|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الملحمة والملحمة الغنائية في قصائد من الشعر المعاصر في سورية ـــ د خليل الموسى يظنُّ القارئُ أولَ وهلةٍ أنّ تحديدَ أرسطو للأجناس الشعرية الثلاثة الملحمي والدرامي والغنائيّ نهائيٌّ، وفي هذا ظلمٌ وإجحاف بحقِّ المعلِّم الأوَّلِ، والحقيقةُ أنَّ الحدودَ التي أقامها أرسطو بين هذه الأجناس كانت في طبيعة الشعر ذاته، ولذلك جاءتِ القوانينُ الشعريةُ نتيجةً لقراءةٍ مركّزةٍ في الشعر الإغريقي بدءاً من هوميروس إلى زمنه، ولكنَّ الإشكاليةَ جاءتْ فيما بعد عند هوراس الذي نقل إلى حدٍّ كبير نتائج أرسطو إلى كتابه "فنّ الشعر"، وهذا ما فعله بوالو نفسُهُ في العصر الكلاسيكي، فاتخذت القوانينُ الأرسطية سمةَ التقديس والديمومة، علماً بأنّ أرسطو نفسَهُ ذهب إلى تحوّل الأجناس الشعرية وتوالدِ بعضِها من بعض، فنبالةُ نفس الشاعر أو خَسَاسَتُها قد نشأ عنها شعرٌ أوّليٌّ في المديح أو الهجاء، ثمّ تطور هذان إلى شعرِ الملاحم وشعرِ المساخر حتى أفضيا في نهاية التطور إلى التراجيديا والكوميديا، ولذلك قال: "ولقد نشأت المأساة في الأصل ارتجالاً (هي والملهاة: فالمأساةُ ترجع إلى مؤلفي الديثرمبوس، والملهاةُ ترجع إلى مؤلفي الأناشيد الإِحْلِيلِيّة التي لا تزال يُتَغَنَّى بها في كثيرٍ من المدن حتى اليوم، ثمّ نَمَتْ شيئاً فشيئاً بإنماء العناصر الخاصة بها، وبعدَ أن مرّتْ بعدّة أطوارٍ ثبتت واستقرّت لما أن بلغت كمالَ طبيعتها الخاصة"(1). إنّ نهاية التطور وبلوغَ كمال الطبيعة الخاصة لا يعنيان الوقوفَ عند حدٍّ من الحدود، وإنّما يعنيانِ حالةً من النضج الفنّيّ تلمَّسَها أرسطو في بعض الأعمال الفنيّة التي كانت سائدةً في عصره. لم يخصّص أرسطو للملحمة جزءاً خاصّاً بها في كتابه "فنّ الشعر"، وهو قد وعد بذلك، وربّما فعل ذلك، ولكنّ هذا الجزءَ قد ضاع، ولكنّ الملحمة ظلّت مرتبطةً بالتراجيديا، لأنّ أهمّ ما يتّصلُ بها ورد في سياقِ حديثه عن التراجيديا التي تمثّل مركزَ الثِّقَلِ في كتاب أرسطو، ولذلك علينا أوّلاً أن نحدِّد مصطلحَ "الملحمة" بطبيعتها التقليدية الإغريقية، ولا هي في الفنون الأدبيَّةِ قصيدةٌ سرديَّةٌ، بطوليَّةٌ، خارقةٌ للمألوفِ، تعتمدُ بَدْءاً مخيَّلَةً إغرابيَّةً بخلْقِها عالماً أوسَعَ وأكبرَ من العالم المعروف، وتستندُ إلى سردِ أحداثٍ تمتزجُ فيها الأوصافُ، والشخصيّاتُ، والحواراتُ، والخُطَبُ، والنصائحُ، وتندرجُ كلُّها في حكايةٍ تلفُّها في وَحْدةٍ واضحةٍ. وهي متطوِّرَةٌ ومتسلسلةٌ حَسَب أساليبِ الرواةِ الأوّلين بإغراقِها في تشابيهَ واستعاراتٍ، وتتوجَّهُ أصلاً إلى الشعب السَّاذَجِ الذي ينفعِلُ بالأخيلةِ، والأوهام، والأساطير. وتتميّزُ بقوّةٍ إيحائية كبيرة بحيثُ تُخْرِجُ السامعَ أو القارئَ من العالم الواقعي إلى عالم جديد خياليّ"(2). ندلفُ من خلال مصطلح الملحمة الكلاسيكية الصافية إلى ملحمة شعريةٍ معاصرة بعنوان "ميسلون" نظمها الشاعرُ خالدُ محيي الدين البرادعي، وقد صدرت هذه القصيدةُ الملحميَّةُ عن اتحاد الكتّاب العرب بدمشق في سنة 1999م، وهي من أحدَ عشرَ فصلاً، وقد كُتب على الغلاف الخارجي ملحمةٌ شعريَّةٌ، وهذا يشيرُ إلى قصديةِ الجنس الشعري، وهي تتغنّى ببطولة يوسف العظمة في معركةِ ميسلون، وهذا يعني أنّها ذاتُ موضوعٍ تاريخي كبقيَّةِ الملاحم الشعرية الكلاسيكية الصافية قديماً وحديثاً(3). تصفُ هذه الملحمةُ الأيامَ الثلاثةَ الأخيرة من حياة يوسف العظمة، ولذلك يضعُنا الشاعرُ في مواجهة الأزمة منذُ الفصل الأول، فالأعداءُ على بوّاباتِ البلاد، وقد زحفوا بجيوشٍ جرّارةٍ خرجتٍ منتصرةً من حربٍ عالمية، والبلادُ في انقسامٍ وتشتّت وضعفٍ بالغٍ، ويسمع القائدُ يوسف في أعماقِ الليل صوتَ الواجب يدعوهُ لمواجهة الغرباء بعد أن نام الذين انتُدبوا للفتح والجهاد، وينهضُ هذا القائدُ ليلبِّي نداءَ الواجب في الفصل الثاني، فيجمع حوله عدداً من المجاهدين، ويقابل إمامَ الشام الشيخَ بدرَ الدين الحسينيَّ المغربيَّ الذي يبارك هذه المهمةَ، ويُوصي القائدُ أهلَ الشام بابنته ليلى، ويسيرُ القائدُ مع رجاله باتجاه الغرب لمواجهة الزحف الفرنسي في الفصل الثالث، ويعود بنا الشاعر في الفصل الرابع إلى منزل القائد في دمشق في صبيحةِ يومٍ لم تجد ليلى أباها، ولا تعلمُ شيئاً عن مصيره إلى أن قابلت إمامَ الشام الذي حدّثها عن نبل أرومة والدِها وعظيمِ مسعاه، ويتوقف الشاعرُ الراوي في الفصل الخامس عند حديث بردى أو حديث التاريخ، فيذكرُ لنا مجموعةً من الغزاةِ الذين مرّوا في هذه البلاد وعادوا خائبين، ويقف الشاعرُ في الفصل السادس عند أوّلِ مُثْبطٍ لمسيرة البطل، فيجد جمجمة إنسانٍ خارجَ الكهف، وكان كأنّه يسمع منها نصيحة بالعودة، وكأننا هنا إزاء أوديسيوس في "الأوديسة" وقد واجهتْهُ المثبطاتُ واحدةً بعد واحدة، ولكنّ البطلَ يتابع مسيرتَهُ، لنصلَ إلى الفصل السابع، فإذا نحن إزاءَ مثبطٍ أكبرَ، وهو جيشُ العدو العظيم بعدده وعُدَّتِهِ واستعداده في مواجهةِ عددٍ من الرجال لا يمتلكون من السلاح سوى بنادقَ وأسلحةٍ بسيطةٍ، ولكنّهم خرجوا لهدف عظيم، وهو أن يكونوا أوّل الشهداء الذين عرفوا الحقيقة فانتُدِبوا لأجلها، ويضعنا الشاعرُ الراوي في الفصل الثامن إزاء مثبطٍ آخر، وهو أنّ نفراً من أهل الشام أخذوا يشيعون في البلاد أنّ هؤلاء الفرنسيين ذوو غاياتٍ نبيلةٍ، وقد قَدِمُوا من بلادهم لتخليصنا من الهمجية والتخلّف، ولكنّ إيمانَ البطل بقضيته جعلَهُ يزدادُ إصراراً على المقاومة، فكانتِ المعركةُ التي أبلى فيها المجاهدون بلاءً حسناً، وانتهتِ الذخيرة، فواجه البطلُ الأعداءَ بصدره وهو على ظهر فرسه ليرويَ بدمه أرضَ الوطن، ويعود بنا الراوي في الفصل التاسع إلى ليلى التي تناجي والدَها ولا تعلمُ ما مصيرُه، فتذهب إلى الشيخ بدر الدين الذي يطمئنها على أنّه من أبناء الجنّة الصالحين، ويعود جوادُ القائد في الفصل العاشر إلى المنزل، لتجدَهُ ليلى وحيداً دون فارسِهِ، وعلاماتُ استشهاد البطل من آثارِ دماءٍ على جسد الجواد، وينهض الشيخُ بدرُ الدين من دارٍ إلى أخرى في الشَّام يدعو النَّاس إلى مواجهة الغزاة القادمين، أما الفصل الأخير فاقتصر على سبعةِ مشاهدَ فيها ظهوراتُ يوسف العظمة وتجلياتُهُ في وادي ميسلون. تتجلّى خصائصُ الملحمة الكلاسيكية في ملحمة "ميسلون"، وأولاها العملُ الملحميُّ التامُّ، فالحدثُ تاريخيٌّ معروفٌ، ولكنّ الشاعرَ حوَّلَهُ إلى حدثٍ شعري بوساطة الحبكة والاختيار والمعالجة الملحمية، فالشاعر لم يتناولْ سيرةَ هذا البطل، وإنّما اقتصر الحدثُ على الأيام الثلاثة الأخيرة من حياته، وأضاف إليها الشاعرُ بعضَ الصفاتِ الأسطورية أو الخارقة للمألوف في رسم شخصية هذا البطل، وكانت الحركة الملحمية تسير ضمن خطّين متدافعين متداخلين: خطِّ النكوص الذي ترفدُه المثبطاتُ في النص، وخطِّ الإقدام الذي يرفده الواجبُ والإحساسُ الوطنيُّ والقوميُّ وأمجادُ الماضي التي كانت تتراءى لهذا البطل، وهو يسيرُ إلى ملاقاة الأعداء، وهكذا ظلّت هذه الحركةُ الملحميةُ تسيرُ متسلسلةً، ينبثقُ بعضُها من بعضٍ مَفْصَلاً بعد مفصلٍ، ضمنَ حبكةٍ تقليديةٍ محكمةٍ، وكأنّ النهايةَ في المقدّمات، وكلٌّ يسيرُ إلى مستقرِّه إلى أن هدأتِ الحركة في الفصل التاسعِ، لتقومَ المناحةُ في الفصل العاشر، وتكونَ الظهوراتُ والتجلياتُ في المشاهد السبعة التي احتواها الفصلُ الأخير. والخاصيَّةُ الثانية هي الطول، والطولُ سمة من سمات الملاحم عند أرسطو، فهي أوسعُ صدراً وأكثرُ رحابةً من التراجيديا التي حدّد أرسطو طولَها في الفصل السابع(4)، ويُعيد أرسطو ذلك إلى أنّها قصةٌ خياليةٌ تُروى ولا تُمثَّل، وهي غيرُ محدّدة بمكانٍ، "وللملحمة خاصيّةٌ مهمّةٌ تسمحُ لها بالاتساع: فبينا لا يمكنُ في المأساة محاكاةُ أجزاءٍ كثيرة من الفعل تقعُ في آنٍ واحد، بل فقط ما هو على المسرح ويمثّله الممثلون، يمكنُ في الملحمة، على العكس، بفضل كونها قصّةً، تناولُ عدّة أجزاءَ للفعل في وقت واحدٍ، وهذه إذا كانت خاصَّةً بالموضوع تزيد في سعة القصيدة. وهذه الميزةُ تؤدي إلى إضفاء الجلال على الأثر الفنيّ وتحقيق لذّةِ التغيير عند السامع وتنويع الأحداث الفرعية (الدخائل) المتباينة، لأنّ التشابهَ يولدُ السآمةَ بسرعةٍ ولذا كان السبب في سقوط بعض المآسي"(5). و"ميسلون" قصيدة ملحمية طويلة، وصفتُها الملحميةُ سمحتْ لها بالاتساع والتنويع على الموضوع الواحد، فقد وقف الشاعرُ الراوي مثلاً في الفصل الخامس عند حديث بردى عن بطولاتٍ من التاريخ العربي ومقاومة الاحتلال الصليبيّ وبشاعته، ليعزّزَ ما سيقوم به القائدُ يوسفُ العظمة، وكذا شأنُ الفصل السادس والجمجمة، الحدث الذي صادف البطلَ في طريقه لتكون عقبةً، فيزدادُ إصرارُ البطل على المواجهة، أما الفصلُ الأخير (مشاهد) فهو ممتدّ زمنيّاً وخارجٌ على الحدث الرئيس، لأنّه باقٍ ومستمرٌ فينا ما دام الظلمُ والطغيانُ، وليست هذه المشاهدُ السبعةُ سوى جزءٍ يسير من مشاهدَ وتجلّياتٍ تتراءى لكلِّ إنسان حرٍّ يقرأ أو يتأمل أو يتخيّل العملَ البطوليَّ العظيمَ الذي قام به هذا القائدُ، وهذه المشاهدُ قراءةٌ بسيطةٌ أحبَّ أن يسجّلها الشاعرُ وهو يخرج من عمله، وقد تكون انتقائيَّةً من مجموعة كبيرة من المشاهد، ولكلِّ قارئ مشاهدُهُ التي يضيفُها إلى هذا الفصل. وبالرغم مما سبق فإنّ هذه القصيدة تتميّز بالوحدة العضوية، وهذه هي الخاصيّةُ الثالثة، والوحدةُ العضوية في الشعر الملحمي هي كما وصفها أرسطو: "أما المحاكاةُ قصصاً وشعراً فيجب فيها كما يجب في المآسي: أن تُؤَلّف الخرافةَ بحيثُ تكون دراميَّةً وتدور حولَ فعلٍ واحدٍ تامٍّ كلِّهِ، لهُ بدايةٌ ووسطٌ ونهايةٌ، لأنَّهُ إذا كانَ واحداً تامّاً كالكائنِ الحيِّ أنتج اللَّذَّة الخاصَّة به، وهذا بيِّنٌ، وينبغي في التأليفات ألاّ تكونَ مشابهةً للقصصِ التاريخية التي لا يُراعى فيها فعلٌ واحدٌ، بل زمانٌ واحدٌ، أعني جميعَ الأحداثِ التي وقعت طوالَ ذلك الزمانِ لرجلٍ واحدٍ أو لعدّةِ رجالٍ، وهي حوادثُ لا يرتبطُ بعضُها ببعض إلاَّ عرضاً"(6). ولو عدنا إلى ملحمة "ميسلون" لتجلّتْ لنا وَحْدَتُها في موضوعها المختصر المكثّف، فالشاعرُ لم يتحدّث عن سيرة البطل إلا بما يخدمُ الحدثَ التاريخيَّ الذي انتقاه، والمهمُّ في هذه الملحمة الكلاسيكية ذلك الحدثْ، ولذلك كان عنوانها "ميسلون"، ولم يكن عنوانُها يوسف العظمة، لأنّ الشخصية الملحمية تأتي ثانيةً في الملحمة الكلاسيكية. والخاصيّةُ الرابعةُ في الشخصية الملحمية يوسف العظمة، هو شبيهٌ بهكطور في "الإلياذة" يدافعُ عن الوطن بحياته، وهو يدركُ سلفاً أنّه المهزوم في هذه الحرب غيرِ المتكافئة، لكنّه المكلَّفُ بهذه المهمّة النبيلة، وهو مفتاح لعصرٍ لم يجئ، وهو سليلُ الأماجدِ والبطولاتِ والنسب الرفيع، وهذا صوتُ المنادي يؤكّد هذه الصفاتِ التي تجري في شرايينه: ـ: يوسُفٌ أنتَ ضَحِيَّهْ لستَ من صَمَّمَ قَتَّالَ الخطايا لستَ من أوقدَ هذا الْعَطَبَا أنت عِرْقٌ من جذوعٍ باذِخاتِ النُّبْلِ أمَّاً وأَبَا عَرِّبِ العصرَ الذي أَعْجَمَهُ ألفُ طاغوتٍ وطاغوتٍ صَبَا هكذا أجدادُكَ الفرسانُ لمَّا عَرَّبُوا الدنيا دَعُوهُمْ عَرَبَا.(7) ويُضفي الشاعرُ على شخصيته الملحميةِ شيئاً من الصفات الأسطورية، فبالرغم من أنَّ الموتَ ينتظره لكنّه لا يعرف إلاَّ التقدّمَ إلى مصيره، ولم يتردّدْ مرّةً واحدةً عن هدفه بالرغم من المثبطات والعوائق التي واجهتْه، ثمّ إنّه ألفٌ من الفرسان، وهو أسطورةُ الحرب، وهو أمّةٌ في فردٍ، وفردٌ في أُمَّةٍ، وهذا ما جاء في فصل "الصعود": يوسُفُ العَظْمَةُ سَدٌّ من أساطيرِ البناءْ يَتَصَدَّى لجحيمِ المَلْحَمَهْ جَبَلاً من جُرْأَةٍ يقتحمُ النَّارَ بماءٍ من ينابيعِ الإِباءْ لو رآهُ القومُ من أعلى لقالُوا إنَّ هذا الفارسَ العملاقَ أسطورةُ حَرْبٍ وهو من نَسْجِ الْخَرَافَاتِ ومن صُنْعِ رُؤَاها المُلْهِمَهْ هل يكونُ الفارِسُ الثابِتُ في وادي الصُّمُودْ صُبَّةً من لَهَبٍ تُوقِفُ آلاتِ الجُنونِ الهائِمَهْ إنَّ أَلْفَاً من صناديدٍ وَأَلْفاً من فُحُولِ الحَرْبِ في ألفِ جَوَادْ سُكِبُوا في يُوسُفَ العَظْمَةِ فَرْداً سَاعَةَ اجْتَاحَ مُقِيماتِ المنايا مُبْطِلاً وَقْدَاتِها المُلْتَهِمَهْ كسِجَالِ النَّارِ للنَّارِ كَطَعْنِ الصَّخْرِ للصَّخْرِ بوَادْ هَرَبَ الضَّوْءُ إلى ما خَلْفَهُ مُبْقِياً أطرافَهُ عَتْماً كَلَيْلٍ سَتَرَ الغَيْمُ المُسَجَّى أَنْجُمَهْ وَبَدَتْ في ثائِرِ النَّقْعِ مَنَاحِيهِ كَسُوحٍ مُبْهَمَهْ(8) ويكفي أن يتوقَّفَ القارئُ عند أيِّ مشهدٍ من المشاهد السبعة في الفصل الأخير ليتيقّن أيَّ سِمَاتٍ أسطوريةٍ عجائبيةٍ أضفاها الشاعرُ على شخصيّته الملحمية هذه في تجلّياتها المتعدّدة، فهو الخضرُ الذي يمزِّقُ أستارَ الوحش في المشهد الأول، وهو العاشقُ الأسطوريُّ المتحوِّلُ في المشهد الثاني، وهو رفيقُ صلاح الدين الأيوبيِّ في المشهد الرابع، وهو الرجل الصالحُ المؤمنُ في المشهد الخامس، وهو الشهيدُ الذي يروي بدمِهِ الأبدي ترابَ الوطن، وهو صاحبُ الأعاجيبِ في المشهد الأخير. ولعلَّ الخاصيَّةَ الأخرى في هذه الملحمة الكلاسيكية هي في أنّها تنتمي إلى الشعر الموضوعي، فالشاعر هنا ليس إلاَّ راوياً للحدث وواصفاً للشخصيات، ولذلك هو لا يزجُّ بنفسه في معمعةِ الملحمة، ولكنَّه راوٍ خبيرٌ يعرفُ كلَّ شيءٍ عن الحدث والشخصيات، وهو يتوجَّهُ بعمله الفنّيّ إلى جمهور المتلقّين، وإن كان يتعاطَفُ مع البطل أحياناً. أما الملحمةُ الغنائيَّةُ فهي مختلفةٌ إلى حدٍّ كبير عن الملحمة الكلاسيكية، أو هي قصيدةٌ هجينةٌ من جنسين شعريين: شعرِ الذاتِ وشعرِ الموضوع، وغالباً ما يكون بطلُ القصيدةِ ومنشدُها واحداً، وكان هذا الجنسُ الشعريُّ الجديدُ نتيجةً للتطورات المتلاحقة على بنية القصيدة منذ الرومانسية إلى يومنا هذا، فقد أخذتِ الملحمةُ تتحرّرُ من بعض العناصر التقليدية المكوّنةِ لها، لا سيّما في اعتمادها الخوارقَ الوثنيَّةَ، وبدأت نظريةُ الأجناس الأدبية تتهاوى إزاءَ الحياة الجديدة، ويعدّ فكتور هوغو في مقدمة "كرومويل" 1827م صاحبَ الدعوة إلى التحرّر من الحصون التي تفصل بين هذا الجنس الشعري وذاك، ومن هنا اهتمّ الرومانسيون بشخصية شكسبير وأعماله، ورفض الفيلسوفُ والناقدُ الإيطاليُّ بنديتوكروتشه الفصلَ الحادَّ بين الأجناس، ورأى أنّ الفنّ أقوى من الحدود والسدود، فقال: "وليس معنى هذا أنّ نظريةَ الأنواع والفنون هذه لم يكن لها وليس لها جدلُها الداخليُّ. والحقُّ أنّها تنتقدُ نَفْسَها بنفسِها، وتهزأُ من نفسِها بنفسِها. فما من أحدٍ يجهَلُ أنّ التاريخَ الأدبيَّ مملوءٌ بالحالاتِ التي يخرجُ فيها فنّانٌ عبقريٌّ على نوعٍ من الأنواع الفنيّة المقرّرة، فيثيرُ انتقادَ النقّاد، ثمّ لا يستطيعُ هذا الانتقادُ أن يطفئَ إعجابَ الناس بهذا الأثر العبقري، ولا أن يحدَّ من ذيوعِهِ، فما يَسَعُ الحريصين على نظرية الأنواع إلاَّ أن يعمدوا إلى شيءٍ من التساهل، فيوسّعوا نطاق النوع أو يقبلوا إلى جانبه نوعاً جديداً، كما يُقْبَلُ ولدٌ غيرُ شرعي"(9)، وإذا كان الفنّ عند أرسطو والكلاسيكيين من بعده محاكاةً ومنطقاً فإنَّ الفنَّ عند كروتشه حَدْسٌ غنائيٌّ، "وما هذه النظريةُ الصحيحةُ إلاَّ جانبٌ من فهمنا للفنّ على أنّه حدسٌ أو حدسٌ غنائيٌّ، فلما كان كلُّ أثرٍ فنّيٍّ يُعَبِّرُ عن حالةٍ نفسية وكانتِ الحالةُ النفسيةُ فرديَّةً وجديدةً أبداً، فإنّ الحدسَ يتضمَّنُ حدوساً لا نهايةَ لعددها، ولا يمكِنُ أن يجمعَها تصنيفٌ، إلاَّ أن يكونَ هذا التصنيفُ مؤلفاً من عددٍ لا نهايةَ له من الزمر، ولن تكونَ هذه الزمرُ عندئذٍ زُمَرَ أنواعٍ بل حدوس. ولما كانت فرديةُ الحدس، من جهةٍ أخرى، تَسْتَتْبِعُ فرديَّةَ التعبير، وكُنَّا نميِّزُ بين تصويرٍ وتصويرٍ آخرَ كما نميِّزُ بينَ تصويرٍ وشعر، وكانت قيمةُ التصويرِ والشعرِ لا تُقاسُ بالأصوات التي ترنُّ في الهواء ولا بالألوانِ التي يعكسُها النورُ، بل بما يقولانَهُ للروح إذ يَنْبَثَّانِ في صميم الروح، كانَ من العبث أن نتَّجهَ إلى الوسائل التعبيرية المجرَّدة، حتّى نؤلِّفَ السلسلةَ الأخرى من الأنواعِ أو الأصناف. ومعنى هذا أنّ كلَّ نظريةٍ متّصلةٍ بتقسيم الفنون غيرُ ذاتِ أساس، فالنوعُ والصنفُ هما، في هذه الحالةِ، شيءٌ واحدٌ، هو الفنُّ نفسُهُ أو الحدسُ"(10). نتوقّف من خلالِ هذا الفهم عند بعض الأعمالِ الشعرية الطويلة التي تتصل بجانب من جوانبها بالملحمة الغنائية، سواءٌ أكان هذا الاتصالُ يسيراً أم كبيراً، ومن ذلك القصيدةُ الطويلةُ "من ذاكرة النهر" للشاعر عبد الكريم الناعم، فهي أوّلاً قصيدةٌ واحدةٌ طويلةٌ ذاتُ موضوعٍ واحدٍ، والخاصيَّةُ الملحميّةُ الغنائيةُ الأولى المزجُ بين الذاتي والاجتماعي والقومي، أو بين الغنائية والموضوعية، فالشاعرُ الراوي والبطلُ واحد، ولكنّه في حديثه عن سيرته الذاتية يتحدَّثُ عن جيلٍ عاش في أكنافه، ومشكلةُ الذاتِ في القصيدة هي مشكلةُ الجماعة، وأحلامُهُ أحلامُها، إذ هيمنَ الطغيانُ والجوعُ والفسادُ في الخمسينيات من القرن العشرين، وكانتِ الأحلامُ الكبرى تدفعُ هذا الجيلَ إلى صناعة التاريخ، ولذلك لم يجدِ الشاعرُ سوى البحر "البسيط" الهادر ليُعبِّرَ من خلاله عن الاندغامِ بين الدماء والتراب:
والقصيدةُ طويلةٌ مساحةً وزمناً، فهي في 217 صفحة، وتمتدّ على مساحة زمنية طويلة تبدأ من ولادة الشاعر إلى زمنِ إنجاز القصيدة في منتصف التسعينات من القرن العشرين، وهو زمن طويل، كما ينتقل بنا الشاعرُ من مكان إلى آخر، ولكنّ التقابلَ بينَ ما هو شخصيٌّ وغيرُ شخصيٍّ كائنٌ في هذا العمل، فثمة تجربةُ الوحدة والانفصال والنكسة وتشرين، وثمة تجربتُه الشخصيةُ والأسرية وغربتُهُ عن الوطن ونكبتُه بابنته فرات.. إلخ.. ولا بدّ من القول أخيراً: إنّ هذا العملَ الشعريَّ قصيدةٌ واحدة، تدور حول شخصية واحدة هي شخصيّةُ الشاعر، وبلادٍ واحدة هي وطنُهُ الصغيرُ سوريةُ، وهي عملٌ طويلٌ وإنِ اختلفتِ الأوزانُ والقوافي والأحداثُ، وهو عمل يندرج ضمن ما يمكننا أن نُطلقَ عليه اسمَ الملحمة الغنائية. من ذلك أيضاً قصيدةُ "من ظهورات وضّاح اليمن"، وهي قصيدةٌ طويلةٌ طافحةٌ بالغنائية والجسدية والعشق مع أنّ موضوعَها وبذرتَها قد يكونان صالحين لعملٍ درامي أو ملحمي، ولكن يبدو أنّ للشاعر تجربةً عِشْقِيَّةً تجلَّتْ في هذه الظهورات، ولا يبتعدُ وضّاحُ هنا بوصفِهِ رمزاً أو قناعاً أو عنواناً عن طبيعةِ هذه التجربة، فهو شهيدٌ، ولكنّه شهيدُ تلك العلاقةِ العِشْقية، وليس شهيدَ الواجب أو أيِّ قضيةٍ كبرى، فالقصيدةُ ظلّت غزليَّةً خالصةً، وقد استعانَ الشاعر بوضّاح اليمن لا ليقولَ شيئاً سوى عنفوانِ الذكورة والحبّ والتعلّق بالجسدِ والحبيبة، قصيدةٌ فيها بصماتُ فايز خضور اللغويةُ وجمالياتُهُ المميّزةُ، ولكنّ الموضوعَ والثيمات نزاريةُ الطابع والعنفوان. إذا وقف القارئ عند العنوان أوّلاً وجد أنّ الشاعرَ لا يتحدَّث عن حكاية وضّاح مع أمّ البنين، وإنّما هو يذهبُ إلى تجلّيات وضّاح بعدَ دفنه حيّاً لجراءته العِشقية المحرّمة، وقد سبقت "مِن" التبعيضية كلمة "ظهورات"، وهذا يعني أنّ قسماً من هذه الظهورات يذكره الشاعر، وهو يتألف من ثلاثة وعشرين ظهوراً في القصيدة، ولذلك فإنَّ هذا العشق دائم بظهوراته لقوّته، وما الظهوراتُ الحاضرةُ سوى علاماتٍ على الظهوراتِ الغائبة أو المسكوتِ عنها. إنّ هذه القصيدة سمفونيةُ الطابعِ، وهي ذات بذرةٍ عِشْقِيَّةٍ صارخة، ولذلك هي تسيرُ ضمنَ مستوياتٍ متعدّدةٍ منذ البداية، فتتداخلُ الضمائرُ والدلالاتُ والأزمنةُ والأساليب والأجناسُ الشعريةُ والأوزانُ، لتصلَ القصيدةُ بدلالاتها إلى مستقرِّها، فالشاعرُ يستخدم ضميرَ مفرد المتكلِّم (أنا) ليتحدَّثَ عن تجربته العشقية، ولكنَّ هذا الضميرَ يتوزّع على غيرِ ذاتٍ، فقد يكون الضمير تعبيراً عن ذات الشاعر وتجربته مع هدباء التي يذكرها مراراً في قصيدته، وقد يكون هذا الضمير تعبيراً عن ذات وضاح وتجربته مع أمِّ البنين في بعض المقاطع الأخرى حين يتكلّم الشاعر بلسان وضاح، ففي الظهور الرابعَ عشر كان ضميرُ مفردِ المتكلّم خاصّاً بتجربة الشاعر دون تجربة وضاح: أَدْخِلِيني قُبَّةَ الهودجِ ـ يا هَدْبَاءُ رُدِّي فوقَ صُلْبي، طَرَفاً من ثوبِكِ القزِّ، وَغَطِّي عَوْرَةَ الفجرِ بشَفَّافِ العَبَاءَهْ... مُدْمِنٌ أفْضَتْ بهِ الدنيا إلى واحاتِ عينيكِ، فَأَرْسَى فيكِ رُؤْيَاهُ، وخَلَّى عَكَرَ الكوْنِ وراءَهْ...!! أَرْضَهُ أَصْبَحْتِ، مضمارَ تَصَابيبهِ، ابْتهاجَ اللاَّزَوَرْدِ البِكْرِ، في اليمِّ الرماديِّ، تماهى في شرايينِ السواقي، فَاضَ واسْتَعْلى سَمَاءَهْ...(12) وليس هذا الانتقالُ من مفرد ضمير المتكلم (أنا)، إلى مفرد ضمير الغائب (هو ـ مُدمِنٌ... إلخ) سوى تنويعٍ على ضمير مفرد المتكلم، وإذا خاطب وضاحاً فإنّ التجربتين تتداخلانِ وتتقاطعان ضمن تماهي الأزمنة بين هاتين التجربتين، كما هي الحالة ـ مثلاً ـ في الظهور الخامس: أَدْعُوكَ يا وضّاحَ هذا العصرِ أنْ تَقْتَصَّ من أفعى الوشايةِ، مُمْعِناً في صَوْنِ نُزْهَةِ كبريائِكَ، رافضاً غيثَ البكاءْ..!! وَانْهَلْ غموضَ الشاعر الجوَّالِ والْتَهِمِ الفضاءْ..!! عيناكَ تأتلقانِ بالصَّبَواتِ: عَيْنٌ في همومِ الخَلْقِ تستجلي. وعَيْنٌ في قناديلِ السَّماءْ....(13) ولا يقتصرُ التداخلُ في بنية هذه القصيدة على الضمائر، وإنّما هو يمتدُّ إلى الأزمنة، فتتعدّدُ مستوياتُ القصيدة بين الماضي والحاضر، وعلى الماضي يبني الشاعرُ حكايتَهُ الجديدةَ، فمن الماضي كانت بذرةُ الحكاية لدى وضّاح وأم البنين، ومن الحاضر هذه الحكايةُ الجديدةُ التي تكرِّرُ بدلالتها الحكايةَ التاريخية، وهي حكايةُ الشاعرِ وهدباء، وكذلك تعدّدتِ الأساليب، فالشاعر ينوِّعُ بلغتِهِ والتفاتاته المختلفة، وهو في الأجناس الشعرية ينطلقُ من شعر التفعيلة، ولكنّه يستخدمُ أسلوبَ الموشِّح في الظهور السادس:
أما الأوزانُ فهي مختلفةٌ في الظهورات بين (فاعلن خمس مرات)، و(متفاعلن سبع مرات)، و(فاعلاتن خمس مرات)، و(مستفعلن الرجز ثلاث مرات)، ومرّة لـ (فَعِلن) وأخرى لـ (فعولن)، وأخرى لبحر الرمل في الموشح. إنّ هذا التنويعَ وتعدّدَ المستوياتِ والتداخلَ السمفوني يُقرِّبُ القصيدةَ الطويلةَ من الملحميةِ والدرامية معاً. ونضربُ مثلاً أخيراً على القصيدة الملحمية الغنائية بقصيدة "تراجيديا عربية" لعلاء الدين عبد المولى، وهي قصيدةٌ طويلةٌ إلى حدٍّ ما، فهي تتألف من ثلاثة فصول طويلة وخاتمة سمّاها الشاعرُ "فصل ما بعد النهاية"، وهي من شعر التفعيلة، وتفعيلتها "متفاعلن"، يبيِّنُ الشاعرُ في الفصل الأول الحالةَ المتردّيةَ التي وصل إليها الإنسانُ العربيُّ من الذلّ والخنوع في بلاده، وهو يُصَوِّرُ الفسادَ واليباسَ والقحط، وينكفئُ الشاعرُ الراوي على ذاته لأنّه رأى الحقيقةَ عاريةً بأمِّ عينيهِ، رأى الصهاينةَ ينتقلونَ من سرٍّ إلى علنٍ ومن ورقٍ إلى وطنٍ، ورأى الوطنَ يضيعُ شيئاً فشيئاً، ولا يرى في جانبه العربي سوى حروبِ الكلام: أنا كَمْ رأيتُ، وكمْ كَتَبْتُ، ولم أزلْ طفلاً بعينٍ حائِرَهْ حتّى انْكَسَرْتُ إلى نهاياتِ المدى ورأيتُ أشلائي يُقَشِّرُها ملوكٌ يُولِمُونَ الأرضَ فاكهةً لمائدةِ السَّوَادْ فأقمْتُ في ذاتي، أُطَأْطِئُ زهرتي وأقولُ: يا... يا ضَيْعَةَ الشّهداءِ في حربِ الكلام(15) ودخلتْ شخصية المغنّي إلى الفصل الثاني، لتأخذَ دورَ الشاعر أو الراوي في السرد، وهي لا تختلف عن شخصية الشاعر في الفصل الأول، وإنّما هي تُعيد ما قاله هناك، وكأنّ الشخصيتين واحدةٌ، وهي تُنْذِرُ النّاسَ وتدعوهم للنجاة بأرواحهم، ولا سبيلَ إلى ذلك إلاَّ بالهروبِ، وكأنّها شخصيةٌ رومانسيةٌ تُتحبَّبُ إلى الموتِ لأنّ فيه منجاةً من الفجائع التي يعيش فيها الرومانسيُّ المغتربُ عن زمنه ومكانه، وهذا ما قاله المغنّي: قالَ المغنِّي: لو حَفَرْتُ على جدارِ الكهفِ أسماءَ الهزائمِ غيرَ أنَّ الكهفَ أضيَقُ من هزائِمنا. وقالْ: مالتْ بنا شمسُ الرحيل/ وما يزالْ هذا المدى رحماً لميلادِ النخيل/ فيا رمالْ لا تَهْتُكِي سرَّ الطلولِ/ فكلُّنا طَلَلٌ، ولا تستنكري شيبَ الخيولِ/ فكلُّنا كَهْلٌ.. ومالْ(16) ويستمرّ صوتُ المغنّي بالحضور في الفصل الثالث، وقد رأى أولئك الذين يُسَلِّمونَ مفاتيحَ الوطن للغزاة، وقد أنهى الشاعر فصله هذا بخطاب المغنّي الذي لا يرى في أرض الوطن سوى القبور، وكأنّه صوتُ المعري نفسُه: قال المغنِّي: كنتُ ذاتَ جنازةٍ أغلقْتُ عينَ أبي، وقلتُ سنحتفي بكَ عندما يدنو النشورْ والآنَ، عينُ الأرض ناتئةٌ إليَّ، أقولُ أُغْمِضُهَا، ولكنْ عينُها الأخرى تدورْ فأشقُّ حَنْجَرتي وأصرخُ في المدى: قبرٌ له الأرضِ، أرضٌ للقبور..(17) وأخيراً ليست هذه القصائدُ الثلاثُ هي الوحيدةَ في الشعر المعاصر في سوريةَ، وهي ذاتُ ملامحَ ملحميةٍ، لكنّنا اخترناها من بين مجموعةٍ من القصائد الغنائية ذاتِ الحضور الملحمي، وقد أردنا من ذلك كلِّه أن نبيّنَ أن الشعرَ المعاصرَ في سوريةَ آخذٌ بالتنوعِ بين أجناسِه الشعرية الصافية، وقد وجدنا ذلك في قصيدة "ميسلون"، وأجناسِهِ الشعرية المتداخلة كما في القصائد الثلاث الأخيرة، وهذا لا يعني أبداً أنّنا نُفَضِّل جنساً على جنس، أو ندّعي بأنّ هذا الجنس هو الأعلى وذاك هو الأدنى.. إنّ خبرةَ الشاعرِ وتفرُّدَ أسلوبِهِ وعمقَ رؤاه وموهبَته الخارقة هي ما يميِّزُ قصيدةً من أخرى. الهوامش والتعليقات: (1) أرسطو طاليس: فنّ الشعر، تر. عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1952م، ص ص 14ـ 15. (2) عبد النور، جبور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1979م، ص 264. (3) يستطيع القارئُ أن يتوقّف عند ملحمة "جلجامش" درّة النتاج الإبداعي في حضارة وادي الرافدين، وهي تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، (انظر باقر، طه: ملحمة كلكامش، بغداد، 1980م، وعلي، فاضل عبد الواحد، ملحمة جلجامش، عالم الفكر، م16، ع1، إبريل، مايو، يونيو 1985م، وعند ملحمة "الإلياذة" درّة الإبداع الملحمي الإنساني، وقد ترجمها سليمان البستاني شعراً وقدّم لها بمقدمة نقدية هامة حوالي مئتي صفحة، وصدرت عن دار الهلال بمصر سنة 1904م، (وانظر أيضاً: خضرة، حلمي عبد الواحد: خصائص التشكيل الفنّي في إلياذة هوميروس، عالم الفكر، م16، ع1، 1985م)، وثمة ملاحم في الغرب والشرق في العصور القديمة، ومنها "الشاهنامة" للفردوسي، وبعض القصائد الطويلة القصصية التي تقارب الملحمة، لكنّها تختلف عنها في كثير من خصائصها، فإذا كانت الملحمة (EPOPée) قصة شعرية طويلة ذات موضوع واحد ووحدة عضوية، وأبطالها من علية القدم، وتصف مغامرات مدهشة، وتعتمد على عناصر الإدهاش والخوارق والخيال، فإننا نُخرج من هذا التعريف قصائد طويلة سمّاها بعض الدارسين تجاوزاً ملحمة، ومنها "كبار الحوادث في وادي النيل" لأحمد شوقي، وهي قصيدة طويلة (264 بيتاً)، ولكنّها ذات موضوعات متعدّدة، وهي موضوعات أفقية تمتدّ من بدايات الفراعنة إلى الزمن الذي أُنجزت فيه القصيدة 1894م، وهي تتضمن تاريخ مصر القديم والحديث، كما نُخرج من ذلك قصيدة "نيرون" لخليل مطران التي أطلق عليها بعض الدارسين صفة الجنس الملحمي لطولها (327 بيتاً)، وقد استطاع الشاعر أن يُدهش ويُحَلِّق، وبخاصة في لوحة الحريق، إلاَّ أنّه تناول سيدة نيرون وسلفه كاليغولا ومعظم ما فعلتْه هذه الشخصية التاريخية، ولذلك هي أقرب إلى القصيدة التاريخية منها إلى الملحمة. هناك محاولات كثيرة لكتابة الملحمة الشعرية في العصر الحديث، أخفق كثير منها في الوصول إلى مبتغاه، ونجح قليل منها، وإن أُخذت عليه بعض المآخذ، ومن ذلك ملحمة "آرا الجميل" للويس رزق، وقد صدرت الطبعة الأولى منها في دمشق عن مطابع الجلاء عام 1967م، وقدّم لها الشاعر سعيد عقل، وهي ملحمة شعرية تاريخية ناجحة فنّيّاً، ولكنّ موضوعها غير عربي، وهذا المأخذ عليها حين صدورها. (4) فنّ الشعر، ص ص 23ـ 24. (5) المصدر نفسه، ص 68. (6) المصدر نفسه، ص ص 64ـ 65. (7) ميسلون، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1999م، ص 19. (8) المصدر نفسه، ص ص 158ـ 159. (9) المجمل في فلسفة الفنّ، تر. وتقديم د. سامي الدروبي، الأوابد، دمشق، ط2، 1964م، ص 82. (10) المصدر نفسه، ص ص 84ـ 85. (11) من ذاكرة النهر، دار ورد، دمشق، ط1، 199م، ص 24. (12) خضور، فايز: عشبها من ذهب، دار نوبل، دمشق، ط1، 2001م، ص ص 56ـ 57. (13) المصدر نفسه، ص 41. (14) المصدر نفسه، ص ص 41ـ 42. (15) تراجيديا عربية، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1998م، ص9. (16) المصدر نفسه، ص 24. (17) المصدر نفسه، ص 41. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |