|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
اختناقات الحرية ومكابدة الخلاص قراءة في رواية برج المطر ـــ أ. د. بشرى البستاني ـ العراق من أين تبدأ هذه المقاربة، وكيف تحدد منظورها، وزاوية الرؤيا لا تستقر على حال، فتكسّر الأنساق لا يتيح مجالاً لقرار، وتوتر النص لا يبدأ ليتصاعد ثم يصل أقصاه ليبدأ الهبوط، لأنه توترٌ من طراز خاص، فهو ينهضُ من احتجاج الأرض، من حريق الشجر، من تبعثر الأمنيات وانكسارِ المرايا، ينهض في البيت والشارع، في الجوامع ودورِ العبادة، في المستشفياتِ ومصانعِ الأغذية والدواءْ، في الدائرة وعلى مستوى العلاقات، عدوانٌ يستهدف كل شيء ولا يغادر شيئاً، اهتزازُ القيم والقواعد ونهوض الاستثناءات، جروحٌ تنزف ودمٌ يخضب جذوعَ الشجر، وعلامة واحدة على الطريق لا غير.. هذا التشبثُ المدهشُ بالحياة على الرغم من الأصابع الملوثةِ التي تهدد بدمار شامل.. (1) يجتهد النقد الغربي بتقسيم الروايات على أنواع حسبَ تشكلاتها، فمرة روايةُ الشخصية، وأخرى روايةُ الأفعال، وهي بسيطةٌ مرة ومركبةٌ أخرى، وللرواية البسيطة أنواعُها وكذلك المركبة، وقد ينزاح الفعلُ الروائيّ لينهضَ بسرد سيرة ذاتية، وأحياناً يتوهج المرجعُ الواقعيُ وهو يتحولُ إلى مرجع نصّي إذ يغادر واقعيته الحرفية لينهضَ عبر ذاتية الكاتب ولعنته إحساساً ومشاعرً ورؤى وإسقاطاتْ، حذفاً وإضافة واستبدالاً، وسواء اعتمدنا وجهة نظر النقد الإنكليزي في قضية المرجع في الأدب وإمكانية كونه مرجعاً واقعياً حرفياً، أم استهوتنا تنظيرات النقدِ الفرنسي في المرجعيةِ النصيّة ـ القرائية، فإن ذلك لن يغيرَ من بشاعة ما جرى ويجري في رواية "برجِ المطر ـ لأمجد توفيق"(1) لأنه لن يثنيَ أصابعَ الاتهام المنصفة عن تأشير مصادرِ الإجرام الحقيقية.. (2) تتشكل الرواية من (43) مشهداً، إذ يبدأ المشهد الأول بسرد استذكاري، وهذا السردُ خاصيّةٌ حكائيةٌ لها تراثُها العريقُ، فقد نشأ مع الملاحم القديمة وأنماطِ الحكي الكلاسيكي وتطور بتطورها، ثم انتقل عبرها إلى الأعمال الروائية الحديثة التي ظلت وفيةً لهذا التقليد وحافظت عليه بحيث أصبح يمثل واحداً من العناصر الأساسية لكتابة الرواية، فكل رواية تتوفر على ماضيها الخاص، كما تتوفر على حاضرها ومستقبلها الخاصين بها، وهذه الأزمنة لا يمكن فهمها إلا في سياق الزمن السردي المتجسد في النص، أي من خلال العلامات والدلائل المؤشرة عليه والماثلة فيه..(2) والسرد في (برج المطر) يبدأ من نقطة بعيدة في الزمن، يبدأ من الطفولة، ويترشح عبر صور لا تحمل ملامحها غير مشاعر تفتقد الوضوح، ولذلك فإن الغموض سيكون هو السمة المؤسسة للرؤيا عبر اتجاهات لا تمسك إلا بالمنظور حسب، ولا تحتفل إلا بالظواهر، من هنا تقرر متابعة مسارات الرؤيا في هذا المشهد الخطوط الآتية.. 1ـ إقرار الرؤية المختلفة للصغير، إذ أنه يبصر الأشياء من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس. 2ـ إن مساراته كافة لا تتم إلا عبر سطوح البيوت المتصلة، حيث لا أسيجة ولا فواصل، إنما مسالك مفتوحة يعرفها جيداً ويستطيع أن يحددها، وهذه المسالك لديه هي الأصيلة، ومسالك الآخرين هي البديلة.. 3ـ في مرات كثيرة كان يسمع شتائم تأتيه من الأسفل، أو يتعرض لملاحقة يقوم صاحب أحد البيوت هذه، أو يقذف بأشياء تبعده عن فناءات البيوت، وكل هذه الأمور لم تجعله يفكر بتغيير مسالكه.. 4ـ كانت ثمة معضلات تجابهه من حين لآخر، لكنه كان قادراً على حلّ هذه المعضلات بسبب امتلاكه القدرة على تحديد أسبابها.. 5ـ كانت فترة ما قبل الظهيرة وقته المفضّل للقيام بنزهاته المتوحدة لأنها فترة تخلو من إزعاجات الرجال الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على كل شيء. 6ـ في يوم مشمس كان الصغير يمارس طقسه اليومي، حين أطل على فناء بيت يعرفه ويتحاشاه، لأنه من نمط البيوت التي يتوجس في مشيه على سطحها، كانت الشمس تغمر الفناء وتخترق زجاج نافذة غرفة مطلة على الفناء حين لمح الصغير شعر الأرملة الصغيرة... تسمّر هناك وهو يرى راحتي رجل تتجهان نحو عنق الأرملة... ويدين تعريانها وتبحثان كما يبحث الأبطال في الأساطير عن الكنوز الخفية.. 7ـ شعر الصغير أن عيني الأرملة تحدقان باتجاهه فصُدم وفكر في الهرب وقبل أن ينهض سمع أصواتاً قصيرة حادة تطلقها الأرملة فتدوي في أذنيه.. 10ـ 13. إن مسارات الرؤيا في المشهد عبر تسلسلها السابق تحيل إلى وضع قاعدة تنطلق منها مجمل أحداث الرواية، وهذه القاعدةُ تحدد فضاء مكانياً هو الشرق بشمسه الضاربة التي دفعت غريب كامو إلى اغتيال العربي، وتحدد زمناً هو الضحى، وتشير إليهما دفعة واحدة وبوضوح.. "حرب الشمال بعيدة، حرب إيران رغم دمويتها وطولها.. كانت بعيدة أيضاً، من يستطيع تحديد ساحة العدوان الثلاثي، إنها في كل مكان وأي مكان، والكل محاربون ينبغي تدميرهم، الأرض، السماء، الأنهار، الأشجار، البشر جميعاً، لم يستثن هذا العدوان أحداً.."18. إنه العراق إذن، وليس غير العراق بؤرة لفزعهم، ثم تمتد الساحة نحو العمق من المحيط إلى الخليج.. والطفل هو الضمير الراهن لما يجري، لكنه ضمير يتسم بالبراءة والتهويم، وعدم القدرة على تحليل الواقع والإمساك بمعضلاته، فالرؤية غائمة، والمسالك إلى الهدف لا تتم بأشكالها الطبيعية، بل يحدث التواصل معها من فوق، وذلك ما يجعل المعالجات المطلوبة بعيدة عن إصابة الهدف، ولذلك صار الاستثناء هو القاعدة عبر هذه الرؤية، وصار من الطبيعي نهوض الاعتراضات من الأسفل (الشتائم والملاحقات..) لكنها اعتراضات لا ترقى إلى مستوى المجابهة، لأنها لم تنجح في إحداث تغير ما، إذ بقيت المسالك الفوقية هي السائدة، وظلت المعضلات الغائرة في جذور الواقع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً لا تطولها يد المعالجات، فالرؤية السائدة كانت قادرة على المحافظة على توازن مصالحها في هذه البقعة من الأرض التي تتعرض لخطر التصفية الجسدية، وتسلبُ كنوزها، ويُنتهك خصبها في عز الظهيرة دون أن يُستفز أحد، فهو (يرى) راحتي رجل تتجهان نحو (عنق الأرملة..) ويدين (تعرّيانها وتبحثان عن الكنوز الخفية..) وذلك هو منطلق المأساة.. الكنوز الخفية التي كانت موطن إغرائهم دوماً، وليس ثمة حماة، فصارت نهباً لجشع المغيرين، والأمة تعاني من استلابات وزعامات بائسة، كانت مكتوفة اليدين أمام ما يجري، وكان ضميرها مسلوب الإرادة وإذ فتح عينيه على أبعاد الجرعة صُدم وفكر بالهرب ومن يومها تفتحت عيناه على الحقيقة وشعر أن شيئاً ما يتغير داخله.. إن جملة المطلع، بل أول مفردة فيها، تشكل علامة سيميائية على وضع قائم، وضع تكمن فيه خطورة آتية من الأمس، إنه وضع التجزئة والتقسيم وافتقاد التماسك المطلوب والشمولية مما جعل كل شيء يتحرك في منطقة السلب: قسّم الصغير فهمه للعالم..10. (3) يتقدم السارد في (برج المطر) ليتولى مهمة تقديم المعلومات الأساسية عن نفسه وعن الشخصيات الأخرى التي تتحرك بالأحداث، فهو (يرى مع..) حينما يتكلم عن نفسه، و(يرى من الخارج) حين يكون حديثه عن الشخصيات الأخرى، وهذا التواشج بين (الرؤية مع) و(الرؤية من الخارج) نراه واضحاً في الرواية.. في (الرؤية مع) يكون السارد هو الشخصية الروائية الرئيسة حيث يمتلك القدرة على التغلغل في أرجاء النص، كما يمتلك القدرة على الحضور من خلال كشفه عن نبض الحياة الداخلية للشخصية الروائية الرئيسة وتفاعلاتها مع محيطها الخارجي(3)، فقد تمت التشكلات النصية، وأنجزت التعالقات داخل الرواية من خلال تقنيات متعددة في طليعتها السرد والحوار والمونولوج والمناجاة ولعل السرد بضمير المتكلم أتاح للسارد الإفادة من جميع تقنيات تيار الوعي التي لم تجد ـ على الرغم من استقلالية مصطلحاتها ـ حدوداً حاسمة تفصل بين مصطلح وآخر، وهذا ما أضفى على النص الكثير من فاعلية الذات وتوهجها وحركية مشاعرها.. ابتدأ المشهد الأول للرواية بالسرد عبر أربع صفحات بضمير الغائب، لكنّ هذا السرد لا يلبث أن ينعطف نحو ضمير المتكلم عبر تمهيد يبدأ نهاية الصفحة الرابعة.. "مر زمان كبر فيه الصغير، وكان إحساسه بالأشياء يكبر ويتعمق"13 "ماذا حدث، وبأي حق أتحدث عن الصغير الذي كبر.."14، ويتم التحول الكلي من ضمير الغائب إلى المتكلم في السطر الخامس من الصفحة الخامسة: "تلبستني روح الصغير الذي كبر عبر حالة تناسخ فريدة وغريبة من نوعها، فريدة لكوني مدركاً لها، وغريبة كون الصغير الذي سكن روحي وجسدي أبى مغادرتي.."14، ثم لم يعد السرد إلى ضمير الغائب أبداً مما يشير إلى أنّ ذلك النوع من السرد كان تمويهاً فنياً، إذ لم يكن السارد يتحدث إلا عن نفسه، وإن اعتماده الضمير الغائب لم يكن إلا تعبيراً عن الإمعان في الفصل على المستويين الزماني والنفسي.. ويبدأ المونولوج ملتاعاً موجعاً: "لم أكن حجارة وما بنت الحوادث، هل هذا ما أدركه الشاعر فتمنى، هل أتمنى وصفاً مستحيلاً، أو أبحث عن جمال حركة داخلية واتجاهات معاكسة، تمنّ واحلم فليس لأحد الحق في منع ذلك أو الإمكانية على تنفيذ المنع..16." ولكن.. كيف السبيل إلى التمييز بين السرد والمونولوج إذا كان كلّ منهما يتخذ ضمير المتكلم أداته.. "كنت طفلاً في التاسعة من العمر، حين وجدت نفسي في ساحة بالقرب من الجسر الوحيد في المدينة الشمالية، وبالقرب من بناية المحكمة، الساحة تغصّ بالمسلحين والأصوات المتنافرة، تملكني خوف ما فركضت، عثرت بشيء ما، فسقطت عليه، كاد قلبي الصغير أن يخلع حين أدركت أني ساقط على جثة رجل قتيل..17" ما الذي يمنع هذه الفقرة من أن تكون مونولوجاً أو سرداً، لا سيما وأن السارد يقدم من خلالها معلومات أساسية عن نفسه كونه واحداً من شخصيات الرواية، وعن واقع دموي مربك عاشته المدينة التي شكلت الفضاء المكاني للمشهد، كما شكلت أحداثُ العنف فضاءَها الزمني..؟(4) ويسهم الحوار في الكشف عن كوامن الشخصيات، كما يشارك السرد في الأبانة عن ماهية الأحداث، فالسارد في الرواية يروي لنا صفحة مهمة من صفحات العدوان على وطنه: ـ أريد أن أرى بغداد ـ من يسمعك يظن أنك في مدينة أخرى، أنت في بغداد يا امرأة.. ـ قلت لك: أريد رؤريتها، جسورها فقط. ـ لكنّ وقود السيارة، أنت تعرفين.. ـ سيكفي.. انطلق، أرجوك كانت صافرات الإنذار تطلق صرخاتها المتقطعة إيذاناً ببدء جولة جديدة من الدمار، قلت كمن يطلق آخر سهامه يائساً: ـ الطائرات قادمة .. ـ فلتأتِ، سنذهب. كان الوقت عصراً حين ركنت سيارتي على ناصية شارع أبي نواس، نظرت إلى زوجتي وجدتها غارقة في دموعها وهي تنظر إلى قطع الجسر المنصهرة والمتدلية والمتعامدة، كأنّ غضباً داخلياً عارماً عبر عنه الجسر بهذا التمزق الوحشي، ماذا فعل جسر الجمهورية، وما علاقته بالكويت! كانت كلماتها مخنوقة تشي بعمق الجرح الغائر في قلبها، (...) ـ هل ضربوا جسر السنك، ـ لا. إنهم ضربوا جسر الشهداء، والجسر المعلق. 9ـ 20. إنّ هذا الحوار وما يكشف عنه من أحداث وأسماء مدن وجسور وشوارع وجوامع وما حلّ بها من دمار، كل ذلك يؤشر موضوعاً مهماً في الأدب والنقد، لا سيما في العمل الروائي، هو موضوع المرجع الواقعي وما يثيره من علاقة بالواقع، إذ غالباً ما اعتمد النقد الفرنسي على المرجعية السوسيرية التي تؤكد الصورة المرتسمة في ذهن المبدع والتي تكتسب بعداً ذاتياً، إذ تتشكل عبر خيال الروائي، الذي تعمل لغته على صياغة أو تحويل هذه الصور المرتسمة في الذهن إلى تشكيل لغوي، إلى نصّ أدبي لتكون المرجعية النصية هي التي تشكل الواقع الروائي، وجاءت السيميائية ونظريات القراءة لتحيل القضية من خلال آلياتها في القراءة والتأويل إلى مرجعية قرائية إذ لا يتحقق الوجود الأدبي في نظر هؤلاء إلا من خلال التقاء النص بالقارئ، وبدون هذا القارئ ليس ثمة حدثٌ أدبي ولا تحقق نصّي، وإذا قدر للنقد أن يحوم حول المرجع بهذا التباين الناجم أصلاً عن موقف النقد ذاته تجاه السياق من جهة والنص من جهة أخرى، فإن الارتكاز في الرواية على المعطيات الواقعية البحتة يكمن فيه خطر الحصول على وقائع أكثر وخيالٍ أقل(5) وهذا الخطر لا يمكن معالجته إلا عن طريق إحلال الموازنة الدقيقة والمقتدرة بحيث يتمكن الفني من احتواء الواقعي، وإذ يتحول الواقعي إلى نصّي شخصيةً كان أم فضاءً فإن الأدب سيكون قد نجح في إنتاج وصياغة نصّه المطلوب. إن نجاح العمل الفني يكمن في مقدرته على تحرير شخوصه وفضاءاته من أطرها الواقعية الضيقة إلى شخصيات وفضاءات نصيّة، حينها يخلصها من محدوديتها لتصبح أكثر شمولاً، وأكثر قدرة على رسم أبعادها وسماتها الإبداعية، إن الحرب في الواقع هي غيرها في الرواية، وإن مكابدة واقع الحرب هي غير قراءتها في النص، فالحرب في الواقع مرارات ومواجع إنسانية مقيدة بزمن ومكان، ومعجونة بعذاب حاد هو عذاب الواقع، عذاب الفقد والحرائق والدماء، لكنها في الرواية تتحرر من قيود زمانها ومكانها الضيّقة لأن كل ذلك يتحول إلى فضاء متخيل، فضاء لا تحده إلا حدود الخيال إن كان للخيال حدود، وزمان لا تكسره دورة الطبيعة بل توجهه الرؤية الفنية القادرة على تحويل المحدود إلى مطلق والجزئي إلى كلي والخاص إلى عام، وهنا تكمن أهمية النص الأدبي حينما يكون قادراً على تخليصنا من رتابة الواقع، وحيث تعمل جماليات العمل الفني بهدوء كي تسهم في صنع هذا الخلاص الذي يصوغ لنا حياة ما تجمعها بحياتنا روابط خفية لكنها بالغة العمق والدقة، يصوغها صياغة جديدة فيها من الثراء والطراوة ما من شأنه أن يعمّق ذلك الخلاص، إن الروائي إذ يبدو مستسلماً بكليته إلى الخيال فإنه يرسم لوحات تقترب من الحقيقة. إن رسم ما هو حقيقي يتألف من إحداث توهم كامل بما هو حقيقي حسب المنطق الاعتيادي للوقائع، لا تدوينها بخنوع في تتابعها المختلط، فكلٌّ منا يصنع وهماً لنفسه عن العالم، ومهمة الكاتب تكمن في إعادة تكوين هذا الوهم وبجميع الطرق الفنية التي تعلمها والتي بحوزته، هكذا يتحول الواقعي إلى فني عندما يجتاز هذا الواقع شعور الروائي، وعندما يجري التعبير عنه بوساطة اللغة..(6) هكذا فقط صارت قراءة العدوان بكل بشاعته مرة أخرى عبر هذه الرواية ممكنة: "في صالة العمليات دهشت وأنا أنظر إلى الأرضية المتموجة والبلاطات المتكسرة والمفصولة عن بعضها، تتناهى إلى سمعي أصوات المدافع المضادة للطائرات... بعدها لم أشعر بالمشرط يشق بطني ولم أعِ لحظة انقطاع التيار الكهربائي عن الصالة، وكيف بدت وجوه الأطباء آنذاك وهم يواجهون جرحاً حياً مفتوحاً في صالة يسودها الظلام..31" (4) ما علاقة السارد بالمؤلف..؟ لا شك أن بعض النقاد اطمأن إلى جواب واضح ومريح هو أن السارد يساوي المؤلف لا سيما في الروايات التي تروى بضمير المتكلم، لكنّ ما قدمته البنيوية والتي انطلقت في رؤيتها إلى الإبداع من مقولة (موت المؤلف) سيجيء ردّ فعل على ذلك التبسيط الذي وحّد بين المؤلف وسارد الرواية، فمواقف باختين وتودروف وسارتر ورولان بارت وغيرهم، ترى أن المؤلف يجب أن يتعالى على نصه الروائي كي يتيح لنا مجال تقويم شخصياته، من هنا نجد أن الدعوة إلى موت المؤلف هي رد فعل على النقد السياقي الذي بالغ باهتمامه فيما حول النص وفي فضاءاته الخارجية مما عمل على تغييب النص وألحق الغبن ليس في جمالياته حسب، بل وفيما يمكن أن تنتجه تلك الجماليات من دلالات قصدتها وأعارتها اهتماماً كبيراً فيما بعد مناهج ما بعد البنيوية. ويتقدم (كايزير..) في بحثه عمن يحكي الرواية ليدلي برأي وسط بين أولئك وهؤلاء، ذلك أن السارد في رأيه ليس هو المؤلف، بل هو شخصية متخيلة يتقمصها المؤلف(7) لكن هذا التمييز لا يغيّب المؤلف، بل يجعله خلفيّة للسارد، ولا يمنع من جعله مصدره الثر، والعمق الذي يمتد به، ذلك أن السرد بضمير المتكلم وسيلة تؤدي إلى توسيع وتعميق الرؤيا إلى درجة غير محدودة ففي الوقت الذي يكون فيه من الصعب أو مما يبعث على السأم أن تجعل الشخص الثالث يقول أكثر مما تسمح أفعاله، بل هو يقول ذلك بدون التدخل العفوي من قبل المؤلف، فإنه من السهل والمشروع جداً أن يستسلم الشخص المتكلم للأفكار والبراهين الناتجة عنها..(8) لكن المؤلف يظل موجوداً هنا وهناك، "إنه يتموقع خلف مجموعة القيم التي يبثها النص، لأن الرواية ليست أبطالاً وأحداثاً تروى وسرداً يُقرأ، إنّ هناك قيماً وأفكاراً محددة يُراد لها الذيوع، من وراء هذا العمل، إنّ اختيار الأحداث وتنسيقها ورسم شخصيات الأبطال، واختيار اللحظات الزمنية التي يظهرون فيها داخل النص، وبناء السرد على هيأة مخصوصة واستخدام التقنيات المتاحة للرواية أو بعضها، كل هذه التقنيات هي أدوات تذاع من خلالها هذه القيم والأفكار..(9) من هنا يمكن القول إنّ (أمجد توفيق) كان حاضراً في بث ما كان يريد، وشاهداً على تكسّر الأنساق في زمن الجريمة: ـ يتواصل المطر الأسود ويغيب النبل الإنساني أو يشحب حضوره، وتسيطر القيم المادية التي يحاول العمل الروائي دحضها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولعل عملية الدحض هذه تتبلور في فقرة تلتقي فيها الأجيال الثلاثة عبر موقف وجداني ـ أخلاقي يحيل إلى رؤية مبدئية لا تحيد حيال كل ما هو حاسم وأصيل بدءاً بالأرض وتراثها وانتهاءً بكل القيم الشريفة التي صنعها إنسان هذه الأرض في مسعاه: "وللمرة الأولى في حياتي صمت أبي، هل كان الماء ما التصق بوجهي أم هي دموعي فاضت حزناً وإشفاقاً وأنا أكتشف أنّ أبي مجموعة عظام يغطيها جلد شاحب، لم أكن أدرك ذلك، وحين خرجت أغمي علي، بعدها أصبحت مهمتي جمع أطفالي حول جدّهم يمازحونه، ويتحايلون عليه أن يأكل.."110 لا تخفى الأصالة الواضحة في هذا النص، وما وصل إليه ذلك الماضي المتوهج حتى آل إلى (مجموعة عظام يغطيها جلد شاحب)، لكنه ما يزال بين أيدينا، فضلاً عن أن المشاعر السامية التي تكمن داخل بلورة الزمن في هذه اللحظات الكثيفة هي ردّ حاسم على عنف ولا أخلاقية آلة الدمار الغربية التي ظلت تفعل فعلها عبر المشاهد.. ـ يدين النص اهتزاز القيم، وانكسار القواعد كلها.. "سقطت الأعاجيب كلها، لم تعد الأعجوبة قادرة على جذب الاهتمام لدقائق، إنه زمن المطر الأسود" 107 وأمام تهافت الضعف واهتزاز الناس الذين لم تتسم منطلقاتهم الشخصية بقوة مبدئية تحصنهم ضد الطوارئ والسلبيات التي ترد مع الحروب دوماً يتفجر غضب الراوي بالتياع: "الذي أغضبني هو أنني لا أحسّ بوجودٍ (أبي خالد) الإنسان، أراه الآن مجرد تاجر جشع، يبحث عن الانتفاع حتى ولو أدى ذلك إلى بيع بلده وإيذاء أصدقائه وإخوانه ومحبيه، وما أغضبني أنك تحاول رشوتي، وقد يصل كرمك إلى التنازل عن واحد بالمئة من أرباحك لتفسد مواطنين شرفاء، أعرفت ما الذي أغضبني"133 هكذا تُحاصَر الحياة بالقسوة والرشوة والتناقض والطفيلية، وهكذا يواصل مشروع الضعف النفسي فعله في الواقع حيث يختنق النبل والصدق والصفاء، وحينها لا يجد الإنسان خلاصه الحقيقي إلا بالمحبة والإبداع والمشاركة. ـ إدانة العدوان الذي استهدف ويستهدف العراق كله، متوجهاً نحو الطفولة ـ الجذور، وما سينجم عن ذلك من آثار سلبية على جيل بكامله: صعوبة التركيز، غياب المرح الطبيعي، الخوف والفزع مما شهدوا، إنهم "يعيشون بإحساس أن يتكرر كل ما جرى.." وجملة واحدة تتكرر على لسان الأطفال: "إني أحاول عدم التفكير بذلك، لكن ذلك مستحيل.." 211. هذه هي نتيجة الاستجواب الذي أجراه خبيران من جامعة هارفارد مختصان في علم نفس الطفل مع (341) طفلاً عراقياً في مدن مختلفة وقاما بتحليل رسوم هؤلاء الأطفال، بعدها قال الخبيران: إنهما عملا في موزنبيق والسودان وأوغندا، لكنهما لم يشاهدا حالة مشابهة، فضلاً عن الدمار الذي لحق بكل البنى التحتية لوطن تعد أرضه من أثرى بقاع الأرض طراً، لكن ذلك ظلّ مسكوتاً عنه، فقد "حاربونا بأتعس ما يمكن لعقل بشري أن يتيح من وسائل الدمار"، لكن.. "لا يمكن نشر النتائج الفظيعة لآلة الدمار الغريبة.." 212 إني أشم رائحة جسم بشري يحترق، أحسّ اللوعة في نداء أم، وأرى الوجوم في الوجوه، أشعر بتململ الأرض، وتلتقط أذناي عصف انفجار بعيد. ـ تبث الرسالة الروائية في (برج المطر) قيم المقاومة والمناهضة والحماس للحياة والتمسك بالمبادرة، ورفض الخنوع وحالة القطيع.. "المهم أن نقود نحن الحالة، ولا ندعُ أي ظرف يقودنا مهما كان.." 119 إن الدفاع عن الحياة، لا يحدث فقط بأسلحة تقليدية تبطل متفجراتهم، وتسقط طائراتهم، فذلك كله يزول، لكن الدفاع قد يتم بوسائل أقوى، وأسلحة أعمق، ولعل ذلك يكمن في طرح المشروع البديل لمشروعهم الإجرامي المضلل: نشدان الحقيقة، والحرص على مواصلة الحياة: "إنني أعرّي الكلمات والمشاهد، أو هذا ما أزعمه، هل كانت كلماتي عارية، هل يبحث الآخرون مثلي عن عريها، في لجة الماء لا بد لأطرافك أن تتحرك، إنها تدافع عن الحياة، تبحث عن الإنقاذ، لا أحد يلوم غريقاً على حركته":119. ـ وماذا نحتاج.. ـ لا شيء غير الحب.. 119 ـ الحب الكبير الذي يكللنا جميعاً يسقط رهانهم، ويطفئ جمراتهم.. 137. ـ هذه هي الحياة.. ينبغي أن تستمر. 130. وإذ يعمل السارد على بث رسالته وتشكيل عالمه الروائي، فإنه يتوسل إلى ذلك بكل ما يمتلك من طاقات متاحة، وللشخصيات دورها المهم في تشكيل ذلك العالم والإسهام في بث رسالته سواء أكان دورها إيجابياً أم سلبياً لأنها في الحالين تسير في خطها المرسوم لها للوصول نحو الهدف، فشخصيات (برج المطر) لا يقوم بناؤها على التكامل والتواشج حسب، بل وعلى الاختلاف والتقاطع كذلك، من هنا نجد هذه الشخصيات متنوعة، مستقلة عن بعضها في الرؤية والهدف ضمن عالمها الخاص وفي البنية السطحية للنص، يجمعها فضاء واحد تتحرك في أرجائه هو فضاء حرب، ولذلك نجدها محكومة بشروط ذلك الفضاء سلباً وإيجاباً، فخطاب الرواية لا يمارس فعل التبئير، بل نجده على العكس يمارس انزياحات متنوعة باتجاه الحكاية وخصوصية المحكي، وتستهدف هذه الانزياحات في (برج المطر) إجراء تعالقات حية وذات سمة حركية بمرجعيات فاعلة لا تخفى على القارئ.(10) إن تنوع الشخصيات في هذه الرواية، وتباين أصولها وأهدافها عمل على توسيع أفق السرد، كما عمل التضمين الذي حضر باطراد وبأشكال متنوعة على مؤازرة هذه المهمة. إن مفهوم شعرية الرواية الذي يرفض فكرة مركزية البطولة يدعو إلى اهتمام متكافئ بكل الشخصيات الروائية دون تقليص أو تغييب لأي دور من أدوارها، لكن ذلك لا يمنع من تأشير الحضور المهم لشخصية ما، فالسارد هنا شخصية لافتة للنظر بسبب مقدرتها البينة على تحريك الحدث وتنظيم الوقائع، والاستحواذ على أكبر قدر من العلاقات مع الشخصيات الأخرى..(11) وهو فضلاً عن ذلك يمارس تأثيره على المتلقي من خلال بوحه الدائم وبثه الأليم الذي يعبر عن أزمة وجودية ضاربة، أزمة يعلن عن شقائها بين حين وآخر، ويبثها في تقاطعات وتعالقات نصيّة مفاجئة.. "إنني أمعن في تعذيب نفسي، فكل شيء يتحول إلى حزن كالرماد حين ألمسه أو أتحدث عنه، هكذا أحسّ الأشياء، هل ولدت حزيناً أم أن الحزن هو الإحساس الوجودي الشامل الذي يمسّه المرء في مواجهة الموت القادم لا محالة/ محالة../ 78. وتنطلق علاقات السارد بشخصيات الرواية من خلال شبكة علاقات يمكن رصدها كالآتي: 1ـ السارد ← الأسرة: الأب، الزوجة، الأم، الأولاد، الأخوة، الجيران. 2ـ السارد ← العمل: مجموعة المتطوعين، الموظفين، مجموعة شخصيات لها علاقة بالعمل. 3ـ السارد ← الأصدقاء والمعارف الذي يبدو السارد حريصاً على إدامة علاقته معهم لأسباب ذات بعد سايكولوجي خاص. 4ـ السارد ← النساء الأخريات: سيّدة الماء، الفتاة العراقية في تركيا، نسمة، الصحفية العربية ويبدو واضحاً أنّ علائق خفية تجمع هذه الشخصيات مع بعضها فضلاً عن كونها تتحرك داخل فضاء زاخر بشخصيات ثانوية كثيرة ومتنوعة مما يلون عالم الرواية ويضفي عليها الحيوية والحياة، فهنالك الجنود والأصدقاء والضيوف والشباب الطائشون والمعارف والموظفون والمارة والركاب والرسامون وتجار الحروب، والأطفال والنساء الجميلات والشيوخ والعمال والسواق والباعة والمقاتلون والشهداء وأولادهم، مما يعمق الإحساس بحياة حقيقية ترسم الرواية أبعادها بوعي واقتدار. إن الشخصيات في الرواية هم كالناس في الحياة، بدون وجودهم وصراع إراداتهم لا يكون ثمة حياة هنا، ولا رواية هناك، وإذا كان الصراع الدامي الذي يخوضه وطن الراوي من جهة، ومسكوت عنه لم يظهر في الرواية بشخوصه إلا مرة واحدة (الطيار الأمريكي..) من جهة أخرى، فلأنه ظهر بفعله الإجرامي وبآثاره التدميرية التي استهدفت الإنسان والأرض والقيم، وهذا التغييب الذي مارسه السارد ضد عدوه في النص هو الجواب على فعله المخاتل وعجزه عن المواجهة الحقيقية في ساحة الصراع. (6) المشهد (43) هو آخر مشهد في الرواية، "والوقت غسق.. ظلامٌ في حمرة داكنة.. كرة من ضباب أسود تدور في رأسي المتعب، تنفجر لتصبح غيمة سوداء بوجهين.. إنه برج المطر الأسود.. ووحدي في برج المطر الأسود أنتظر قدري.. وحدي.. أنتظر خلاصاً، أو موتاً.." 215. ذلك هو الانزياح الكبير، أن يكون في قائمة الأبراج الاثني عشر المعروفة برج آخر، هو برج المطر الأسود، برج النيران والقواصف والعواصف والقذائف وصواريخ الحضارة والحداثة والتمدن، يقذفها النموذج الآخر المتحضر مطراً أسود على عشرين مليوناً من الأبرياء والبسطاء والأطفال ومحبي الحياة بنبلها ومتاعبها ومشروع بهائها المستهدف، يقذفونها على المستشفيات والسجون والجوامع والكنائس والبيوت الآمنة ومعامل الأغذية والأدوية مطر إبادة ورعب وعذاب، ووحده هذا الإنسان العراقي المكابد يتحمل ضراوة ذلك الانزياح المرعب، وسيدة برج المطر الأسود تتوهج عيناها بضوء غريب، على كتفها عباءة مزينة بصور منقوشة لطاووس وديك، علامة على الغطرسة، وبلورة لعنجهية عصر كامل حيث يستلب الإنسان وتغيّبُ حياته في كهوف الخوف والخيبة والانكفاءات المحبطة، وحيث يصبح الغدُ مبهماً إذ تنكشف الأزمة أمام شعب كامل ليجد نفسه وحيداً، محاصراً حتى من قبل أقرب المقربين.. إن هذه القراءة لا تملك انفراجاً في خاتمة النص إلا وهي تسقط ذلك الانزياح لتلغي ذلك الكابوس المريع الذي جثم على إنسان هذه البقعة البريئة من الأرض، فالبرج الثالث عشر خرافة تحتل سقف عصر مقهور، وإذا كان لا بد للخرافات من انقشاع ونهاية فإن الكابوس سيسقط وسيؤول إلى الزوال لا محالة. إن سيدة برج المطر تطول أسنانها لتتحول إلى أنياب لها شكل منقار صقر، وتمتد أظافرها شبكة تلتف حول إنسان وطن وقع في دائرة القمع والاضطهاد، محطة انتظار لموت قادم، لخلاص قادم.. في ضوء هذه المقابلة ما بين الموت والخلاص يكون النص قد وضع حلاً لمعادلة وجدها الآخرون صعبة عصية، ووجدها العراقيون اختيارهم الوحيد، الموت أو الخلاص، وليس من طريق آخر، وتلك هي الحرية، وعيٌ للضرورة، وقدرة على الاختيار، وتحمل لتبعات ذلك الاختيار حتى ولو كان في ذلك الموتُ الأكيد، لأنه سيكون موتاً ذا معنى، حينما يتقدم فداءً لحياة ظلّ هذا النصّ يحمي نبضها ويحرص على بريقها ويرفض تأجيلها، ويتحسس حضورها في أبشع اللحظات مشقة ومعاناة وهو يجابه الظلم وبؤس الاغتيال من خلال التحوّل المريع لنسق بدا إنسانياً في البداية لكنه ما لبث أن تحوّل إلى حيوان أسطوري مهمته بث غيوم تمطر مطراً أسود لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، مطرَ موتٍ يستهدف الإنسان ومستقبله ويحاصر أيامه وأمانيه.. "إني أشمّ رائحة جسمٍ بشري يحترق، أحسّ اللوعة في نداء أم، وأرى الوجوم في الوجوه.. أشعر بتململ الأرض، وتلتقط أذناي عصف انفجارٍ بعيد.."144. إن مفردة (الأسود) جاءت نعتاً أوقع انحرافاً كبيراً بالمنعوت حيث حوله من رمز للعطاء والخيرات الشامل إلى نقيض يحمل في تشظياته كل دلالات الشر والإبادة والاستبداد من خلال ما تشخصه مكانية المطر من فوقية وهيمنة ولذلك فإن تحرر العنوان من هذا النعت أفضى إلى انحراف آخر مهمته الخلق الجديد لواقع يحسبه الآخرون مستحيلاً هو الكشف عن برج مبتكر يصنعه الإنسان القادر على المجاهدة، والمتصدي للجريمة، يصنعه ليغسل به أدران السواد المتسلطة على العالم بشرها وجبروتها، من هنا ظلت مفردة (الأسود) هي الفيصل الذي يحدد الدلالة حضوراً وغياباً، وإن غيابها في العنوان هو الذي فتح الدلالة، ومنحها إمكانية الوقوف على أعتاب عصر يمكن فيه للمضطهد أن يقول كلمته، وأن ينهض بكينونته، وأن يقول: لا لجلاديه، لأنه برج المطر، المطر المطهر، والمطر مشروع الخير والنماء والتجدد من أجل دحر وإلغاء كل علامات السلب والانفصال. وهكذا ينتصر العنوان لمشروع النص الذي بلور رسالته في إجلال الحياة والدعوة إلى حمايتها ودحر أعدائها، ولقد تكررت هذه الدلالة بإلحاح عبر المشاهد حتى مارست نوعاً من الهيمنة الواضحة، وإن قابل تلك الدلالة إحساس عميق بالحزن الناجم عن الإحساس العميق بالزوال المتربص بالإنسان والأشياء، لكنّ المتأمل لهذا الحزن الثاوي في أعماق النص يجده حزناً من أجل الحياة، وحزناً عليها، وفزعاً من فقدان الأعزاء وفقدانها ومن صمت نبضها الحميم.. (7) هل كان على اللغة أن تنهض بالتعبير عن كل ذلك العذاب دون أن تغادر نمطيتها وأن تكسر معيارها، وأن تخرج من رتابة نثرها الذي كثيراً ما اعتاد السكون..! ذلك ما يواجهنا في الرواية، فمنذ البداية نجدنا أمام لغة تكسر القضبان لتشعل النار في كل شيء من أجل تطهيره وبعث حياته المغتصبة من جديد، جواباً على نار حاولت أن تبدد وتبيد كلّ شيء، وما تزال، شعرية تتوهج هنا وهناك وتبدو في كثير من الأحيان أكثر سلاسة وتحرراً من أنماط شعرية كثيرة كان الوزن هو المعيار الذي ميز جنسها الأدبي. إن لاختيار ضمير المتكلم في تقديم الحدث الروائي أثراً مهماً في خلق ذلك الجدل المتوهج ما بين الذات والموضوع، بين الخاص والعام، حيث يتجلى الخاص والذاتي ليصير عاماً، وحيث يتبلور العام ـ الموضوعي ليصير هاجس الذات الأول، من هنا لم يكن بوسع التقنيات الروائية أن تقدم رحلة العذاب هذه من خلال ضمير الغائب، لأن الأشياء ولا سيما المشاعر والأحاسيس لا تصل من خلال الوسيط بذات العمق والصميمية حينما يكون التعبير مباشراً(12)، إن اعتماد الراوي على ضمير المتكلم يوفر فرصاً مهمة للبوح الإنساني من خلال تقنيات السرد المتاحة بهذا الضمير، وكلما اقترب النص من البوح أفسح مجالاً أكبر للشعرية حيث يشحن الانفعالُ اللغة ليشكلها في نمط خاص، لغة تتسم بالتكثيف والإيحاء والانبثاقات الإيقاعية بأشكالها المتنوعة التي تكمن في دواخلها طاقة وجدانية تبث وجعاً إنسانياً يتحايث فيه الفكر والفن وتختزن قدرة خاصة على التشظي واحتمالات التأويل، وهكذا تقترب لغة (برج المطر) من الشعرية في مواطن كثيرة حتى تنتهي بعض المشاهد بما يشبه قصائد النثر.. "هل من أحد استطاع أن يمسك حلماً، يعتصره ثم يشرب رحيقه، أظن أن رحيقه في فمي، وضوعه يعطر روحي.. إنني الآن أرمي ذاكرتي فأجدك أمامي ماسة مجلية بدموعي اقترب فتهربين اطلق حواسي وانتظر تعود خائبةً، خاوية أصرخ بها.. /تتبعثر../ تتهشم كرة زجاج على أرض مرمر وجهك أمامي../ أو دقت السماء نجوماً متساقطة./ 69. ولا يخفى أن سمات الشعر تحضر هنا بجلاء لتنحرف باللغة الروائية من كونها التعددي إلى قطب الواحدية الذي هو قطب لغة الشعر التي تحاول أن تنغلق على ذات الشاعر(13)، فتحضر الاستعارة والكناية وأنواع المجاز وتراسل الحواس وأنواع الطباق والتجانس والترجيع، إذ يتم توليد الدلالة من خلال القوة المجازية للغة، فضلاً عن حضور الرؤية الشعرية التي تعد المحركَ الأولَ والأساس للفاعلية الشعرية أينما وجدت وفي أيّ نص كان. إن سيادة الغياب في هذا النص، وسيطرة عوامل الانفصال يبقي الذات الشعرية مستوحدة تحاول التشبث بما يمكن الإمساك به، وهكذا يحاول النص صهر قطبين متضادين هما قطب لغة الشعر وقطب لغة القصّ، فلغة الشعر ترتكز على الآني، على اللحظة في أكثف أشكالها، أما لغة القص فترتكز على النمو والتطور، ويولد الجمع بين هذين القطبين نوعاً نصياً من طراز خاص في الأدب لأنه يعمل على الجمع بين الكينونة التي هي قوام الشعر والصيرورة التي هي قوام القص(14). كما اتسمت الرواية بأحدث سمات الشعرية المعاصرة: التشتت والتجزؤ حتى ليتساءل القارئ.. ما علاقة هذا الأمر بموضوع الرواية الأصلي، لكنّ المتأمل يجد أن هذه السمة في البنية السطحية لا تلبث في نهاية القراءة الجادة أن تلتئم في البنية العميقة لتؤول إلى تلاحم خفي، وذلك التشتت لا يشمل المشاهد حسب بل قد يتعالق في المشهد الواحد كذلك إذ تختلط الانثيالات في الذاكرة بفعل منبهات معينة يستحضر بعضها بعضاً ما بين قريب وبعيد، مفرح ومحزن، حوادث تنثال في الذاكرة بألمها وعجائبها ووجع ظروفها، تنثال بلا هوادة حتى تختلط في القراءة مشاعر اللذة بالألم، والحزن بالفرح بالمواجع، ويمتزج الرصاص الطائش وعذاب الفقدان بأقواس قزح، قصة ليلية هادئة(15)، ولذلك فإن الجزء في الرواية يجاوز حدوده الضيقة ويرتبط بأجزاء أخرى خارج نطاقه المباشر، وعليه فإن القراءة في (برج المطر) يجب أن تكون حركة ذهاب وإياب في النص إذ أن كل جزء مكمل للأجزاء الأخرى، لا يفهم بدونها ولا تفهم بدونه..(16) فحين نقرأ النهاية المروعة لسيدة الماء، ونشهد مصرعها في الصفحة ـ 69 ـ نجدنا مضطرين للعودة إلى الصفحات ـ 29، 56، 57، 67، 68ـ لنجمع أطراف حكايتها وهكذا.. الهوامش: (1) دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2000. (2) ينظر: بنية الشكل الروائي، حسن بحراوي: 121، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1، 1990. (3) ينظر: جوانب من شعرية الرواية، أحمد صبرة، مجلة فصول 4/ 1997. القاهرة: 44. (4) المصدر نفسه. (5) ينظر: فن كتابة الرواية، ديان دوات فاير، ترجمة د. عبد الستار جواد: 16. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1988. (6) ينظر: عالم الرواية، رولان بورنوف وريال أونيليه، ترجمة نهاد التكرلي: 109. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1991. (7) ينظر: جوانب من شعرية الرواية، أحمد صبرة: 46. (8) ينظر: فن كتابة الرواية: 21. (9) ينظر: جوانب من شعرية الرواية: 46ـ 47. (10) ينظر: السيرة الذاتية الروائية والوظيفة المزدوجة، يمنى العيد، مجلة فصول 4/ 1997، القاهرة: 18. (11) ينظر: جوانب من شعرية الرواية: 49. (12)، (13)، (14) ينظر: حول بوطيقيا العمل المفتوح، سيزا قاسم، بحث منشور في كتاب اختناقات العشق والصياح، إدور الخراط: 124، 97، 97. دار الآداب، بيروت، ط1، 1992. (15) ينظر: برج المطر، أمجد توفيق: 56ـ 57. (16) ينظر: حول بوطيقيا العمل المفتوح: 93. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |