ.‏

-تقدست أسماؤه.‏

وانكب يعمل ليبعد عن خانات الخاسرين، ويدخل رياض الفائزين، ويستمد من الناجي تقى يتقي بها، ورقى يسترقي بها، وتجارب في تهميش النفس الأمّارة بالسوء.‏

وبلطفٍ وحكمة نصح الناس بالتقوى، فامتدت مسافات بينه وبينهم، ولاقى مصاعب ومكائد، فلم يتعثر وورد إليه ما يغضبه، ونُمي إليه ما يكرهه.‏

قال لـه الناجي: "من نمّ لك نمّ عليك" فلا تجزع، وتقيدْ بسلوكنا لتفلح.‏

ورفع يديه بالدعاء: اللهم ابعدْ عنّا الكدر والقهر ووسواس الصدر.‏

واستمر الرديني على نهجه، فأمامه رحلة طويلة، وعلى كاهله أثقال كبيرة، وجمع وسائل الوصول، قلة نوم وقلة طعام وقلة كلام وإطالة سجود وكثرة قيام، وفعل بر وتطليق الدنيا ليستقيم دربه، ويُصقل كالمرايا.‏

عارك الهوى ومغريات الدنيا، وتقدّم في فضاءات الزهد والتعبد ضابطاً أنفاسه مراعياً خطواته، فزاد نحولاً وخشية ورقّة.‏

لاحظ الناجي ذلك، وقال: تحصنْ بالصبر والعلم، وتزين بالعفاف والحِلم، ورطبْ لسانك بالذكر، فالإيمان صبر وذكر وشكر.‏

وتدرّج في مراتب الذكر، والتزم الصبر والحلم وتحصيل العلم.‏

تؤخره متابعة أرزاقه زمناً، وكي لا تبعده الأرزاق عن الرازق، وتلهيه النعم عن المنعم بدأت خزينته تجود بما تجمّد فيها، وهبّ ما فاض عن حاجته إلى الفقراء والأوقاف الخيرية، ووثّق هذا أمام كاتب عدل، وقنع بما يكفل لـه لقمة وشربة وكسوة وزيارة للكعبة وكتيبات يحتفي بها صندوق خشبي.‏

وشعر بارتياح بعد ضنى، وبانتعاش بعد ذبول، فنثر النثار، ووزع الحلوى على الصغار.‏

وفي أمسيةٍ رقيقة عذبة، قال الناجي: قد تكون علامة الرضا، فابشرْ.‏

-متى يحل الرضا؟.‏

-حين ينظر الله إليك، ولا يجد في قلبك سواه.‏

وتمنى هذا، ولأجله تشهّد، وتنقّل، وتهجّد، واستنجد بأكرم منجد.‏

5-التحول الخامس:‏

في المحكمة‏

حين وهب الرديني نصف أملاكه لامَهُ الأصحاب والأحباب، واجتمع أقاربه حتى الدرجة العاشرة، فحصوا تصرفاته، لم يجدوا مطعناً فيها، شهّروا به، جعلوه مُضغة في الأفواه، فما تركه يسعون إليه بكل وسيلة هددوه، وأعلنوا: الرديني ليس مقطوعاً من شجرة، إنّ شجرة نسبه تصل إلى آدم مروراً بآل البيت وبسام ابن نوح.‏

وقال النسّابة: الله يعين آل البيت، كل لقيطة بات يدعي أنه منهم.‏

لم يأبه الرديني بتهديد الأقارب.‏

نادى فاجرهم بقتله: من كان مثله يبذّر مال قارون وهارون، ولا يغيّر طبعه لو شاب الغراب، وصَدَقَ السراب.‏

زجره عاقلهم: الدنيا محكومة، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.‏

وحين وهب جزءاً آخر جنّوا، فارقهم الهناء والرخاء: أمسى الرديني يخاف ذهاب الفقر عنه كما يخاف الغني ذهاب الغنى عنه، لقد خرّف، وزقوم يفت حلقه وحلوق الفقراء معه.‏

شاوروا قانونيين، وخلصوا إلى اتفاقٍ بأن يرفع أخوه عريضة إلى القاضي الشرعي، يدعي فيها سفاهته أو جنونه، ويرفق بها تقارير طبية وقوائم بالأموال التي كانت تحت حيازته، وصُرِفت في غير موضعها.‏

وشقّ الرديني طريقه في مدخل المحكمة المكتظ بالمتقاضين غير هيّاب أو وجل.‏

قال لـه الشرطي: قفْ للتفتيش، أنت في القصر العدلي، ولست في برية.‏

فارتفع صوته غير مهتم بعينٍ ترصد، أو أذن تسمع، أو تقرير يُرفع، العدل يحتاج إلى ضميرٍ وشعور، ولا يحتاج إلى تفتيشٍ وقصور.‏

فأوسع لـه الشرطي مجال الدخول، وقد رأى كفنه على كتفه.‏

حضر بين يدي القاضي، وكان على يمين القاضي كتاب الله، وعلى يساره ميزان العدالة يحمله حاملٌ معدني أصم أعمى، وخلفه لوحة تزّين جدار المكتب، طُبع عليها "العدل أساس الملك".‏

شُرِعَ بالمحاكمة.‏

ومن خلال استجوابه وجد القاضي أنّ القانون في وادٍ والواقع في وادٍ، وتطبيقه على الرديني هو الظلم بعينه فاعترته رهبة، تركت في حلقه غصة، وأشرقت في ضميره صحوة، أظهرت لـه محاسن التوبة، فضمر في نفسه أمراً، وحاوره: لا تكدر عيشك واعتدلْ في أمور الحياة.‏

فقبّل ظاهر يده قانعاً بما فعله: كدر الحياة من أسباب النجاة.‏

-ستتعب يا رديني.‏

-تعب قبلي أهل الصلاح، فنالوا الفلاح.‏

-ذرْ ورثتك أغنياء، ولا تذرهم في عالة.‏

-المال لله، ولدى ورثتي كثير منه.‏

-ادخرْ نفقة لغدٍ.‏

-هل تضمن حياتي إلى الغد؟!‏

فسكت القاضي، واكتنفه خوفٌ غامض.‏

فاض وجه الرديني بنورٍ وإلفة.‏

وألقى القاضي قراراً توصل إليه عن قناعة تامة ملخصه: رد طلب الحجر لعدم ثبوت الادعاء.‏

وخرج الرديني راضياً، تتبعه الجهة المدعية، تجر أذيال خيبتها.‏

*تحول موازٍ.‏

صحوة القاضي‏

يدعي الراوي أنّ القاضي استرجع كلمات الرديني، وقد كان لها سطوة وهيبة، استنفرت خطاياه، جثمت على صدره لتقتص منه، أحس بثقلٍ لو مرَّ بالنجوم لغارت، ولو مرَّ بالأرض لتصدعت، واسترجع أول قدومه إلى هذه البلدة، فقد جاء ببدلة بالية، واستأجر غرفة صغيرة، ولم يقبض المؤجر أجرة، صار يد القاضي الخفية ووسيطه المأمون، ولمع اسم القاضي، أضحى من الشطّار، يملك منقولات نفيسة وعقارات كثيرة وسيُسأل عن هذا!.‏

وبات الأمر يؤرقه، وسبّ اليوم الذي رأى فيه البلدة، ولم تغضب البلدة، فقد اعتادت أن تفتح ذراعيها للوافدين وأن تدير ظهرها لأبنائها، كما اعتادت على نكران الجميل من أناسٍ لحم أكتافهم من خيراتها.‏

واستدرك الراوي: هذه البلدة تستحق الرجم، فلو جاء إليها وليّ لأفسدته.‏

وقد ورد في مذكرات كاتب المحكمة: لقد كَثُر شرود القاضي في الأيام الأخيرة، ولم يعد يزجر، ويأمر صار حليماً عند الغضب، وجواداً عند الطلب، بات يفشي السلام، ويعتذر عن زيارات السادة الكرام، ويعدل في الأحكام، ولوحظ تردده في الزوايا بانتظام.‏

ولم يطل هذا فقد استقال، وتبع الرديني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244