|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قصص العدد الماضي ـــ محمد قرانيا ضم العدد 394 من مجلة الموقف الأدبي لشهر شباط عام 2004 القصص الآتية: 1-من سيرة الدم والخراب. قصة: خليل جاسم الحميدي. 2-قفص أخضر. قصة: إبراهيم سليمان نادر –العراق. 3-غرباً إلى الجنوب. قصة: عصام وجوخ. 4-الناب.. الفولاذ. قصة: أيمن الحسن. 5-الوحيد الذي لم ينقرض. قصة: عبد المجيد فرج الله –العراق. 6-المارد. قصة: ابتسام شاكوش. 7-نبوءة عاشق. قصة: سعاد محمد القادري. أولاً: من سيرة الدم والخراب. قصة خليل جاسم الحميدي. تبدأ القصة بمشهد تراجيدي قوامه أربع شخصيات، رجلان يتشاجران، لادّعاء كل منهما الحق في امتلاك امرأة، والمرأة غير مبالية، تبتسم وهي تنظر إلى البعيد، والشخصية الرابعة هي الريح والطبيعة التي تئن وتنوح مثل امرأة ثكلى، وتتداخل الشخصيات ببعضها، فيحتدم الصراع، ويؤدي كل دوره. الرجلان يريدان الوصول إلى المرأة، والريح تنذر بالشر. والمرأة تصلها الأصوات وبوادر المعركة، فلا تكترث، لكنها حينما سمعت تأكيد الرجل الملتحي "قلت المرأة لي. يعني أنها لي" تثور الرغبات الأنثوية في نفسها، وتغمغم وتئن في غنج وتتأوه فتصل رغباتها إلى الرجل، فيعريها بنظراته، لكنها عندما تصطدم نظراتها بالرجل النحيل الآخر تنطفئ رغبات جسدها. تسترجع المرأة طفولتها التي عرفت فيها ذاك الطفل الذي صار رجلاً نحيلاً، وتستعيد ذكريات ألعابها معه (عريس وعروس) فتنكسر نفسها، ويدرك الرجل ما تعاني، فتحتدم في نفسه غريزة التملك، ويصر على الوصول إليها، ولو أدى به ذلك إلى الاقتتال كقابيل وهابيل. ثم تتداخل الأحداث ببعضها، فتثور الطبيعة، ويقتل الرجل الملتحي ندَّه الرجلَ النحيل، فتسيل دماء وتنداح عواطف، ثم يسحب الرجل القاتلُ المرأةَ إلى الغابة، بينما دم القتيل يركض وراءها على هيئة رجل نحيل يتشبث بها ونحيبه يقطع القلب. تثير القصة عدة أمور أهمها (الموت /القتل /الدم) و(الحب /العلاقة بين الذكورة والأنوثة) و(التناص مع الشخصيات التاريخية) حيث توالت شخصيات السيرة الشعبية (أبو زيد الهلالي /دياب بن غانم /الجازية) كما وردت ترميزات شخصية للنعمان بن منذر، وهند، وكسرى، ويتداخل العصري بالتاريخي التراثي، فتكثر إسقاطات الماضي على الحاضر، ويطلق رصاص، ويغمد خنجر، وتُقتل (غزالة) فيتلون ماء النهر بدمها، عندئذٍ يبكي الدم مرعوباً ويصرخ: "-من يوقف هذا الدم عني؟!" فلا تحنو عليه سوى شجرة (النخيل). تمزج القصة بتحليقاتها الشاعرية الفنتازية وأسلوبها الحداثي بين حاضر مأساوي /دموي، وماض متأصل في أغوار النفس المبدعة، حتى ليخال القارئ نفسه أمام قصة تعبّر عن رؤية حلمية، ذاخرة بترميزات واقعية اجتماعية /سياسة، تثبت إطاراً حكائياً حديثاً يمتدّ بجذوره إلى الخطاب الحكائي القديم، أو هو بلغة النقد البنيوي، تداخل سياقات أو تعديات نصية تضع النص القصصي في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص أخرى، أو هو أيضاً "عمل تحويلٍ وتمثّلٍ لعدة نصوص يقوم بها نص مركزي يحتفظ بجوهر القصة "وحسب تودوروف" طبقات من النصوص، السابقة تتسع وتتكامل مع اللاحقة "وهذا ما جعل القصة ترفل بحلةٍ من الرموز والإشارات أوضحها إسقاط الواقع السياسي على الاجتماعي /من خلال العلاقة بين الذكورة والأنوثة، واقتتال الرجلين كي يحظى أحدهما بالمرأة، رمز العلاقة الأزلية للخصب، وبروز غريزة التملك في المجتمع الأبوي، وما اقتتال الرجلين سوى ترميز آخر لاقتتال الأشقاء على المستوى السياسي، سواء على المستوى الوطني أو القومي، وهو ما ترجحه بقية الترميزات التي كانت عابرة، لكنها تحمل مدلولاتها الكبيرة على المستوى الثقافي، وتخدم الحدث العام، فاصطباغ مياه النهر يعيد إلى الأذهان اجتياح هولاكو لبغداد، وحرق مكتباتها، واتشاح نهر دجلة بالسواد، وصراخه واستغاثته لعله يسمع من يخفّ لوقف الموت عنه. كما أن الغزالة التي قتلت إضافة إلى دمائها التي تخضبت بها مياه النهر ترميز عربي، بمعنى أن "الغزالة" تعيد إلى المخيّل العربي جماليات الصحراء، وبراءة طبيعة البادية التي تعني في إحدى دلالتها (الفردوس المفقود) في زمن المدينة المادي المعاصر، وكما هو معهود في طبائع الحيوان، فإن الغزالة سريعة الالتفات، مرهفة المشاعر، تعشق الحرية، ما إن تحسّ بأحد يراقبها أو يقترب منها حتى تنفر وتهرب، وقد تجسدت رمزية اسمها في البعد الصوفي الإشاري، لأن الغزالة في الاصطلاح الصوفي –عند ابن عربي –تعني الوصول إلى الحقيقة، أو الكشف الإلهي، وهي صورة من صور تجلّي المحبوب. كما أن (النخلة) أيضاً تحمل رمزها العربي، وقد ذكرها القرآن في مواطن كثيرة من الكتاب الكريم، واتخذتها دولة عربية إسلامية شعاراً لها، لذلك كانت في القصة هي الشجرة الوحيدة التي لم تنحن أمام الريح، وظلت باسقة شامخة، فكانت إشارةَ قوةٍ إلى المرجعية العربية الثابتة، مهما عصفت بالأمة الأحداث، لذلك غدت رمزاً للنقاء والبقاء والخضرة الدائمة والتشبث بالأرض. ونظراً لمأساوية الواقع ودمويته، تنزع القصة إلى عالم الفطرة والبراءة المتمثّلة في كل من (الغابة) و(الغزالة) و(النخلة) و(النهر) وفي استرجاع المرأة (طفولتها) في لحظة اقتتال الرجلين؛ برؤية حلمية، وأسلوب شاعري، تعويضاً لها عن منظر الدم الذي تراه بعينيها، لذلك تنأى عنه بخيالها، فالطفولة عالم حافل بالجمال والحب والبراءة "عادت المرأة طفلة في التاسعة من عمرها، تغافل أمها وتنسل من المنزل كالنسمة، بهدوء حذر وصمت تخرج، دون أن يحس بها أحد، لتلعب لعبة العريس والعروس مع ابن الجيران الذي ينتظرها بفارغ الصبر، وعندما يراها أمامه ينتابه فرح غامر، يتسرب إلى روحه وقلبه، ويتوهج في الوجه والعينين، ويروح يرفرف بيديه مثل عصفور صغير يودّ الطيران، وكل ما فيه يتوهج ويضحك. وحين يرتفع صوت أمها تنادي عليها، تزداد التصاقاً بالطفل، وكأنها تريد أن تنفذ إلى داخله، وتختبئ فيه، يقول لها: إنها أمك تنادي عليك. -تقول له: ولكنني أريد أن أظل معك.." إن المشهد العفوي البريء، كان نقطة مميزة في القصة، واستذكاراً لعالم جمالي مفقود في زمن الشباب الذي تلوّث فيه كل شيء، الحلم والنهر والطبيعة والإنسان، وغدا العالم غابة مخيفة يزيد من وحشتها صوت الرصاص، ومنظر الدماء، وبذلك تغدو (المرأة) وطناً ورمزاً تتكالب عليه الأحقاد، وتصعقها الأحداث. في البعد السياسي يتناص الحدث القومي مع سقوط رمز عربي في حادثة تاريخية مشهورة عرفها التاريخ من خلال استدعاء كسرى للنعمان بن المنذر، والذي هجس وهو في طريقه إليه عبر الصحراء: "أموت ولا تكون هند لكسرى" وفي ذلك ترميز واضح إلى عدم الانصياع للأجانب، وعدم الارتياح للأعاجم في حل الأزمات العربية، والرحلة عبر الصحراء من شأنها أن تربط الحاضر بالماضي، وتسترجع ذلك الزمن الذي كان فيه الأعاجم يتسلطون على العرب... إن (حداثية) القص استدعت من الخطاب القصصي جانباً من الغرائبية، تبدّت في اغتراب الإنسان المعاصر عن عالمه الواقعي بسبب الأحداث الساحقة التي تدور من حوله، وقد كثرت التهويمات الغرائبية في القصة تبعاً لكثرتها في الواقع كقوله "لقد وصل الدم إلى السماء.. وكان قلب المرأة في تلك اللحظة ورقة يابسة في مهب الريح، والعينان تطاردانها وتزرعان فيها الخوف والذهول والمرارة. والرجل يدور ويعوي، ويزداد هياجاً ووحشية، ودم القتيل ينوح عند قدميها. شقت ثوبها نصفين، نصف دثرت به الجثة، ونصف سترت به عورتها، ثم دفعت نهدها في فم الرجل، فهدأ واستكان وتحول إلى طفل وديع بين يديها، وحين ارتفع صوتها بالغناء، راح يبكي على صدرها أمسكت به من يده، وسارا باتجاه الغابة، رجل وامرأة، بينما دم القتيل يركض وراءهما على شكل رجل نحيل يتشبث بالمرأة، ونحيبه يقطع القلب." هذا المقطع يعد أنموذجاً لأسلوب القص الحداثي الذي يغص بالرموز، ويذخر بالسياسة والجنس والقتل والغناء والحياة الفطرية، في الهروب إلى الغابة، والنداءات الصارخة للدم المسفوح. إنها لقطة عجائبية، تتشكل من لمسات سحرية، ومفردات حادّة، وصور غزيرة، جاءت إثر استذكار حدثٍ من الماضي البعيد للعرب في جاهليتهم، وجعْل هذا الحدث يتقرب بغرابته من حدود الحكايات الغرائبية، أو الأساطير التي لا تتطابق في سردية وقائعها مع المنطق المعاصر، ولكن القاص ببراعته الفنية، بوصفه ابن هذا الواقع، وشاهد الإثبات على ضراوة الأحداث، تمكن من اصطياد مفردات القضية بجوهرها، وصوغها في صور متلاحقة حادّة الوقع، تفيد تصوير الحدث الآني الذي يكاد بغرابته أن يقترب من الأسطورة. إن القصة بصورة عامة ترصد الراهن العربي، وتغني هذا الرصد بتناصات كثيرة، فضلاً عن لجوئها إلى الحلم والاسترجاع والإسقاط. لذلك كانت قصة حادّة الوقع، تضع القارئ في خضم الحدث الذي رسمه القاص بصورة فنية شفافة. ثانياً: قفص أخضر. قصة: إبراهيم سليمان نادر –العراق تندرج القصة تحت ما يسمى (أدب السجن) وهو لون غني في الرواية العربية، عرفه القارئ في القصة والرواية العربية لدى نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وحنا مينة، ونبيل سليمان وكثيرين غيرهم، ولعل الباعث على غناه تلك العلاقة التنافرية بين المواطن والسلطة في الدول النامية، والقائمة –كما تصورها القصة –على القوة والضعف التي مثّل لها الكاتب بالعنكبوت والذبابة. تتحدث القصة عن مواطن سجن داخل زنزانة، يصف أسلوب استضافته، ولكي يبرز حميمية المعاملة التي تلقاها من مضيفيه، يستخدم تقنيتي الإسقاط والاسترجاع، أما الإسقاط فيعود إليه عندما يضيق بمعاناته، وهو يرى ذبابة تقع فريسة بين شباك عنكبوت، تلتف عليها، وتتفنن في أسلوب تعذيبها، ومن ثم محاولة الذبابة التشبث بالحياة والخلاص من شرك العنكبوت، عندئدٍ يهمس السجين من داخله "أهكذا هي الحياة؟!" ويسقط هذه الحالة؛ حالة الذبابة والعنكبوت على نفسه مع السلطة، فيجد أن ثمة روابط وشيجة بين الحالتين، من دون أن يصرح بذلك، وهو بهذا الأسلوب الفني يظهر براعة فنية جميلة، فلا يقع في مباشرة غير مستحبة. وأما الاسترجاع، فتستدعيه الوحدة الموحشة التي يجد فيها نفسها ذليلاً مهاناً مع آلام التعذيب والتنكيل، لذلك يفلت خياله، ويرخي له العنان كتعويض نفسي عما يعانيه، فيرحل بعيداً إلى أيامه الجميلة التي قضاها على شاطئ البحر مع صديقته المجرية "وهي تجري بغنج على شاطئ (فارنا) وترشقه بكتل مبللة من الرمل الناعم، تقفز برشاقة لذيذة إلى الماء، وتعبث فيه مثل دولفين صغير، تضحك بصوت عالٍ، وتستلقي لصقه مردّدة من خلال لهاث طويل: (أهكذا هي الحياة؟)." إن القاص يمسك بتلابيب قصته من جميع أطرافها، فلا يدعها تترهل، ولا يسمح للاستطراد أن يتسرب إليها، لذلك بدت القصة أشبه بلوحة فنية اكتملت جماليتها، وكانت خطوطها المؤطرة بلحظات نفسية محددة حافلةً بجميع أنواع الإثارة والجاذبية، وعلى الرغم من أن موضوع معاناة المناضلين داخل السجون مطروق بكثافة، إلاّ أن ما يميز القصة تمتعها بوحدة اللقطة العضوية من البداية حتى النهاية، وقد كانت نهايتها بداية رسالة سجلها السجين على جدار الزنزانة، ثم جاء بعده مناضل آخر ليكتب البقية، وهكذا. رصدت القصة المعاناة العامة لحال مواطني الدول النامية مع سجانيها، ولكن الكاتب في النهاية منحها بعداً وطنياً فلسطينياً أو عراقياً تجلى بعملية نسف المنزل، حين ختمها بقوله: "الآن أدركت غيظ الأعداء في نسف منزلنا، لقد كانت الخضرة في عيني أمي تطفح عرائش الكروم" وقد حرص على البعد النضالي في كل جملة في القصة، لذلك كان واعياً –على الرغم من أساليب التعذيب الوحشية والموت –لأبعاد القصة الفنية والفكرية، حيث أرهص في الجملة الأخيرة إلى انتصار الحق، وأن هؤلاء الذين ينسفون البيوت ليسوا سوى عناكب، لن تصمد أمام حركة المد النضالي: "مدّ يده إلى الفخ. التصقت الخيوط الدبقة بأصابعه، وتهاوى بيت العنكبوت". ثالثاً: غرباً إلى الجنوب. قصة: عصام وجوخ. تقوم القصة على مجموعة من المشاهد المتتابعة، فتفتح مشهدها الأول على الرجل الكهل (الحاج عابد) الشاب القلب، الذي تبدو عليه سيماء الترقب والرصد، حيث يستوي لديه الزمان بسبب إقامته الجبرية بين أهله، ثم يعمد إلى الهروب، فينهض مسترجعاً شقاوة طفولته، وتتداخل لحظات الهناء بلحظات التعاسة في نفسه، ثم يغادر المكان بنظرة خاطفة إلى شجرة النارنج في فناء الدار. يبدأ المشهد الثاني بتسلل الرجل من وراء القضبان متوجساً يقظاً، ومتعباً تخور قواه، ولكنه يتماسك، ويشعر بالغربة وهو يرى القامات القصيرة في الشوارع، والناس المختبئين، ثم يستقل سيارة أجرة إلى البرامكة؛ وسط دمشق الحيوي، وتصدر عنه إشارات إلى أن هروبه من المعتقل العائلي الذي تديره زوجته، بقصد الوصول إلى هدف سام، يبدو الأمل الوحيد في عالمه. يبدأ المشهد الثالث بركوب الحاج عابد سيارة متجهة إلى القنيطرة، وسط زخم ذكرياته الجولانية. وفي المشهد الرابع يصير في القنيطرة، وقد أذهله تغيّر الملامح الجغرافية، حيث قلبت المدينة عاليها سافلها بفعل الاحتلال الإسرائيلي ، فيصاب بما يشبه الجنون، وعندئذ يصرخ ويتضرع... في المشهد الأخير، يلقى القبض عليه، وهو يجتاز الحدود إلى الأرض التي نزح عنها. ترصد القصة حكاية النازحين ممثلةً بالحاج عابد الذي عشق قريته في الجولان، وظل طوال نزوحه يعيش من أجل العودة إليها. لكن المثير في القصة أن هذا الحس الوطني المتفجر في نفس الرجل الكهل، لم يجد له صدى لدى الآخرين، وكأنهم اقتنعوا بالواقع، واستكانوا إلى الخنوع، ومن هنا تبرز أهمية الفكرة التي تدين الجميع بلا استثناء، بدءاً من الأسرة التي حجرت عليه، وأرغمته على تعاطي الأدوية المهدئة بمعرفة ابنه الطبيب نذير، وبالتواطؤ مع زوجته، وانتهاء بالسلطة الوطنية التي ألقت عليه القبض، ومنعته من العبور إلى منزله وقريته، ومن ثم إعادته إلى ابنه كي يواصل إعطاءه جرعاته المهدئة. تمكن الكاتب من إبراز هذه اللوحة المشهدية من خلال شخصيتها الرئيسية الوحيدة، بأسلوب اعتمد على الجمل القصيرة التي تعبر عن الحالة النفسية للرجل المدنف بحب وطنه، فكانت تتوالى سريعة بإيقاع ينبض بدفق الحب، وقوة العاطفة التي لم يملك صاحبها إلاّ التعبير عنها بالهرب من حجر الأسرة، والتوجه (غرباً إلى الجنوب) عنوان القصة الذي حمل مفتاح النص، فجاء الخطاب القصصي معبراً عن المضمون، الذي وضع القارئ في جو حميم من الألفة والتعاطف مع الرجل الكهل الذي لا يطيب له العيش إلاّ في أرضه السلبية، وذلك من خلال الإرهاص بالحدث العام، وهو هاجس العودة، والسعي الحثيث لتحقيقه، حيث تم من خلاله استكمال رسم ملامح هذه الشخصية الوطنية الفذة التي تُلاحَق بسبب اندفاعها للعودة إلى الأرض التي نزحت عنها، وكأن القصة تقول إن الأحق بالملاحقة والحجر هم أولئك الذين يقنعون بالنزوح، ولا يندفعون مثله لاستعادة أرضهم المحتلة. رابعاً: الناب.. الفولاذ. قصة: أيمن الحسن. تتوزع القصة على عدة مشاهد. في المشهد الأول يتوجه السارد نحو بيت صديقته (يمامة) فتنداح صورتها الأنثوية المنداة بالحب في خاطره، وتملك مشاعره. وفي المشهد الثاني، يتحدث السارد عن اختفائه مع رفاقه، لخوفه من مداهمة الغرفة، وتبرز (يمامة) التي تخبره أنها وقفت أمام غرفته في أثناء المداهمة. في المشهد الثالث، هواجس عن معتقل ودماء وعقول نيرة واجتثاث، وأيد قذرة.. في المشهد الرابع: بوح وخوف، وحب ورعب، وغزل ووطن، ولهفة وإعياء، ينبثق عن شخصية جديدة حيث يسلط الضوء على ابن عم يمامة /الناب الفولاذي الذي فرّ هارباً بعدما تلطخ بالعار إلى الأبد، ويتذكر السارد اللحظة التي أعقبت الاغتصاب وتفكيره بقتله. في المشهد الخامس: تدخل (لبيبة) شخصية جديدة على مسيرة الحدث، وهي شخصية على النقيض من يمامة، من حيث النقاء والأنوثة، وقد التقاها السارد مصادفة في النادي السينمائي فينجذب إليها لأن فيها شيئاً من (يمامة) ثم ينفردان تماماً، ويتمشيان، فنعلم أن السارد صحفي، يحمل مشروعاً فكرياً، يجسده في الكتابة عن (الحوار مع الآخر) ثم تدعوه إلى بيتها، والمبيت عندها إذا اقتضى الأمر، فتنتابه غريزة امتلاكها على درج المبنى، وفي غرفتها "تراودني نفسي، وقد بدأت قطرات الشبق تنثال فوق خديها المحمرين، سوف أشبع نهمي وجوع السنين منها، أحسّ بأنني أبو زيد الهلالي فحولة.. قيس بن الملوح، روميو وجوليت، أو مجنون المجانين عشقاً، لا سيما وهي توشوشني في غنج على حافة سريرها المثير.." تثير القصة عدة مسائل حيوية يمتزج فيها السياسي بالاجتماعي، والعاطفي الجسدي بالوطني، من خلال مستويي الطهارة والدنس، أو الشفافية والقذارة، ففي الاجتماعي العاطفي حفلت القصة بالتلميحات الإشارية التي تعبر عن علاقة الذكورة بالأنوثة في المجتمع الأبوي القائم على طغيان الذكورة، واستضعاف الأنوثة، وغياب القيم الخلقية في المجتمع الضائع وسط تقاليده وقيمه، فيمامة يغتصبها ابن عمها، الذي يحمل تحت نطاقه مسدساً، بعد أن هددها بالقتل، وفي ذلك إدانة لحمل السلاح الذي لا يستخدمه صاحبه لأغراض مشروعة، فيكون أداة للإرهاب بيد إنسان لا يقيم وزناً لما يترتب على ذلك مآس. وفي الوطني تعود بنا القصة إلى مرحلة الأحداث الدامية التي مر بها الوطن، واكتوى بلظاها الجميع، لذلك سخر السارد قلمه وفكره للخروج من تلك الدوامة التي تحصد الأبرياء وغيرهم، بالانصياع إلى أسلوب الحوار كحل حضاري للمشكلة، وقد أدان العنف المضاد من خلال ذكره قتل شرطي برئ بمسدس الآخر.. وهنا يتكثف النص القصصي حول هذا (المسدس.. الفولاذ) الذي يستخدم لغير ما وجد من أجله، فاستخدامه كأداة قاتلة بيد إرهابي من شأنه أن يخلخل القيم الاجتماعية والوطنية من اغتصابٍ لأنثى مسالمة، وقتل شرطي بريء. استكملت القصة أدواتها الفنية، وامتلكت حدثها الذي امتزج فيه الوطني بالاجتماعي، ثم أتت في شخصيتها الثانوية (لبيبة) على الشريحة التي تطفو على سطح المجتمع، وتمتلك بتهتكها ونفوذها القدرة على التحكّم بالآخرين، وفي ذلك إدانة صارخة للفساد الإداري، ولكن بأسلوب فني شفاف يعبر عن خبرة ودراية بفن القص، وقد كثفت الخاتمة ذلك بمهارة حين أعلمت (لبيبةُ) الساردَ عما إذا كان يريد شيئاً من مدير جريدته: "قالت وهي تفك أزرار تفريعتها: .... وصمت مذهولاً، فيما راحت كلماتها تتدفق من فمها كالبارود: -ألا تعلم أن أخي ضابط في الأمن؟.. عندئذ تلامح ناب الفولاذ أمام عيني من جديد.. غرفة بعيدة في آخر الليل.. حي شعبي... منع تجول مفروض.. جسد مشتهى بحرقة ولكن.." خامساً: الوحيد الذي لم ينقرض. قصة: عبد المجيد فرج الله –العراق. غرقت القصة العراقية منذ عقد ثمانينيات القرن الماضي بهموم شعبها ومآسيه الوطنية، فلم تعد تلك القصة الإبداعية التي تشرق بالأمل، وترهص بالوحدة والحب والجمال، وكثرت ترميزات الحصار والانغلاق والمصادرات، فمنعت الأغاني وانقطعت أغاريد الثورة، وكف النهر عن الجريان، وصمتت الحقول عن الحفيف، وهجرت الطيور أعشاشها بين سعف النخيل، وترى الناس حيارى يلفهم الضياع، وصارت معظم القصص تفتتح مطالعها بمثل مطلع هذه القصة: "أحسست بهما حادتين تتوغلان إلى أقصى وجع أعصابي المبتورة!!": ويتحدث سردها كما يتحدث به سرد هذه القصة "هاهما حادتان تتلمسان في كهوف روحي الليلاء شيئاً من بُقيّا الإنسان، فينقلب بصرهما خاسئاً وهو حسير". وتبعاً لهذه الأجواء السوداوية، فإن القصة، ومعظم قصص عراقنا الحبيب، باتت تغرق بألفاظ "البتر. الرماد. اللهب. التشتت. الهروب. الطاعون. الجرم المشهود. الموت. الكهوف. الصواريخ. الشظايا. الاحتراق. الشعارات. الفحيح. الفوهات. الانفجارات. السحق.. وعشرات الألفاظ المشابهة التي تؤكد على المأزق الرهيب الذي يحيق بالوطن وأهله. وفي مثل هذه الأجواء، ماذا يكتب الأديب؟ وهل يكتب الفلسطيني إلاّ عن قضيته؟! وهل يكتب العراقي إلاّ عن معاناته، وتعرية أساليب احتلال أرضه؟. في القصة حادثة واحدة من عشرات الحوادث، حيث يلوذ الناس البسطاء من القصف الصاروخي ببيت من القصب، ما يلبث أن يشتعل بهم. وتعود الذكرى بالسارد إلى البدايات حيث يساق الشباب إلى مراكز التدريب، ثم يزج بهم في أتون حرب (ابنة جهنم) كلما امتلأت تقول هل من مزيد؟! والذي لم يقتل هرب وضاعت جثته، والذي نجا من الأسر هو ربع حي حصدته فرق الإعدام.. إن الخطاب القصصي يزخر ببعض لقطات من جحيم الواقع الذي يتمنى القارئ ألا يقرأه، لأنه لا يمكن أن يتصور أن عذاباً يتعذبه إنسان في أرضه وبين أهله وعلى أيدي مواطنيه بهذه القساوة وتلك المرارة: "مرّ بي عاصفٌ مريعُ الهزيم بعثر بقايا الزجاج المتكسر منذ أعوام عديدة، فكانت وجوه محروقة مشوهة الملامح، وشفاه مقطوعة على حلم قبلة أو رشفة أو وداع، وحرائق وسياط، وعيون تسمل، وأصابع تقطع، وشهوات مجنونة لم تشبع جنونها في القتل والتعذيب والخراب، وآمال تضيع، كل يساعد على تضييعها وخنقها حتى أصحابها.." هذه المعاناة الإنسانية يعجز الناقد عن سبر غورها، والوقوف على أبعاد الجنس الأدبي الذي صيغت فيه، إنها قصة كل يوم وحكايته الواقعية، التي تجسد حالة المواطن المسحوق في أرضه حتى الموت!. فهل تحتاج إلى أكثر من ذلك من مقومات فنية، بغية التأريخ لزمن أصاب الطغيان الجنوني كل شيء فيه؟!. سادساً: المارد. قصة: ابتسام شاكوش. تنجلي السطور الأولى في القصة عن ساردة متلهفة لكائن رأته قادماً من بعيد نحوها، فوقفت تتأمله بخشوع.. لكنه ما إن يصل إلى حدود القرية حتى يتلاشى. تذهب الساردة إلى أبيها تستوضح منه عن الكائن المارد، فيخبرها بأنه تنين صحراوي، فتشك في كلامه، لأن أباها رجل بحري، يجهل خصائص الصحراء، فتهرع إلى الضيف الذي يعبر عن رغبته في الإجابة عن كل أسئلتها، لذلك تجلس أمامه، تغرف من عينيه المعلومات بشغف، وقد علمت منه ما أمتعها عن المارد، الذي حلقت معه في عالم علوي، من دون أن ترفع نظرها عن وجه المضيف الذي انجذبت إليه، وهو يلثغ بحرف الراء فيقلبها غيناً، ويتحاوران حول المارد، وحينما لمس تعلقها به، اتهمها بالجنون وهزها بعنف، فغدا في نظرها وحشاً تكرهه، ثم ترى المارد قادماً، فتتلهف إلى وصوله لإنقاذها.. ويعم العجاج، فيثير الغبار الذي يكتم الأنفاس. تقوم القصة على ترميز سياسي يحكي عن الأوضاع التي عصفت بالمنطقة، فعانت منها الأمة بأسرها، وقد لمّحت الكاتبة إلى ذلك بالمارد، والغبار، والضيف ذي اللثغة، وأشجار الزيتون، والغترة (غطاء الرأس) والليلة العاصفة، والطين، والأذرع المنصوبة فوق آبار البترول: "نظرت إلى أعماقي، رأيت المارد يتقهقر منهزماً، وتبقى أشجار الزيتون، وفرحة أبي بشفائي، وبموسمه الخير، ويبقى (عواد) بغترته وعقاله، بلثغته المحببة، هي الحقائق الأصيلة الثابتة، تركني الجميع لخيالاتي، وتجمعوا أمام شاشة التلفاز، ليتابعوا ما استجد من تلك الليلة العاصفة." إن القصة تغرق في ترميزاتها عن الواقع الراهن الذي تدخل فيه رحاب القص القومي. لكن ذلك قد تطلب من الكاتبة أن تلبس لبوساً جديداً مغايراً للرداء الاجتماعي الذي اتشحت به قصصها الاجتماعية السابقة، والتي عبرت فيه عن شخصيتها وفكرها بصورة مميزة..... سابعاً: نبوءة عاشق. قصة: سعاد محمد القادري. لا تحمل القصة شيئاً جديداً من حيث المضمون والفكرة، فقد عالج مثل هذه الفكرة عدد من الكتاب السوريين، لعل أبرزهم من النساء: إلفت الإدلبي، وأم عصام، ود. أنعام المسالمة، في مرحلة الستينيات من القرن المنصرم. حين ابتدأت القصة الاجتماعية تأخذ أبعادها لدى المبدعين، فكان الحب، وكان الزواج من الآخر غير الحبيب، وكانت رومانسية الكتابة التي تبوح فيها الأنثى بأحلامها ورغباتها، ثم تنطوي على نفسها في الزواج ممن لا تحب.. ومع أن القصة (نبوءة عاشق) قد عبرت الكاتبة فيها عن تطلعات الأنثى، إلاّ أن ذلك ابتعد بالهدف بعض الشيء عما يتطلب منها، إذ تغرق القصة في العمومية، فلا تعبّر عن جيل معين، بعد أن عرفنا سمات مميزة لامرأة التسعينيات في القصة السورية والرواية لدى معظم كتابها. كما أن التطاول الزمني الذي لعب السارد عليه قد جعل الحدث يفقد حرارته، وينأى بالقصة عن تكثيف لحظتها الحيوية الحميمة التي ينتظرها القارئ، وقد تبدّى التطاول الزمني في غير موضع، ومنه قولها: "كسائحة عشت معه خمسة أعوام، عدت في نهاية الرحلة بكثير من التذكارات الثمينة والملابس والذكريات المرة عن امرأة وقفت حائرة بين رجلين أحدهما أحبها وحلم بأشياء جميلة والآخر تزوجها لتمنحه الأبوة فتكتمل سعادته".. وهنا لا بد من التساؤل: هل كان ضرورياً هذا التطاول الزمني؟. ولماذا كانت المدة خمس سنوات وليس ستاً أو ثلاثاً أو أكثر أو أقل؟. حيث لا ينطوي العدد على خصوصية معينة تخدم الحدث؟. ثم هل كان ضرورياً أن تقول إنها وقفت حائرة بين رجلين، فلا تدع القارئ يستخلص ذلك بنفسه؟ أم أنها عقدة الكاتب العالم بكل شيء، التي وقف عندها النقاد مطولاً؟ وأخيراً، أكان ضرورياً أن تكتب الكاتبة قصتها بلسان رجل، فتوقع القارئ في وهم حقيقة السارد في مطلع القصة، فيلتبس عليه الأمر قبل أن يتوغل في السرد، ويقف على حقيقة الشخصيات وأدوارها وحركتها؟. وإذا كانت هذه التساؤلات تنبثق في نفس القارئ لدى الانتهاء من قراءة القصة، فإن من الجميل الاعتراف للكاتبة بأنها استطاعت أن تأتي في النهاية على خاتمة درامية، حين جمعت بين الحبيبين بعد أن فعل فيهما الزمن فعلته، ولو أن الكاتبة اعتمدت على أسلوب (الفلاش باك) أو الخطف خلفاً لتخلصت من عبء التطاول الزمني، ولحافظت القصة على حرارة عواطف شخصياتها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |