|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الشعر والواقع ـــ د.وليد مشوِّح ظل الشعر العربي يعبّر عن ذات الشاعر، وينطلق كمنتج إبداعي ليعبّر عن الحياة والإنسان بكل ما يعتمل في نفس الشاعر من مشاعر، كونه المرآة الأنقى التي تعكس الواقع المعيش، فهو تعبير عن الوطن لأنه يحمل نبض المواطن كما يصوغه الشاعر، وتعبير عن الحياة بمكنوناتها ومكوناتها وتمثلاتها وتحليلاتها وأمدائها السياسية والاجتماعية كلها. وكما أن للشاعر وظيفة رئيسة تتمثل بالصياغة الإبداعية؛ فإن للشعر وظيفة الإحاطة بالكون وما عليه، إضافة إلى النفاذ في دواخل الذات الإنسانية ومحاكاة مشاعرها وأحاسيسها، ومن هنا جاء التنوع في الغرض الشعري. ومع التطور في حيوات المجتمع؛ أنيطت بالشعر مهمات إحساسية، اضطرت الشاعر للارتقاء بأدوات الشعر ولغته، ومطيباته، ومنكّهاته؛ فكانت الحداثة بتمثلاتها كلها تعتمد على تمثل الشاعر للمعطى الزماني الذي هَدَفَ أو نَشد ـ بالتأكيد ـ تطوير الوجود المكاني. لذا أنتج الشاعر نصاً إبداعياً في قمة التطور بناء على المنظور المصطلحي الذي أوجده الناقد بناء على الأبعاد الثقافية المتعالقة مع العلم والفن والسياسة بل مع ديناميات الحراك الاجتماعي الذاتي. إذن؛ الشعر في زمن التحولات الكبرى بمنعطفاتها التاريخية التي تمر بها الأمم والشعوب؛ خصوصاً عندما تلمّ بها الكوارث والفجائع؛ وهو الوعاء التي تتحرك وسطه أو تشكّل جوهره المأساة، فيحفّز على تجاوزها. لذا غلب الطابع الفجائعي على المشهد الشعري، كون المأساة مرتبطة بالمجتمع منذ أقدم العصور، فكانت الملحمة من خلق الشعراء اليونان والرومان والفرس لانتماء شعوب هذه الأمم إلى تاريخ وجغرافيا وحضارة، تلاءمت مع هذا النوع من الأدب من ناحية، وكشكل فني يتناسب مع طبيعة الذات المجتمعية عندها من ناحية أخرى. كذلك كان الشعر في المجتمع العربي خير وعاء له (للمجتمع)، يصور طبيعته وتركيبته المجتمعية والنفسية، وكان الشكل الفني ينطق المأساة عند هذه الأمة منذ أقدم عصورها إذا لم نقل منذ بزوغ فجرها، إذ عبّر شعراؤها عن إدراكهم المأساوي في آلاف النصوص الإبداعية، فمنذ العصر الجاهلي، وصولاً إلى عصرنا هذا.. فتحوّل الشعر آنئذٍ إلى لطم ونواح، على مجد مندثر، أو أرض منتهبة، أو حق مستلب، أو واقع مرتهن، أو إنسان منسحق، أو أمل ميت، أو حلم موؤود.. أو ركب بارك غلبه النعاس فاكتفى بالتثاؤب.. هي ذي وقائع قامت عليها موضوعة الشعر العربي منذ العصر الموسوم بالانحطاط مروراً بعصر التجزئة والفرقة، وصولاً إلى عصر ملوك الدويلات والطوائف، انتظاراً لزمن الاجتثاث وسيادة الكانتونات الطائفية... إن ما تقدم يجيب عن التساؤل الذي يطرحه القريب والغريب بآن واحد: لماذا تتشح موضوعة شعركم العربي بالسواد؟! ولماذا تقوم معانيه وموسيقاه على الفجائعية، والتشاؤمية، وتفوح منه دائماً روائح الدم والبارود والجثث المتفسخة؟! ولماذا تحوّلون دموعكم إلى أحبار سوداءَ داكنةٍ، وتسنون ريشات أقلامكم المستلة من أعصابكم، بينما يتمتع الآخر بالطمأنينة والهدوء والسلام، فيغني للبيئة ويرسمها بالحرف واللون..؟!!. وإذا حاولنا الإجابة؛ فستكون أكثر مأساوية، خصوصاً، إذا مثلنا لها، لأن الزمن يمثل بها... ما قيمة الأزاهير منظراً وفوحاً إذا جدعت الأنوف، وسُِلمت الأعين، وصودرت الأحاسيس والمشاعر؟! ثم ما قيمة الحياة إذا تربص بنا الموت المجاني؟! وما طعم اللحظات المعيشة إذا لم تكن للطلقات بصائر؟! وما مدى مصداقية الأمل إذا كان الانتظار على محطات عصف الألم؟! أما ما يوقظ الإحساس لدى الشاعر الذي أدرك المأساة أمس ويعيشها اليوم، فهو تساؤل ضدّي (فيه شيء من اللؤم والضغينة) يقول: رويدك.. والتفت إلى فئة من المحسوبين على الشعر (المسؤول)، قد اغتنت بشعرها، وأخرى وصلت بوساطة شعرها إلى سدة الملذة، وثالثة، استعارت إمكانية شعرها لتزيّف مكانة الشعر، ورابعة ما انفكّت تشوه قداسة ذات الشعر وغايته، وخامسة، وسادسة، وعاشرة...!!!. لهؤلاء أقول باستحياء، إنهم ليسوا بمبدعين؛ إنما هم مدّعون، وإذا ما هبّت الريح؛ فستكنسهم، وسيشير الأيتام والأرامل والأيامى نحو قبورهم؛ بأن الثاوين هنا مسوخٌ، وليسوا من أنبياء أفلاطون، ولا هم أنصاف آلهة سقراط. أما ما ورد ـ في هذا العدد ـ من شعر فهو نماذج لإبداعات تنوس بين الموت ومحاولة الحياة، بين الممكن والمستحيل، بين المبدع الحقيقي، ومحاولة التقرب صوب الإبداع.. إنها حالات وجدانية، فنيّة، شعورية؛ لكنها صادرة عن ذات عرفت الكون بطعميه، بضّديه، فصاغته، كلٌ حسب قدراته، حسب تمثله للمعيش، للمحسوس، للمنظور، للمنتظر.. أجل لأن الشعر حالة شعورية تتوزع بين الآنية والأبدية.. إنه جزء من منظور عام، لكنه الأكثر إيلاماً، لأنه المتبقي الأكثر مقاومة لحالة الموت العقيدي... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |