مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 395 آذار 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ماهية الخطاب الشعري من خلال المقولات النقدية لحمود رمضان (مقاربة في الاسس النقدية والإبداع الشعري) ـــ قادة عقَّاق- الجزائر

تحاول هذه المقالة أن تبلور النقاش من حول ماهية ومفهوم وطبيعة الخطاب الشعري من خلال المقولات النقدية للشاعر (حمود رمضان) (1906ـ 1929)(2) كما تسعى إلى تطويق أهم الأسس النظرية والمرجعيات الفكرية التي تؤطر فهمه أو مفهومه للشعر. يتم هذا كله ضمن أفق مفهومه للشعر، ووجهة نظره النقدية في رسالة الشاعر التي ينبغي أن يؤديها.

وأمر كهذا في اعتقادنا يجعل المقاربة تستلهم التجربة الشعرية للشاعر الناقد (حمود رمضان)، وتخوض غمار التأملات النقدية التي جادت به قريحته، كما يستدعي أن تضع في الحسبان المرجعية الفكرية والأرضية التاريخية والفضاء السياسي الذي تأسست بضمنه هذه التجربة، وتبلور في إطاره هذا المفهوم لدى شاعرنا، أعني أولاً: ظروف الاستعمار بكل حيثياتها من (قمع وحظر وتضييق...) وثانياً: واحدية الثقافة ومحدودية أفقها لدى أدبائنا في تلك  الظروف أي الخضوع شبه التام لسلطة التراث، واقتصارهم على الثقافة العربية السلفية في إطارها الإصلاحي، وتوجهها النهضوي الذي ساد في المشرق العربي(3).

ولذلك يمكن أن تدخل هذه المقولات النقدية أو هذه الآراء المتناثرة هنا وهناك ضمن المنهج الاجتماعي ذي التوجه الإصلاحي، لأن (حمود رمضان) كان يؤمن أيما إيمان بمقولة (الالتزام في الشعر). أي أن للشاعر رسالة إزاء مجتمعه ينبغي عليه أن يؤديها بصدق ونزاهة.

ونعتقد أن الظروف الاستعمارية التي كانت تعيشها الجزائر آنذاك هي التي أَمْلَت مثل هذا التوجه على الشاعر (أعني التوجه الالتزامي الإصلاحي). بالإضافة إلى ذلك الاتجاه أو التوجه الإصلاحي الذي كان مهيمناً على الساحة الثقافية والأدبية العربية المشرقية آنذاك، والمغرب العربي حينذاك لم يكن إلا تابعاً للمشرق لظروف وأسباب ليس هذا مجال ذكرها.

إذا كان البعض يعرف (حمود رمضان) شاعراً، فقليلون جداً من يعرفونه ناقداً وقاصاً(4). وأمر كهذا طبيعي في نظرنا، بسبب ذلك التجاهل المريب الذي يلقاه كثير من شعراء الفترة الاستعمارية إلا نادراً، وبالأخص فترة العشرينات وربما بسبب موته المبكر أيضاً وقصر عمر إنتاجه الأدبي الذي لا يكاد يتجاوز الثلاث أو الأربع سنوات(5).

1ـ إنتاجه:

بالرغم من هذه الفترة الإبداعية القصيرة، فإن حمود رمضان كان قد نشر سلسلة مقالات عن (حقيقة الشعر وفوائده) و(الترجمة وأثرها في الأدب) في مجلة (الشهاب) لسنة 1927، كما نشر كتابه (بذور الحياة)(6) سنة 1928، وقصة (الفتى)(7) سنة 1929، إلى جانب القصائد التي نُشرت له في جريدة (وادي ميزاب) وغيرها من الدوريات.

وسنعتمد في استقصائنا لطبيعة تأملات حمود رمضان النقدية على سلسلة مقالاته المعنونة بـ (حقيقة الشعر وفوائده) بصفة خاصة، مع اعتمادنا ـ بطبيعة الحال ـ الإطار السياسي والفكري والاجتماعي الذي كان سائداً آنذاك. بمعنى أن هذه الأفكار النقدية كيفما كان مستواها ومهما كانت طبيعتها، فإننا لا نستطيع فهمها ولا يمكن أن ننصف قائلها إلا بوضعها في إطارها التاريخي وسياقها الموضوعي وظروفها الاجتماعية والسياسية والفكرية التي أنتجتها.

ولذلك فلا بد من الإشارة إلى أن تجربة حمود رمضان النقدية إن صح هذا التعبير تتأطر ضمن سلطتين متضادتين: سلطة الاستعمار القمعية وما تستدعيه من نزوع نحو التحرر وافتكاك الاستقلال بتوعية الشعب واستنهاض همته، الأمر الذي تغدو معه (الكلمة في الشعر) ذات مدلول سياسي أكثر منه مدلولاً فنياً، وسلطة التراث المهيمنة على الأذهان والأرواح وما تتطلبه من نسج على منواله تارة، ومحاولة الخروج عليه بما يتلاءم وظروف العصر وأحداثه تارة أخرى.

2ـ مفهوم الشعر: (أسس وآليات الإبداع الشعري لديه)

إذا كان مفهوم الشعر من وجهة نظر النقد الحديث نسبياً مغامرة صعبة فيما هي مُتَسلِّحة بالوعي المعرفي والحس السياسي، وسفر مرهق بالمعاناة والمكابدة، سفر متواصل عبر الأماكن المجهولة، والشاعر هو ذاك الجوال المولع بالحركة السكونية، المتمرد على القوانين الجامدة والتعاليم الجاهزة... وإذا كان الشاعر هو الذي يضع قوانينه ويضع الأسس للتعاليم، وزَادُه في ذلك التجارب الإنسانية المختلفة وإحساسه المرهف والثابت"(8)، إذا كان الأمر كذلك، فإن الحديث عن الشعر مغامرة أصعب. والمطَّلِع على مقولات حمود رمضان النقدية والمدعَّمة بنماذج شعرية له في مواضع متفرقة كترجمة عملية لما يُنَظِّر له، يدرك بسهولة مدى الوعي النقدي والحس الشعري المرهف الذي كان يتمتع به هذا الشاعر والناقد الشاب، وإدراكه للدور الخطير الذي يلعبه الشعر الهادف بمعية النقد التوجيهي والالتزامي المتسلح بالوعي المعرفي.

ينطلق حمود رمضان في تأسيساته النقدية من تساؤل جوهري غاية في الأهمية، فحواه:

ما هي مهمة المبدع الشاعر في ظروف استعمارية قاهرة وتَخَلُّف حضاري بَيِّن؟ وما مفهوم الشعر وغايته في ظروف كهذه؟ ويجيب متحدِثاً عن الشعر محدِّداً آلياته، فيقول: "نعم هو أعلى منزلة من أن يتناولـه هؤلاء النظامون الماديون، عبيد التقاليد، وأعداء الاختراع. إذ لا يدرك كنهه إلا من له فكر ثاقب وعقل صائب، وذوق سليم، حتى يقدر أن يستخرج دره من صدفه، وسمينه من غثه. ومن ينبش دفائنه بغير هذه الآلات الثلاث فقد حاول مستحيلاً وطلب أمراً عسيراً"(9). هكذا يحدد حمود رمضان الأدوات الفكرية والمعرفية والذوقية التي ينبغي على كل متمرس بالشعر أن يتسلح بها.

وذلك أن الشعر في نظره ليس مجرد وزن وقافية، بل هو حس مرهف وشعور صادق وخيال خصب(10)، والأكثر من ذلك أنه نتاج منظومة فكرية وجهاز معرفي، وتجربة معيشية، ولذلك نراه يخاطب الشعراء بما يفهمون فيسوق لهم البرهان بلسانهم قائلاً(11):

أَتَوا بِكَلاَمٍ لا يُحَرِّكُ سَامِعاً

 

**

عَجُوزٌ "له شطرٌ وشَطْرٌ هُوَ الصَّدْرُ

 

وَقَدْ حَشَرُوا أَجْزَاءَهُ تَحْتَ "خَيمَةٍ"

 

**

كَعَظْمٍ رَمِيمٍ، نَاخِرٍ، ضَمَّهُ القَبْرُ

 

وَزُيِّن بِالوَزْنِ، الَّذِي صَارَ مُقْتَفَى

 

**

بِقَافِيَةٍ للشَّطِّ يَقْذِفُهَا البَحْرُ

 

وقَالُوا وضَعْنَا الشِعْرَ لِلنَّاسِ هَادِياً

 

**

ومَا هُوَ شِعْرُ سَاحِرٌ. لاَ. وَلاَ نَثْرُ

 

وَلكِنَّهُ نَظْمٌ وقَوْلٌ مُبَعْثَرٌ

 

**

وَكَذِبٌ وَتَمْوِيهٌ بِهِ يَمُوتُ الفِكْرُ

 

ويزيد الشاعر الناقد مفهومه للشعر وضوحاً بفقرات نشرها في كتابة (بذور الحياة) وجمعها تحت عنوان (الشعر والشاعر) فيقول(12): "الشعر وحي الضمير وإلهام الوجدان"، "الشعر موج متدفق يقذفه بحر النفس الطامي"، "الشعر تموجات روحانية تخترق القلوب الحية"، "الشعر هو ما حرَّك الساكن وسكَّنَ المتحرك"، "الشعر أنْفَسُ هدية تقدمها الطبيعة الهادئة إلى القلوب الكسيرة"، "الشعر هو تلك الجاذبية الساحرة التي تجمع بين النخلة وزهرة الربيع الفاتحةِ أكمامُها".

ولكي يدلل على أن الفن عموماً، لا الشعر فحسب، هو وليد تجربة إبداعية مضنية، غاية في البحث والتدقيق، مصبوبة في قوالب فنية، وهي فضلاً عن ذلك لا بد لها من أن تنتج أنساقها الفكرية ونظامها الجمالي ومنظوماتها الرئوية، لكي يدلل على ذلك، نراه يقول في الفقرة التالية(13): "الشاعر والمصور أجيران للفن والجمال، وكلاهما مدين للإجادة والتدقيق في النظر والبحث، فهذا في المحسوسات وذلك في الروحانيات.

فكما أن المصور لا يقدر أن يتقن صورته إلا إذا تزود بجانب وافر من الشعر والطاقة وكأن الشكل والمنظر الذي يريده أمامه يراه بعيني رأسه، فكذلك الشاعر لا طاقة له على امتلاك العقول والأخذ بأزِمَّةِ النفوس إلا إذا أجاد تصوير تلك العواطف الهائلة التي (تمور) في ميدان صدره الرحب، لا بمجرد تنميق وتزويق، وتكلُّف مشينٍ وتعمُّلٍ بارد، وكذب فادح. فإن هذا ما ينقص من قيمة الشعر والشعراء في نظر الأمة النبيهة".

ولكي يزداد الأمر وضوحاً، وتتجلى فكرته في الشعر، وتتحدد ملامحها ـ كما يتصورها هو ـ ويتجسم لنا بُعْدُ نظره في تصويره هذا، نراه يقول مخاطباً من يظنون أن الشعر مجرد وصف للألفاظ وتنميق وتزويق لها، وتقطيع للأوزان يقول(14):

فَقُلْتُ لَهُمْ لَمَّا تَبَاهُوا بِقَوْلِهِمْ

 

**

أَلاَ فَاعْلَمُوا أَنَّ الشُّعُورَ هُوَ الشِّعْرُ

 

وَلَيْسَ بِتَنْمِيقِ وتَزْوِيقِ عَارِفٍ

 

**

فَمَا الشِّعْرُ، إلاَّ مَا يَحِنُّ لَهُ الصَّدْرُ

 

.....................

**

.....................

فَذاكَ هُوَ (الشِّعْرُ الحَقِيقُ) بِعَيْنِهِ

 

**

وَإِنْ لَمْ يَذُقْهُ الجَامِدُ، المَيِّتُ، الغِرُّ

 

فمفهومه للشعر إذن "أبعد ما يكون عن شياته ومظاهره البديعية، وأنفذ ما يكون إلى الأسرار الخفية وراء الأوزان والقوافي وإلى الروائع المتعددة الملهمة لهذه الأسرار(15)." فالشاعر هنا، إن في نقده أو في شعره "يهاجم المتكلفين الذين لا يُعَبِّرُونَ عن سابقة أدبية أو عن ملةٍ تحب الجمال وتهفو إليه، وإنما ترى في الشعر لغة صعبة وتكلفا"(16) يقول:

إنَّ التَكَلُّفَ والتَعَمُّلَ هَفْوَةٌ

 

**

ذَهَبَتْ بِرُوحِ الشِّعْرِ والإِنْشَاءِ(17)

 

ذلك لأن الشعر، كما يقول في فقرة أخرى "تيار كهربائي مركزه الروح، وخيال لطيف تقذفه النفس، لا دخل للوزن ولا القافية في ماهيته، وغاية أمرهما أنهما تحسينات بديعية لفظية، اقتضاها الذوق والجمال في التركيب لا في المعنى. كالماء لا يزيده الإناء الجميل عذوبة ولا ملوحة، وإنما حفظاً وصيانة من التلاشي والسيلان.(18)

ولكي يبرهن هذا الشاعر الناقد على أصالة فكرته، ويدلل على صواب مقصده وسلامة رؤيته، نراه يربطها بجذور عميقة في التاريخ، وفي أقدس نص عربي ممثلاً في القرآن الكريم فيقول(19):

"ولو أنهم قصدوا بالشعر الوزن والقافية، لما قالوا في بداية الدعوة المحمدية ـ على صاحبها أفضل السلام ـ أن القرآن شعر، وأن صاحبه شاعر مجنون. مع علمهم أنه كلام مرسل. لا أثر للوزن والقافية فيه، وأن صاحبه لم يسمع منه بيت في سوق من أسواقهم، ولا في مجتمع من مجتمعاتهم، ولا تُحُدِّثَ عنه بذلك".

3ـ وظيفة الشاعر:

في ظروف استعمارية حالكة كالتي مرت بها الجزائر، والتي عاش حمود رمضان جزءاً منها، لعلنا لسنا في حاجة إلى التأكيد على أن الشاعر كان دوماً، أو ينبغي أن يكون صوت الوطن وضمير الأمة، واللسان الداعي إلى التحرر من الطغيان وكسر الأغلال. إن مهمة الشاعر ـ والحالة هذه ـ مرتبطة برسالته في نظر حمود رمضان، ومن ذلك تأكيده على الطابع الاجتماعي والإصلاحي للشعر، فهو يقول: "ولست من الذين يكتبون للتسلية والترويح عن النفس ولا من الذين يتلذذون بالعبارات المنمقة الرقيقة، ولكني أكتب لأفيد وأستفيد، أكتب لا ليقال أنه كتب بل لِيَقُولَ لي ضميري: إنّك قمت بواجبك وأَ‌دَّيتَ ما عليك فكن مطمئناً"(20).

إن النظرة الجدية للشعر بوصفه رسالة وفناً ملتزماً هي الرؤية التي تأطَّرَ بضمنها إنتاج حمود رمضان الشعري، وهي المحور الذي دارت عليه معظم أفكاره النقدية. ولعل هذا الموقف، وغيره من المواقف الشبيهة به في مواضع أخرى، تجعل من حمود رمضان شاعراً ملتزماً، وناقداً واعياً، يعطي للتفاعل الكلامي "قيمته الاجتماعية"، ويجعل (من الخطاب الأدبي) جسراً ممدوداً بين المرسل والمتلقي، ويجعل من الشعر رسالة ينبغي أن تؤدي غرضها.

ولكي يتم ذلك لا بد أن يَصرِف الشاعر اهتمامه ليس إلى ما يقول فقط (أي مَقُول القول) بل وإلى كيف يقول أيضاً (أي كيفية القول), فلقد كان شاعرنا أكثر فهماً لوظيفة الشعر واللغة من غيره ـ ممن عاصروه ـ وقد عُنِيَ بهذا الموضوع طويلاً في كتاباته النثرية والشعرية على حد سواء، ولذلك نراه يلوم أولئك الذين يعيشون في القرن العشرين ولكنهم يكتبون "بلغة امرئ القيس وطرفة المهلهل والجاهليين"(21)، ويطالبُ الشاعرَ بأن يكتبَ بلغة يفهمها الناس ويستجيبون لها(22)، حيث يقول:

في النَّاسِ قومٌ لنْ يُبَالوا إن أَتَوْا

 

**

بِغَريبِ لَفْظٍ أو قَبِيحِ بِنَاءٍ

 

وَضَعُوا الكلامَ لنفْسِهِم وضَمِيرِهِمْ

 

**

لاَ لِلأَنَامِ كَعِبْرَةٍ عَلْيَاءِ

 

يذهب حمود رمضان في البيتين السابقين، وفي غيرهما من الأبيات الشبيهة بهما، إلى أن بعض الشعراء باختزالهم الشعر واعتمادهم الحذلقة والتنطع في اللغة، دون الاهتمام بالمعنى، يجعلون من شعرهم مجرد (أجساد فارغة)، ذلك بأنهم بفعلهم هذا يهملون المقومات الأخرى لفعل الخلق وفاعلية الإبداع، والتي هي (المضمون) أو العلاقة بالعالم وفق ما تقتضيه القيمة الاجتماعية وكذا الرسالة الأخلاقية للأدب.

4ـ تجديده: (ثورته التجديدية)

ونعتقد أنه لا يمكننا فهم هذه الأفكار النقدية لشاعرنا، إلا في إطار دعوته التجديدية (شكلاً ومضموناً) التي ظلّ ينادي بها عالياً ويدعو إليها صراحة، وهي دعوة تتمثل في وجوب التحرر من رتابة الماضي (الموضوعاتية) وتفعيل عملية التجديد بتهيئة المناخ الفني الملائم لظروف العصر وملابساته، ومن خلال الانفلات من عقال التقليد، ولذلك نراه يقول(23):

أَلاَ جَدِّدُوا عَصْراً منيراً لشِعْرِكم

 

**

فَسِلْسِلَةُ التَقْلِيدِ حَطَّمَهَا العَصْرُ

 

وسِيرُوا بِهِ نَحْوَ الكَمَالِ، ورَمِّمُوا

 

**

مَعَالِمَهُ حَتَّى يُصَافِحَهُ البَدْرُ

 

كما تتجلى نزعته التجديدية أيضاً في دعوته إلى وجوب التخلي عن الوزن والقافية، باعتبارهما غلاً للشعر وقيداً للعملية الإبداعية ككل، مبيناً أن شعرية الشعر، أو ما يجعل الشعر شعراً، ليس هو الوزن ولا هو القافية، ولذلك نجده ـ في معرض التأسيس لفكرته هذه ـ يقول عن العرب الأولين(24): "ولو أنهم قصدوا بالشعر الوزن والقافية لما قالوا في بداية الدعوة المحمدية ـ على صاحبها أفضل السلام ـ أن القرآن شعراً... مع علمهم أنه كلام مرسل لا أثر للوزن فيه" ويقول عن الحضارة الأندلسية، وهو دائماً بصدد التأسيس لفكرته الداعية إلى التمرد على الوزن والقافية، يقول:

"على أن النهضة الأندلسية وإن حطمت أغلال القافية التي أَنَّ الشعرُ تحت ضغطها الحديدي وأدخلت تحسينات في الوزن المعروف، فإنها لم تتجاوز هذه الحدود المادية"(25). وفي معرض محاولته البرهنة عملياً على صدق ما يقول، نراه يتبع هذه الدعوة التجديدية بنماذج شعرية من تأليفه، محاولاً أن يطبق فيها ما نظّر له، فيأتي تارة بمقطوعات شعرية لا أثر للقافية فيها، وتارة أخرى بمقطوعات لا مجال للوزن فيها ولكن مع التزام القافية.

ولعله، ليس من غرابة في هذه الدعوة إلى التجديد، فقد عُرِفَ الشاعر حمود رمضان ثائراً متمرداً، داعية لطي ما بَلِيَ من آثار الحياة.. نَزَّاعاً إلى الابتكار في أوسع مجالاته، وهذه الدعوة ـ على ما نظن ـ ما هي إلا جزء من رغبة التحرر الشاملة في الحياة ككل، وليس في الثقافة والأدب فحسب، يدل على هذا قولـه: "شغفي بِالتجديد في كل شيء، فما بالك بالأدب الذي هو كل شيء"(26). وقوله أيضاً: "اتخاذي في الأدب ديناً غير الذي دانت به القدماء"(27).

ولكنه على الرغم من هذه الدعوة إلى التجديد، فإنه لا يريد التنكر للأمس، "فهو بالعكس من ذلك، اعتزازه بالأمس، هو الدافع له على بعث حاضره ومستقبله، وحرصه على خلود التراث والموروث هو الباعث له على تجديده وتلقيحه بما يكسبه عنصر الحيوية"(28)، ولهذا نجده يقول ـ مستدركاً ومعقلناً دعوته هذه: "ليس التجديد آلة نهدم بها ما بناه أسلافنا، لكنه قوة غير متناهية نرمم بها الماضي، ونمهد بها للمستقبل"(29).

مآخذه على شوقي:

إذن فمبلغ ما كان يقصد إليه بدعوته هذه، هو أنه كان يريد من التجديد أن يغدو حركة إلى الأمام وصوب الآن، لا أنْ يُمْسِيَ حركة باتجاه الوراء، أعني (إحياء التقاليد الشعرية للعصر الذهبي) وتكريس رتابتها، والوقوف عندها، وتعطيل إمكانات الانطلاق والتجديد المطلوب، كما فعل أصحاب مدرسة الإحياء في المشرق (بزعامة البارودي وشوقي وحافظ). ولذلك نراه يسجل على شوقي ـ مع اعترافه له بالريادة والإمارة في الشعر ـ يسجل عليه عدة مآخذ لعل أهمها وأبلغها:

إن شوقي قد أحيا الشعر العربي، وأعاد للقصيدة العربية رونقها وجمالها ولكنه مع ذلك كله ـ كما يقول ـ لم يأت بشيء جديد لم يُعْرَف من قبل أو سنّ طريقة ابتكرها من عنده وخاصة به دون غيره، أو اخترع أسلوباً يلائم العصر الحاضر."(30) فهو يسجل عليه إذن مأخذاً أساسياً، يتمثل في أن ما يصدر عن شوقي يتأسس على مبدأ المحاكاة والتقليد لنماذج الفحول لا غير. وينعى عليه عجزه في تأسيس نوع من الفرادة أو التفرد، بالرغم مما يتوفر عليه من إمكانات إبداعيه تؤهله لذلك. ولهذا نجده يقول ـ مستدركاً أو مُعَقِّباً ـ: "أنا لا أقول أن شوقي ليس له بعض قصائد تحوم حول السياسة والاجتماع خصوصاً في هذه السنين الأخيرة بعد الحرب العالمية كالتي بكى فيها دمشق أخيراً تحت عنوان (ظئر الإسلام) أو أنه غير قادر على ذلك ـ معاذ الله ـ ولكن أريد أن أقول: من يجود بمثل (صدى الحرب) و(كبار حوادث وادي النيل) و(النيل) بِنَفَسٍ واحد، على نفس واحد، لا يتخللها ملل ولا ضَعْفٌ ولا قصور لقدير وأيّم الله، وقدير على أن يدبج بيراعه السيال، وفكره الجوال آيات شعرية (دراماطيقية) هائلة حماسية، متقدة وطنية عالية: يتضاءل بجانبها شعر (فولتير) و(لامارتين) وروايات (شكسبير) و(هيجو)"(31).

ويقول في موضع آخر أيضاً ـ راجياً من شوقي أن ينهض بالرسالة التي قيضه الله لها ـ: "إننا نترقَّبُ ليل صباح خطةً جديدة يسنها لنفسه بنفسه، ويدعو الناس إليها ويباشرها بيده"(32). وجدير بالذكر، أن حمود رمضان في نقده لشوقي، يتفق في كثير مما ذهب إليه مع (طه حسين)(33) و(العقاد)(34) في نقدهما لشوقي، ولكنه يختلف عنهما في الدافع ويتميز عنهما في الموضوعية والتجرد الفكري واستقلالية الرأي، لأنَّ في بعض آراء هذين الأخيرين كثير من التجني والتطرف اللذين كان الدافع إليهما التنافس واصطدام الأفكار وربما الحسد...

أضِفْ إلى ذلك أن حمود رمضان كان يتحدث في (الشهاب) سنة 1927 عن شوقي حديث المُنَظِّرِ الناقد الرائد، بينما يتحدث (العقاد) سنة 1930 عن شوقي حديث المؤرخ الدارس للظاهرة الأدبية المطروحة على الساحة. كما أن فقرات حمود رمضان تَنَبُئِية استشرافية مستقبلية، صادقة في تنبئها. إذ ما لبث شوقي أن ألف روايات أو مسرحيات شعرية دراماتيكية غاية في الأهمية: (مصرع كليوباترة) سنة 1929 و(مجنون ليلى) و(قمبيز) سنة 1931). أما فقرات (العقاد)، فتسجل واقعاً يعيشه (شوقي) وتطوراً إبداعياً يحوزه أو ينجزه، فيقول: "فجنح في أخريات أيامه إلى أغراض من النظم تخالف أغراضه الأولى فاتجهَ إلى الروايات وأكثر من الاجتماعيات والتاريخيات"(35).

ولعل مثل هذه التنبؤات الاستشراقية الرائدة، وهذا الموقف النقدي الواضح والصريح ـ في شاعر كبير مثل شوقي ـ هو الذي يبرز قيمة الشاعر الثوري، والناقد الالتزامي الواعي، والمقتنع بضرورة وأهمية توفر غاية ومعنى لما نقول، ضمن إطار منفلت من عقال التقليد، ووفق نسق أكثر التصاقاً بواقع يتغير باستمرار، فيما هو يُكَوِّنُ رؤاه ويشكل بِنياته الجمالية وينتج جهازه النظري والمعرفي المستقل عن رتابة التراث والانبهار بالنموذج الإبداعي القديم (الذي استهلك ذاته).

من هنا، وضمن هذا الإطار تكمن أهمية تأملات وأفكار حمود رمضان النقدية في محاولته للظهور كبديل جدي لما كان سائداً، وكرد على عبيد التقليد، وعلى أولئك الذين كانوا يعتبرون الشعر مجرد تجزية للوقت أو رصف للألفاظ. ولقد شارك هذا الشاعر بهذا في هذا الجدل بصورة فعلية من خلال الإسهامات السابق ذكرها(36)، وبمستوى عال من التفكير النظري سبق عصره. وهو لا يكتفي بهذا الطرح النظري التأسيسي لمفهوم الشعر ووظيفة الشاعر، بل يروح يجتهد ما أمكنه الاجتهاد في تقديم أمثلة نموذجية شعرية تُتَرجِمُ عملياً، ما يدعو إليه ويتبناه(37).

وعليه فإن تحليلاً معمقاً لأفكاره النقدية المتناثرة هنا وهناك، تكشف عن حس نقدي عميق لدى هذا الشاعر الشاب، وعن نظرة نقدية مهمة وعن التزام واع بأهمية الشعر وخطورته (اجتماعياً وسياسياً وفكرياً...) على الرغم من قِصَر عمره الإبداعي، وعلى الرغم من أن بيئة الشعراء الجزائريين آنذاك كانت لا تساعدهم على أن يفعلوا أكثر مما فعلوا، فثقافتهم كانت محدودة، ونطاقها كان لا يتعدى موروث الأدب العربي القديم، فهم لم يتغذَّوا من ثقافة العصر ولا من الأدب الأجنبي أو الأدب العربي الحديث(38) إلا لماماً.

هوامش وإحالات:

(1)  أستاذ السيميائيات والمنهجية بجامعة سيدي بلعباس، الجزائر. صدر له كتابان: ـ دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر عن اتحاد الكتاب العرب، بدمشق سنة 2001. والآخر: جدل الزمان والمكان في الشعر العربي المعاصر، عن دار الغرب، بوهدان سنة 2003.

(2) هو شاعر جزائري ولد سنة 1906 بمدينة غرداية جنوب الجزائر وتوفي سنة 1929.

(3) نظراً لأن شعراءنا استقوا معظم أفكارهم من الموروث القديم الذي أخذوه من معاهد متقاربة في التعليم والمناهج مثل (الزيتونة والقرويين في تونس) و(الأزهر بمصر) أو معاهد دينية في الحجاز وكلها تدرس الأدب بمفهوم قديم يُعنَى بالجانب اللغوي أكثر مما يُعنى بجوانب التجربة والحس والفرادة والتميز، بالإضافة إلى تبعية المغرب للمشرق في كل توجه ثقافي أو فكري في تلك الفترة.

(4) للشاعر قصة عنوانها (الفتى) نشر جزءها الأول سنة 1929 ولكن لم تمهله المنية لاستكمال جزئها الثاني، وهي ترجمة شخصية للشاعر، في جميع مراحل حياته (الطفولة والدراسة والتنقل لطلب العلم بتونس...) ذلك أن الأحداث في القصة والسرد والحوار كلها تنبئ بأنها سيرة حياة، نابضة بآراء الكاتب، وإن كان حمود رمضان يحاول أن يعممها ويموه، ويبعد الشبهة، مدعياً أنه لا يقصد بها شخصاً معيناً، وأن كل ما ورد فيها مجرد تنسيق وتمثيل.

(5) أول ما نشر له كان قصيدة بعنوان (بماذا تحيا البلاد) في الشهاب سنة 1926 ضمن مسابقة نظمتها المجلة، وكان هو الفائز بها، ثم ما لبثت أن نعته سنة 1929 بـ (الشاعر الفقيد) ومن هنا ندرك أن العمر الحقيقي لإنتاجه لا يكاد يتجاوز الثلاث أو الأربع سنوات.

(6) (بذور الحياة) منشور يتضمن آراءه في الحياة والإصلاح والتاريخ والشعر، كما يتضمن أفكاره في التجديد، والتطلع إلى حياة أفضل.

(7) سبق التطرق إلى مضمون هذه القصة في الإحالة رقم 3 من الهامش.

(8) ينظر مقدمة ديوان: ما ذنب المسمار يا خشبة، ش. و. ن. ت، الجزائر 1981.

(9) من ـ حقيقة الشعر وفوائده ـ (نظرة عامة وبحث لطيف). وهو عبارة عن سلسلة مقالات متتابعة نُشرت في مجلة (الشهاب) ابتدأت من 30 رجب 1349 ـ 03 فيفري 1927. ينظر: د/ صالح خرفي، حمود رمضان، المؤسسة الوطنية للكتاب 1985، ص 97.

(10) ينظر: عبد الله الركيبي، الشعر الديني الجزائري الحديث، ش. و. ن. ت، ط1، 1981م، ص 641.

(11) حمود رمضان، حقيقة الشعر وفوائده، م. س، ص. ن.

(12) حمود رمضان، بذور الحياة، الشهاب 1928. عن صالح خرفي، حمود رمضان، م. س، ص 45.

(13) حمود رمضان، سلسلة مقالات منشورة في مجلة الشهاب، عن صالح خرفي، م. س، ص. ن.

(14) حمود رمضان، حقيقة الشعر وفوائده، الشهاب. عن صالح خرفي، م. س، ص 44.

(15) ينظر د/ صالح خرفي، حمود رمضان، م. س، ص44.

(16) عبد الله الركيبي، الشعر الديني الجزائري الحديث، م. س، ص 641.

(17) حمود رمضان، حقيقة الشعر وفوائده، الشهاب، 14 أغسطس 1927، وينظر: صالح خرفي، م. س، ص 105 وينظر أيضاً عبد الله الركيبي، م. س ص641.

(18) حمود رمضان، حقيقة الشعر وفوائده، الشهاب 14 أغسطس 1927، وينظر أيضاً: صالح خرفي، حمود رمضان، الملحق ص 101.

(19) م. ن، ص 102 من الملحق الذي أثبته صالح خرفي في نهاية كتابه عن حمود رمضان.

(20) حمود رمضان، بذور الحياة، ج1، ص11 الجزائر 1928، عن د/ عبد الله الركيبي، م. س. ص640.

(21) حمود رمضان، حقيقة الشعر والشاعر، الشهاب، م. س.

(22) م. ن، وينظر الملحق الذي أثبته د/ صالح خرفي في كتابه حمود رمضان ص 105.

(23) م. ن، (الملحق)، ص 100.

(24) م. ن ص102.

(25) ينظر م. ن، ص 106.

(26) ينظر م. ن، ص 61.

(27) ينظر م. ن، ص. ن.

(28) ينظر صالح خرفي، حمود رمضان، م. س، ص 60.

(29) ينظر م. ن، ص. ن.

(30) حمود رمضان، بذور الحياة، ص 115 ـ عن د/ عبد الله الركيبي، م. س، ص 641.

(31) حمود رمضان، حقيقة الشعر وفوائده، ينظر ملحق د/ صالح خرفي في: حمود رمضان، م. س، ص110.

(32) ينظر م. ن، ص. ن.

(33) ينظر آراء طه حسين في (شوقي) في كتابه: حافظ شوقي، مكتبة الخانجي، القاهرة 1953، يقول على سبيل المثال عن شوقي وحافظ: "إن فضلهم، هو فضل الإحياء، وما زال ينقصهم فضل آخر هو فضل الإنشاء والابتكار...". ينظر، ص9.

(34) ينظر آراء العقاد في (شوقي) في كتابه: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مكتبة النهضة المصرية. القاهرة 1965.

(35) ينظر: صالح خرفي، حمود رمضان، م. س، ص32.

(36) هذه الإسهامات تمثلت في: (بذور الحياة) و(حقيقة الشعر وفوائده) و(قصة الفتى) بالإضافة إلى أشعاره.

(37) نقصد بصفة خاصة محاولة التمرد على الوزن والقافية، وتبيان حقيقة الشعر والدعوة إلى تبني ظروف العصر ومعالجة أحداثه.

(38) ينظر في هذا الصدد: د/ عبد الله الركيبي، الشعر الديني الجزائري الحديث، م. س، ص642.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244